«التليف الرئوي مجهول السبب» مرض يتهدد حياة المسنين

«التليف الرئوي مجهول السبب» مرض يتهدد حياة المسنين

الشيخوخة.. ليست السبب الوحيد لحالات ضيق التنفس
الجمعة - 11 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 22 يناير 2016 مـ
نيويورك: جين إي. برودي

ينهل دانييل كاستنر، من منطقة نابا في كاليفورنيا، من نبع خبراته الشخصية عندما يقدم النصح لآخرين بخصوص ضرورة الاهتمام بأجسامهم والتحقق من ماهية أي طارئ غير اعتيادي من دون تأخير. ويرى كاستنر أنه قد يتوافر علاج بمقدوره القضاء على مشكلة صحية ما في مهدها، قبل أن تستفحل.


تليف رئوي


في سن الـ36، علم كاستنر أنه يعاني من مرض بالرئة لا علاج له يدعى «التليف الرئوي مجهول السبب -idiopathic pulmonary fibrosis»، والذي يبدو في أغلب الحالات وكأنه ظهر من العدم، مثلما يوحي اسمه. في ذلك الوقت، لم يكن كاستنر، البالغ حاليًا 67 عامًا، كسولاً أو بطيء الحركة، بل على العكس كان شخصا دائم الترحال والتجوال، ويعشق ركوب الدراجات والقيام بنزهات طويلة سيرًا على الأقدام والتزلج وزراعة الحدائق. إلا أنه ومع حلول عام 2012، وأثناء قيامه بنزهة مع أسرته بمنطقة بحيرة تاهو على ارتفاع يقترب من 7000 قدم فوق سطح البحر، تعرض لـ«ضيق شديد في التنفس»، وفقا لزوجته، سوزان.
وبعد شهرين، شخص الطبيب حالته بأنها «تليف رئوي مجهول السبب»، وهو مرض يقلل قدرة الرئتين على استخلاص الأكسجين من الهواء وتوزيعه على باقي أعضاء الجسم. في ذلك الوقت، لم يكن بالولايات المتحدة أي علاجات فاعلة لهذا المرض، لكن كان هناك عقار يجري استخدامه في أوروبا يدعى «إسبريت Esbriet» اتضح أنه يبطئ تفشي التليف في الرئة، ويحد بدرجة كبيرة من الوفيات الناجمة عن المرض.
في أكتوبر (تشرين الأول) 2014، وبعد معاينة نتائج إيجابية خلال اختبارات مختبرية، وافقت إدارة الغذاء والدواء على «إسبريت»، وأيضًا على عقار آخر للتليف الرئوي مجهول السبب يدعى «أوفيف Ofev».
وقبل ذلك بشهرين، بدأ أطباء من جامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو في علاج كاستنر باستخدام «إسبريت» وذلك في ظل تصريح خاص. وأوضح كاستنر أنه آنذاك كان لا يزال قادرًا على المضي من دون اللجوء إلى أكسجين إضافي، حتى عندما كان يعمل على الاعتناء بالحديقة مع زوجته. وقال: «أحيانا كنت أصبح لاهثًا عندما أقوم برفع أشياء. وحينها تتدخل سوزان لمساعدتي. ومن جانبي لا أجد غضاضة في قيامها ببعض الأعمال الشاقة عني، فأنا أعشق صحبتها».
إلا أنه يتساءل إلى أي مدى كانت حالته الصحية ستختلف وتكون أفضل بكثير الآن لو أنه تمكن من الشروع في تناول أحد العقارين الجديدين بمجرد تشخيص مرضه، عندما كانت نسبة الخسارة في عمل الرئة 20 في المائة فقط، بدلاً من الانتظار حتى تمكن أخيرا من نيل الدواء وكانت نسبة الخسارة قد ارتفعت إلى 60 في المائة.


مرض شائع


وفي حديث معي، قال كاستنر: «لم أعاين تغييرًا في حالتي، ولم يحدث ترد كبير منذ أن بدأت في تناول إسبريت»، مشيرًا إلى أنه لم يعانِ من أية تأثيرات جانبية محتملة جراء تعاطي هذا العقار. والآن، يبدي كاستنر عزمه على نشر نصيحته الخاصة بضرورة السعي لتلقي العلاج في وقت مبكر بين أكثر من 100.000 شخص داخل الولايات المتحدة ممن يعرف عنهم إصابتهم بتليف رئوي مجهول السبب، بجانب كثيرين آخرين غيرهم لم يعلموا بعدُ السبب وراء معاناتهم كثيرًا من ضيق بالتنفس وحالة من اللهاث.
من جهته، قال د. تالمريدج إي. كينغ، عميد كلية طب بجامعة كاليفورنيا في سان فرانسيسكو، والذي تولى الإشراف على إحدى الدراسات المعنية بـ«إسبريت»، إن العقار «قلل نسبة المرضى الذين تتردى أحوالهم الصحية بنسبة 48 في المائة تقريبًا، ما يكشف أن العقار نجح في إبطاء معدل تدهور حالة المرضى. كما تراجع معدل الوفيات بنسبة أكبر مما توقعنا».
وأضاف: «عندما شرعت في دراسة أمراض الرئة منذ 30 عامًا، توفي جميع من تعرضوا لهذا المرض. الآن، أصبح باستطاعتنا أن نقول للمرضى إن حالتهم ستسوء لكن بمعدل أقل وسيبقون على قيد الحياة».
من جهته، قال كاستنر: «عندما تم تشخيص حالتي للمرة الأولى بهذا المرض، شرعت في التفكير في الأشياء التي أود رؤيتها قبل موتي. الآن، لا أفكر بالموت. ورغم أنني لا أزال أعاني من هذا المرض - فقد أصبح واحدة من حقائق الحياة بحياتي - ومع أنني ما زلت عاجزًا عن القيام ببعض النشاطات البدنية التي اعتدت القيام بها من قبل، لا يزال بمقدور الطهي والاعتناء بالحديقة مع زوجتي والخروج لتناول العشاء والسير على أسطح مستوية والتمتع بتناول المشروبات برفقة أصدقائي». وقد دفعه كل هذا نحو محاولة إبلاغ باقي المرضى بأنه لا يزال أمامهم أمل في الحياة.


أسباب وأعراض


جدير بالذكر أن أكثر من 14000 مريض داخل الولايات المتحدة بدأوا تلقي عقار «إسبريت»، ما يوضح أنه لا يزال هناك كثيرون باستطاعتهم الاستفادة من هذا العقار وكذلك من «أوفيف»، العقار الأحدث بكثير الذي يتميز بآلية عمل مختلفة بعض الشيء. ومن المقرر إجراء دراسات حول ما إذا كان تناول العقارين معًا أكثر فاعلية عن تناول أحدهما فقط.
من ناحية أخرى، أعرب د. ستيفين ناثان، الطبيب المتخصص بأمراض الرئة في مستشفى إنوفا فيرفاكس بولاية فيرجينيا، عن اعتقاده بأنه رغم تصنيف تليف الرئة مجهول السبب كمرض نادر، فإنه «أكثر شيوعًا عما يسود الاعتقاد. ولسبب ما، فإنه آخذ في الانتشار». وأضاف أن من المعتقد أن هذا المرض يصيب بصورة أساسية الأفراد المعرضين جينيًا للإصابة به، والذين يتعرضون لعوامل تستثير المرض مثل دخان السجائر أو الغبار أو الأدخنة.
في المتوسط، يستغرق الأمر عامين من أجل تقديم تشخيص صائب لمريض بتليف الرئة مجهول السبب. وعادة ما يوعز الأفراد شعورهم بضيق التنفس واللهاث إلى افتقارهم إلى اللياقة البدنية أو تقدمهم في العمر، خصوصا أن تليف الرئة لأسباب مجهولة عادة ما يصيب كبار السن. وكثيرًا ما يخلط الأطباء بينه وبين الربو أو مرض بالقلب أو داء الانسداد الرئوي المزمن أو العشرات من الأمراض الأخرى التي تصيب خلايا الرئة. وبجانب ضيق التنفس، أحيانا يكون السعال المستمر من دون إفراز بلغم خلال تأدية نشاطات يومية عادية من الأعراض الشائعة لتليف الرئة مجهول السبب.
ومع ذلك، فإنه ومع توافر قائمة من الاختبارات الصحيحة، لم يعد التشخيص الصحيح للمرض شديد الصعوبة. ومن خلال الإنصات عبر السماعة الطبية عند شهيق المريض، يمكن للطبيب سماع صوت طقطقة. كما أن ارتفاع ضغط الدم الرئوي من الأعراض الشائعة للمرض.
ومن بين الاختبارات التي تجري للكشف عن المرض مراقبة المريض أثناء السير لمدة ست دقائق للتعرف على حجم التراجع في مستوى الأكسجين بالدم أثناء الحركة. ويعتمد اختبار آخر على توظيف أول أكسيد الكربون للتعرف على حجم الهواء الذي يمكن للرئة استنشاقه مع الشهيق وطرده مع الزفير.
وفي ما يخص «إسبريت»، من المعتقد أنه يتصدى لتليف الرئة عبر تقليص إنتاج الكولاجين والعوامل التي تعزز النمو والالتهاب. ولا ينصح بهذا العقار لمن يعانون من مشكلات بالكبد أو الكلى. كما أن التدخين يمكنه تقليص فاعليته. أما «أوفيف» فيعمل كذلك على محاربة التليف عبر استهداف كثير من عوامل النمو.


• خدمة «نيويورك تايمز»


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة