مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

العراق تحول من بلد ترانزيت إلى مستخدم لها.. وحزب الله حول بفتاوى من طهران لبنان مركزًا لترويجها

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
TT

مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران

قبل أيام أعلن رئيس مركز مكافحة المخدرات في الشرطة الإيرانية، الجنرال علي مؤيدي، عن اعتقال 260 ألف شخص في قضايا تتعلق بالمخدرات، 180 ألفا منهم متاجرا و80 ألف مدمنا، وضبط 420 طنا من أنواع المخدرات وتفكيك ما لا يقل عن ألفي عصابة تهريب مخدرات في غضون تسعة أشهر الماضية.
رغم ذلك تبقى إيران أكبر معبر (ترانزيت) للمخدرات في العالم فضلا عن کونها من أكثر البلدان استهلاكا لها. وبحسب مصادر مطلعة فإن موقوفين بتهمة الاتجار بالمخدرات في سجن «كارون» الواقع في الأحواز، ذكروا أنهم كانوا «ضحية» أجهزة مخابرات إيرانية في عملية تهريب المخدرات من أفغانستان إلى العراق. وتشير المعلومات أن العصابات المرتبطة بشخصيات وجهات متنفذة هي التي تملك قوة التحرك والنشاط في تهريب السلع والمخدرات من دون ملاحقة أمنية التي غالبا ما تشمل صغار المتاجرين.
بل إن هناك أدلة على أن الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له الذي يتزعمه قاسم سليماني يتولى الإشراف على عمليات تهريب المخدرات إلى العراق، بما فيه إقليم كردستان، ومن العراق إلى دول الخليج، فيما تؤكد مصادر لبنانية أن حزب الله استحصل فتاوى شرعية من إيران لترويج المخدرات. «الشرق الأوسط» تلتقط في هذا التحقيق كيف يستخدم النظام الإيراني المخدرات التي تفتك بالمجتمع الإيراني سلاحا لزعزعة خصومه.
تؤكد المعلومات المتوفرة أن تهريب المخدرات «المنظم» إلى داخل العراق بدأ مع التدخل الإيراني عبر الميليشيات وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة برعاية جهاز المخابرات الدولي الإيراني ومخابرات الحرس الثوري وفيلق القدس.
وكشف المساعد الدولي في مركز مكافحة المخدرات، أسد الله هادي نجاد، أن أكثر من 35 في المائة من المخدرات المنتجة في أفغانستان، تمر من إيران باتجاه الدول الأخرى. وبحسب المسؤول الإيراني الرفيع تعد إيران الطريق المثالي لعصابات الاتجار بالمخدرات كما تشهد إيران استثمارا واسعا من قبل العصابات المهربة للمخدرات في إنتاج المخدرات الصناعية وتهريبها وتوزيعها في المناطق الأخرى. ويقدر إنتاج المخدرات في أفغانستان بستة آلاف و400 طن سنويا بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وکشف رئيس مرکز مکافحة المخدرات التابع للشرطة الإيرانية عن شبكة تهريب مخدرات دولية وتشير المعلومات التي وردت على لسان الجنرال علي مؤيدي إلى أن العصابة الدولية نشطت في محافظات بلوشستان وقم وسمنان وطهران بأساليب «معقدة» قبل تفكيكها على يد شرطة مكافحة المخدرات واعتقال عشرة من أعضاء العصابة وضبط ثلاثة أطنان.
وتقدر السيولة المالية لتجارة المخدرات في إيران بأكثر من عشرة آلاف مليار تومان إيراني بحسب وزير الداخلية الإيراني، رحمان فضلي، الذي أكد أن تلك الأموال تلعب دورا أساسيا في السياسة الداخلية الإيرانية عبر تمويلها الحملات الانتخابية. وقبل ذلك، كان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد قد لمح إلى تورط الحرس الثوري في السيطرة على السوق السوداء وتهريب السلع والمخدرات عندما وصفهم في إحدى خطبه بـ«إخوتنا المهربين».
وبحسب تحقیق صحافي نشره «رادیو زمانه» الإيراني فی مارس (آذار) 2015 فإن مواقف متعددة من المسؤولين الإيرانيين أظهرت في السنوات الأخيرة دور السلطة الإيرانية ودوائر حكومية في التهريب الدولي للمخدرات. ووفقا للتحقيق فإن الدبلوماسي الإيراني السابق في اليابان، أبو الفضل إسلامي، ذكر أن دور الحرس الثوري في تهريب المخدرات بدأ منذ ثمانينات القرن الماضي عقب تراجع أسعار النفط وأشار التحقيق إلى تصريح وزير العدل الإيراني، مصطفى بور محمدي في يناير (كانون الثاني) 2013 مع صحيفة «تجارت فردا» الذي كشف النقاب عن دور بعض الأجهزة الإيرانية في التهريب الدولي للمخدرات قائلا: «من المؤكد أن المخدرات بأي صورة خيانة بالبشرية ولا منافع فيما تقوم به بعض المؤسسات. ومن يفعل ويفكر بذلك يضر البلد ولا مصلحة لنا فيه».
وأشار التحقيق إلى مسؤولين إيرانيين دعوا إلى تأمين «معبر آمن» لعصابات تهريب المخدرات من الحدود الأفغانية إلى الحدود الغربية في إيران ردا على قطع المساعدات الأجنبية لإيران لمكافحة المخدرات وكان المدعي العام الإيراني السابق، دري نجف آبادي من بين الذين دعوا إلى ذلك في 2004 كما صدرت مواقف مشابهة من أعضاء سابقين في لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه وأحمد بيش بين. وبدوره كان عضو المكتب الإعلامي في حكومة أحمدي نجاد قد أثار جدلا واسعا عندما اقترح أن تقوم إيران بفتح طريق لعبور المخدرات ضد الدول الغربية التي طالبت بتحسين أوضاع حقوق الإنسان ووقف الإعدامات في إيران.
يشار إلى أن الحرس الثوري يتكفل منذ سنوات بتأمين الحدود الشرقية مع باكستان وأفغانستان وهو ما يثير الشكوك حول علاقته بعصابات تهريب المخدرات ومسارات مرورها إلى الدول الأخرى وبحسب التحقيق المشار إليه، فإن صحيفة «التايمز» في 2011 أفادت نقلا عن العضو السابق في مخابرات الحرس الثوري، سجاد حق بناه، أن الحرس الثوري متورط بتهريب المخدرات وتوزيعها في منطقة الشرق الأوسط فيما وضعت وزارة الخزانة الأميركية في مارس 2012، القيادي في فيلق قدس الإيراني، غلام رضا باغباني على لائحة العقوبات الإيرانية.
وكان الكونغرس الأميركي قد كشف في تقرير له صدر في 2012، عن علاقة إيران وحزب الله بعصابات تهريب المخدرات في المكسيك وفقا لاعترافات أدلى بها منصور عرب سيار الذي خطط لاغتيال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير عندما كان سفيرا لبلاده في واشنطن.
راجت في العراق لرخص ثمنها وتراخي الرقابة
يؤكد محافظ ديالى السابق عمر الحميري إن أكثر من 90 في المائة من المخدرات والحشيشة التي تدخل إلى العراق مصدرها إيران عبر الحدود الشاسعة الممتدة مع العراق وخصوصا مع محافظة ديالى وأن تدفق تلك المواد السامة يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني في العراق والمحافظة.
وقال الحميري لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الموضوع الخطير كان قد أثار اهتمام إدارة محافظة ديالى سابقًا والأجهزة الأمنية فيها، وتم إلقاء القبض على عدد من العصابات التي تقوم بإدخال كميات هائلة من المواد المخدرة كالحبوب والحشيشة وغيرها ونقلها إلى جميع المحافظات العراقية، والغريب في الأمر أن تلك العصابات المنظمة ازداد نشاطها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة مما تسبب في انتشار ظاهرة الإدمان بين الشباب وأكدت دراسة قامت بها إحدى الفرق الصحية والرقابية أن المخدرات انتشرت بين الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة في المحافظة وباقي محافظات العراق».
وأضاف الحميري «يقينًا أن هناك غطاء سياسيا لتلك العصابات التي تقوم بنقل المواد المخدرة والحشيشة بهذه الكميات الهائلة إلى العراق، وأن ما يحدث يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني باعتبار أن الإدمان وسيلة لخلق المجرمين للإضرار بالصالح العام في اتجاهات مختلفة، بينما في المقابل نشهد سكوتا من قبل الجهاز الأمني المعني (مديرية مكافحة الجرائم) عن هذا الأمر بل تبدو هذه المديرية بعيدة كل البعد عما يجري من بيع وشراء وترويج لتلك المخدرات داخل المحافظة التي يجري بيعها بشكل علني وأمام أنظار الناس».
يذكر أن تجارة المخدرات راجت في العراق بعد أحداث 2003. جراء التراخي الأمني الذي ساد في تلك الفترة. وأشارت تقارير دولية صدرت عن مكتب مكافحة المخدرات في الأمم المتحدة إلى أن العراق تحول إلى محطة ترانزيت لتهريب المخدرات من إيران وأفغانستان نحو دول الخليج العربي، محذرة في الوقت نفسه من احتمال تحوله إلى بلد مستهلك.
من جهته، قال الناشط المدني العراقي عدي الزيدي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «مما لا شك فيه أن الجميع يعلم أن المخدرات هي آفة أسوأ من الحروب وكان العراق من أنظف الدول ليس على المستوى الإقليمي بل حتى على المستوى العالمي حتى عام 2003 عندما غزت أميركا العراق وقامت بحل جميع الأجهزة الأمنية ومنها جهاز مكافحة المخدرات ليصبح العراق بعد ذلك سوقا رائجة للمخدرات الإيرانية ولدينا في الجنوب والناصرية خصوصا يباع أكثر من 400 كيلو من الحشيشة والمخدرات الأخرى أسبوعيًا بين الحين والآخر تلقي السلطات الأمنية القبض على عصابة تتاجر بالمخدرات لكن لتنشط أخرى». ويضيف «بينما كانت حالات التعاطي في العراق لا تتعدى مائتي حالة قبل الاحتلال وكان المدمنون يتلقون العلاج في معاهد خاصة للعلاج، هناك الآن عشرات الآلاف ممن يتعاطون المخدرات من دون أي مكافحة أو عزل أو علاج». ويوضح أن المخدرات «تأتي الآن على شكل معسل الذي يستعمل للنرجيلة ويكون سعره أقل بكثير من سعره في الدول الأخرى والهدف هو نشر هذا الطاعون بين الشباب وتدمير المجتمع العراقي خصوصا عناصره الشابة».
وأضاف الزيدي «أن القانون العراقي كان يعاقب كل من يساهم بنقل المخدرات أو يستخدمها بالإعدام، لكن بعد التغيير عام 2003، أصبحت المخدرات مصدرا مهما لتمويل الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة وتبييض الأموال».
ويقول رواد أحد المقاهي الشعبية في منطقة العشار وسط مدينة البصرة في جنوب العراق إن سعر سيجارة الحشيشة الإيرانية رخيص جدًا قياسًا بباقي البلدان حيث لا يتعدى سعرها الدولار ونصف دولار، مشيرا إلى أن إقبال الشباب عليها أخذ يزداد بشكل خطير، حيث يمكن لآلاف العاطلين عن العمل من الشباب وصغار السن تناولها بسبب رخص ثمنها ويتهافت هؤلاء الشباب على تدخين الحشيشة هربا من ظروفهم الاجتماعية السيئة كفقدان المعيل أو البطالة.
بدوره أكد صاحب مقهى آخر أن «انخفاض أسعار الحشيشة جلب لنا زبائن أكثر رغم أننا لا نقدمها لهم في مقهانا، لكننا نرى غالبية الشباب يضعون على الشيشة التي يطلبونها من المقهى الحشيشة، وهناك حشيشة النرجيلة، والأفيون الإيراني والأفغاني».
طهران تستخدمها لتخريب أوضاع إقليم كردستان
وفي كردستان تعددت أشكال الخطر الإيراني على الإقليم الذي يمتلك حدودا طويلة مع إيران. فبالإضافة إلى التدخلات السياسية والأمنية لنظام طهران وأجهزته في الإقليم ومحاولاته لقطع المياه على مناطق الإقليم المختلفة، يعمل النظام الإيراني من خلال خطة موسعة يشرف عليها قادة الحرس الثوري وفيلق القدس والاطلاعات الإيرانية (المخابرات والاستخبارات) منذ سنوات على ضخ كميات كبيرة من المواد المخدرة إلى الإقليم ونشرها بين الشباب بطرق مختلفة.
وكشف خالد وَنَوشة، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني - إيران، لـ«الشرق الأوسط»: «يكثف النظام الإيراني محاولاته من أجل ضخ هذه السموم بشكل سري إلى داخل إقليم كردستان، وتشترك كافة مؤسسات النظام الإيراني في إنجاز هذا المخطط للنيل من الإقليم وشعب كردستان، ويشرف على تنفيذه بشكل رسمي قيادة الاطلاعات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني عن طريق شبكات التجسس التابعة للاطلاعات، ونما انتشار هذه الآفة بشكل ملحوظ بين الشباب لأن النظام الإيراني يعمل بشكل متواصل من أجل نشر أكبر كمية من هذه المواد بين الشباب الكرد، وضرب المجتمع الكردي وتحطيم الإنسان الكردي وتدمير إقليم كردستان وهذا ما تسعى إليه طهران».
وكشف وَنَوشة أن «قنصليتي إيران في أربيل والسليمانية بإقليم كردستان منشغلتان بتخريب الأوضاع في الإقليم، من خلال التجسس بالإضافة إلى أن قسما من المواد المخدرة تدخل الإقليم عن طريق موظفي هاتين القنصليتين، فهما أصبحتا مركزين لاستخدام هذا السلاح ضد إقليم كردستان، كذلك تعملان باستمرار عن طريق التواصل مع الأشخاص التابعين لإيران على الإشراف على هذه العملية».
من جهته، يوضح حسين يزدان بنا، قائد الجناح العسكري لحزب الحرية الكردستاني الإيراني، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يشرف أشخاص عاديون على تجارة المواد المخدرة في إيران، لأن الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية التابعة لنظام طهران هي التي تمارس هذه التجارة وتشرف عليها، سواء داخل إيران أو عملية تصديرها إلى الدول المجاورة، وتجارتها وتصديرها محصوران بيد الحرس الثوري والاطلاعات وفيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني، ويشرف كل معسكر من معسكرات هذه القوات على دولة معينة في المنطقة، مثلا معسكر رمضان يختص بشؤون العراق، ومعسكر حمزة خاص بتركيا وأذربيجان، أما دول الخليج العربي فخصص النظام لها مجموعة من المعسكرات، وكل معسكر من هذه المعسكرات مسؤول عن إدارة ومراقبة وتصدير هذه المواد المخدرة إلى هذه الدول، والهدف من تصدير هذه المواد ليس تجاريا بل هي وسيلة سياسية يستخدمها النظام في طهران لإنشاء أزمات في المجتمع الكردي، والمجتمعات الأخرى المستهدفة والمجاورة لإيران»، مشيرا إلى أن هذه العمليات «تنفذها إيران بشكل سري جدا بحيث لا يمكن معرفة الإحصائيات الخاصة بالكميات المصدرة من هذه المواد، وتجري هذه العمليات على طول الشريط الحدودي في غرب وجنوب إيران مع العراق، والمؤسسات الأمنية في الإقليم تلقي أسبوعيا القبض على الكثير من الأشخاص الذين ينقلون هذه المواد إلى الإقليم».
في لبنان.. حزب الله دخل على الخط بقوة بعد عام 2000
بعد إنهاء حزب الله اللبناني عملياته العسكرية في منطقة القصير السورية وبعض مناطق القلمون القريبة من هذه المنطقة عام 2013، أعلن عن اكتشاف الكثير من الأماكن التي كانت «الجماعات المتطرفة» تستخدمها لإنتاج «حبوب الكبتاغون» وتصنيعها، ومن ثم تصديرها إلى السوقين اللبنانية والسورية لتمويل نفقاتها العسكرية والأمنية أو استخدامها بين أفرادها الذين تدفع بهم إلى المعارك، خاصة العمليات الانتحارية، حسب توصيف وسائل الإعلام التابعة لهذا الحزب.
لكن مصادر لبنانية واسعة الاطلاع تشكك بهذه الرواية لأنه كان يفترض بها – إذا صحت – أن تؤدي إلى تراجع حجم وكمية المواد المشابهة المنتشرة في الأسواق اللبنانية أولا، وأن تتراجع عمليات التهريب عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية اللبنانية باتجاه دول العالم خاصة دول الخليج ثانيا. إلا أن عمليات التهريب بعد هذا التاريخ، وبجهد بسيط وفي تتبع فقط لما أعلنته الأجهزة الأمنية اللبنانية وسلطات الأمن العام في المنافذ الرسمية، لم تتراجع، بل ارتفع منسوبها وكذلك حجم وكمية المواد التي حاول تجار المخدرات تهريبها من لبنان إلى مختلف الاتجاهات.
والحقيقة التي تتكشف من جراء متابعة العمليات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، تظهر وجود مصانع كبيرة وضخمة تعمل في مناطق مختلفة على الأراضي اللبنانية وتتمتع بحماية أمنية من أطراف نافذة في لبنان، تقوم على تصنيع كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون وتسهل عملية تهريبها عبر المنافذ الرسمية برعاية من قوى الأمر الواقع التي تملك نفوذا في هذه المنافذ وتتحكم بها.
وقبل عام 2000 لم يدخل حزب الله في دائرة المستفيدين من عمليات زراعة وتصنيع المخدرات، على الرغم من انتشاره الكبير وتأييده الواسع بين الجماعات والعشائر التي تقوم على زراعة الممنوعات، خاصة في منطقة البقاع وبعلبك الهرمل. لكنه في المقابل لم يقم بأي خطوة للحد من هذه الظاهرة أو المساهمة في محاربتها ومحاربة زراعتها، على الرغم من أنها تتعارض مع التعاليم والأحكام الشرعية والدينية والفقهية التي كان يدعو ويحض الناس على تطبيقها، مفضلا عدم الدخول في مواجهة مع الجماعات التي تقوم بزراعتها حتى لا يخسر تأييد العشائر التي ينتمون لها.
لكنه وبعد عام 2000. أي بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ظهرت لديه الحاجة للحصول على معلومات استخباراتية من الجانب الإسرائيلي، فلجأ إلى الاستحصال على فتاوى شرعية من مرجعيته الدينية في إيران، بجواز استخدام المخدرات وتوريدها إلى شبكات تهريب إسرائيلية مؤلفة من ضباط وجنود إسرائيليين مقابل الحصول على معلومات عسكرية وأمنية يستخدمها في إطار التخطيط للعمليات التي يقوم بها ضد الإسرائيليين.
وهذا الأسلوب سبق أن اعتمده حزب الله في التعامل مع قوات جيش أنطوان لحد التابع لإسرائيل قبل عام 2000، حيث كان ينسق بعض العلميات للاستيلاء على المواقع العسكرية من دون قتال ليستخدمها في الترويج الإعلامي والعسكري لقدراته في مواجهة الأعداء والخصوم.
هذه المخدرات كان مصدرها إيران، خاصة عبر أجهزة الحرس الثوري، التي كانت تصادرها قوات الأمن الإيرانية من شبكات التهريب التي كانت تخرج من أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية باتجاه أوروبا.
وخلال الحرب الإسرائيلية عام 2006. جرى حديث جدي عن أن الأموال التي رصدتها إيران لمساعدة حزب الله في إعادة الإعمار والتي وصلت إلى حدود 4 مليارات دولار، أنها أموال جاءت من كولومبيا، أي أن إيران استغلت علاقتها بكارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية وقامت بتبييض أموالهم ونقلها إلى لبنان «المال النظيف» لمساعدة حزب الله، ما يقلل عليها الفاتورة المالية.
وتقول مصادر في شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الأموال والإرهاب في الجمارك اللبنانية بأنه في عام 2007 ضبطت هذه الشعبة كميات من «بودرة» جاهزة للتحويل إلى حبوب الكبتاغون على معبر العبودية على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا، وصادرت 103 كيلوغرامات منها. وكانت هذه الحادثة أول المؤشرات على بداية ظهور هذا النوع الجديد في لبنان حسب هذه المصادر.
وتضيف، أن السنوات العشر الأخيرة، نشطت صناعة الكبتاغون داخل سوريا في ظل حكم بشار الأسد، وعمدت عصابات التهريب إلى استخدام الأراضي اللبنانية كمحطة «ترانزيت» باتجاه دول الخليج والأسواق الأوروبية، في حين كان لبنان مشهورا بالاتجار بمادة الكوكايين التي كانت تنتج من زراعة الأفيون أو نبتة الخشخاش في سهول البقاع والهرمل.
وتقول شعبة مكافحة المخدرات بأن عمليات التهريب من سوريا بعد الأزمة في هذا البلد نشطت بشكل كبير، خاصة في ظل عدم قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على ضبط الحدود بسبب عدم قدرتها على القيام بواجباتها بسبب انتشار قوى الأمر الواقع في إشارة إلى سيطرة حزب الله على المنطقة وتحويلها إلى منطقة عسكرية لعناصر ميليشياته.
الوضع الأمني والعسكري المستجد في سوريا، حول لبنان من بلد «معبر» إلى بلد «مصنع» وأصبحت معامل التصنيع تنتج حبوب الكبتاغون داخل الأراضي اللبنانية داخل مناطق أمنية لا يمكن للدولة أن تدخلها أو تراقبها. لكنها اكتفت بعمليات ضبط الكثير من عمليات التهريب ومصادرة المواد الأولية المستخدمة في التصنيع في المنافذ الرسمية.
وتصنيع الكبتاغون لا يحتاج إلى معدات ضخمة، فالآلة المستخدمة في تصنيعه هي عبارة عن ماكينة تصنيع «شوكولا» بعد إدخال تعديلات عليها لإنتاج حبوب صغيرة. وعند تشغيل ماكينة تصنيع الحبوب فإنها تكون قادرة على إنتاج نحو 700 حبة في الدقيقة، أو ما يقارب مائة ألف حبة في اليوم.
ويكاد يكون من شبه المؤكد أن حزب الله أو المحسوبين عليه أو المقربين منه بعد عام 2006 تولوا مهمة تصنيع حبوب الكبتاغون، إذ تفيد تقارير صحافية مدعومة بمصادر معلومات أمنية أن هذا الحزب عمد إلى استيراد الآلات الخاصة في صناعة هذه الحبوب من إيران في إطار المساعدات العينية التي قدمتها إيران ومؤسسة حرس الثورة للحزب ولبنان تحت غطاء دعم الشعب اللبناني بعد حرب يوليو (تموز) 2006.
ويعتبر هاشم الموسوي، شقيق النائب عن حزب الله في البقاع حسين الموسوي (أبو هشام) أحد أبرز وأخطر مصنعي حبوب الكبتاغون وأكبر المهربين. إذ عمد إلى إنشاء مصنعين لإنتاج هذه الحبوب واحد في منطقة بعلبك داخل مبنى أسسه ليكون حوزة علمية دينية وآخر في منطقة «التيرو» في صحراء الشويفات جنوب العاصمة بيروت تحت عنوان «مصنع نايلون» وكل مصنع وصلت قدرته الإنتاجية إلى مائة ألف حبة يوميا.
وكان حزب الله يرسل ما ينتجه من هذه الحبوب عبر شبكات تهريب سورية – لبنانية، إلى الساحل السوري وتركيا التي تعتبر طريق أول نحو أوروبا، كما أنه يقوم بنقلها إلى دمشق ودرعا لتصل السعودية عبر الطريق البري من الأردن، بالإضافة إلى طرقات التهريب عبر البادية السورية إلى العراق، والتي كانت سهلة بفضل شبكات المخابرات السورية والعراقية المتعاونة مع الحزب.
وتفيد تقارير تابعت هذه الصناعة أن تصنيع هذه الحبوب انتقل على عدة مراحل إلى الداخل السوري، وتركز في عدة مناطق منها حمص وجرود القلمون القريبتان من مصدر المواد الأولية في البقاع اللبناني، حيث كان يشرف عليه عدد من الصيادلة السوريين، ومنهم صيدلانية من مدينة حمص ألقي القبض عليها قبل عدة سنوات، كما تم إلقاء القبض على رئيس شبكة التهريب والتصنيع هذه، المدعو أبو عباس، وهو من بلدة سورية على الحدود اللبنانية السورية.
وأبو عباس هذا هو المسؤول عن فتح معامل تصنيع الكبتاغون في سوريا منذ بداية 2006، كما أنه المسؤول عن تهريب الحبوب إلى السعودية، الأمر الذي دفع السعودية لمطالبة السلطات السورية أواخر 2010 بالقبض عليه وتسليمه لها، وبالفعل تم القبض على أبو عباس حينها، غير أن نظام الأسد أفرج عنه مع بداية الثورة السورية، ليتضاعف نشاطه عما كان عليه.
وكان عام 2013 محطة مفصلية في علاقة حزب الله بمصانع الكبتاغون في منطقة البقاع شرق لبنان، عندما قامت دورية من القوى الأمنية بمداهمة حوزة الإمام الحسين للعلوم الدينية التي أسسها هاشم الموسوي، وعهد بإدارة الحوزة إلى الشيخ عباس ناصر. عندها لم يسمح لعناصر القوة الأمنية من دخول الحوزة إلا بعد أن قام الشيخ عباس بنقل صناديق قال للطلاب الذين قاموا بحملها بأنها تحتوي على مجموعة من الكتب إلى منزل يقع خلف الحوزة. فلم تجد القوة المداهمة ما كانت تبحث عنه.
لم يطل الأمر حتى أقفلت الحوزة بالشمع الأحمر، بعد أن تم مداهمتها بغتة ومن دون سابق إنذار وعثر في داخلها على كميات من حبوب الكبتاغون، ما أكد أن هذه الحوزة كانت تستخدم من قبل هاشم الموسوي كغطاء ديني لتصنيع وترويج حبوب الكبتاغون. ويتم تصديرها إلى الخارج خاصة إلى العراق وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الخليجية خاصة المملكة العربية السعودية، والتي كانت تعتبر حسب هذه الشبكة أكثر الأسواق استهدافا.
بعد التحقيقات الأولية مع الموقوفين، أحيلت القضية على القضاء اللبناني، فبدأ حزب الله تحركا سريعا لإبقاء القضية بعيدا عن الرأي العام والإعلام، وبذل جهودا حثيثة من أجل تمييعها ودفنها في مهدها. فعين الحزب محاميا للموقوفين منع إجراء أي تحقيق قضائي معهم عبر استمراره بتقديم الدفوع الشكلية بحجة مراجعة الملف على مدى أكثر من سنة. في إطار مخطط واضح يهدف إلى إماتة القضية في الإعلام من أجل الضغط على القضاء لاحقا لإطلاق سراح المتهمين. بعد سنة ونصف على اكتشاف القضية وإلقاء القبض على بعض المتورطين أصبح المتهمون خارج السجن حيث أطلق سراحهم بكفالة مالية قدرها مليونا ليرة لبنانية. وهذا ما أثار استغرابا واسعا في المجتمع اللبناني، ثم جرى تهريب هاشم إلى العراق وفق ما أفادت عدة مصادر لبنانية.



«نشطاء السلام» في إسرائيل مُصرون على إعلاء صوتهم وسط محاولات للمنع

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يتحدث أمام فعالية «قمة السلام الشعبية» في القدس 9 مايو الماضي (أ.ف.ب)
النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يتحدث أمام فعالية «قمة السلام الشعبية» في القدس 9 مايو الماضي (أ.ف.ب)
TT

«نشطاء السلام» في إسرائيل مُصرون على إعلاء صوتهم وسط محاولات للمنع

النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يتحدث أمام فعالية «قمة السلام الشعبية» في القدس 9 مايو الماضي (أ.ف.ب)
النائب العربي في الكنيست الإسرائيلي أيمن عودة يتحدث أمام فعالية «قمة السلام الشعبية» في القدس 9 مايو الماضي (أ.ف.ب)

في الوقت الذي تحولت فيه كلمة «سلام» إلى لعنة مخيفة في إسرائيل، وبات تعبير «دولة فلسطينية» كابوساً مرعباً، أعلنت 80 منظمة منضوية تحت لواء «شراكة السلام» وبعض الأحزاب السياسية العربية عن تنظيم سلسلة نشاطات ترفع فيها من جديد رايات السلام، رغم الأجواء القاتمة والتراجع في قوة الحركات الشبيهة.

وبدأت النشاطات، الثلاثاء، بمؤتمر في الكنيست، ضد سياسة «الترانسفير» التهجير التي تنظمها الحكومة مع المستوطنين والجيش في عدة تجمعات فلسطينية في الضفة الغربية، وتستمر بندوتين في تل أبيب، اليوم الأربعاء، وغداً الخميس، حول السبل لإعلاء صوت السلام من جديد، وتعقبهما مظاهرة كبرى، مساء السبت، في حيفا، وتختتم بمظاهرة إسرائيلية - فلسطينية مشتركة في الضفة الغربية في 12 من الشهر الحالي.

وقد وضع المبادرون لهذه النشاطات عدة عناوين، مثل: «الحدود لن تفرّق بيننا» و«إنهاء الاحتلال ووقف إرهاب المستوطنين والنضال من أجل سلام عادل، وأمن، وحرية للجميع، هي مهمة مقدسة للحفاظ على الأجيال القادمة من جرائم تجار الحرب». وسيعلن عن برنامجها في وقت لاحق.

محاولات منع

ورغم أن «قوى السلام» في إسرائيل قليلة العدد والنشاط، فإن هذه المبادرة تواجه بحملة تحريض شرسة من الحكومة وأحزابها؛ إذ حاول رئيس الكنيست، أمير أوحانا، منع النشاط الأول فيها بالقوة، من خلال الضغط على النائبين عن الجبهة الديمقراطية للسلام والمساواة، عايدة توما سليمان وعوفر كسيف.

وعندما أصر النائبان على موقفهما في استغلال حقهما في تنظيم المؤتمر، تم إرسال نواب من «الليكود» ومن حزب الوزير المتطرف إيتمار بن غفير للتخريب، وعقد المؤتمر في إحدى قاعات الكنيست تحت عنوان «هكذا يُنفّذ الترانسفير: تجمعات فلسطينية تحت الهجوم»، وسط أجواء تحريض قادها نواب اليمين، ومحاولات للتهديد والعرقلة ومنع انعقاد المؤتمر.

مظاهرة في تل أبيب نظمتها حركة «السلام معاً» العربية اليهودية (أرشيفية - أ.ف.ب)

وفي البداية، حاول المخربون التشويش من خارج القاعة، لكنهم بعدئذ اقتحموها، ومعهم رئيس كتل الائتلاف الحكومي أوفير كاتس، وقد حاولوا تعطيل المداخلات والتهجّم على المشاركين ومنع عرض الشهادات. ورافقت ذلك صرخات فاشية، وتهديدات بترحيل العرب، وتحريض مباشر عليهم، في محاولة لإسكات كل صوت يكشف عن سياسة الاحتلال ومشاريع التهجير والتطهير العرقي ضد الفلسطينيين.

وافتتحت النائبة عايدة توما سليمان المؤتمر بالتأكيد على أن ما يجري في الضفة الغربية ليس اعتداءات هامشية ولا تجري من قبل ثلة فقط، بل هي جزء من سياسة منظمة تهدف إلى تحويل الاحتلال من حالة عسكرية مؤقتة إلى استعمار دائم ومتواصل.

من جانبه، قال النائب كسيف إن ما تشهده الضفة الغربية في الفترة الأخيرة هو «إرهاب يومي يمارسه المستوطنون تحت حماية قوات الاحتلال»، مؤكداً أن هذا الإرهاب لم يعد مجرد اعتداءات متفرقة على الأشجار أو الحقول، بل تحوّل إلى اعتداءات وعمليات قتل وترهيب، دون محاسبة جدية ودون اعتقال المسؤولين عنها.

وقدّمت المحامية روني بيلي، مديرة القسم القانوني في منظمة «يش دين»، عرضاً حول تقرير المنظمة «مستوطنون بزي عسكري»، الذي يوثّق عنف مواطنين إسرائيليين يرتدون الزي العسكري ضد فلسطينيين في الضفة الغربية.

«دولة فلسطينية الآن»

وفي إطار التحضير لمظاهرة حيفا، السبت، أصدرت المنظمات بياناً دعت فيه إلى الحشد الواسع حتى تكون مظاهرة ضخمة ضد الاحتلال وممارساته، واختارت لها العنوان «59 عاماً من الاحتلال - دولة فلسطينيّة الآن!».

النائب العربي في الكنيست أيمن عودة خلال مظاهرة في تل أبيب نوفمبر 2023 ضد الحرب في غزة (أ.ف.ب)

وأكد المنظمون أن الحرب العدوانيّة التي تشنّها حكومة نتنياهو في السنوات الأخيرة على كافة الجبهات ما هي إلا استمرار لعقلية الاحتلال والاستيطان الاستعمارية التي تسيطر على هذه الحكومة وشاكلتها في السنوات الأخيرة. وقالوا في بيانهم إن «السلام ليس أملاً مفقوداً بل هدف سام لا يجوز التنازل عنه خصوصاً لمن لا يريد حقاً منع تكرار 7 أكتوبر (2023)».

وستنطلق المظاهرة، مساء السبت، من «ساحة الحناطير - دوّار باريس» في البلدة التحتا في حيفا لتختتم بمهرجان احتجاجي سياسي في الساحة البلدية في تقاطع شارعي الفرس/ ألنبي. وأعلن المنظمون عن تنظيم سفريّات من عشرات البلدان لتسهيل وصول المشاركين إلى موقع المظاهرة.


إردوغان يحذر المعارضة من إشعال الاستقطاب في تركيا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
TT

إردوغان يحذر المعارضة من إشعال الاستقطاب في تركيا

الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)
الرئيس التركي رجب طيب إردوغان متحدثاً خلال فعالية في أنقرة الأربعاء (الرئاسة التركية)

حذر الرئيس التركي رجب طيب إردوغان من محاولات «التأثير على استقرار تركيا» أو زيادة حدة الاستقطاب فيها، عقب انتقادات حادة من أحزاب المعارضة للحكومة بشأن أزمة القيادة في حزب «الشعب الجمهوري».

وقال إردوغان: «لا يتعدى برنامجهم الصراع على السلطة، والشتائم، والمظاهرات؛ فهم يصفون من أعلنوهم أبطالهم بالأمس بالخونة اليوم، هذا شأنهم الداخلي ولا علاقة لنا به». وأضاف إردوغان، خلال كلمة في فعالية في أنقرة، الأربعاء: «نكتفي بمتابعة جميع النقاشات التي نراها غير لائقة بالسياسة التركية من مسافة آمنة. ورغم العبارات البذيئة الموجهة إليّ، وإلى حكومتنا، وحزبنا (العدالة والتنمية)، وتحالفنا (تحالف الشعب الذي يضم أيضاً حزب الحركة القومية)، فإننا نحافظ على هدوئنا بحرص شديد».

مظاهرة لأنصار أوزيل في إسطنبول احتجاجاً على عزله من رئاسة حزب «الشعب الجمهوري» (أ.ب)

وشدّد إردوغان على أن الدولة «لن تتهاون مُطلقاً مع أي محاولات تهدف إلى هزّ الاستقرار الداخلي أو إثارة الشغب في الشوارع، أو تحريض الشعب ضد قوات الأمن وإشعال الاستقطاب، تحت أي ذريعة كانت». وأكد أن بلاده لا تحتاج إلى مناوشات وتجاذبات جديدة، بل تحتاج بشكل مُلحّ إلى التوافق، والوحدة، ومعالجة القضايا المصيرية؛ مثل مسار «تركيا بلا إرهاب» (عملية السلام مع الأكراد)، بعيداً عن الجدل والمناكفات، والمساهمة بصدق لدعم جهود التوصل إلى حلول جذرية.

تجاذب في «الشعب الجمهوري»

جاءت تحذيرات إردوغان وسط تجاذب حاد بين جبهتي حزب «الشعب الجمهوري»، بعدما شكّل كمال كليتشدار أوغلو، الذي أعادته المحكمة إلى رئاسة الحزب «مؤقتاً»، لجنة تنفيذية مركزية من 19 عضواً. وأعلن عن عقد اجتماع المجلس المركزي للحزب في 11 يونيو (حزيران) الحالي، في حين اعتبر رئيس الحزب المنتخب، المعزول «مؤقتاً»، أوزغور أوزيل، أن الخطوات التي يقوم بها كليتشدار أوغلو «باطلة»، مُعلناً عن عقد اجتماع لمجلس الحزب، ومؤكداً ضرورة انعقاد مؤتمر عام استثنائي للحزب لاختيار رئيسه وأعضاء مجالس إدارته بحلول 25 يوليو (تموز).

واتفق خبراء قانونيون، من بينهم أرسين شن وإسماعيل إمره تيلجي، على سلامة موقف أوزيل، لافتين إلى أن قرار المحكمة المتعلق بالبطلان المطلق للمؤتمر العام العادي للحزب في عام 2023 والمؤتمرات اللاحقة عليه، لا يؤثر على ميثاق النظام الأساسي الذي أُقرّ في سبتمبر (أيلول) 2024.

كليتشدار أوغلو أطلق حماماً أبيض خلال تجمع أمام مقر حزب «الشعب الجمهوري» في أنقرة يوم 30 مايو (رويترز)

وكشف كليتشدار أوغلو، في تصريحات نشرت الأربعاء، عن استمرار تمسكه بالإجراءات الاحترازية وانتظار صدور قرار من محكمة النقض في الطعون على قرار محكمة الاستئناف الإقليمية في أنقرة بشأن بطلان المؤتمر العام للحزب.

ورداً على ما أعلنه أوزيل بشأن جمع توقيعات ما يقرب من 900 من مندوبي الحزب لعقد مؤتمر استثنائي في غضون 45 يوماً، قال كليتشدار أوغلو إنه لن يحضر المؤتمر العام قبل أن يتم «تطهير الحزب»، لا سيما وأن هناك تحقيقات جارية بشأن اعترافات 8 مندوبين في إسطنبول بتلقي رشاوى.

انتقاد حادّ للحكومة

في الوقت ذاته، تواصلت ردود الفعل الغاضبة من جانب أحزاب المعارضة على قرار المحكمة ببطلان المؤتمر العام لحزب«الشعب الجمهوري». وقال رئيس حزب «الجيد»، مساوات درويش أوغلو، الأربعاء: «لا يمكن أن نتجاهل ببساطة الدخول القسري لقوات الأمن إلى مقر حزب (الشعب الجمهوري)، وتعيين وصي عليه باعتباره قراراً قضائياً، لأننا نعلم جيداً ونتذكر القرارات التي تسببت في إعدام عدنان مندريس عام 1960، والأقلام التي كُسرت بموجب مذكرة قضائية عام 1971، وكل ما جرى بعد عام 1980، والأحزاب المغلقة، والسجن، والمحاكمات، والحظر، والسجون. كلها قرارات قضائية... لا نريد جمهورية يحكمها أوصياء».

الأحزاب التركية تنتقد الحكومة بسبب اقتحام قوات الأمن مقر حزب «الشعب الجمهوري» في أنقرة يوم 24 مايو الماضي (رويترز)

بدوره، قال رئيس حزب «المستقبل» رئيس وزراء تركيا الأسبق أحمد داود أوغلو إن على حزب «الشعب الجمهوري» كهيكل سياسي مهم أن يجري تقييماً ذاتياً، حتى يتجنب تدميره من خلال الصراعات الداخلية، ووجّه النصيحة نفسها لحزب «العدالة والتنمية» الحاكم.

أما رئيس حزب «السعادة» محمود إريكان، فرأى أن الحديث عن تطهير الدولة من الفساد لا ينبغي أن يقتصر على بلديات المعارضة فحسب، بل يجب أن يمتد إلى أولئك الذين يتخذون القرارات بناءً على توجيهات المحاكم العليا، وتطهير الإعلام، وعالم الأعمال.


هل تجاهل ترمب التحذيرات بشأن مضيق هرمز؟

ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية في فلوريدا 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية في فلوريدا 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)
TT

هل تجاهل ترمب التحذيرات بشأن مضيق هرمز؟

ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية في فلوريدا 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)
ترمب يتحدث إلى الصحافيين قبل صعوده إلى الطائرة الرئاسية في فلوريدا 23 مارس 2026 (أ.ف.ب)

في منتصف فبراير (شباط)، قبل وقت قصير من شن الرئيس دونالد ترمب الحرب على إيران، أجرى «الحرس الثوري» الإيراني تدريبات بالذخيرة الحية في مياهها الساحلية. ونشرت وسائل الإعلام الإيرانية الرسمية خبر هذه التدريبات، التي أوضح اسمها الرسمي الغرض منها: «التحكم الذكي بمضيق هرمز».

كان هذا التدريب بمثابة ضوء تحذير أحمر وامض لإدارة ترمب — وهو تحذير لم يلتفت إليه إلى حد كبير، لأسباب لا تزال غير واضحة تماماً.

في غضون أيام من بدء الحرب، فرض الجيش الإيراني سيطرته على المضيق، مهدداً الناقلات التجارية بالقوارب والصواريخ والطائرات المسيّرة. وتوقفت حركة الشحن البحري. وارتفعت أسعار الطاقة. ووجد ترمب نفسه محاصراً في مأزق استراتيجي.

وبعد ثلاثة أشهر، أصبحت سيطرة إيران على المضيق أقوى أسلحتها، ومصدر نفوذ هائلاً في المفاوضات مع ترمب حول برنامجها النووي.

وقد كافح الرئيس، الذي اعتاد على إخضاع خصومه لإرادته، لإخفاء غضبه. وفي منشور على وسائل التواصل الاجتماعي في أبريل (نيسان)، طالب ترمب بلغة بذيئة «الأوغاد المجانين» الذين يقودون إيران بفتح المضيق، «وإلا ستعيشون في الجحيم». وسخر الجيش الإيراني من تهديد ترمب ووصفه بأنه علامة على العجز.

لكن رد إيران لم يكن جنونياً ولا مفاجئاً، كما يقول الكثير من المسؤولين الأميركيين السابقين الذين أمضوا ساعات في محاكاة الرد المحتمل لإيران على هجوم أميركي كبير.

لسنوات، أجرت الحكومة الأميركية محاكاة حربية تتناول النزاعات المحتملة مع إيران، بما في ذلك تلك التي عُقدت في البنتاغون وحضرها العشرات من المسؤولين العسكريين وصانعي السياسات. ويقول المشاركون إنهم توصلوا مراراً وتكراراً إلى أن إيران سترد على هجوم أميركي كبير بإغلاق مضيق هرمز.

قال دينيس ب. روس، أحد كبار مسؤولي الأمن القومي في البيت الأبيض في عهد أوباما: «في كل مرة، كان أول ما نركز عليه هو المضيق — دون استثناء. افترضنا أنه إذا دخلنا في حرب مع إيران، فسيكون هذا هو ردها».

كان ترمب على دراية بهذا الخطر منذ ولايته الرئاسية الأولى على الأقل. وتذكر جون بولتون، الذي شغل منصب مستشار الأمن القومي لترمب في ولايته الأولى، أنه حاول دون جدوى إقناع الرئيس بشن حرب لتغيير النظام في طهران. وقال بولتون إن مضيق هرمز كان دائماً محوراً رئيسياً في تلك المناقشات.

وقال بولتون: «من المستحيل تصديق أن ترمب فوجئ بإغلاق المضيق». وأضاف أن السؤال الحقيقي هو لماذا بدت إدارة ترمب غير مستعدة تماماً لهذه النتيجة؟

وقالت أوليفيا ويلز، المتحدثة باسم البيت الأبيض، إنه بفضل التخطيط التفصيلي، «كانت الإدارة بأكملها مستعدة لأي إجراء يتخذه النظام الإيراني».

وأضافت: «كان الرئيس ترمب يعلم أن إيران ستحاول عرقلة حرية الملاحة والتدفق الحر للطاقة، واتخذ إجراءات لتدمير الكثير من الألغام وأكثر من 40 سفينة لزرع الألغام».

لكن نظرة إلى الوراء على الفترة التي سبقت الحرب توضح أن ترمب قلل من تقدير قدرة إيران على إغلاق المضيق، وبالغ في تقدير قدرة أميركا على إعادة فتحه إذا لزم الأمر. وفي حين لم يكشف البيت الأبيض عن تفاصيل خطته، قال خبراء ومسؤولون سابقون إن الأدلة المتاحة للجمهور تشير إلى أسباب محتملة عدة.

أحد التفسيرات البسيطة هو أن ترمب ربما توقع سقوط الحكومة الإيرانية قبل أن تتمكن من إغلاق المضيق. كما اعتقد بعض مسؤولي ترمب — خطأً — أن إيران لا تستطيع إغلاق الممر المائي دون التضحية بصادراتها النفطية، ولن ترتكب «انتحاراً اقتصادياً»، كما وصفه أحدهم.

كما بدا أن ترمب وكبار مسؤوليه يعتقدون أنه إذا حاولت إيران الاستيلاء على المضيق، فإن حلفاء الولايات المتحدة سيساعدون القوات الأميركية على استعادة السيطرة على الممر المائي. وكان ذلك أيضاً خطأً في التقدير.

وربما فاجأت تكتيكات إيران الجيش الأميركي. فقد ركزت خطط البنتاغون على افتراض أن إيران ستلغّم الممر المائي بكثافة. لكن إيران اعتمدت بدلاً من ذلك بشكل أساسي على الصواريخ الساحلية وترسانتها الجديدة نسبياً من الطائرات المسيّرة الرخيصة لمهاجمة السفن وتهديدها.

ورث ترمب مشكلة جغرافية كانت تقلق الاستراتيجيين الأميركيين منذ أوائل الحرب الباردة، عندما كانوا يخشون أن يحاول الاتحاد السوفياتي السيطرة على الممر الذي يمر عبره حالياً ما يقرب من 20 في المائة من إمدادات النفط العالمية.

على مدى العقدين الماضيين، وفي خضم التوترات المتصاعدة حول برنامجها النووي، قامت إيران في كثير من الأحيان بمضايقة حركة المرور في المضيق، بل وهددت بإغلاق الممر المائي.

بعد جولة من هذه التهديدات، في أواخر عام 2011، أرسل الرئيس باراك أوباما رسالة سرية إلى المرشد الأعلى الإيراني، آية الله علي خامنئي، محذراً من أن التدخل في المضيق يمثل «خطاً أحمر» للولايات المتحدة سيؤدي إلى رد عسكري شديد. وتراجعت إيران. وقال روس إن الدرس المستفاد هو أن إيران لن تخاطر ببقاء قيادتها من أجل المضيق.

لكن هجوم ترمب في نهاية فبراير عكس هذا الحساب، حيث شن غارات جوية أسفرت عن مقتل خامنئي ومسؤولين إيرانيين آخرين، ودعا إلى سقوط الحكومة الإيرانية.

قال كينيث م. بولاك، المحلل الاستخباراتي السابق في وكالة المخابرات المركزية (CIA) ونائب رئيس قسم السياسات في معهد الشرق الأوسط: «كنا نسعى إلى تغيير النظام. هذا هو المفتاح — ولهذا السبب أغلق الإيرانيون المضيق».

ربما كان ترمب يتوقع — أو على الأقل يأمل — تغييراً سريعاً في الحكومة من شأنه أن يمنع إيران من اتخاذ أي إجراء في المضيق. وأكد رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو لترمب أن الحكومة الإيرانية يمكن الإطاحة بها. وكان ترمب لا يزال يعيش في حالة من النشوة بعد غارة الكوماندوز في يناير (كانون الثاني) التي أسفرت عن القبض على الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو.

وشكَّك بعض مسؤولي ترمب على الأقل في أن إيران قد ترغب حتى في إغلاق المضيق، على افتراض أن مثل هذه الخطوة ستؤدي إلى إنهاء عائدات النفط المربحة للبلاد. ولطالما تهربت إيران من العقوبات الأميركية الشديدة عن طريق تصدير النفط بشكل غير مشروع عبر المضيق.

وقال وزير الخارجية ماركو روبيو لشبكة «فوكس بيزنس» في يونيو (حزيران) الماضي: «إن فعلوا ذلك، فسيكون ذلك انتحاراً اقتصادياً بالنسبة لهم. ونحن نحتفظ بخيارات للتعامل مع ذلك».

لكن سيناريو «الانتحار الاقتصادي» الذي طرحه روبيو استند أيضاً إلى افتراض خاطئ آخر: أن إيران لا تستطيع وقف معظم حركة المرور عبر المضيق دون التخلي عن صادراتها النفطية.

في جلسة استماع بمجلس الشيوخ يوم الثلاثاء، ضغط أعضاء مجلس الشيوخ الديمقراطيون الغاضبون على روبيو ليؤكد لهم أن ترمب لن يقدم تنازلات لإيران لمجرد إعادة المضيق إلى وضعه قبل الحرب.

لطالما افترض معظم المحللين أن إيران ستجعل الممر المائي غير سالك عن طريق زرع عشرات أو حتى مئات الألغام في مياهه. وهذا من شأنه أن يجعل المضيق خطيراً للغاية حتى بالنسبة لناقلات النفط الإيرانية نفسها.

وقد تكون حقيقة أن إيران لم تحاول إغلاق المضيق بعد موجة من الغارات الجوية الأميركية، المعروفة باسم «عملية مطرقة منتصف الليل»، ضد منشآتها النووية الرئيسية قبل عام، قد دعمت وجهة نظر روبيو.

لكن إيران تجنبت هذه المشكلة باستخدام عدد أقل من الألغام مما كان متوقعاً — ربما بفضل الهجمات الأميركية على قواربها المخصصة لزرع الألغام — والاعتماد على الصواريخ والطائرات المسيّرة لترويع السفن. واستمرت السفن التي تحمل النفط الإيراني، والتي لم تتعرض لهجمات بالصواريخ أو الطائرات المسيرة، في عبور المضيق لأسابيع، حتى فرض ترمب حصاراً مضاداً على حركة الملاحة البحرية الإيرانية في أبريل.

خلال جلسة استماع للجنة القوات المسلحة بمجلس الشيوخ في يونيو الماضي، استجوب المشرعون الأدميرال براد كوبر، الذي سيصبح رئيس القيادة المركزية الأميركية، حول التهديد الإيراني للمضيق وقدرة الجيش على مواجهته. وأشار كوبر إلى «حرب الألغام» وقدرات الولايات المتحدة في إزالة الألغام، لكنه لم يذكر الطائرات المسيّرة.

واعترافاً منه بأن مثل هذا السيناريو سيكون «معقداً»، أشار إلى أن الجيش يمكنه التعامل معه في غضون «أسابيع وشهور».

إن أي عملية عسكرية أميركية أحادية الجانب لفتح المضيق ستنطوي على مخاطر كبيرة بالنسبة لرئيس يواجه بالفعل غضب مؤيديه الذين آمنوا بوعوده السابقة بتجنب الحروب الفوضوية في الشرق الأوسط.

وقال بولاك، الذي أدار أو شارك في صراعات محاكاة عدة بين الولايات المتحدة وإيران، إن مثل هذه العملية ستتطلب نشر فرقة عسكرية واحدة على الأقل على الساحل الإيراني لمطاردة كامل ترسانتها من القوارب والألغام والصواريخ والطائرات المسيّرة.

وقال: «عليك أن تفتش كل منزل تقريباً على الشاطئ الشمالي للمضيق للقيام بذلك». وأضاف: «لطالما كانت هذه مشكلة صعبة للغاية. لم يفاجئني أي شيء فعله الإيرانيون».

* خدمة «نيويورك تايمز»