اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

أسس بهدف الفصل بين السياسة ومجتمع الأعمال

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
TT

اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)

عندما أُنشئ صندوق جديد للاستثمار المدعوم من الحكومة الروسية قبل خمس سنوات، كانت موسكو ترغب في إرسال رسالة مفادها أن روسيا مستعدة للفصل ما بين السياسة وعالم الأعمال.
ثم عينت السلطات الروسية مجلسًا رفيع المستوى من المستشارين الدوليين مهمته الإشراف على أنشطة الصندوق الجديد، والمجلس يضم مجموعة من المديرين التنفيذيين الأميركيين للأسهم الخاصة مثل ديفيد بوندرمان من مؤسسة «تي بي جي» وستيفن إيه شوارزمان من مجموعة بلاكستون. وفي مقطع فيديو على موقع الصندوق الاستثماري، يؤكد بوندرمان على أن «الاستثمارات في روسيا سوف تتمتع بالشفافية وسوف تتخذ القرارات التجارية وليست القرارات ذات النزعة السياسية».
وبعد حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا إثر الصراع الأوكراني الأخير، نأى الكثير من أعضاء المجلس المذكور بأنفسهم بعيدًا عن أعمال الصندوق، وفي الآونة الأخيرة، وجد الصندوق نفسه تحت أضواء غير مريحة تتعلق باستثمارات كبيرة لصالح شركة ذات صلات سياسية معينة. وفي أواخر العام الماضي، منح «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» قرضًا بقيمة 1.75 مليار دولار إلى شركة سيبور الروسية العملاقة العاملة في قطاع البتروكيماويات وذات العلاقات الوثيقة بالكرملين.
وخيمت مثل تلك المخاوف ولفترة طويلة على المشهد الاستثماري في روسيا، إذ تلعب السياسة دورًا كبيرًا وبالغ العمق في قطاع الأعمال الروسي. ثم تفاقمت تلك المخاوف مع المحنة الاقتصادية الحالية، حيث تكافح الحكومة للتعامل مع أسعار النفط المنخفضة والعقوبات الاقتصادية الغربية.
وتربط أحد كبار المساهمين الرئيسيين في شركة سيبور، وهو غينادي إن. تيمشينكو، علاقات طويلة الأمد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويُدرج اسم تيمشينكو على قائمة العقوبات الاقتصادية بالولايات المتحدة الأميركية بصفته عضوًا في «الدائرة الداخلية» المقربة من الرئيس الروسي.
ومن بين كبار الملاك أيضًا، كيريل إن. شامالوف، وهو نجل نيكولاي تي. شامالوف الذي نال بالمثل حظه من العقوبات الغربية لارتباطه المباشر بالرئيس الروسي. وتنقل وسائل الإعلام الروسية والغربية وعلى نطاق واسع أن كيريل شامالوف هو صهر الرئيس الروسي. ويقول المحلل السياسي ستانيسلاف إيه. بيلكوفسكي «في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية الروسية، وظهور مثل تلك الأنباء على سطح الأحداث، قد يعبر الأمر عن ضربة قوية وخطيرة ضد السيد بوتين»، مشيرًا إلى إقراض بعض الشخصيات ذات الصلة المباشرة بعائلة بوتين.
يدافع «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» عن صفقة شركة سيبور، ويقول إنها تتفق مع المبادئ التوجيهية للصندوق الاستثماري. ووصف الرئيس التنفيذي للصندوق كيريل ديميترييف، في بيان مكتوب، القرض بأنه ذو دوافع تجارية وتمت الموافقة عليه تمشيًا مع الممارسات المعمول بها في أعمالنا.
ويرفض بوتين، على غرار الكثير من المسؤولين الروس، مناقشة الأمور العائلية أو الكشف عن أنشطة الأعمال التجارية لعائلته. ولقد رفض شامالوف تأكيد أو نفي ما إذا كان متزوجًا من كريمة بوتين الأصغر سنًا، كما لم يرد ممثل شامالوف على الأسئلة المكتوبة الموجهة إليه. وقد صرحت شركة سيبور في بيان لها أن الشركة لن تعلق على «تكهنات» بأن أحد المساهمين هو صهر الرئيس، وقالت إن المساهمين في أية حالة ليس لديهم دور في المفاوضات المالية الخاصة بالشركة.
كما رفضت شركة لودوغا الإدارية المملوكة لشامالوف في بيان لها تأكيد أو نفي ما إذا كان مالكها صهرًا لرئيس البلاد، مؤكدة على أنه «مثالاً بأي شخص آخر، فإن كيريل شامالوف له كامل الحق في الخصوصية».
ويقول بيلكوفسكي المحلل السياسي: «تفيد التقاليد السوفياتية بأن الأقارب لا يجب أن يكونوا في الواجهة العامة».
كان الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف قد أسس الصندوق الاستثماري في عام 2011 بهدف واضح هو استعادة الثقة في المناخ الاستثماري الروسي.
وأراد ميدفيديف من خلال ذلك الصندوق جذب المستثمرين الأجانب إلى الشركات في بلاده، وحاول تحفيزهم من خلال مطابقة صناديق التمويل الحكومية مع رؤوس الأموال الخاصة. والشراكة مع الحكومة، من شأنها تقليل مخاوف المستثمرين حول مخاطر التأميم والتنظيم التعسفي. ولحشد المزيد من التأييد، عين الصندوق الاستثماري عددًا من كبار المستثمرين للعمل في المجلس الاستشاري للصندوق. وإلى جانب المديرين التنفيذيين من مؤسستي تي بي جي وبلاكستون، عين الصندوق كذلك ليون بلاك من مؤسسة أبوللو للإدارة العالمية، وريتشارد إم. دالي، العمدة السابق لمدينة شيكاغو، وكيرت جوركلاند من مؤسسة بريميرا، وغيرهم من المديرين التنفيذيين من الصين ومنطقة الشرق الأوسط.
وركزت الموجة الأولى من الصفقات على الاستثمارات الأساسية في الشركات العاملة في مشروعات البنية التحتية الروسية ومشروعات إمداد الطبقة المتوسطة، وفي استثمار نموذجي عمد الصندوق مع مؤسسة بلاك - روك عام 2012 على ضخ 50 مليون دولار في سلسلة من المستشفيات الخاصة تحت عنوان مستشفيات الأمومة والطفولة، واستثمر الصندوق أيضًا مائة مليون دولار في مشروعات متعددة، جنبًا إلى جنب مع شركة بارينغ فوستوك كابيتال وشركاه، وهي إحدى شركات الأسهم الخاصة الروسية.
ولكن اللاعبين الغربيين تراجعوا بعدما استهدفت العقوبات الغربية بنك فنيشكونوم، وهو البنك الرئيسي للصندوق ومن كبريات البنوك الحكومية الروسية، في ردة فعل دولية على التدخل العسكري الروسي في الحرب الدائرة شرقي أوكرانيا. حيث قام شوارزمان وبوندرمان بسحب أسمائهما من القائمة المنشورة لمستشاري الصندوق عام 2014.
ومع تباطؤ الاقتصاد الروسي وانقطاع التمويل للمشروعات، سمحت الحكومة الروسية لـ«الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» بالاستفادة من الموارد في «صندوق الضمان الاجتماعي»، الذي يعتبر صندوق للثروة السيادية وهو جزء من نظام التقاعد في البلاد.
وفي صفقتين متتاليتين، ساعد «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» استثمار ما يقرب من 800 مليون دولار من أموال نظام التقاعد في الشركات التي تبني خطوط الطاقة الكهربائية وتوسيع شبكة الإنترنت ذات النطاق العريض إلى المناطق الريفية. وسرعان ما تبع ذلك استثمار كبير مع شركة سيبور الروسية.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، أفصح الصندوق عن استثمارات بقيمة إجمالية بلغت 5.05 مليارات دولار لشركة سيبور لبناء مصنع للبتروكيماويات في مدينة توبولسك في سيبيريا، لصناعة السلائف الكيميائية للمنتجات البلاستيكية والمطاط الصناعي.
وحقق الصندوق إلى جانب المستثمرين الأجانب، بما فيهم مصادر من منطقة الشرق الأوسط، وصندوقان ألمانيان، اللذان ربطا التمويل بتصدير السلع الصناعية الألمانية، نحو 3.3 مليار دولار.
كما عمل «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» كذلك على ترتيب قرض بقيمة 1.75 مليار دولار من صندوق الضمان الوطني. ولقد تمت هيكلة هذا القرض تحت مسمى سندات بأقل من أسعار الفائدة السوقية والمبيعة إلى صندوق الثروة السيادية.
يقول فلاديمير إيه. ريزخوف، النائب السابق لرئيس البرلمان الروسي، عبر مكالمة هاتفية: «يمكنك مشاهدة صراع المصالح جليًا هنا»، فصندوق الضمان الوطني، ملزم قانونًا بتغطية العجز في نظام التقاعد مثل ذلك العجز المشهود في روسيا اليوم بسبب انخفاض أسعار النفط. ولسوف تنخفض معاشات التقاعد خلال هذا العام نسبة إلى التضخم. وتعتبر شركة سيبور واحدة من أكبر شركات البتروكيماويات في روسيا، وهي تعمل على معالجة الإمدادات الغنية في البلاد من النفط والغاز وتحويلها إلى بلاستيك، والمطاط الصناعي، وغير ذلك من المنتجات. ومن منظور السياسة الصناعية، تساعد أنشطة الشركة في تنويع الاقتصاد الروسي عن طريق إنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة من موارد البلاد.
وفي مؤتمر صحافي بتاريخ 17 ديسمبر (كانون أول)، واجه فلاديمير بوتين، الأسئلة حول صلة القرابة. برفض الإفصاح عن التفاصيل المتعلقة بعائلته. ونفى أية علاقة لهما بعالم الأعمال، وأدلى بكلمات مقتضبة حول أنشطتهم اليومية.
وطرح صحافي من صحيفة «آر بي سي»، وهي الصحيفة الروسية التي حققت في الصفقات التجارية لشامالوف، سؤالاً على الرئيس الروسي، حول ما إذا كانت كريمته، والمعروفة باسم إيكاترينا بوتينا، تعيش في روسيا تحت اسم مستعار هو كاترينا تيخونوفا، هي نفسها؟
وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة «آر بي سي» أن هناك مشروعًا تنمويًا كبيرًا على أراض مملوكة لجامعة موسكو الأهلية تديره سيدة تعرف باسم كاترينا تيخونوفا تبلغ من العمر (29 عاما)، التي شوهدت علنا في أكثر من مناسبة برفقة شامالوف. وفي وقت لاحق، قال أحد المدونين الروس ويدعى أوليغ كاشين أنه تعرف على الهوية الحقيقية للسيدة تيخونوفا كريمة الرئيس بوتين في مقالة له بعنوان «إنها هي». ولقد ذكرت كل من وكالة «رويترز» وبلومبيرغ تفاصيل زفاف الزوجين المذكورين. ورفض الرئيس الروسي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بعائلته في المؤتمر الصحافي.
وقال بوتين، وفقًا لنسخة الكرملين من تصريحاته: «إنني أقرأ، بطبيعة الحال، على الإنترنت وفي بعض المنشورات الأخرى حول إيكاترينا تيخونوفا، تمامًا كما قرأت أشياء عن أقارب محتملين آخرين في أوقات مختلفة». وقال الرئيس الروسي إن كريمته تعيش في روسيا، ولكنه رفض التأكيد على ما إذا كانت هي نفسها السيدة تيخونوفا. وتابع الرئيس الروسي قوله: «إنني فخور ببنتي. وإنهما يبدآن أولى خطواتهما في حياتهما العملية، ولكنهما حققتا نجاحات جيدة. وهما لا تعملان في السياسة أو التجارة، ولا تهتمان كثيرًا بالشؤون العامة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
TT

محضر «الفيدرالي» يظهر انقسام المسؤولين بشأن زيادة الفائدة واستمرار الغموض

مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)
مبنى «الاحتياطي الفيدرالي» في واشنطن (أ.ب)

أظهر محضر أحدث اجتماعات «الاحتياطي الفيدرالي» أن النقاش داخل البنك المركزي الأميركي أصبح أكثر ميلاً إلى التشديد النقدي، إذ أيّد عدد من المسؤولين رفع أسعار الفائدة في يوليو (تموز)، بينما رأى «العديد» أن تشديد السياسة سيكون ضرورياً إذا لم يتراجع التضخم، في تحول يعكس صعوبة انتقال «الفيدرالي» من مرحلة انتظار خفض الفائدة إلى التعامل مجدداً مع احتمال رفعها.

وكشف محضر اجتماع 28 و29 يوليو، الصادر الأربعاء، أن اللجنة الفيدرالية للسوق المفتوحة صوّتت بأغلبية 9 مقابل 3 لمصلحة إبقاء سعر الفائدة عند نطاق 3.50 إلى 3.75 في المائة.

وصوّتت لوري لوغان، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في دالاس، وبيث هاماك، رئيسة «الاحتياطي الفيدرالي» في كليفلاند، ونيل كاشكاري، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في مينيابوليس، لمصلحة رفع الفائدة ربع نقطة مئوية.

لكن دائرة المؤيدين للتشديد قد تكون أوسع من ذلك. فقد أشار جيف شميد، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في كانساس سيتي، وألبرتو موسالم، رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» في سانت لويس، وهما لم يكونا مصوتين في اجتماع يوليو، لاحقاً إلى أنهما كانا سيؤيدان رفع الفائدة في ذلك الاجتماع.

وارش مترئساً اجتماع اللجنة الفيدرالية (الاحتياطي الفيدرالي)

التضخم يفرض نفسه مجدداً

وكان جوهر النقاش داخل الاجتماع هو المسار غير الواضح للتضخم. وبينما توقع معظم المسؤولين أن تتراجع الضغوط السعرية خلال بقية العام مع انحسار تأثير الرسوم الجمركية والارتفاعات السابقة في أسعار الطاقة، حذّر «العديد» من احتمال بقاء التضخم مرتفعاً لفترة أطول.

ووصف المسؤولون توقعاتهم للتضخم بأنها «شديدة عدم اليقين»، مشيرين إلى أن تصاعد الحرب بين الولايات المتحدة وإيران زاد من ضبابية التوقعات، خصوصاً مع تأثير اضطرابات أسواق الطاقة على الأسعار.

وتعني هذه المخاطر أن «الفيدرالي» لا يستطيع التعامل مع تراجع التضخم الأخير باعتباره اتجاهاً مؤكداً، خصوصاً إذا أدّت أسعار الطاقة المرتفعة إلى إعادة إشعال الضغوط السعرية.

في المقابل، وصف المسؤولون سوق العمل بأنها مستقرة، مع توازن نسبي بين الطلب على العمالة والمعروض منها، فيما واصلوا وصف النمو الاقتصادي بأنه «متين»، مع الإشارة إلى قوة الاستثمار الرأسمالي والإنتاجية.

البيانات بدأت تخفف الضغط على «الفيدرالي»

لكن التطورات الاقتصادية منذ اجتماع يوليو أعطت المسؤولين سبباً آخر للتريث. فقد تراجعت مبيعات التجزئة في يوليو بأكبر وتيرة في أكثر من عام، مع انخفاض مشتريات المستهلكين عبر المتاجر الإلكترونية ومن تجار السيارات، بينما ظل التضخم الأساسي محدوداً.

وفي سوق العمل، خفّض أصحاب العمل الوظائف بصورة مفاجئة في يوليو، كما جرى تعديل بيانات التوظيف في الشهرين السابقين بالخفض، في إشارات إلى أن سوق العمل قد تكون أضعف مما كان يعتقد سابقاً.

وهذه البيانات أعادت بعض التوازن إلى معادلة «الفيدرالي»؛ فالتضخم لا يزال مصدر قلق، لكن تباطؤ النشاط الاقتصادي وضعف سوق العمل يقللان الحاجة إلى رفع الفائدة سريعاً.

وانعكس ذلك مباشرة على الأسواق. فقد تراجعت احتمالات رفع الفائدة في سبتمبر (أيلول) إلى نحو 36 في المائة صباح الأربعاء، بعدما تجاوزت 70 في المائة في نهاية يوليو.

رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش في مؤتمر صحافي (رويترز)

وارش تحت ضغط الأسواق

في المقابل، يواجه رئيس «الاحتياطي الفيدرالي» كيفين وارش اختباراً متزايداً بشأن قدرته على التواصل مع الأسواق. فقد تعرض لانتقادات واسعة بعد مؤتمره الصحافي عقب اجتماع يوليو، بعدما أخفق، وفق تقييم بعض المستثمرين، في تقديم تفسير واضح لقرار إبقاء الفائدة دون تغيير، كما تجنب الإشارة إلى احتمال رفعها في الأشهر المقبلة.

ودفعت تصريحاته المستثمرين إلى بيع السندات طويلة الأجل، لترتفع عوائدها إلى مستويات تقترب من أعلى مستوياتها في نحو عقدين، وهو ما اعتُبر مؤشراً على تزايد المخاوف بشأن التزام «الفيدرالي» بهدف التضخم البالغ 2 في المائة.

لكن ارتفاع عوائد السندات لم يكن دليلاً صافياً على ارتفاع توقعات التضخم، إذ ارتفع الفارق بين عوائد سندات الخزانة التقليدية والسندات المحمية من التضخم لـ5 سنوات مقبلة بصورة محدودة فقط. وهذا التفصيل مهم؛ لأنه يشير إلى أن جزءاً من ارتفاع العوائد الطويلة ربما كان مرتبطاً بعوامل أخرى، مثل مخاوف الدين الحكومي والعرض المرتفع من السندات، وليس بتوقعات التضخم فقط.

السندات تضيف بعداً جديداً للمعادلة

وجاءت تحركات سوق السندات الأربعاء لتضيف طبقة أخرى إلى المشهد. فقد تراجعت العوائد طويلة الأجل بعد إعلان وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات طويلة الأجل لدعم السيولة.

ويعني ذلك أن عوائد السندات لم تعد تعكس توقعات السياسة النقدية وحدها، بل تتأثر أيضاً بكمية الإصدارات الحكومية، والطلب على الدين، ومخاوف الاستدامة المالية، وتدخلات الخزانة في السوق.

وهذا يجعل مهمة «الفيدرالي» أكثر تعقيداً؛ إذ يمكن أن تؤدي العوائد المرتفعة في الآجال الطويلة إلى تشديد الأوضاع المالية حتى من دون رفع سعر الفائدة الأساسي، في حين قد يؤدي تدخل الخزانة إلى تخفيف بعض هذه الضغوط.

تغيير محتمل في طريقة عمل «الفيدرالي»

ولم يقتصر اجتماع يوليو على النقاش بشأن أسعار الفائدة. فقد طرح وارش فكرة تقليص عدد اجتماعات اللجنة الفيدرالية من 8 اجتماعات سنوياً إلى 6، بحيث تعقد الاجتماعات بفاصل يقارب شهرين.

وقال وارش إن تقليص عدد الاجتماعات يمكن أن يسمح بتراكم قدر أكبر من البيانات بين كل اجتماع وآخر، ويمنح المسؤولين والموظفين وقتاً أطول لدراسة القضايا الاستراتيجية المتعلقة بالسياسة النقدية.

ولم يتخذ «الفيدرالي» أي قرار بهذا الشأن، كما أكد المحضر أن جدول اجتماعات 2026 لن يتغير.

لكن مجرد طرح الفكرة يكشف أن وارش لا ينظر إلى مستوى الفائدة فقط، وإنما يبحث أيضاً في كيفية إدارة البنك المركزي لعملية صنع القرار والتواصل مع الأسواق.

جاكسون هول... الاختبار التالي

وتأتي أهمية هذه التطورات قبل أقل من أسبوعين من اجتماع جاكسون هول السنوي، حيث من المتوقع أن يلقي وارش أول خطاب له في هذا المنتدى منذ توليه رئاسة «الاحتياطي الفيدرالي» في مايو (أيار).

وستكون الكلمة فرصة لوارش لتوضيح رؤيته بعد محضر كشف عن انقسام واضح داخل اللجنة، وعن قلق واسع بشأن التضخم، وفي الوقت نفسه عن علامات ضعف بدأت تظهر في الاقتصاد وسوق العمل.


ارتفاع مخزونات النفط والبنزين الأميركية وانخفاض نواتج التقطير

صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
TT

ارتفاع مخزونات النفط والبنزين الأميركية وانخفاض نواتج التقطير

صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط الخام في ولاية تكساس الأميركية (رويترز)

أعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية، الأربعاء، ارتفاع مخزونات النفط الخام والبنزين في الولايات المتحدة، بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير، خلال الأسبوع الماضي.

وذكرت الإدارة في تقريرها الأسبوعي، الذي يحظى بمتابعة واسعة في السوق، أن مخزونات النفط الخام ارتفعت بمقدار 4.4 مليون برميل لتصل إلى 428.8 مليون برميل في الأسبوع المنتهي في 14 أغسطس (آب).

وأضافت الإدارة أن مخزونات النفط الخام في مركز التوزيع بكوشينغ - أوكلاهوما، انخفضت بمقدار 1.3 مليون برميل خلال الأسبوع.

وتابعت الإدارة أن عمليات تكرير النفط الخام ارتفعت بمقدار 216 ألف برميل يومياً، بينما ارتفعت معدلات الاستخدام بنسبة 1 في المائة خلال الأسبوع.

وأعلنت إدارة معلومات الطاقة الأميركية أن مخزونات البنزين في الولايات المتحدة ارتفعت بمقدار 0.7 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 209.4 مليون برميل.

بينما انخفضت مخزونات نواتج التقطير، التي تشمل الديزل وزيت التدفئة، بمقدار 1.5 مليون برميل خلال الأسبوع لتصل إلى 105.6 مليون برميل.

كما ذكرت إدارة معلومات الطاقة أن صافي واردات الولايات المتحدة من النفط الخام انخفض بمقدار 1.75 مليون برميل يومياً.


السندات العالمية تنتعش بعد تحرك الخزانة الأميركية لدعم السوق

رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
TT

السندات العالمية تنتعش بعد تحرك الخزانة الأميركية لدعم السوق

رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)
رجل ينظر إلى لوحة تعرض مستوى سندات الحكومة اليابانية لأجل 10 سنوات خارج مكتب وساطة في طوكيو (أرشيفية - رويترز)

تعافت أسواق السندات العالمية خلال تعاملات الأربعاء، مع تراجع عوائد السندات الحكومية طويلة الأجل من أعلى مستوياتها في عقود، بعدما أعلنت وزارة الخزانة الأميركية مضاعفة حجم عمليات إعادة شراء السندات المخصصة لدعم السيولة، في إشارة هدأت المخاوف بشأن الضغوط المتزايدة في سوق الدين العالمية.

وقالت الخزانة الأميركية إنها سترفع حجم عمليات إعادة شراء سندات الخزانة الاسمية طويلة الأجل إلى 4 مليارات دولار على الأقل لكل عملية، من ملياري دولار حالياً، في خطوة دفعت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل إلى الانخفاض بما يصل إلى 10 نقاط أساس، وامتد أثرها إلى الأسواق الأوروبية.

وكان عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً قد ارتفع الثلاثاء إلى نحو 5.34 في المائة، وهو أعلى مستوى له في نحو 20 عاماً، وسط مخاوف متزايدة بشأن التضخم، وارتفاع مستويات الدين الحكومي.

وتراجعت العوائد بعد إعلان الخزانة، إذ انخفضت عوائد السندات الأميركية طويلة الأجل بما يصل إلى 10 نقاط أساس، بينما تراجعت أيضاً عوائد السندات الحكومية في ألمانيا، وفرنسا، التي كانت قد سجلت في وقت سابق أعلى مستوياتها منذ 15 و18 عاماً على التوالي.

لماذا يهم تحرك الخزانة؟

تكمن أهمية التطورات في سوق السندات طويلة الأجل في أن عوائدها تمثل مرجعاً أساسياً لتسعير عدد كبير من الأصول، وتكاليف الاقتراض في الاقتصاد العالمي، بما في ذلك معدلات الرهن العقاري، وتمويل الشركات.

وقال جيريمي ستريتش، رئيس استراتيجية العملات لمجموعة العشر لدى «سي آي بي سي»، إن موجة البيع الأخيرة في الجزء الطويل من سوق السندات أصبحت تمثل مشكلة محتملة بالنسبة إلى انتقال تأثيرها إلى فئات الأصول الأخرى، مضيفاً أن وزير الخزانة الأميركي اضطر إلى أخذ هذه المخاطر في الاعتبار، وإجراء تعديلات.

وتراجع عائد السندات الأميركية لأجل 30 عاماً بقوة عقب الإعلان، فيما انخفض الدولار أيضاً.

مشكلة عالمية لا أميركية فقط

ولا تقتصر الضغوط على سوق الدين الأميركية. فقد ارتفعت تكاليف الاقتراض طويلة الأجل من الولايات المتحدة إلى ألمانيا، واليابان، مع قلق المستثمرين بشأن تضخم مستمر، وارتفاع مستويات الدين الحكومي.

وفي اليابان، اقترب عائد السندات الحكومية لأجل 10 سنوات من 3 في المائة، وهو مستوى لم يشهده منذ ثلاثة عقود، في تطور يكتسب أهمية خاصة للأسواق العالمية، بعدما اعتمدت أسواق الدين لسنوات على انخفاض أسعار الفائدة اليابانية، وتدفق الاستثمارات اليابانية إلى الخارج.

وقال نيل فيشر، المتخصص الاستثماري لدى «سانت جيمس بليس»، إن الأسواق تواجه سؤالين متوازيين: هل يستمر التضخم عند مستويات مرتفعة لفترة أطول؟ وماذا يعني ذلك لأسعار الفائدة طويلة الأجل؟ وفي المقابل، تبرز تساؤلات حول مدى استدامة الدين الحكومي طويل الأجل في بريطانيا، وأوروبا، والولايات المتحدة.

النفط يزيد الضغوط

وتأتي هذه التطورات في وقت تراجعت فيه الآمال بشأن التوصل إلى اتفاق ينهي الصراع في الشرق الأوسط، ما دفع أسعار النفط إلى الارتفاع بنحو 0.2 في المائة.

ويزيد ارتفاع النفط من مخاطر التضخم، خصوصاً إذا استمر لفترة طويلة، ما قد يضع البنوك المركزية أمام معادلة أكثر صعوبة بين كبح التضخم والحفاظ على النمو الاقتصادي.

وتترقب الأسواق في وقت لاحق الأربعاء صدور محضر اجتماع الاحتياطي الفيدرالي في يوليو (تموز)، بعدما أبقى البنك أسعار الفائدة من دون تغيير، بينما أثارت تصريحات رئيسه كيفين وارش قلق المستثمرين بسبب عدم تقديمه إشارات واضحة بشأن كيفية استجابة البنك للتضخم المستمر.

الدولار يتراجع والأسواق تتحرك

وفي أسواق العملات، تراجع مؤشر الدولار 0.6 في المائة إلى 99.018، فيما ارتفع اليورو 0.6 في المائة إلى أكثر من 1.64 دولار، واستقر الين عند 158.34 ين للدولار.

وفي الأسهم، ارتفع «ستاندرد آند بورز 500» و«ناسداك» بنحو 0.4 في المائة في بداية التعاملات الأميركية، بينما استقرت الأسهم الأوروبية على نطاق واسع بعد تراجع حاد في الأسواق الآسيوية، إذ هبطت الأسهم الكورية الجنوبية نحو 6 في المائة في أكبر انخفاض يومي لها خلال ثلاثة أسابيع.

وفي الصين، قفز سهم شركة «يونيتري» لصناعة الروبوتات الشبيهة بالبشر بنحو 460 في المائة في أول جلسة تداول له، بعدما تجاوز الاكتتاب في أسهمها من المستثمرين الأفراد المعروض بأكثر من 8 آلاف مرة.

الإشارة الأهم للأسواق

ورغم أن الخزانة الأميركية أعلنت أن هدفها هو دعم السيولة، فإن سرعة استجابة أسواق السندات تشير إلى أن المستثمرين كانوا بحاجة لإشارة إلى أن السلطات مستعدة للتحرك إذا أصبحت الضغوط على الجزء الطويل من منحنى العائد أكثر حدة.

لكن القرار لا يعالج الأسباب الأساسية لارتفاع العوائد، وفي مقدمتها تزايد الدين، والإصدارات الحكومية، ومخاوف التضخم، وارتفاع أسعار النفط. لذلك يبقى السؤال بالنسبة إلى الأسواق هو ما إذا كانت خطوة الخزانة ستظل أداة محدودة لتحسين السيولة، أم ستتبعها إجراءات أوسع إذا عادت موجة البيع إلى السندات طويلة الأجل.