اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

أسس بهدف الفصل بين السياسة ومجتمع الأعمال

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
TT

اتهامات بتزاوج السلطة والمال في صفقات صندوق الاستثمار الروسي

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين خلال لقاء سابق مع المستثمر الروسي فلاديمير بوتانين في بلدة سوشي الروسية (أ.ب)

عندما أُنشئ صندوق جديد للاستثمار المدعوم من الحكومة الروسية قبل خمس سنوات، كانت موسكو ترغب في إرسال رسالة مفادها أن روسيا مستعدة للفصل ما بين السياسة وعالم الأعمال.
ثم عينت السلطات الروسية مجلسًا رفيع المستوى من المستشارين الدوليين مهمته الإشراف على أنشطة الصندوق الجديد، والمجلس يضم مجموعة من المديرين التنفيذيين الأميركيين للأسهم الخاصة مثل ديفيد بوندرمان من مؤسسة «تي بي جي» وستيفن إيه شوارزمان من مجموعة بلاكستون. وفي مقطع فيديو على موقع الصندوق الاستثماري، يؤكد بوندرمان على أن «الاستثمارات في روسيا سوف تتمتع بالشفافية وسوف تتخذ القرارات التجارية وليست القرارات ذات النزعة السياسية».
وبعد حزمة العقوبات التي فرضتها الولايات المتحدة وأوروبا على روسيا إثر الصراع الأوكراني الأخير، نأى الكثير من أعضاء المجلس المذكور بأنفسهم بعيدًا عن أعمال الصندوق، وفي الآونة الأخيرة، وجد الصندوق نفسه تحت أضواء غير مريحة تتعلق باستثمارات كبيرة لصالح شركة ذات صلات سياسية معينة. وفي أواخر العام الماضي، منح «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» قرضًا بقيمة 1.75 مليار دولار إلى شركة سيبور الروسية العملاقة العاملة في قطاع البتروكيماويات وذات العلاقات الوثيقة بالكرملين.
وخيمت مثل تلك المخاوف ولفترة طويلة على المشهد الاستثماري في روسيا، إذ تلعب السياسة دورًا كبيرًا وبالغ العمق في قطاع الأعمال الروسي. ثم تفاقمت تلك المخاوف مع المحنة الاقتصادية الحالية، حيث تكافح الحكومة للتعامل مع أسعار النفط المنخفضة والعقوبات الاقتصادية الغربية.
وتربط أحد كبار المساهمين الرئيسيين في شركة سيبور، وهو غينادي إن. تيمشينكو، علاقات طويلة الأمد مع الرئيس الروسي فلاديمير بوتين. ويُدرج اسم تيمشينكو على قائمة العقوبات الاقتصادية بالولايات المتحدة الأميركية بصفته عضوًا في «الدائرة الداخلية» المقربة من الرئيس الروسي.
ومن بين كبار الملاك أيضًا، كيريل إن. شامالوف، وهو نجل نيكولاي تي. شامالوف الذي نال بالمثل حظه من العقوبات الغربية لارتباطه المباشر بالرئيس الروسي. وتنقل وسائل الإعلام الروسية والغربية وعلى نطاق واسع أن كيريل شامالوف هو صهر الرئيس الروسي. ويقول المحلل السياسي ستانيسلاف إيه. بيلكوفسكي «في ظل تفاقم الأزمة الاقتصادية الروسية، وظهور مثل تلك الأنباء على سطح الأحداث، قد يعبر الأمر عن ضربة قوية وخطيرة ضد السيد بوتين»، مشيرًا إلى إقراض بعض الشخصيات ذات الصلة المباشرة بعائلة بوتين.
يدافع «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» عن صفقة شركة سيبور، ويقول إنها تتفق مع المبادئ التوجيهية للصندوق الاستثماري. ووصف الرئيس التنفيذي للصندوق كيريل ديميترييف، في بيان مكتوب، القرض بأنه ذو دوافع تجارية وتمت الموافقة عليه تمشيًا مع الممارسات المعمول بها في أعمالنا.
ويرفض بوتين، على غرار الكثير من المسؤولين الروس، مناقشة الأمور العائلية أو الكشف عن أنشطة الأعمال التجارية لعائلته. ولقد رفض شامالوف تأكيد أو نفي ما إذا كان متزوجًا من كريمة بوتين الأصغر سنًا، كما لم يرد ممثل شامالوف على الأسئلة المكتوبة الموجهة إليه. وقد صرحت شركة سيبور في بيان لها أن الشركة لن تعلق على «تكهنات» بأن أحد المساهمين هو صهر الرئيس، وقالت إن المساهمين في أية حالة ليس لديهم دور في المفاوضات المالية الخاصة بالشركة.
كما رفضت شركة لودوغا الإدارية المملوكة لشامالوف في بيان لها تأكيد أو نفي ما إذا كان مالكها صهرًا لرئيس البلاد، مؤكدة على أنه «مثالاً بأي شخص آخر، فإن كيريل شامالوف له كامل الحق في الخصوصية».
ويقول بيلكوفسكي المحلل السياسي: «تفيد التقاليد السوفياتية بأن الأقارب لا يجب أن يكونوا في الواجهة العامة».
كان الرئيس الروسي السابق ديمتري ميدفيديف قد أسس الصندوق الاستثماري في عام 2011 بهدف واضح هو استعادة الثقة في المناخ الاستثماري الروسي.
وأراد ميدفيديف من خلال ذلك الصندوق جذب المستثمرين الأجانب إلى الشركات في بلاده، وحاول تحفيزهم من خلال مطابقة صناديق التمويل الحكومية مع رؤوس الأموال الخاصة. والشراكة مع الحكومة، من شأنها تقليل مخاوف المستثمرين حول مخاطر التأميم والتنظيم التعسفي. ولحشد المزيد من التأييد، عين الصندوق الاستثماري عددًا من كبار المستثمرين للعمل في المجلس الاستشاري للصندوق. وإلى جانب المديرين التنفيذيين من مؤسستي تي بي جي وبلاكستون، عين الصندوق كذلك ليون بلاك من مؤسسة أبوللو للإدارة العالمية، وريتشارد إم. دالي، العمدة السابق لمدينة شيكاغو، وكيرت جوركلاند من مؤسسة بريميرا، وغيرهم من المديرين التنفيذيين من الصين ومنطقة الشرق الأوسط.
وركزت الموجة الأولى من الصفقات على الاستثمارات الأساسية في الشركات العاملة في مشروعات البنية التحتية الروسية ومشروعات إمداد الطبقة المتوسطة، وفي استثمار نموذجي عمد الصندوق مع مؤسسة بلاك - روك عام 2012 على ضخ 50 مليون دولار في سلسلة من المستشفيات الخاصة تحت عنوان مستشفيات الأمومة والطفولة، واستثمر الصندوق أيضًا مائة مليون دولار في مشروعات متعددة، جنبًا إلى جنب مع شركة بارينغ فوستوك كابيتال وشركاه، وهي إحدى شركات الأسهم الخاصة الروسية.
ولكن اللاعبين الغربيين تراجعوا بعدما استهدفت العقوبات الغربية بنك فنيشكونوم، وهو البنك الرئيسي للصندوق ومن كبريات البنوك الحكومية الروسية، في ردة فعل دولية على التدخل العسكري الروسي في الحرب الدائرة شرقي أوكرانيا. حيث قام شوارزمان وبوندرمان بسحب أسمائهما من القائمة المنشورة لمستشاري الصندوق عام 2014.
ومع تباطؤ الاقتصاد الروسي وانقطاع التمويل للمشروعات، سمحت الحكومة الروسية لـ«الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» بالاستفادة من الموارد في «صندوق الضمان الاجتماعي»، الذي يعتبر صندوق للثروة السيادية وهو جزء من نظام التقاعد في البلاد.
وفي صفقتين متتاليتين، ساعد «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» استثمار ما يقرب من 800 مليون دولار من أموال نظام التقاعد في الشركات التي تبني خطوط الطاقة الكهربائية وتوسيع شبكة الإنترنت ذات النطاق العريض إلى المناطق الريفية. وسرعان ما تبع ذلك استثمار كبير مع شركة سيبور الروسية.
وفي ديسمبر (كانون الأول)، أفصح الصندوق عن استثمارات بقيمة إجمالية بلغت 5.05 مليارات دولار لشركة سيبور لبناء مصنع للبتروكيماويات في مدينة توبولسك في سيبيريا، لصناعة السلائف الكيميائية للمنتجات البلاستيكية والمطاط الصناعي.
وحقق الصندوق إلى جانب المستثمرين الأجانب، بما فيهم مصادر من منطقة الشرق الأوسط، وصندوقان ألمانيان، اللذان ربطا التمويل بتصدير السلع الصناعية الألمانية، نحو 3.3 مليار دولار.
كما عمل «الصندوق الروسي للاستثمار المباشر» كذلك على ترتيب قرض بقيمة 1.75 مليار دولار من صندوق الضمان الوطني. ولقد تمت هيكلة هذا القرض تحت مسمى سندات بأقل من أسعار الفائدة السوقية والمبيعة إلى صندوق الثروة السيادية.
يقول فلاديمير إيه. ريزخوف، النائب السابق لرئيس البرلمان الروسي، عبر مكالمة هاتفية: «يمكنك مشاهدة صراع المصالح جليًا هنا»، فصندوق الضمان الوطني، ملزم قانونًا بتغطية العجز في نظام التقاعد مثل ذلك العجز المشهود في روسيا اليوم بسبب انخفاض أسعار النفط. ولسوف تنخفض معاشات التقاعد خلال هذا العام نسبة إلى التضخم. وتعتبر شركة سيبور واحدة من أكبر شركات البتروكيماويات في روسيا، وهي تعمل على معالجة الإمدادات الغنية في البلاد من النفط والغاز وتحويلها إلى بلاستيك، والمطاط الصناعي، وغير ذلك من المنتجات. ومن منظور السياسة الصناعية، تساعد أنشطة الشركة في تنويع الاقتصاد الروسي عن طريق إنتاج المنتجات ذات القيمة المضافة من موارد البلاد.
وفي مؤتمر صحافي بتاريخ 17 ديسمبر (كانون أول)، واجه فلاديمير بوتين، الأسئلة حول صلة القرابة. برفض الإفصاح عن التفاصيل المتعلقة بعائلته. ونفى أية علاقة لهما بعالم الأعمال، وأدلى بكلمات مقتضبة حول أنشطتهم اليومية.
وطرح صحافي من صحيفة «آر بي سي»، وهي الصحيفة الروسية التي حققت في الصفقات التجارية لشامالوف، سؤالاً على الرئيس الروسي، حول ما إذا كانت كريمته، والمعروفة باسم إيكاترينا بوتينا، تعيش في روسيا تحت اسم مستعار هو كاترينا تيخونوفا، هي نفسها؟
وفي وقت سابق، ذكرت صحيفة «آر بي سي» أن هناك مشروعًا تنمويًا كبيرًا على أراض مملوكة لجامعة موسكو الأهلية تديره سيدة تعرف باسم كاترينا تيخونوفا تبلغ من العمر (29 عاما)، التي شوهدت علنا في أكثر من مناسبة برفقة شامالوف. وفي وقت لاحق، قال أحد المدونين الروس ويدعى أوليغ كاشين أنه تعرف على الهوية الحقيقية للسيدة تيخونوفا كريمة الرئيس بوتين في مقالة له بعنوان «إنها هي». ولقد ذكرت كل من وكالة «رويترز» وبلومبيرغ تفاصيل زفاف الزوجين المذكورين. ورفض الرئيس الروسي الإجابة على الأسئلة المتعلقة بعائلته في المؤتمر الصحافي.
وقال بوتين، وفقًا لنسخة الكرملين من تصريحاته: «إنني أقرأ، بطبيعة الحال، على الإنترنت وفي بعض المنشورات الأخرى حول إيكاترينا تيخونوفا، تمامًا كما قرأت أشياء عن أقارب محتملين آخرين في أوقات مختلفة». وقال الرئيس الروسي إن كريمته تعيش في روسيا، ولكنه رفض التأكيد على ما إذا كانت هي نفسها السيدة تيخونوفا. وتابع الرئيس الروسي قوله: «إنني فخور ببنتي. وإنهما يبدآن أولى خطواتهما في حياتهما العملية، ولكنهما حققتا نجاحات جيدة. وهما لا تعملان في السياسة أو التجارة، ولا تهتمان كثيرًا بالشؤون العامة».
* خدمة «نيويورك تايمز»



رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
TT

رحلة العمل اليومية عبء متزايد يرهق أسراً مصرية

شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)
شريحة واسعة من المصريين تعتمد في تنقلها اليومي على «مترو أنفاق القاهرة» (الشرق الأوسط)

«أصبح ذهابنا للعمل خسارة علينا»... كلمات صدرت من المصري أحمد فاروق، وهو يتأمل تذكرة القطار التي قطعها صبيحة الاثنين، مُعلقاً على قيمتها الجديدة، مع تطبيق الزيادات على أسعار التذاكر.

وبدأت الحكومة المصرية، الجمعة الماضي، تطبيق زيادات على أسعار تذاكر القطارات و«مترو أنفاق القاهرة»، على خلفية ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب تداعيات الحرب الإيرانية، وذلك بعد أقل من أسبوعين على تطبيق زيادات على أسعار المحروقات تتجاوز 30 في المائة.

وأضاف فاروق، وهو موظف بإحدى شركات الإنشاءات بالقاهرة، يقطع يومياً مسافة 60 كيلومتراً من مدينة قويسنا بمحافظة المنوفية (دلتا النيل) وصولاً إلى عمله بالقاهرة، ومثلها في رحلة العودة، لـ«الشرق الأوسط»: «رحلتي تبدأ بالقطار ثم مترو الأنفاق... (الآن) أصبحت مطالباً بدفع 24 جنيهاً إضافية يومياً، بعد زيادة تذاكر الوسيلتين، أي ما يزيد على 700 جنيه شهرياً (الدولار تجاوز 54 جنيهاً)». وتابع متسائلاً: «ما يشغلني في ظل ثبات الراتب... هل أقتطع هذه الزيادة من ميزانية احتياجات المنزل أم الدروس الخصوصية للأبناء؟».

يعكس التساؤل حال آلاف المصريين من قاطني الأقاليم الذين تستقبلهم القاهرة صباح كل يوم، ويعتمدون على شبكة النقل العام من قطارات ومترو الأنفاق للوصول إلى عملهم. وفي ظل زيادة قيمة تذاكر القطارات و«المترو» وكذلك وسائل المواصلات المختلفة، تحولت رحلة العمل اليومية إلى عبء مالي جديد يرهق هذه الأسر.

وزادت أسعار تذاكر القطارات في المسافات القصيرة بنسبة 25 في المائة، و12.5 في المائة للمسافات الطويلة، بينما زادت أسعار تذاكر «المترو» بنسبة 20 في المائة مع تثبيت أسعار المسافات الطويلة.

ووفقاً لهذه الزيادة، يبيّن الأربعيني فاروق أن «قيمة تذكرة القطار الروسي المكيف زادت من 30 جنيهاً إلى 40 جنيهاً»، وزادت قيمة تذكرة «المترو» من 10 جنيهات لـ12 جنيهاً، مما جعل «رحلة العمل» تمثل له حيرة في تدبير نفقاتها.

مصري يطالع القيمة الجديدة لتذاكر «مترو الأنفاق» عقب قرار زيادتها (الشرق الأوسط)

الخبير الاقتصادي والمالي، الدكتور ياسر حسين، أوضح لـ«الشرق الأوسط»، أن زيادة أسعار تذاكر المترو والقطارات تمثل عبئاً إضافياً ثقيلاً على الأسر المصرية، فهذه الزيادات تضع الأسر أمام خيارات صعبة، إذ تضطر لتقليص إنفاقها على بنود أخرى؛ مثل التعليم والصحة، كما تلاشت البنود الترفيهية تقريباً من حسابات كثيرين لأجل تغطية تكاليف المواصلات، لأن الوصول إلى العمل بند إجباري لا يمكن الاستغناء عنه.

وأضاف: «تنفق الأسر ما بين 10 و20 في المائة من دخلها الشهري على التنقل، وهو رقم كبير إذا وضعناه بجانب بنود الإنفاق الأساسية الأخرى مثل الغذاء والسكن والتعليم». وأشار إلى أن «رحلة العمل اليومية لا تقتصر على التنقل بـ(مترو الأنفاق) أو القطار فقط؛ بل تتضمن وسائل مواصلات إضافية فرعية، ما يضاعف التكلفة النهائية للتنقل، ويضغط على ميزانية الأسر».

وداخل القطار، تجاذب فاروق وجيرانه من الركاب الحديث عن إرهاق «ثمن المشوار اليومي»، وطرق مواكبة «سرعة» تكاليف المعيشة، وكيفية التعامل مع «فاتورة الوصول» الجديدة بحساب الخسائر والبدائل.

وقال رمزي نبيل، الذي يقطن بمدينة طنطا في محافظة الغربية (دلتا مصر)، ويعمل في أحد محال المستلزمات الطبية بالقاهرة: «لم نفق بعد من صدمة تحريك أسعار المحروقات التي رفعت أجرة المواصلات العامة، حتى فوجئنا بزيادة تذاكر القطارات والمترو... بالفعل أفكر في ترك العمل بالقاهرة، فقيمة التذاكر الجديدة سوف تستنزف جزءاً لا يُستهان به من الدخل».

تذاكر القطارات في مصر زادت بنسب تتراوح بين 12.5 و25 في المائة (الشرق الأوسط)

وتعدّ القاهرة أكثر المحافظات جذباً للسكان، نظراً لفرص العمل ومراكز التعليم والخدمات، ويتجاوز عدد سكانها 11 مليون نسمة، ويتردد عليها يومياً عدد يقارب ذلك الرقم، وفق تصريحات سابقة لمحافظ القاهرة، إبراهيم صابر.

ويبيّن حسين أن زيادة أسعار تذاكر القطارات تضع سكان الضواحي والأقاليم في موقف بالغ الصعوبة، إذ يعتمد هؤلاء بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار العمل في القاهرة. ويتابع: «حتى بعد الزيادة، لن يتوقف هؤلاء عن ركوب القطار، والنتيجة أن الأسر ستتحمل عبئاً مالياً إضافياً، وسيسعى العمال إلى التفاوض مع أصحاب الأعمال لزيادة الأجور بدعوى ارتفاع تكاليف المواصلات، وهذه المطالب ستنعكس بدورها على أصحاب الأعمال الذين سيضطرون لرفع أسعار بعض السلع لتعويض زيادة بند الأجور، وبالتالي رفع تذكرة القطار لا يتوقف عند جيوب الركاب فقط؛ بل يؤدي إلى حلقة جديدة من التضخم».

وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي، 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

سكان الأقاليم يعتمدون بشكل يومي على القطارات للوصول إلى مقار عملهم بالقاهرة (الشرق الأوسط)

وفي قطارات المترو، التي تنقل الملايين يومياً، انشغل الركاب بحساب قيمة فاتورة الركوب اليومية. وبالنسبة للعشرينية سارة أيمن، التي تُدرّس اللغة الألمانية بأحد مراكز اللغات الخاصة، فإن ميزانيتها المحدودة باتت أمام اختبار صعب مع زيادة قيمة التذكرة. تقول لـ«الشرق الأوسط»: «كنت أعتبر (المترو) الوسيلة الأرخص والأسرع؛ لكن مع الزيادات الأخيرة، بدأت أفكر في المطالبة بتقليل أيام ذهابي لـ(المركز) أو الاتجاه للتدريس (أون لاين)، فكل جنيه إضافي في المواصلات يعني استقطاعاً من الراتب البسيط».

الخبيرة الاجتماعية والأسرية، داليا الحزاوي، تؤكد لـ«الشرق الأوسط»، أنه «في ظل اعتماد شريحة واسعة من المواطنين، لا سيما محدودي ومتوسطي الدخل على وسائل المواصلات المختلفة بشكل يومي، سواء في الانتقال إلى أماكن العمل أو في تنقل الأبناء إلى المدارس والجامعات، أصبحت هذه الأسر تواجه ضغوطاً معيشية متزايدة، خصوصاً في الحالات التي يضطر فيها رب الأسرة لقطع مسافات طويلة للوصول إلى مقر عمله، أو عندما يلتحق الأبناء بمؤسسات تعليمية بعيدة عن محل السكن». وتشير إلى أن «هذه الزيادات الأخيرة قد تدفع إلى لجوء بعض الطلاب للغياب توفيراً للنفقات، أو يضطر رب الأسرة لترك عمله لبعده عن مكان إقامته والبحث عن فرصة عمل جديدة، مما يزيد القلق والتوتر، ويؤثر بالسلب على الاستقرار الأسري».


مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
TT

مصر: قمة قياسية للدولار تنذر بعودة «السوق السوداء»

الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)
الجنيه المصري واصل هبوطه أمام الدولار تحت تأثير الحرب في إيران (رويترز)

ارتفع سعر صرف الدولار الأميركي مقابل الجنيه خلال تعاملات، الاثنين، بشكل قياسي في مصر. وأظهرت شاشات التداول تحركاً صعودياً جديداً للعملة الأميركية في عدد من البنوك الكبرى، لتتخطى حاجز 54 جنيهاً للمرة الأولى، وسط تباين بين خبراء الاقتصاد حول عودة «السوق السوداء» مجدداً.

وأعلنت وزارة الداخلية المصرية ضبط متهمين بإخفاء عملات أجنبية. وقالت في بيان، الاثنين، إنه «استمراراً للضربات الأمنية ضد جرائم الاتجار غير المشروع بالنقد الأجنبي والمضاربة بأسعار العملات عن طريق إخفائها عن التداول والاتجار بها خارج نطاق السوق المصرفية، تم ضبط عدد من قضايا الاتجار في العملات الأجنبية بقيمة 9 ملايين جنيه خلال 24 ساعة».

وواصل الدولار ارتفاعه مقابل العملة المصرية خلال الأسبوع الحالي، وكان الجنيه قد اختتم عام 2025 بأداء قوي، فيما يتزايد اهتمام المواطنين بمتابعة سعر الدولار بشكل يومي، نظراً إلى ارتباطه المباشر بأسعار السلع والخدمات خاصة المستوردة منها، وسط مخاوف من «عودة السوق السوداء».

وكانت مصر قد شهدت أزمة سابقة في توافر العملة الصعبة استمرت سنوات، وخلقت تبايناً كبيراً بين السعر الرسمي للدولار و«السوق السوداء» التي جاوز فيها الدولار آنذاك 60 جنيهاً. وأثّرت الأزمة حينها على توافر السلع والخدمات وعمل العديد من القطاعات، مما دفع إلى اتخاذ قرار بـ«تعويم الجنيه»، ليرتفع بعدها سعر الدولار من نحو 30 جنيهاً في البنوك إلى 50 جنيهاً.

ويرى أستاذ الاقتصاد، الدكتور محمد علي إبراهيم، أن «أزمة الحرب الحالية قد تفتح الباب مجدداً لعودة (السوق السوداء)». وعزز رأيه بالقول إن «الطلب سوف يزداد على الدولار بغرض الاكتناز واعتباره (ملاذاً آمناً)، وهذا الطلب المتزايد على العملة الأميركية سوف يدفع إلى وجود (سوق سوداء)، خصوصاً في ظل تراجع إيرادات قناة السويس، والسياحة، وتأثر تحويلات المصريين العاملين في الخارج».

مواطن مصري يستبدل دولارات داخل مكتب صرافة وسط القاهرة (رويترز)

لكن إبراهيم يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الأزمة أكبر من عودة (السوق السوداء) للعملة، وتتمثل في الخطوات المقبلة خصوصاً مع استمرار أمد الحرب الإيرانية وتداعياتها، فالدولار عالمياً يرتفع على حساب كل العملات الآسيوية، والاقتصاد المصري مرهون بالدولار، لذا حدث ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد». ويوضح أن «هذا المشهد يعيدنا إلى (المربع صفر)، وسيدفع إلى ضغوط تضخمية كبيرة على الاقتصاد القومي»، وفق قوله. ويضيف أن «جميع الجهود التي تمت خلال الفترة الماضية من أجل الحد من التضخم قد تأثرت الآن، والأخطر هو الذهاب إلى ركود تضخمي».

وتشهد مصر موجات مرتفعة من التضخم وسط توقعات أن يشهد معدله في مارس (آذار) الحالي ارتفاعاً كبيراً مقارنة بالشهور الماضية. وسجل معدل التضخم على أساس شهري في فبراير (شباط) الماضي 2.7 في المائة، مقابل 1.2 في المائة في يناير (كانون الثاني) الماضي.

لكن الخبير الاقتصادي، الدكتور وليد جاب الله، يرى أن «الارتفاع القياسي للدولار ليس مؤشراً على عودة (السوق السوداء)». ودلل على ذلك بقوله إن «البنوك توفر الدولار وتقدم سعر صرف مرناً، وتوفر الاحتياجات المطلوبة من الدولار، لذا لا توجد (سوق سوداء)».

ويوضح أن «عودة (السوق السوداء) تكون مرتبطة بعدم وجود إتاحة للدولار في البنوك، وعدم الإتاحة يحدث عند استنفاد الاحتياطي بإتاحات من الاحتياطي وليست بإتاحات من البنوك نفسها». ويضيف لـ«الشرق الأوسط» أن «الجنيه يشهد انخفاضات يومية، فماذا سيحدث له أقل من ذلك في (السوق السوداء)؟». ويلفت إلى أن «سعر الدولار مقابل الجنيه صعد من 46 إلى 54 جنيهاً للدولار الواحد، وهذا الرقم لو كان في (السوق السوداء) فلن يصل إليه»، على حد قوله.

رئيس الوزراء المصري خلال لقاء سابق مع مديرة صندوق النقد الدولي (مجلس الوزراء المصري)

ووفق الإعلامي المصري، عمرو أديب، فإن «بعض التجار في السوق المحلية يتعاملون بحساسية شديدة مع تطورات سعر الدولار». وأشار خلال برنامجه التلفزيوني، مساء السبت الماضي، إلى أن «بعض التجار يحسبون سعر الدولار عند مستويات تصل إلى 60 و70 جنيهاً، وهو ما ينعكس في النهاية على المواطن المصري».

وتنفّذ الحكومة المصرية برنامجاً اقتصادياً مع صندوق النقد الدولي، منذ مارس 2024، بقيمة 8 مليارات دولار، وتلتزم فيه القاهرة بتحرير سعر صرف الجنيه وفق آليات السوق (العرض والطلب)، بخفض دعم الوقود والكهرباء وسلع أولية أخرى، مما دفع إلى موجة غلاء يشكو منها مصريون.

وحدّد الصندوق موعد المراجعة السابعة لبرنامج التسهيل الممدد لمصر في 15 يونيو (حزيران) المقبل، تمهيداً لصرف 1.65 مليار دولار، فيما ستُعقد المراجعة الثامنة الأخيرة في 15 نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل، تمهيداً لصرف شريحة مماثلة قيمتها 1.65 مليار دولار.

ويرى جاب الله أن «استمرار أمد الحرب الإيرانية سوف يدفع إلى ارتفاع في سعر الدولار بالبلاد»، مشيراً إلى أن «مصر من جانبها رشّدت إنفاقها، وقللت دوام العمل في الأسبوع، وجميع هذه الإجراءات تقلل الخطر، لكن الخطر لا يزال قائماً».

وأعلنت الحكومة المصرية أخيراً إجراءات لترشيد الإنفاق العام، تضمنت إرجاء وتجميد مجموعة من بنود النفقات غير الملحة، و«الإغلاق المبكر» للمحال التجارية، وتخفيض استهلاك الكهرباء في الشوارع.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
TT

صندوق النقد الدولي: حرب إيران تُحدث صدمة عالمية

شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)
شعار صندوق النقد الدولي على مقره في واشنطن (رويترز)

حذر صندوق النقد الدولي، يوم الاثنين، من أن الحرب في الشرق الأوسط تسببت في اضطراب خطير لاقتصادات دول المواجهة، وتُلقي بظلالها على آفاق العديد من الاقتصادات التي بدأت للتو في التعافي من أزمات سابقة.

وفي مدونة نشرها كبار خبراء الاقتصاد في الصندوق، قال صندوق النقد الدولي إن الحرب التي شنتها الضربات الأميركية والإسرائيلية على إيران في 28 فبراير (شباط) تسببت في صدمة عالمية، لكنها غير متكافئة، وأدت إلى تشديد الأوضاع المالية.

حسب الصندوق، تسبب إغلاق إيران لمضيق هرمز وتضرر البنية التحتية الإقليمية في أكبر اضطراب تشهده سوق النفط العالمية في التاريخ. وسيتوقف الكثير على مدة الحرب، ومدى اتساع رقعة انتشارها، وحجم الأضرار التي ستلحقها بالبنية التحتية وسلاسل الإمداد.

وأشار صندوق النقد الدولي إلى أن الدول منخفضة الدخل معرضة بشكل خاص لخطر انعدام الأمن الغذائي، نظراً لارتفاع أسعار الغذاء والأسمدة، وقد تحتاج إلى مزيد من الدعم الخارجي في وقت تُقلّص فيه العديد من الاقتصادات المتقدمة مساعداتها الدولية.

وكتب الاقتصاديون: «على الرغم من أن الحرب قد تُؤثر على الاقتصاد العالمي بطرق مختلفة، فإن جميع الطرق تؤدي إلى ارتفاع الأسعار وتباطؤ النمو».

وأعلن صندوق النقد الدولي أنه سيصدر تقييماً أكثر شمولاً في تقريره «آفاق الاقتصاد العالمي»، المقرر نشره في 14 أبريل (نيسان)، خلال اجتماعات الربيع لصندوق النقد الدولي والبنك الدولي في واشنطن.

وأشار الباحثون إلى أن استمرار ارتفاع أسعار الطاقة والغذاء سيؤدي إلى تفاقم التضخم عالمياً، مُلاحظين أن الارتفاعات المُستمرة في أسعار النفط تاريخياً تميل إلى رفع التضخم وخفض النمو. وأضافوا أن الحرب قد تُؤجج أيضاً التوقعات باستمرار ارتفاع التضخم لفترة أطول، ما قد يُترجم إلى ارتفاع الأجور والأسعار، ويُصعّب احتواء الصدمة دون تباطؤ حاد في النمو.