ما موقع أوباما من «الإسلاموفوبيا» في انتخابات الرئاسة الأميركية؟

ما موقع أوباما من «الإسلاموفوبيا» في انتخابات الرئاسة الأميركية؟

هل هو ضحية أم ضمانة مواجهة؟
الاثنين - 15 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 25 يناير 2016 مـ

مركز «بيو» البحثي، أحد أفضل مراكز استطلاعات الرأي في العاصمة الأميركية واشنطن، يمد القارئ عن شأن المسلمين في الولايات المتحدة بقراءات متثبت منها على الدوام وتخص 7.7 مليون مسلم يمثلون نحو 0.9 في المائة من سكان البلاد وموزعين عرقيًا على النحو التالي: 38 في المائة بيض أميركيون و28 في المائة من أصول أفريقية، 28 في المائة من أصول آسيوية و4 في المائة من الأميركيين اللاتين، و3 في المائة من أصول أخرى بينها العرب وأبناء الشرق الأوسط.
استطلاعات «بيو» للعام 2014 تفيدنا بأن 63 في المائة من مسلمي الولايات المتحدة يرون، بل ويعتقدون، أنه ليس هناك تناقض بين عيش إسلامهم والاندماج في المجتمع الأميركي بشكل إيجابي وخلاق. وقد وجدت استطلاعات «بيو» عند المسلمين الأميركيين فهما روحيًا واسعًا مقارنة بنظرة ضيقة عند البعض الآخر خارج البلاد، إذ أن 56 في المائة من المسلمين الأميركيين يعتقدون أن أتباع الديانات الأخرى قد يصلون إلى الجنة. و81 في المائة من سكان أميركا المسلمين يدينون بشكل كامل وتام العمليات الانتحارية، ويطالبون بوجوب منعها، ويرفضون تبريرها تحت أي سياق فكري آيديولوجي، أو دوغمائي ديني.
بالنسبة للانتماءات السياسية والحزبية لمسلمي أميركا لا بد أن الكفة تميل اليوم إلى الحزب الديمقراطي، الأرحب فكرًا والأوسع معينًا للأجانب والمهاجرين، سيما أنه عرف عن الجمهوريين في الآونة الأخيرة تشددهم وعدم ترحيبهم بالأجانب، ولهذا فإن 64 في المائة من مسلمي أميركا يدعمون أو يميلون إلى دعم الحزب الديمقراطي، في حين أن 17 في المائة فقط يدعمون أو يظهرون تفضيلاً للحزب الجمهوري المنافس.
والثابت أنه رغم البيانات الإيجابية السابقة التي رشحت عن استطلاع «بيو» فإن في الداخل الأميركي جماعات لا هم ولا شاغل لها سوى تشويه صورة مسلمي الداخل، من نوعية ستيف إيمرسون صاحب فيلم «جهاد في أميركا»، ودانيال بايبس كبير المروّجين لفكرة رغبة المسلمين في أن تسود الشريعة الإسلامية الدولة الأميركية، وبيل ميهر المقدم التلفزيوني المتعصب الذي لقنه الممثل الشهير بن إفليك درسًا بليغًا ردًا على عنصريته التي أبداها تجاه المسلمين.


* أصوات مناصرة لمسلمي البلاد
في أي حال: «رب ضارة نافعة»، يقول المثل العربي الشهير، إذ أفرزت هجمات دونالد ترامب وبن كارسون وافتراءاتهما رد فعل في صالح مسلمي البلاد بشكل إيجابي، تجلت على صعيدين رسمي وشعبي، ما يعطي فسحة طيبة من الأمل بإمكانية العيش المشترك الواحد الخلاق، داخل البلاد، المعتبرة مرآة للحرية أمس واليوم.
ولتكن البداية مع وزير الخارجية جون كيري، الذي اعتبر أن دعوات ترامب بمثابة تهديد للأمن القومي الأميركي خلال مقابلة له مع شبكة «إيه بي سي». إذ قال: «إن منع الناس بشكل مباشر من دخول أميركا بناء على انتمائهم لدين معين يناقض بشكل كامل المبادئ الرئيسية لبلادنا التي قامت على التسامح»، وأضاف: «إن دعوة ترامب تهدد الأمن القومي لأنها تعبر عن استعداد أميركي يسعى للترشح لرئاسة بلادنا للتفرقة ضد دين معين... إنها سياسة خارجية خطيرة جدًا».
من جهتها كانت هيلاري كلينتون ربما أشمل في ردودها التي تناولت كلاً من ترامب وكارسون. فوصفت قراءة ترامب بأنها «نظرة تشارك داعش» في لعبتهم، بمعنى أنها أصولية إقصائية واستبعادية للآخر كما يفعل البغدادي وزمرته من الدواعش. وفي ردها على كارسون، الذي رأى أنه لا يمكن للمسلم الأميركي عند لحظة معينة من الزمان أن يضحى رئيسًا لأميركا، قالت: «لن يكون هناك أي اختبار ديني مطلوب في أي وقت لأي منصب عام في الولايات المتحدة».
بعض الرسميين الأميركيين مثل السيناتور الجمهوري ليندسي غراهام تحدث من منطلق براغماتي سياسي، مشيرًا إلى أن دعوات ترامب تعرّض الأميركيين في الخارج، لا سيما من الجنود، إلى الخطر المحدق، لأن أعداء أميركا يمكن أن يستخدموا هذه التصريحات ضد الحضور الأميركي حول العالم.
هناك كذلك من الجمهوريين الساعين للفوز بترشيح حزبهم للرئاسة، مَن يعارض التلويح بفزاعة «الإسلاموفوبيا» هذه من أمثال المرشح اليميني الليبرتاري رون بول، الذي يربط المشاعر المعادية للإسلام في الداخل الأميركي بالحرب التي شنتها الولايات المتحدة على الدول ذات الغالبية الإسلامية حول العالم، ويدخله – أي التلويح - في إطار لوازم البروباغندا والدعاية الحربية.
رد الفعل الوحيد ربما الذي صدر عن البيت الأبيض كان للمتحدث باسم البيت الأبيض جوش إيرنست الذي اعتبر أن تصريحات ترامب لا تمنحه أهلية شغل منصب الرئيس، ووصفها بأنها «منحطة أخلاقيًا».
على أن أفضل الأصوات الشعبية، عبّر عنها في الداخل الأميركي، أسطورة الملاكمة العالمية محمد علي (كلاي) الذي أصدر بيانًا ثلاثي الأبعاد - إن جاز التعبير - حث فيه الأميركيين والأوروبيين بنوع خاص على تفهم الدين الإسلامي على حقيقته، وإيضاح كيف أن هؤلاء القتلة الذين يدعون الانتساب للإسلام قد شوّهوا صورته، وطالب بالتصدي لأولئك الذين يستغلون الإسلام لمصالحهم الخاصة، ومبينا كيف أن: «المسلمين الحقيقيين يعرفون أن العنف الوحشي الذي يمارسه من يطلق عليهم مسمى (الجهاديين) يتعارض مع مبادئ الدين الحنيف».


* أوباما.. حجر عثرة أم حجر زاوية؟
لا يمكن قراءة المشهد الإسلامي في الداخل الأميركي من دون الوقوف مع الرئيس باراك أوباما بنوع خاص، الذي بات مؤكدًا أنه لم يكن حجر زاوية يستطيع البناءون المراكمة من فوقه بإيجابية، بل بات حجر عثرة، حاول المزايدون من أمثال ترامب استخدامه وتوظيفه، كآلية افتراق لا وسيلة اتفاق بين الأميركيين، وبخاصة عندما وصفه بعض المتعصبين بأنه مسلم وليس مسيحيًا، أو أنه غير أميركي.
في شهر سبتمبر (أيلول) الماضي أجرت شبكة «سي إن إن CNN» التلفزيونية الإخبارية استطلاعًا للرأي، أظهر أن قسمًا كبيرًا من الشعب الأميركي يعتقد بالفعل أن الرئيس الحالي مسلم. هذه النسبة بلغت 29 في المائة من المستطلع آراؤهم بشكل عام، بينما بلغت 43 في المائة من مؤيدي الحزب الجمهوري. أما في أوساط مؤيدي ترامب شخصيًا فإن 54 في المائة يعتقدون أن أوباما مسلم.


* هنا يتساءل....
هكذا يتساءل إريك لويس، المحامي الديمقراطي الشريك في مؤسسة لويس باخ في واشنطن، تساءل في مقال له على شبكة «CNN» أيضًا، هل هذه النسب تبين لنا أن ترامب وكارسون يخمّران مزيجًا سامًا من العداء تجاه المسلمين في الولايات المتحدة التي كانت في السابق بوتقة ينصهر فيها الجميع؟ وخلاصة الفكرة أن هناك ربطًا ما يجري بين أوباما و«المسلم» عمومًا، بوصفه متطرفا وإرهابيا، وهو ربط يدعو لتأجيج جذور الغضب في المجتمع.
والمثير أن هناك من ينفخ في نار «أوباما والإسلاموفوبيا» من الجانب الإسرائيلي، مثل السفير الإسرائيلي السابق في واشنطن مايكل أورين، الذي كتب في يونيو (حزيران) المنصرم وعلى صدر صفحات «فورين بوليسي» يقول: إن «أوباما مهووس بالعالم الإسلامي بسبب ترك والديه له، كما أنه عاش بين أبوين مسلمين – الأب البيولوجي والأب المتبني – وأم مسيحية، واتهم أورين أوباما بأنه «ساذج وغير واقعي، وهذا الواقع أصبح أكثر تعقيدًا وفتكًا».
بناء عليه، لا شك أنه في بلد الحريات الشخصية، والمعتقد الإيماني الخاص، المصون بقوة الدستور، هناك من يتساءل عن الهوية الدينية للرئيس الحالي، والإسقاط قادم ولا شك على الرئاسة القادمة؟ ولقد بدا أوباما وكأنه يدفع عن نفسه في أوائل ديسمبر (كانون الأول) الماضي اتهامات ذات مسحة عقائدية، غير أنه أغضب ولا شك عموم مسلمي أميركا، عندما طالبهم بأن يساعدوا في «اجتثاث» المتطرّفين من وسطهم، وذلك بعد حادثة سان برناردينو، وأعقبها نداء مماثل من رئيس الأمن الداخلي، جيه جونسون، في مسجد بولاية فيرجينيا.
دعوة أوباما استهجنها مسلمو أميركا، الذين رأوا فيها تشويها لصورتهم، وتساءل بعضهم: «لماذا لم يرسل أوباما الرسالة نفسها إلى الكنائس الأميركية، بعد إطلاق النار من جانب متطرف أبيض، غير مسلم، على كنيسة للسود؟.. إنه من غير العدل أن يتحدث الرئيس الأميركي عن المجتمع المسلم بهذه الطريقة».


* اتجاه أصوات المسلمين
يبدو أن مسلمي أميركا في حيرة من أمرهم: «لصالح من يصوتون في نوفمبر القادم هل للديمقراطيين أم للجمهوريين؟» وهذا مشهد مشابه تمامًا للقلق الحادث الآن شهدته الأوساط الإسلامية الأميركية في انتخابات الرئاسة عام 2000. حين تخوفوا من التصويت للمرشح الديمقراطي آنذاك آل غور بسبب اختياره السيناتور اليهودي المتشدد جوزيف ليبرمان ليكون نائبه على قائمته الرئاسية. ومن ثم صوتت نسبة عالية منهم لمنافسه الجمهوري جورج بوش الابن، وجرى ما جرى من ورائه لاحقًا.
الآن يبدو أن المشهد يتكرر، وهو ما دعا الكاتب الأميركي ديفيد غراهام للتساؤل: هل خسر الجمهوريون أصوات المسلمين بعد تصريحات ترامب وبن كارسون؟
11 شهرًا تقريبًا تفصل بيننا وبين موعد الانتخابات في نوفمبر، لكن من الواضح أن هناك اتجاهًا عامًا بين مسلمي أميركا هذه المرة لإظهار تضامنهم وإعلاء شأن مواطنتهم، غير عابئين بالتخرصات والتهويمات التي تطلق من حولهم وبشأنهم. ففي تقرير لصحيفة «ديلي بيست» نجد تصريحات لبعض المسلمين الأميركيين المنتمين للحزب الجمهوري، تثير الدهشة، إذ يقول أحدهم: «ربما أكون ساذجًا، لكنني في الواقع متفائل»، أما لماذا التفاؤل، فيبدو أن مسلمي أميركا قد عاشوا من قبل في عمق تلك الإشكالية في أعقاب أحداث 11 سبتمبر، ولقد تجاوزوها الآن. في حين أعربت أميركية مسلمة من الجمهوريين عن أملها في أن يذهب مرشحو الحزب الجمهوري إلى المساجد أثناء صلاة الجمعة لمعرفة المزيد عن الدين الإسلامي، لا لحصد المزيد من الأصوات فقط.
بالقطع تسهم حقيقة المجتمعات الإسلامية اليوم حول العالم في خلق مناخ ستتزايد فيه تأثيرات الإسلام والتنظيمات الإسلامية على التطور السياسي والاجتماعي، بدلاً من أن تتلاشى في معظم المجتمعات المسلمة، وما المعركة الدائرة حول الإسلام والمسلمين في أميركا وهي تستعد لانتخاباتها الرئاسية القادمة إلا خير دليل على ذلك.


* كاتب مصري


أخبار ذات صلة



اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة