مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

العراق تحول من بلد ترانزيت إلى مستخدم لها.. وحزب الله حول بفتاوى من طهران لبنان مركزًا لترويجها

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
TT

مخدرات إيران تدمر شبابها.. وحرسها الثوري يوظفها سلاحًا ضد دول الجوار

صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران
صورة من وكالة «فارس» لإيرانيين وهم يتعاطون المخدرات في أحد أحياء طهران

قبل أيام أعلن رئيس مركز مكافحة المخدرات في الشرطة الإيرانية، الجنرال علي مؤيدي، عن اعتقال 260 ألف شخص في قضايا تتعلق بالمخدرات، 180 ألفا منهم متاجرا و80 ألف مدمنا، وضبط 420 طنا من أنواع المخدرات وتفكيك ما لا يقل عن ألفي عصابة تهريب مخدرات في غضون تسعة أشهر الماضية.
رغم ذلك تبقى إيران أكبر معبر (ترانزيت) للمخدرات في العالم فضلا عن کونها من أكثر البلدان استهلاكا لها. وبحسب مصادر مطلعة فإن موقوفين بتهمة الاتجار بالمخدرات في سجن «كارون» الواقع في الأحواز، ذكروا أنهم كانوا «ضحية» أجهزة مخابرات إيرانية في عملية تهريب المخدرات من أفغانستان إلى العراق. وتشير المعلومات أن العصابات المرتبطة بشخصيات وجهات متنفذة هي التي تملك قوة التحرك والنشاط في تهريب السلع والمخدرات من دون ملاحقة أمنية التي غالبا ما تشمل صغار المتاجرين.
بل إن هناك أدلة على أن الحرس الثوري وفيلق القدس التابع له الذي يتزعمه قاسم سليماني يتولى الإشراف على عمليات تهريب المخدرات إلى العراق، بما فيه إقليم كردستان، ومن العراق إلى دول الخليج، فيما تؤكد مصادر لبنانية أن حزب الله استحصل فتاوى شرعية من إيران لترويج المخدرات. «الشرق الأوسط» تلتقط في هذا التحقيق كيف يستخدم النظام الإيراني المخدرات التي تفتك بالمجتمع الإيراني سلاحا لزعزعة خصومه.
تؤكد المعلومات المتوفرة أن تهريب المخدرات «المنظم» إلى داخل العراق بدأ مع التدخل الإيراني عبر الميليشيات وعصابات المخدرات والجريمة المنظمة برعاية جهاز المخابرات الدولي الإيراني ومخابرات الحرس الثوري وفيلق القدس.
وكشف المساعد الدولي في مركز مكافحة المخدرات، أسد الله هادي نجاد، أن أكثر من 35 في المائة من المخدرات المنتجة في أفغانستان، تمر من إيران باتجاه الدول الأخرى. وبحسب المسؤول الإيراني الرفيع تعد إيران الطريق المثالي لعصابات الاتجار بالمخدرات كما تشهد إيران استثمارا واسعا من قبل العصابات المهربة للمخدرات في إنتاج المخدرات الصناعية وتهريبها وتوزيعها في المناطق الأخرى. ويقدر إنتاج المخدرات في أفغانستان بستة آلاف و400 طن سنويا بحسب تقارير الأمم المتحدة.
وکشف رئيس مرکز مکافحة المخدرات التابع للشرطة الإيرانية عن شبكة تهريب مخدرات دولية وتشير المعلومات التي وردت على لسان الجنرال علي مؤيدي إلى أن العصابة الدولية نشطت في محافظات بلوشستان وقم وسمنان وطهران بأساليب «معقدة» قبل تفكيكها على يد شرطة مكافحة المخدرات واعتقال عشرة من أعضاء العصابة وضبط ثلاثة أطنان.
وتقدر السيولة المالية لتجارة المخدرات في إيران بأكثر من عشرة آلاف مليار تومان إيراني بحسب وزير الداخلية الإيراني، رحمان فضلي، الذي أكد أن تلك الأموال تلعب دورا أساسيا في السياسة الداخلية الإيرانية عبر تمويلها الحملات الانتخابية. وقبل ذلك، كان الرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد قد لمح إلى تورط الحرس الثوري في السيطرة على السوق السوداء وتهريب السلع والمخدرات عندما وصفهم في إحدى خطبه بـ«إخوتنا المهربين».
وبحسب تحقیق صحافي نشره «رادیو زمانه» الإيراني فی مارس (آذار) 2015 فإن مواقف متعددة من المسؤولين الإيرانيين أظهرت في السنوات الأخيرة دور السلطة الإيرانية ودوائر حكومية في التهريب الدولي للمخدرات. ووفقا للتحقيق فإن الدبلوماسي الإيراني السابق في اليابان، أبو الفضل إسلامي، ذكر أن دور الحرس الثوري في تهريب المخدرات بدأ منذ ثمانينات القرن الماضي عقب تراجع أسعار النفط وأشار التحقيق إلى تصريح وزير العدل الإيراني، مصطفى بور محمدي في يناير (كانون الثاني) 2013 مع صحيفة «تجارت فردا» الذي كشف النقاب عن دور بعض الأجهزة الإيرانية في التهريب الدولي للمخدرات قائلا: «من المؤكد أن المخدرات بأي صورة خيانة بالبشرية ولا منافع فيما تقوم به بعض المؤسسات. ومن يفعل ويفكر بذلك يضر البلد ولا مصلحة لنا فيه».
وأشار التحقيق إلى مسؤولين إيرانيين دعوا إلى تأمين «معبر آمن» لعصابات تهريب المخدرات من الحدود الأفغانية إلى الحدود الغربية في إيران ردا على قطع المساعدات الأجنبية لإيران لمكافحة المخدرات وكان المدعي العام الإيراني السابق، دري نجف آبادي من بين الذين دعوا إلى ذلك في 2004 كما صدرت مواقف مشابهة من أعضاء سابقين في لجنة الأمن القومي في البرلمان الإيراني، حشمت الله فلاحت بيشه وأحمد بيش بين. وبدوره كان عضو المكتب الإعلامي في حكومة أحمدي نجاد قد أثار جدلا واسعا عندما اقترح أن تقوم إيران بفتح طريق لعبور المخدرات ضد الدول الغربية التي طالبت بتحسين أوضاع حقوق الإنسان ووقف الإعدامات في إيران.
يشار إلى أن الحرس الثوري يتكفل منذ سنوات بتأمين الحدود الشرقية مع باكستان وأفغانستان وهو ما يثير الشكوك حول علاقته بعصابات تهريب المخدرات ومسارات مرورها إلى الدول الأخرى وبحسب التحقيق المشار إليه، فإن صحيفة «التايمز» في 2011 أفادت نقلا عن العضو السابق في مخابرات الحرس الثوري، سجاد حق بناه، أن الحرس الثوري متورط بتهريب المخدرات وتوزيعها في منطقة الشرق الأوسط فيما وضعت وزارة الخزانة الأميركية في مارس 2012، القيادي في فيلق قدس الإيراني، غلام رضا باغباني على لائحة العقوبات الإيرانية.
وكان الكونغرس الأميركي قد كشف في تقرير له صدر في 2012، عن علاقة إيران وحزب الله بعصابات تهريب المخدرات في المكسيك وفقا لاعترافات أدلى بها منصور عرب سيار الذي خطط لاغتيال وزير الخارجية السعودي، عادل الجبير عندما كان سفيرا لبلاده في واشنطن.
راجت في العراق لرخص ثمنها وتراخي الرقابة
يؤكد محافظ ديالى السابق عمر الحميري إن أكثر من 90 في المائة من المخدرات والحشيشة التي تدخل إلى العراق مصدرها إيران عبر الحدود الشاسعة الممتدة مع العراق وخصوصا مع محافظة ديالى وأن تدفق تلك المواد السامة يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني في العراق والمحافظة.
وقال الحميري لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الموضوع الخطير كان قد أثار اهتمام إدارة محافظة ديالى سابقًا والأجهزة الأمنية فيها، وتم إلقاء القبض على عدد من العصابات التي تقوم بإدخال كميات هائلة من المواد المخدرة كالحبوب والحشيشة وغيرها ونقلها إلى جميع المحافظات العراقية، والغريب في الأمر أن تلك العصابات المنظمة ازداد نشاطها بشكل ملحوظ في الفترة الأخيرة مما تسبب في انتشار ظاهرة الإدمان بين الشباب وأكدت دراسة قامت بها إحدى الفرق الصحية والرقابية أن المخدرات انتشرت بين الشباب ممن تتراوح أعمارهم بين 15 و30 سنة في المحافظة وباقي محافظات العراق».
وأضاف الحميري «يقينًا أن هناك غطاء سياسيا لتلك العصابات التي تقوم بنقل المواد المخدرة والحشيشة بهذه الكميات الهائلة إلى العراق، وأن ما يحدث يمثل مؤامرة يراد منها خلق آفة تهدد المنظومة الاجتماعية وتزيد من أعباء المشهد الأمني باعتبار أن الإدمان وسيلة لخلق المجرمين للإضرار بالصالح العام في اتجاهات مختلفة، بينما في المقابل نشهد سكوتا من قبل الجهاز الأمني المعني (مديرية مكافحة الجرائم) عن هذا الأمر بل تبدو هذه المديرية بعيدة كل البعد عما يجري من بيع وشراء وترويج لتلك المخدرات داخل المحافظة التي يجري بيعها بشكل علني وأمام أنظار الناس».
يذكر أن تجارة المخدرات راجت في العراق بعد أحداث 2003. جراء التراخي الأمني الذي ساد في تلك الفترة. وأشارت تقارير دولية صدرت عن مكتب مكافحة المخدرات في الأمم المتحدة إلى أن العراق تحول إلى محطة ترانزيت لتهريب المخدرات من إيران وأفغانستان نحو دول الخليج العربي، محذرة في الوقت نفسه من احتمال تحوله إلى بلد مستهلك.
من جهته، قال الناشط المدني العراقي عدي الزيدي في حديث لـ«الشرق الأوسط»: «مما لا شك فيه أن الجميع يعلم أن المخدرات هي آفة أسوأ من الحروب وكان العراق من أنظف الدول ليس على المستوى الإقليمي بل حتى على المستوى العالمي حتى عام 2003 عندما غزت أميركا العراق وقامت بحل جميع الأجهزة الأمنية ومنها جهاز مكافحة المخدرات ليصبح العراق بعد ذلك سوقا رائجة للمخدرات الإيرانية ولدينا في الجنوب والناصرية خصوصا يباع أكثر من 400 كيلو من الحشيشة والمخدرات الأخرى أسبوعيًا بين الحين والآخر تلقي السلطات الأمنية القبض على عصابة تتاجر بالمخدرات لكن لتنشط أخرى». ويضيف «بينما كانت حالات التعاطي في العراق لا تتعدى مائتي حالة قبل الاحتلال وكان المدمنون يتلقون العلاج في معاهد خاصة للعلاج، هناك الآن عشرات الآلاف ممن يتعاطون المخدرات من دون أي مكافحة أو عزل أو علاج». ويوضح أن المخدرات «تأتي الآن على شكل معسل الذي يستعمل للنرجيلة ويكون سعره أقل بكثير من سعره في الدول الأخرى والهدف هو نشر هذا الطاعون بين الشباب وتدمير المجتمع العراقي خصوصا عناصره الشابة».
وأضاف الزيدي «أن القانون العراقي كان يعاقب كل من يساهم بنقل المخدرات أو يستخدمها بالإعدام، لكن بعد التغيير عام 2003، أصبحت المخدرات مصدرا مهما لتمويل الجماعات المسلحة وعصابات الجريمة المنظمة وتبييض الأموال».
ويقول رواد أحد المقاهي الشعبية في منطقة العشار وسط مدينة البصرة في جنوب العراق إن سعر سيجارة الحشيشة الإيرانية رخيص جدًا قياسًا بباقي البلدان حيث لا يتعدى سعرها الدولار ونصف دولار، مشيرا إلى أن إقبال الشباب عليها أخذ يزداد بشكل خطير، حيث يمكن لآلاف العاطلين عن العمل من الشباب وصغار السن تناولها بسبب رخص ثمنها ويتهافت هؤلاء الشباب على تدخين الحشيشة هربا من ظروفهم الاجتماعية السيئة كفقدان المعيل أو البطالة.
بدوره أكد صاحب مقهى آخر أن «انخفاض أسعار الحشيشة جلب لنا زبائن أكثر رغم أننا لا نقدمها لهم في مقهانا، لكننا نرى غالبية الشباب يضعون على الشيشة التي يطلبونها من المقهى الحشيشة، وهناك حشيشة النرجيلة، والأفيون الإيراني والأفغاني».
طهران تستخدمها لتخريب أوضاع إقليم كردستان
وفي كردستان تعددت أشكال الخطر الإيراني على الإقليم الذي يمتلك حدودا طويلة مع إيران. فبالإضافة إلى التدخلات السياسية والأمنية لنظام طهران وأجهزته في الإقليم ومحاولاته لقطع المياه على مناطق الإقليم المختلفة، يعمل النظام الإيراني من خلال خطة موسعة يشرف عليها قادة الحرس الثوري وفيلق القدس والاطلاعات الإيرانية (المخابرات والاستخبارات) منذ سنوات على ضخ كميات كبيرة من المواد المخدرة إلى الإقليم ونشرها بين الشباب بطرق مختلفة.
وكشف خالد وَنَوشة، القيادي في الحزب الديمقراطي الكردستاني - إيران، لـ«الشرق الأوسط»: «يكثف النظام الإيراني محاولاته من أجل ضخ هذه السموم بشكل سري إلى داخل إقليم كردستان، وتشترك كافة مؤسسات النظام الإيراني في إنجاز هذا المخطط للنيل من الإقليم وشعب كردستان، ويشرف على تنفيذه بشكل رسمي قيادة الاطلاعات الإيرانية والحرس الثوري الإيراني عن طريق شبكات التجسس التابعة للاطلاعات، ونما انتشار هذه الآفة بشكل ملحوظ بين الشباب لأن النظام الإيراني يعمل بشكل متواصل من أجل نشر أكبر كمية من هذه المواد بين الشباب الكرد، وضرب المجتمع الكردي وتحطيم الإنسان الكردي وتدمير إقليم كردستان وهذا ما تسعى إليه طهران».
وكشف وَنَوشة أن «قنصليتي إيران في أربيل والسليمانية بإقليم كردستان منشغلتان بتخريب الأوضاع في الإقليم، من خلال التجسس بالإضافة إلى أن قسما من المواد المخدرة تدخل الإقليم عن طريق موظفي هاتين القنصليتين، فهما أصبحتا مركزين لاستخدام هذا السلاح ضد إقليم كردستان، كذلك تعملان باستمرار عن طريق التواصل مع الأشخاص التابعين لإيران على الإشراف على هذه العملية».
من جهته، يوضح حسين يزدان بنا، قائد الجناح العسكري لحزب الحرية الكردستاني الإيراني، لـ«الشرق الأوسط»: «لا يشرف أشخاص عاديون على تجارة المواد المخدرة في إيران، لأن الحرس الثوري الإيراني والأجهزة الأمنية التابعة لنظام طهران هي التي تمارس هذه التجارة وتشرف عليها، سواء داخل إيران أو عملية تصديرها إلى الدول المجاورة، وتجارتها وتصديرها محصوران بيد الحرس الثوري والاطلاعات وفيلق القدس الذي يقوده قاسم سليماني، ويشرف كل معسكر من معسكرات هذه القوات على دولة معينة في المنطقة، مثلا معسكر رمضان يختص بشؤون العراق، ومعسكر حمزة خاص بتركيا وأذربيجان، أما دول الخليج العربي فخصص النظام لها مجموعة من المعسكرات، وكل معسكر من هذه المعسكرات مسؤول عن إدارة ومراقبة وتصدير هذه المواد المخدرة إلى هذه الدول، والهدف من تصدير هذه المواد ليس تجاريا بل هي وسيلة سياسية يستخدمها النظام في طهران لإنشاء أزمات في المجتمع الكردي، والمجتمعات الأخرى المستهدفة والمجاورة لإيران»، مشيرا إلى أن هذه العمليات «تنفذها إيران بشكل سري جدا بحيث لا يمكن معرفة الإحصائيات الخاصة بالكميات المصدرة من هذه المواد، وتجري هذه العمليات على طول الشريط الحدودي في غرب وجنوب إيران مع العراق، والمؤسسات الأمنية في الإقليم تلقي أسبوعيا القبض على الكثير من الأشخاص الذين ينقلون هذه المواد إلى الإقليم».
في لبنان.. حزب الله دخل على الخط بقوة بعد عام 2000
بعد إنهاء حزب الله اللبناني عملياته العسكرية في منطقة القصير السورية وبعض مناطق القلمون القريبة من هذه المنطقة عام 2013، أعلن عن اكتشاف الكثير من الأماكن التي كانت «الجماعات المتطرفة» تستخدمها لإنتاج «حبوب الكبتاغون» وتصنيعها، ومن ثم تصديرها إلى السوقين اللبنانية والسورية لتمويل نفقاتها العسكرية والأمنية أو استخدامها بين أفرادها الذين تدفع بهم إلى المعارك، خاصة العمليات الانتحارية، حسب توصيف وسائل الإعلام التابعة لهذا الحزب.
لكن مصادر لبنانية واسعة الاطلاع تشكك بهذه الرواية لأنه كان يفترض بها – إذا صحت – أن تؤدي إلى تراجع حجم وكمية المواد المشابهة المنتشرة في الأسواق اللبنانية أولا، وأن تتراجع عمليات التهريب عبر المنافذ البرية والبحرية والجوية اللبنانية باتجاه دول العالم خاصة دول الخليج ثانيا. إلا أن عمليات التهريب بعد هذا التاريخ، وبجهد بسيط وفي تتبع فقط لما أعلنته الأجهزة الأمنية اللبنانية وسلطات الأمن العام في المنافذ الرسمية، لم تتراجع، بل ارتفع منسوبها وكذلك حجم وكمية المواد التي حاول تجار المخدرات تهريبها من لبنان إلى مختلف الاتجاهات.
والحقيقة التي تتكشف من جراء متابعة العمليات التي قامت بها الأجهزة الأمنية، تظهر وجود مصانع كبيرة وضخمة تعمل في مناطق مختلفة على الأراضي اللبنانية وتتمتع بحماية أمنية من أطراف نافذة في لبنان، تقوم على تصنيع كميات كبيرة من حبوب الكبتاغون وتسهل عملية تهريبها عبر المنافذ الرسمية برعاية من قوى الأمر الواقع التي تملك نفوذا في هذه المنافذ وتتحكم بها.
وقبل عام 2000 لم يدخل حزب الله في دائرة المستفيدين من عمليات زراعة وتصنيع المخدرات، على الرغم من انتشاره الكبير وتأييده الواسع بين الجماعات والعشائر التي تقوم على زراعة الممنوعات، خاصة في منطقة البقاع وبعلبك الهرمل. لكنه في المقابل لم يقم بأي خطوة للحد من هذه الظاهرة أو المساهمة في محاربتها ومحاربة زراعتها، على الرغم من أنها تتعارض مع التعاليم والأحكام الشرعية والدينية والفقهية التي كان يدعو ويحض الناس على تطبيقها، مفضلا عدم الدخول في مواجهة مع الجماعات التي تقوم بزراعتها حتى لا يخسر تأييد العشائر التي ينتمون لها.
لكنه وبعد عام 2000. أي بعد الانسحاب الإسرائيلي من لبنان، ظهرت لديه الحاجة للحصول على معلومات استخباراتية من الجانب الإسرائيلي، فلجأ إلى الاستحصال على فتاوى شرعية من مرجعيته الدينية في إيران، بجواز استخدام المخدرات وتوريدها إلى شبكات تهريب إسرائيلية مؤلفة من ضباط وجنود إسرائيليين مقابل الحصول على معلومات عسكرية وأمنية يستخدمها في إطار التخطيط للعمليات التي يقوم بها ضد الإسرائيليين.
وهذا الأسلوب سبق أن اعتمده حزب الله في التعامل مع قوات جيش أنطوان لحد التابع لإسرائيل قبل عام 2000، حيث كان ينسق بعض العلميات للاستيلاء على المواقع العسكرية من دون قتال ليستخدمها في الترويج الإعلامي والعسكري لقدراته في مواجهة الأعداء والخصوم.
هذه المخدرات كان مصدرها إيران، خاصة عبر أجهزة الحرس الثوري، التي كانت تصادرها قوات الأمن الإيرانية من شبكات التهريب التي كانت تخرج من أفغانستان عبر الأراضي الإيرانية باتجاه أوروبا.
وخلال الحرب الإسرائيلية عام 2006. جرى حديث جدي عن أن الأموال التي رصدتها إيران لمساعدة حزب الله في إعادة الإعمار والتي وصلت إلى حدود 4 مليارات دولار، أنها أموال جاءت من كولومبيا، أي أن إيران استغلت علاقتها بكارتيلات المخدرات في أميركا اللاتينية وقامت بتبييض أموالهم ونقلها إلى لبنان «المال النظيف» لمساعدة حزب الله، ما يقلل عليها الفاتورة المالية.
وتقول مصادر في شعبة مكافحة المخدرات وتبييض الأموال والإرهاب في الجمارك اللبنانية بأنه في عام 2007 ضبطت هذه الشعبة كميات من «بودرة» جاهزة للتحويل إلى حبوب الكبتاغون على معبر العبودية على الحدود الشمالية بين لبنان وسوريا، وصادرت 103 كيلوغرامات منها. وكانت هذه الحادثة أول المؤشرات على بداية ظهور هذا النوع الجديد في لبنان حسب هذه المصادر.
وتضيف، أن السنوات العشر الأخيرة، نشطت صناعة الكبتاغون داخل سوريا في ظل حكم بشار الأسد، وعمدت عصابات التهريب إلى استخدام الأراضي اللبنانية كمحطة «ترانزيت» باتجاه دول الخليج والأسواق الأوروبية، في حين كان لبنان مشهورا بالاتجار بمادة الكوكايين التي كانت تنتج من زراعة الأفيون أو نبتة الخشخاش في سهول البقاع والهرمل.
وتقول شعبة مكافحة المخدرات بأن عمليات التهريب من سوريا بعد الأزمة في هذا البلد نشطت بشكل كبير، خاصة في ظل عدم قدرة الأجهزة الأمنية اللبنانية على ضبط الحدود بسبب عدم قدرتها على القيام بواجباتها بسبب انتشار قوى الأمر الواقع في إشارة إلى سيطرة حزب الله على المنطقة وتحويلها إلى منطقة عسكرية لعناصر ميليشياته.
الوضع الأمني والعسكري المستجد في سوريا، حول لبنان من بلد «معبر» إلى بلد «مصنع» وأصبحت معامل التصنيع تنتج حبوب الكبتاغون داخل الأراضي اللبنانية داخل مناطق أمنية لا يمكن للدولة أن تدخلها أو تراقبها. لكنها اكتفت بعمليات ضبط الكثير من عمليات التهريب ومصادرة المواد الأولية المستخدمة في التصنيع في المنافذ الرسمية.
وتصنيع الكبتاغون لا يحتاج إلى معدات ضخمة، فالآلة المستخدمة في تصنيعه هي عبارة عن ماكينة تصنيع «شوكولا» بعد إدخال تعديلات عليها لإنتاج حبوب صغيرة. وعند تشغيل ماكينة تصنيع الحبوب فإنها تكون قادرة على إنتاج نحو 700 حبة في الدقيقة، أو ما يقارب مائة ألف حبة في اليوم.
ويكاد يكون من شبه المؤكد أن حزب الله أو المحسوبين عليه أو المقربين منه بعد عام 2006 تولوا مهمة تصنيع حبوب الكبتاغون، إذ تفيد تقارير صحافية مدعومة بمصادر معلومات أمنية أن هذا الحزب عمد إلى استيراد الآلات الخاصة في صناعة هذه الحبوب من إيران في إطار المساعدات العينية التي قدمتها إيران ومؤسسة حرس الثورة للحزب ولبنان تحت غطاء دعم الشعب اللبناني بعد حرب يوليو (تموز) 2006.
ويعتبر هاشم الموسوي، شقيق النائب عن حزب الله في البقاع حسين الموسوي (أبو هشام) أحد أبرز وأخطر مصنعي حبوب الكبتاغون وأكبر المهربين. إذ عمد إلى إنشاء مصنعين لإنتاج هذه الحبوب واحد في منطقة بعلبك داخل مبنى أسسه ليكون حوزة علمية دينية وآخر في منطقة «التيرو» في صحراء الشويفات جنوب العاصمة بيروت تحت عنوان «مصنع نايلون» وكل مصنع وصلت قدرته الإنتاجية إلى مائة ألف حبة يوميا.
وكان حزب الله يرسل ما ينتجه من هذه الحبوب عبر شبكات تهريب سورية – لبنانية، إلى الساحل السوري وتركيا التي تعتبر طريق أول نحو أوروبا، كما أنه يقوم بنقلها إلى دمشق ودرعا لتصل السعودية عبر الطريق البري من الأردن، بالإضافة إلى طرقات التهريب عبر البادية السورية إلى العراق، والتي كانت سهلة بفضل شبكات المخابرات السورية والعراقية المتعاونة مع الحزب.
وتفيد تقارير تابعت هذه الصناعة أن تصنيع هذه الحبوب انتقل على عدة مراحل إلى الداخل السوري، وتركز في عدة مناطق منها حمص وجرود القلمون القريبتان من مصدر المواد الأولية في البقاع اللبناني، حيث كان يشرف عليه عدد من الصيادلة السوريين، ومنهم صيدلانية من مدينة حمص ألقي القبض عليها قبل عدة سنوات، كما تم إلقاء القبض على رئيس شبكة التهريب والتصنيع هذه، المدعو أبو عباس، وهو من بلدة سورية على الحدود اللبنانية السورية.
وأبو عباس هذا هو المسؤول عن فتح معامل تصنيع الكبتاغون في سوريا منذ بداية 2006، كما أنه المسؤول عن تهريب الحبوب إلى السعودية، الأمر الذي دفع السعودية لمطالبة السلطات السورية أواخر 2010 بالقبض عليه وتسليمه لها، وبالفعل تم القبض على أبو عباس حينها، غير أن نظام الأسد أفرج عنه مع بداية الثورة السورية، ليتضاعف نشاطه عما كان عليه.
وكان عام 2013 محطة مفصلية في علاقة حزب الله بمصانع الكبتاغون في منطقة البقاع شرق لبنان، عندما قامت دورية من القوى الأمنية بمداهمة حوزة الإمام الحسين للعلوم الدينية التي أسسها هاشم الموسوي، وعهد بإدارة الحوزة إلى الشيخ عباس ناصر. عندها لم يسمح لعناصر القوة الأمنية من دخول الحوزة إلا بعد أن قام الشيخ عباس بنقل صناديق قال للطلاب الذين قاموا بحملها بأنها تحتوي على مجموعة من الكتب إلى منزل يقع خلف الحوزة. فلم تجد القوة المداهمة ما كانت تبحث عنه.
لم يطل الأمر حتى أقفلت الحوزة بالشمع الأحمر، بعد أن تم مداهمتها بغتة ومن دون سابق إنذار وعثر في داخلها على كميات من حبوب الكبتاغون، ما أكد أن هذه الحوزة كانت تستخدم من قبل هاشم الموسوي كغطاء ديني لتصنيع وترويج حبوب الكبتاغون. ويتم تصديرها إلى الخارج خاصة إلى العراق وأفريقيا وأميركا اللاتينية والدول الخليجية خاصة المملكة العربية السعودية، والتي كانت تعتبر حسب هذه الشبكة أكثر الأسواق استهدافا.
بعد التحقيقات الأولية مع الموقوفين، أحيلت القضية على القضاء اللبناني، فبدأ حزب الله تحركا سريعا لإبقاء القضية بعيدا عن الرأي العام والإعلام، وبذل جهودا حثيثة من أجل تمييعها ودفنها في مهدها. فعين الحزب محاميا للموقوفين منع إجراء أي تحقيق قضائي معهم عبر استمراره بتقديم الدفوع الشكلية بحجة مراجعة الملف على مدى أكثر من سنة. في إطار مخطط واضح يهدف إلى إماتة القضية في الإعلام من أجل الضغط على القضاء لاحقا لإطلاق سراح المتهمين. بعد سنة ونصف على اكتشاف القضية وإلقاء القبض على بعض المتورطين أصبح المتهمون خارج السجن حيث أطلق سراحهم بكفالة مالية قدرها مليونا ليرة لبنانية. وهذا ما أثار استغرابا واسعا في المجتمع اللبناني، ثم جرى تهريب هاشم إلى العراق وفق ما أفادت عدة مصادر لبنانية.



واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
TT

واشنطن تلوّح بمزيد من الضغوط الاقتصادية على طهران

شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)
شعلة غاز على منصة إنتاج النفط بجانب العَلَم الإيراني (رويترز)

لوحت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بمزيد من الضغوط الاقتصادية على إيران بعد أيام من فرض حصار بحري على الموانئ الإيرانية ومنعها من تصدير النفط.

وقال وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت إنه يتوقع أن يتوقف شراء الصين «مؤقتاً» لنفط إيران، نظراً للحصار الأميركي المفروض على السفن التي تتجه إلى الموانئ الإيرانية أو تغادرها.

وأشار إلى أن الولايات المتحدة قد تفرض عقوبات ثانوية على الدول التي تشتري الخام الإيراني، مضيفاً أن وزارة الخزانة حذرت بنكين صينيين من التعامل مع الأموال الإيرانية، وأن ذلك سيعرضهما للعقوبات، من دون أن يسميهما.

وكانت الصين قد اشترت في السابق أكثر من 80 في المائة من صادرات النفط الإيراني.

وقال بيسنت إن الإيرانيين «يجب أن يعلموا أن هذا سيكون بمثابة رد فعل مالي مماثل لما شهدناه في العمليات النشطة»، في إشارة إلى الغارات الجوية الأميركية والإسرائيلية.

وأضاف أن الولايات المتحدة لن تجدد الإعفاءات التي سمحت بشراء بعض النفط الروسي والإيراني من دون التعرض لعقوبات، فيما يشير إلى نهاية استخدام تلك الإعفاءات لزيادة الإمدادات وخفض أسعار الطاقة.

كما قالت وزارة الخزانة الأميركية إنها فرضت عقوبات تستهدف شبكة تهريب نفط إيرانية مرتبطة بمحمد حسين شمخاني، الملقب بـ«هكتور النفط الإيراني»، وتشمل عشرات الشركات والأفراد المتهمين بنقل وبيع النفط الإيراني والروسي عبر شركات واجهة، يقع مقر العديد منها خارج إيران.

وقال بيسنت، في بيان، إن البنوك «يجب أن تكون على علم بأن وزارة الخزانة ستستخدم جميع الأدوات والصلاحيات، بما في ذلك العقوبات الثانوية، ضد أولئك الذين يواصلون دعم الأنشطة الإرهابية لطهران».

وأضاف أن الإدارة أبلغت الشركات والدول بأنه إذا كانت تشتري النفط الإيراني أو تحتفظ بأموال إيرانية في بنوكها، فإن واشنطن مستعدة الآن لتطبيق عقوبات ثانوية، «وهي إجراء صارم للغاية».

وفي سياق متصل، ذكرت صحيفة «دنيا الاقتصاد» الإيرانية، الخميس، أن إيران أوقفت جميع صادراتها من المواد البتروكيماوية لإعطاء الأولوية للإمدادات المحلية، ومنع حدوث نقص في المواد الخام، بعد اضطراب الإنتاج جراء قصف إسرائيل مراكز للبتروكيماويات.

وصدرت التعليمات في 13 أبريل (نيسان) من قبل مسؤول كبير في الشركة الوطنية للصناعات البتروكيماوية يشرف على أنشطة التكرير والتسويق والتوزيع، وطلب من شركات البتروكيماويات تعليق الصادرات حتى إشعار آخر.

ويهدف حظر التصدير في المقام الأول إلى تحقيق الاستقرار بالأسواق المحلية، وضمان توفير الإمدادات للصناعات في أعقاب الأضرار التي تسببت فيها الهجمات في الآونة الأخيرة.

وتم الحفاظ على الأسعار المحلية للبتروكيماويات والمنتجات ذات الصلة عند مستويات ما قبل الصراع، على الرغم من ارتفاع الأسعار العالمية، ويقول المسؤولون إن هذه الإجراءات ستظل سارية لدعم الصناعة المحلية والمستهلكين.

وهاجمت إسرائيل خلال الأسابيع القليلة الماضية مراكز إنتاج البتروكيماويات الرئيسية في منطقتي عسلوية وماهشهر، حيث استهدفت الغارات شركات مرافق توفر المواد الأولية لمصانع البتروكيماويات وعطلت الإنتاج.

وبدأ الجيش الأميركي، هذا الأسبوع، في منع حركة الشحن من وإلى الموانئ الإيرانية، في خطوة تهدف إلى خفض عائدات طهران من الصادرات وممارسة ضغوط عليها، في الوقت الذي يدرس فيه الدبلوماسيون الإيرانيون والأميركيون إجراء جولة ثانية من محادثات السلام.

ووفقاً لوكالة أنباء «فارس» التابعة لـ«الحرس الثوري»، تصدّر إيران نحو 29 مليون طن من المنتجات البتروكيماوية سنوياً بقيمة 13 مليار دولار.


الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
TT

الإسرائيليون يشعرون بسوء وضعهم الأمني رغم شراكة الحرب مع أميركا

قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)
قوات الأمن الإسرائيلية تعاين موقع سقوط صاروخ إيراني في حي سكني بتل أبيب 1 أبريل 2026 (أ.ف.ب)

على الرغم من الحرب التي خاضتها إسرائيل بالشراكة غير المسبوقة مع الولايات المتحدة ضد إيران، والدعم الهائل الذي تحظى به من الرئيس دونالد ترمب، تشعر الغالبية الساحقة من الإسرائيليين بالقلق وانعدام الأمان بعد الحرب التي انطلقت في 28 فبراير (شباط) الماضي مقارنة بالوضع قبلها.

وأظهرت نتائج استطلاع بحثي للرأي العام، نشره معهد أبحاث الأمن القومي في تل أبيب، الخميس، أن 29 في المائة فقط من الإسرائيليين أعطوا تقييما إيجابياً متفاوت المستويات للوضع الأمني الذي يعيشونه حالياً، مقابل 35 في المائة قدموا تقييماً سلبياً، وقدم 35 في المائة تقييماً متوسطاً.

ويشير معدو الاستطلاع إلى أن «هذه النسبة تكشف أن الشعور بالأمان لدى الإسرائيليين كان قبل الحرب (سجل 38 في المائة إيجابياً، مقابل 27 في المائة سلبياً) أفضل مما هو اليوم بعد الحرب».

إسرائيليون يتظاهرون ضد الحرب في تل أبيب (أ.ف.ب)

وحتى في صفوف مؤيدي الائتلاف الحكومي بقيادة رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو، كانت نسبة المطمئنين منخفضة نسبياً؛ 53 في المائة قالوا إن تقييمهم للوضع الأمني إيجابي، مقابل 12 في المائة فقط لدى مؤيدي المعارضة، والبقية متباينة.

ورأى 47 في المائة من ناخبي المعارضة أن الوضع الأمني سيئ، مقارنة بـ16 في المائة من ناخبي الائتلاف، وتباينت مستويات التقديرات لدى البقية.

قلق متباين على الجبهات

ويمتد القلق الإسرائيلي على جميع الجبهات؛ فعلى الجبهة اللبنانية، عبّر 84 في المائة من المستطلعة آراؤهم عن قلقهم من الوضع الأمني في لبنان (منهم 45 في المائة «بدرجة كبيرة»، و39 في المائة «بدرجة كبيرة إلى حد ما»)، مقارنة بـ51 في المائة فقط في فبراير الماضي.

وأظهر الاستطلاع أن 82 في المائة عبّروا عن قلق من إيران (49 في المائة بدرجة كبيرة، و33 في المائة إلى حد ما)، بارتفاع طفيف مقارنة بشهر فبراير (78 في المائة).

وهناك قلق حتى من الضفة الغربية وغزة، إذ أعرب 66 في المائة عن قلق أمني من الضفة الغربية (32 في المائة بدرجة كبيرة و34 في المائة إلى حد ما)، وهو ما يتوافق تقريباً مع نسبة ما قبل الحرب التي بلغت 65 في المائة. كما عبّر 63 في المائة عن قلق من غزة (29 في المائة بدرجة كبيرة و34 في المائة إلى حد ما)، بارتفاع عن فبراير (58 في المائة).

وهناك قلق أيضاً من سوريا واليمن، 35 في المائة عبّروا عن قلق من سوريا (وهي نسبة مستقرة مقارنة بـ36 في المائة في فبراير الماضي)، و33 في المائة من اليمن (ارتفاع طفيف من 31 في المائة).

ما استنتاجات زيادة القلق؟

والاستنتاج الإسرائيلي من هذا القلق هو التأييد الجارف لضرورة الاستمرار في الحرب وليس وقفها. فقد أظهر الاستطلاع أن 62 في المائة يشككون في أن الحرب في لبنان ستؤدي إلى «هدوء طويل الأمد» كما يَعِدُ نتنياهو، مقابل 29 في المائة فقط يرون أنها قد تحقق ذلك. وبيّن الاستطلاع أن 69 في المائة يدعمون استمرار الحرب ضد «حزب الله» بغض النظر عن المسار الإيراني، مقابل 23 في المائة يفضلون وقفها، و8 في المائة لا يعرفون.

كما أظهر الاستطلاع أن 61 في المائة يعارضون اتفاق وقف إطلاق النار مع إيران، مقابل 29 في المائة يؤيدونه، و10 في المائة لا يعرفون.

عمال إنقاذ في موقع صاروخ إيراني في بيت شيمش قرب القدس مارس الماضي (أ.ب)

وقدّر 30.5 في المائة أن البرنامج النووي الإيراني تضرر بشكل كبير مقابل 61.5 في المائة يرون أنه لم يتضرر أو تضرر قليلاً. وذهب 42 في المائة إلى أن منظومة الصواريخ الباليستية تضررت بشكل كبير، مقابل 51.5 في المائة لا يصدقون ويرون أنها لم تتضرر، في تراجع من 73 في المائة في بداية الحرب.

وأظهر الاستطلاع أن 31 في المائة يقدّرون أن النظام الإيراني تضرر بشكل كبير مقابل 63 في المائة يرون أنه لم يتضرر، في تراجع من 69 في المائة في الاستطلاعات السابقة.

العلاقة مع واشنطن

وبدا من الاستطلاع أن الجمهور الإسرائيلي يعرف حدود العلاقة مع الولايات المتحدة الأميركية؛ فقد أظهر الاستطلاع أن 57 في المائة تقريباً يشككون في قدرة إسرائيل على اتخاذ قرارات مستقلة عند الخلاف مع الولايات المتحدة (47 في المائة يرون القدرة محدودة، و10 في المائة تقريباً معدومة). وقال 35 في المائة فقط من المستطلعين الإسرائيليين إنهم يعتقدون بوجود قدرة على العمل باستقلالية (26.5 في المائة بدرجة كبيرة و8.5 في المائة بشكل كامل)، بالإضافة إلى 8 في المائة لا يعرفون.

ويؤكد الاستطلاع نتائج سابقة حول ثقة الجمهور الإسرائيلي بقيادته، على النحو التالي:

الثقة بالمؤسسة العسكرية حالياً

عبّر 78 في المائة من المستطلعة آراؤهم عن ثقة عالية بالجيش (منهم 42 في المائة «بدرجة كبيرة»، و36 في المائة «بدرجة كبيرة إلى حد ما»)، مقابل 20 في المائة أبدوا ثقة منخفضة، 2 في المائة لا يعرفون.

وتدل النتيجة السابقة على تراجع طفيف في هذه الثقة، من بداية الحرب، حيث كانت تبلغ النسبة 80.5 في المائة.

الثقة بالقيادة السياسية

عبّر 30 في المائة فقط عن ثقة عالية بالحكومة مقابل 69 في المائة بثقة منخفضة، في تراجع، مقارنة ببداية الحرب (34 في المائة كانوا يثقون عالياً).

وأظهر الاستطلاع أن 32 في المائة فقط عبّروا عن ثقة عالية بنتنياهو، مقابل 67 في المائة بثقة منخفضة، في تراجع تدريجي من 38 في المائة كانوا يثقون عالياً في بداية الحرب، إلى 36 في المائة في نهاية شهر مارس (آذار) الماضي.


باكستان تسابق الزمن لردم الهوة بين واشنطن وطهران

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
TT

باكستان تسابق الزمن لردم الهوة بين واشنطن وطهران

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)
عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

استمرت المشاورات المكثفة لردم الهوة بين واشنطن وطهران، مع مواصلة قائد الجيش الباكستاني عاصم منير لقاءاته كبار المسؤولين، في وقت تحدثت فيه مصادر عن تقدم في بعض القضايا الخلافية، مقابل استمرار تباينات جوهرية حول الملف النووي وذلك وسط تفاؤل أميركي حذر، وضغوط اقتصادية متصاعدة، وتشدد عسكري متبادل في مضيق هرمز.

وقال مصدران إيرانيان لـ«رويترز» إن المفاوضين الأميركيين والإيرانيين خفضوا سقف طموحاتهم في التوصل إلى اتفاق سلام شامل، ويسعون بدلا ​من ذلك إلى الاتفاق على مذكرة تفاهم مؤقتة لمنع عودة الصراع.

ويأتي هذا التحول عقب محادثات غير حاسمة عقدت مطلع الأسبوع في إسلام اباد، إذ لا تزال الخلافات العميقة حول البرنامج النووي الإيراني، بما في ذلك مصير مخزونات اليورانيوم المخصب ومدة تعليق طهران للأنشطة النووية، تُهدد التقدم المحرز رغم تصريحات متفائلة من مسؤولين أمريكيين ووسطاء باكستانيين.

وفي ثاني أيام زيارته إلى طهران، أجرى المشير عاصم منير محادثات مع رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف، قبل أن يلتقي قائد «عمليات هيئة الأركان المشتركة» علي عبد اللهي.

وذكرت وسائل إعلام إيرانية أن منير قدم تقريراً لقائد العمليات الإيرانية عن الإجراءات التي اتخذتها بلاده في إطار الجهود الرامية إلى إنهاء الحرب، إضافة إلى نتائج مشاوراته في طهران، مؤكداً استمرار باكستان في هذه المساعي ودفع مسار المفاوضات.

من جهته، قال عبد اللهي، خلال لقائه منير، إن بدء الهجوم من جانب العدو جاء نتيجة «سوء تقدير» حيال الشعب الإيراني، ولا سيما قدرات القوات المسلحة الدفاعية، معرباً عن تقديره لمواقف الحكومة والشعب في باكستان الداعمة لإيران خلال الحربين «المفروضتين» الثانية والثالثة.

وأضاف عبد اللهي أن حضور الإيرانيين في الميدان ودعمهم للقوات المسلحة شكّل عاملاً أساسياً، مشيراً إلى أن جميع المعدات التي استخدمتها إيران في الحرب كانت «محلية الصنع» ومن إنتاج الشباب الإيراني. وأكد أنه «لا أحد يشك اليوم» في أن القوات المسلحة الإيرانية مستعدة لـ«الدفاع الشامل» إذا أقدم العدو على أي اعتداء جديد.

جاء لقاء منير وعبد اللهي بعدما ذكرت مصادر إيرانية مطلعة إن مسار المحادثات في باكستان، الذي أشرف عليه قاليباف، أثار غضب أوساط متنفذة في «الحرس الثوري»، خصوصاً جناح محمد باقر ذو القدر، أمين عام مجلس الأمن القومي، وحليفه عبد اللهي.

وكان منير قد أجرى محادثات مع قاليباف، في مقر الوزارة الخارجية، بحضور الوزير عباس عراقجي، ونائبه في الشؤون الدولية والقانونية، كاظم غريب آبادي وهو صهر ذو القدر.

وربط قاليباف بين مسار وقف إطلاق النار في إيران ولبنان، وقال في منشور على منصة «إكس» إن على الولايات المتحدة «الالتزام بالاتفاق»، معتبراً أن «إيران والمقاومة روح واحدة، في الحرب كما في وقف إطلاق النار»، وداعياً واشنطن إلى التراجع عما وصفه بخطأ «إسرائيل أولاً».

وأضاف أن تثبيت وقف إطلاق النار الشامل في لبنان سيكون، بحسب تعبيره، نتيجة «صمود حزب الله ووحدة محور المقاومة». وفي وقت لاحق، قال خلال اتصال هاتفي مع رئيس مجلس النواب اللبناني نبيه بري إن وقف إطلاق النار في لبنان «يحظى بالأهمية نفسها» التي يحظى بها وقف إطلاق النار في إيران.

ونقل بيان عن قاليباف قوله إنه «يتابع باستمرار الأوضاع في لبنان ومسار وقف إطلاق النار»، مشيراً إلى أن هذا الملف «مهم جداً» بالنسبة إلى طهران. وأضاف أنه خلال مفاوضات إسلام آباد وما بعدها، تسعى إيران «بشكل جدي إلى إلزام الخصوم بوقف دائم لإطلاق النار في جميع مناطق القتال وفقاً لاتفاق الهدنة»، مضيفاً أن وقف إطلاق النار في لبنان «له نفس أهمية وقف إطلاق النار في إيران».

في المقابل، أفادت معلومات نشرتها وكالة «تسنيم» بأن إيران لا تزال تبدي «شكوكاً جدية» حيال حسن نيات الولايات المتحدة بشأن الجولة المقبلة من المفاوضات، رغم ما أوردته وسائل إعلام أميركية عن احتمال عقدها في عطلة نهاية الأسبوع.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وأضافت الوكالة أن طهران ترى أن «نقض العهد» الأميركي منذ بداية التفاوض واستمرار هذا النهج حتى الآن يجعلان فرص نجاح أي جولة جديدة ضعيفة. وأكدت أن إيران أبلغت الوسيط الباكستاني أن على الولايات المتحدة أولاً الالتزام بتعهداتها، وثانياً التراجع عن ما وصفته بـ«المطالب المفرطة» في المفاوضات.

وبينما يسعى الوسيط الباكستاني إلى عقد جولة ثانية من المحادثات، ترى طهران أن هذه الجولة «لن تكون ذات جدوى» ما لم تُستكمل المقدمات اللازمة ويُتوصل أولاً إلى إطار واضح يحكمها.

والترمت طهران على المستوى الرسمي الصمت بشأن تفاصيل زيارة الوفد الباكستاني الذي يضم وزير الداخلية محسن نقوي. وقالت باكستان إن زيارة منير، تأتي ضمن «جهود جماعية» لتعزيز السلام الإقليمي وتهدئة التوترات. وقال المتحدث باسم وزارة الخارجية الباكستانية طاهر أندرابي إن إسلام آباد حظيت بتقدير على «مشاركتها الدبلوماسية البناءة» في دعم خفض التصعيد ووقف إطلاق النار والسعي إلى الاستقرار بين الولايات المتحدة وإيران.

وأضاف أندرابي أن باكستان شجعت الحوار، وسهلت تبادل الرسائل، وساعدت في توفير مساحة لمفاوضات ذات مغزى، مثل المحادثات الأخيرة بين الولايات المتحدة وإيران. لكنه أوضح، الخميس، أن موعد جولة ثانية من المحادثات بين الجانبين لم يتحدد بعد، رغم استعداد الطرفين لاستئناف التفاوض.

وساطة تقليص الخلافات

وقالت باكستان إن وقف إطلاق النار في لبنان سيكون أيضاً بنداً أساسياً في أي محادثات سلام مقبلة، في ظل إصرار إيران على شمول التهدئة لهذه الجبهة، بينما تقول الولايات المتحدة وإسرائيل إن الحملة الإسرائيلية على «حزب الله» لا تشملها اتفاقية وقف إطلاق النار مع إيران.

جاءت التحركات الباكستانية بعد فشل الجولة الأولى من المحادثات الأميركية - الإيرانية في التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب.

واندلعت الحرب في 28 فبراير بهجمات أميركية وإسرائيلية على إيران، ما أدى إلى رد إيراني بقصف دول الجوار وإعادة إشعال الصراع بين إسرائيل و«حزب الله». وأسفرت الحرب عن سقوط آلاف القتلى، معظمهم في إيران ولبنان، وأدت إلى ارتفاع تكاليف الطاقة وإثارة قلق واسع لدى المستثمرين وصناع السياسات.

وقال مسؤول إيراني كبير لـ«رويترز»، الخميس، إن زيارة عاصم منير إلى طهران ساهمت في تقليص الخلافات في بعض المسائل، ما عزز الآمال في تمديد وقف إطلاق النار الممتد لأسبوعين واستئناف المحادثات بين طهران وواشنطن. وأضاف أن الوسيط الباكستاني أحرز تقدماً بشأن «قضايا شائكة»، لكنه أشار إلى أن الخلافات الجوهرية لا تزال قائمة، خصوصاً في ما يتعلق بالبرنامج النووي.

وقال المسؤول إن بلاده والولايات المتحدة أحرزتا «بعض التقدم» في مساعي التوصل إلى اتفاق ينهي الحرب، لكن بعد مرور أكثر من نصف مدة الهدنة، لا تزال هناك «خلافات كبيرة» لا سيما حول طموحات طهران النووية. وأضاف أن مصير اليورانيوم الإيراني عالي التخصيب ومدة القيود المفروضة على الأنشطة النووية الإيرانية من القضايا التي لم يتم التوصل إلى حل بشأنها.وقال مسؤول إيراني كبير إن الجانبين شرعا في تضييق هوة الخلافات، بما في ذلك الخلاف حول كيفية إدارة مضيق هرمز، وهو ممر حيوي يمر عبره 20 بالمئة من احتياجات العالم من النفط والغاز، والذي ظل مغلقا لأسابيع أمام معظم السفن.

وأضاف المسؤول، الذي طلب عدم الكشف عن هويته نظرا لحساسية الأمر، أن إيران، التي تخضع لعقوبات أمريكية ‌قاسية منذ سنوات، ‌ترغب في أن تتضمن مذكرة التفاهم قيام واشنطن برفع تجميد بعض الأموال الإيرانية ​مقابل ‌السماح ⁠بمرور عدد ​أكبر ⁠من السفن عبر المضيق.وقال مصدر أطلعته طهران على المفاوضات إن من الممكن أن تسمح إيران للسفن بالإبحار عبر الجانب العماني من المضيق دون خطر التعرض لهجوم، وذلك بموجب مقترحات قدمتها في محادثات مع واشنطن، شريطة التوصل إلى اتفاق دائم.

«عقبة رئيسية»

ونقل مصدر آخر لـ«رويترز» أن إيران وافقت على تخفيف اليورانيوم عالي التخصيب تحت إشراف الوكالة الدولية للطاقة الذرية والولايات المتحدة. لكن مسؤولاً إيرانياً رفيعاً قال إن القضايا المتعلقة بالبرنامج النووي لم تُحسم بعد، رغم المحادثات التي جرت عبر قنوات خلفية منذ مطلع الأسبوع وأحرزت تقدماً في تضييق فجوات بعض المواقف.

وقال مسؤول كبير إن الخلافات تشمل الاتفاق على مصير مخزون إيران من اليورانيوم عالي التخصيب، الذي تطالب الولايات المتحدة بتسليمه، ومدة تعليق البرامج النووية الإيرانية، لاسيما أنشطة تخصيب اليورانيوم.

ولطالما طالبت إيران واشنطن بالاعتراف بحقها في تخصيب اليورانيوم، الذي تقول طهران إنها تسعى إليه لأغراض سلمية ⁠فقط، في حين تقول القوى الغربية وإسرائيل إنه يهدف إلى صنع أسلحة نووية.وقال ‌مصدر دبلوماسي غربي إن القضية النووية «لا تزال عقبة رئيسية».

وقال المصدران الإيرانيان ‌إنه في حال التوصل إلى مذكرة تفاهم لوقف الحرب، يُتوقع أن يُمنح ​الطرفان مهلة 60 يوما للتفاوض على اتفاق نهائي، وهو ‌ما يستلزم مشاركة خبراء والوكالة الدولية للطاقة الذرية.

وذكر المصدران الإيرانيان أن الولايات المتحدة تطالب بوقف برنامج إيران لتخصيب اليورانيوم لمدة 20 عاماً، في حين تسعى إيران إلى تعليقه لفترة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

وأضافا أن طهران تطالب بجدول زمني لرفع العقوبات التي فرضتها الأمم المتحدة والولايات المتحدة ‌والاتحاد الأوروبي.وسبق لإيران أن رفضت طلبا أميركياً بتسليم كامل مخزونها من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة، وهي نسبة أعلى بكثير من النسب المطلوبة للاستخدامات المدنية.

وأشارت مصادر ⁠إيرانية إلى وجود مؤشرات ⁠على إمكانية التوصل إلى حل وسط. وذكر أحد المصادر أنه في حين لا تبدو إيران مستعدة لنقل كامل مخزونها من اليورانيوم عالي التخصيب إلى الخارج، فإن جزءا منه قد يُنقل إلى بلد ثالث.

وأضاف المصدر أن جزءا من اليورانيوم عالي التخصيب يُستخدم لأغراض طبية، ولأغراض بحثية مرتبطة بمفاعل طهران، الذي يعمل بكميات صغيرة نسبياً من اليورانيوم المخصب بنسبة تقارب 20 في المائة.وتقدر الوكالة الدولية للطاقة الذرية أن إيران كانت تمتلك 440.9 كيلوغرام من اليورانيوم المخصب بنسبة 60 في المائة عندما شنت إسرائيل والولايات المتحدة أولى هجماتهما على المنشآت النووية الإيرانية في يونيو حزيران 2025.

ولا يزال من غير الواضح كم تبقى من هذا المخزون.وقال المدير العام للوكالة الدولية للطاقة الذرية رافائيل جروسي في مارس آذار إن ما تبقى من هذه الكمية مُخزّن «بشكل رئيسي» في مجمع أنفاق في أصفهان، مضيفا أن الوكالة تعتقد بوجود ما يزيد قليلا على 200 كيلوجرام منه هناك.وتعتقد الوكالة أن بعضا منه موجود في مجمع نطنز النووي ​الكبير، حيث كانت إيران تمتلك محطتين للتخصيب.

وقال مصدر دبلوماسي ​غربي ثان «لا يزال وزن اليورانيوم عالي التخصيب البالغ 440 كيلوجراما مصدر قلق لأنه يتيح لإيران الحصول على ما نسميه كميات كافية لبناء عدد من القنابل النووية بسرعة كبيرة، لأن مرحلة التخصيب النهائية سريعة نسبيا».

ظل الملف النووي الإيراني العقدة الأساسية في محادثات مطلع الأسبوع.

وذكرت مصادر مطلعة أن الولايات المتحدة اقترحت تعليق جميع الأنشطة النووية الإيرانية لمدة 20 عاماً، في ما بدا تراجعاً عن مطالبها السابقة بحظر دائم وكامل للأنشطة النووية. في المقابل، اقترحت طهران تعليقاً لمدة تتراوح بين ثلاث وخمس سنوات.

كما تضغط واشنطن من أجل نقل أي مواد نووية مخصبة من إيران، بينما تطالب طهران برفع العقوبات الدولية المفروضة عليها.

وقال محمد إسلامي، رئيس منظمة الطاقة الذرية الإيرانية، إن أي محادثات يجب أن تعترف بحقوق إيران ومصالحها وكرامتها حتى تكون مثمرة.

وأضاف خلال تجمع مؤيد للحكومة في طهران أنه إذا استمرت المحادثات، «كما هو الحال عادة، بالاعتماد على الخداع، وفي الحقيقة، على عدم الالتزام والتقاعس عن احترام الاتفاقات والشروط المحددة، فإنها بطبيعة الحال لا يمكن أن تنجح».

تفاؤل أميركي حذر

عبرت إدارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب، الأربعاء، عن تفاؤلها بإمكان التوصل إلى اتفاق لإنهاء الحرب مع إيران، لكنها حذرت في الوقت نفسه من تصعيد الضغوط الاقتصادية إذا استمرت طهران في التحدي.

وقالت المتحدثة باسم البيت الأبيض كارولاين ليفيت في مؤتمر صحافي الأربعاء: «نشعر بتفاؤل حيال احتمالات التوصل إلى اتفاق»، ووصفت المداولات التي تتوسط فيها باكستان بأنها «مثمرة ومستمرة». لكنها نفت تقارير تحدثت عن طلب أميركي رسمي لتمديد وقف إطلاق النار المعلن لمدة أسبوعين، والذي اتفق عليه الجانبان في الثامن من أبريل.

وأضافت ليفيت أن عقد المزيد من المحادثات المباشرة لم يتم تأكيده بعد، لكنه مرجح في باكستان مرة أخرى.

وفي الوقت نفسه، قال البيت الأبيض إن أي محادثات أخرى مع إيران ستجري على الأرجح في إسلام آباد، رغم عدم اتخاذ قرار نهائي بشأن استئناف المفاوضات.

وفي وقت سابق، ترمب الاربعاء إن الحرب التي شنها مع إسرائيل أواخر فبراير قد شارفت على الانتهاء، رغم دخول الحصار البحري الذي أعلنه حيز التنفيذ، وبقاء حركة الملاحة عبر مضيق هرمز أقل بكثير من مستوياتها الطبيعية.

وفي مقابلة، قال ترمب لشبكة «فوكس بيزنس» إن بإمكان الولايات المتحدة «تدمير جميع جسورهم في ساعة واحدة» و«جميع محطات توليد الطاقة الكهربائية لديهم في ساعة واحدة»، مضيفاً: «لا نريد ذلك... لذا سنرى ما سيحدث». وقال أيضاً إن إبرام اتفاق من شأنه أن يؤدي إلى فتح مضيق هرمز الحيوي، الذي يمر عبره خُمس إمدادات النفط والغاز العالمية.

اجماع دولي على فتح «هرمز»

في خضم هذا التصعيد، أبلغ وزير الخارجية الصيني وانغ يي نظيره الإيراني عباس عراقجي أن إعادة فتح مضيق هرمز تمثل «مطلباً إجماعياً من المجتمع الدولي». وقال في اتصال هاتفي إنه ينبغي احترام سيادة إيران وأمنها وحقوقها المشروعة بصفتها دولة ساحلية على المضيق، لكن يجب في الوقت نفسه ضمان حرية الملاحة والسلامة عبره.

ونقل بيان حكومي صيني عن وانغ قوله إن العمل على استئناف المرور الطبيعي عبر المضيق «مطلب إجماعي من المجتمع الدولي»، مضيفاً أن الوضع الحالي وصل إلى مفترق طرق حرج بين الحرب والسلام، وأن نافذة السلام بدأت تفتح.

على الجانب الإيراني، حذر محسن رضائي، المستشار العسكري للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي، من أن إيران ستغرق سفناً أميركية في مضيق هرمز إذا قررت الولايات المتحدة «القيام بدور الشرطة» في هذا الممر. وقال رضائي للتلفزيون الرسمي: «السيد ترمب يريد أن يصبح شرطي مضيق هرمز. هل هذه حقاً مهمتكم؟ هل هذه مهمة جيش قوي مثل الجيش الأميركي؟».

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم(البرلمان الإيراني)

وأضاف، مرتدياً بزته العسكرية، أن «صواريخنا الأولى ستغرق سفنكم هذه»، وأنها «قد شكلت خطراً كبيراً على الجيش الأميركي». وقال أيضاً إنه لا يؤيد إطلاقاً تمديد وقف إطلاق النار، مضيفاً أن ذلك «رأي شخصي».

في الميدان، شددت الولايات المتحدة رسائلها بشأن الحصار البحري. وقالت البحرية الأميركية، في رسالة لاسلكية نشرتها القيادة المركزية الأميركية على وسائل التواصل الاجتماعي، إن السفن المرتبطة بإيران التي تعبر من وإلى الموانئ الإيرانية «سيتم الصعود على متنها لاعتراضها ومصادرتها». وأضافت الرسالة: «إذا لم تمتثلوا لهذا الحصار، فسوف نستخدم القوة».

وأكد مسؤول عسكري أميركي أن الرسالة تُبث حالياً إلى جميع السفن في المنطقة. وقال الجيش الأميركي إن أكثر من 10 آلاف جندي أميركي، إلى جانب عشرات الطائرات والسفن الحربية، ينفذون الحصار الذي أمر به ترمب يوم الأحد. وأضافت القيادة المركزية أن 10 سفن امتثلت منذ بدء الحصار لتوجيهات القوات الأميركية بالاستدارة والعودة نحو موانئ أو مناطق ساحلية إيرانية.

وقالت القوات الأميركية إنه منذ بدء الحصار لم تشهد مرور أي سفينة متخطية القوات الأميركية، وإن سفن عديدة امتثلت للتوجيهات وعادت إلى الموانئ أو المناطق الساحلية الإيرانية.

لكن وكالة «فارس» قالت، الأربعاء، إن ناقلة نفط إيرانية عملاقة خاضعة للعقوبات الأميركية عبرت مضيق هرمز باتجاه ميناء معشور رغم الحصار، من دون كشف مزيد من التفاصيل.

وفي المقابل، قال اللواء علي عبد اللهي، الذي يقود القيادة العسكرية المشتركة التي تشرف على الجيش الإيراني و«الحرس الثوري»، إن «القوات المسلحة الإيرانية القوية لن تسمح باستمرار أي صادرات أو واردات في الخليج العربي وبحر عمان والبحر الأحمر» إذا استمر الحصار الأميركي.

ومن غير الواضح مدى السيطرة التي تستطيع إيران فرضها على الشحن الإقليمي، لكن النصوص الواردة تشير إلى أن حلفاءها في اليمن أثبتوا قدرتهم على مهاجمة السفن في البحر الأحمر، وأن القوات الإيرانية لا تزال قادرة على مضايقة السفن في مضيق هرمز باستخدام الألغام والصواريخ والقوارب السريعة.

رواية الجيش الإيراني

قدم القائد العام للجيش الإيراني، اللواء عبد الرحيم حاتمي، الخميس رواية ميدانية إيرانية مختلفة عن ميزان القوى في البحر والجو. وقال إن القوات المعادية لا تقترب من البحرية الإيرانية إلى ما دون مسافة 300 كيلومتر، مؤكداً أن هذه القوة «لا تزال صامدة بقوة» رغم ما وصفه بادعاءات تدميرها.

وأضاف، خلال مراسم استقبال طاقم المدمرة «دنا»، أن إيران استقبلت «ضيفاً» في إشارة إلى قائد الجيش الباكستاني، موضحاً أن طهران أبلغت الجانب الباكستاني فور دخوله الأجواء الإيرانية بعدم الحاجة إلى طائرات مرافقة، وأن المقاتلات الإيرانية تولت مهمة المرافقة الجوية.

وقال إن إيران وفرت للضيف مرافقة جوية «بعدد مضاعف» مقارنة بالطائرات التي كان الجانب الآخر يعتزم إرسالها.

وبثت وسائل إعلام إيرانية صوراً لمقاتلات إيرانية وقالت أنها استقبلت قائد الجيش الباكستاني، وكانت تحلق في أجواء طهران لأول مرة منذ اندلاع الحرب، وذلك بعدما سيطرت سلاح الجو الأميركي ونظيره الإسرائيلي على الأجواء الإيرانية.

وفي سياق آخر، قال حاتمي إن القوات الإيرانية نصبت «كميناً» للقوات الأميركية في جنوب محافظة أصفهان، مضيفاً أن جميع العناصر الاستخباراتية كانت جاهزة لإفشال ما وصفه بتحرك العدو في تلك المنطقة.

وأضاف أن مقاتلي الجيش و«الحرس الثوري» وقوات الأمن و«الباسيج» وسكان جنوب أصفهان، «انقضوا على العدو»، مشيراً إلى أن طائرة من طراز «سي-130» هبطت بعد أول إطلاق نار، في إشارة إلى عملية القوات الأميركية في 5 أبريل الجاري لاستعادة طيار مقاتلة أف 15 التي سقطت في جنوب شرق إيران.