أعاد قرار محكمة التمييز العسكرية اللبنانية القاضي بإطلاق سراح الوزير الأسبق ميشال سماحة الذي يحاكم بقضايا تتصل بالإرهاب، بقوّة طرح مسألة المحاكم الاستثنائية ودروها، خصوصًا المحكمة العسكرية التي تناط بها صلاحيات واسعة وفضفاضة، ومنها محاكمة المتهمين بقضايا الإرهاب والتعامل مع إسرائيل، وغيرها من الملفات الحساسة والمعقّدة التي تحتاج إلى محاكم متخصصة.
واتخذ قرار إخلاء سبيل سماحة بعدين، الأول سياسي عبر موجة الرفض المتصاعدة له والمطالبة بإعادة النظر فيه، والثاني قانوني استدعى مسارعة وزير العدل أشرف ريفي إلى تقديم مشروع قانون يقضي بإنشاء محاكم متخصصة بقضايا الإرهاب والجرائم الكبرى.
وكانت القوى الأمنية ألقت القبض على سماحة، على أثر نقله 25 عبوة ناسفة تسلمها من مدير مكتب الأمن القومي السوري اللواء علي مملوك في دمشق، إلى بيروت وتسليمها إلى المخبر السري ميلاد كفوري، والطلب منه تفجيرها في تجمعات شعبية وموائد إفطار رمضانية في عكار (شمال لبنان) وقتل نواب ورجال دين ومعارضين سوريين، وقد اعترف سماحة بهذا الجرم بالصوت والصورة. وسبق للمحكمة العسكرية الدائمة أن حكمت عليه بالأشغال الشاقة مدة أربع سنوات ونصف السنة أشغالاً شاقة.
الردّ القانوني الأول على تحرير سماحة، تمثّل بتوقيع ريفي أمس مشروع مرسوم إحالة ملفه إلى المجلس العدلي، باعتبار أن «الجرائم التي ارتكبها تشكل اعتداء على أمن الدولة الداخلي وتعرّض السلم الأهلي للخطر»، وأحال المشروع على رئاسة مجلس الوزراء لبحثه.
ولم يتوقف الإجراء عند هذا الحدّ، إذ ذهب وزير العدل نحو اتخاذ إجراءات عقابية بحق رئيس المحكمة التي أفرجت عن سماحة، القاضي طاني لطوف، وعلمت «الشرق الأوسط»، أن ريفي أحال القاضي المذكور على هيئة التفتيش القضائي، وطلب منها التحقيق معه حول خلفية قرار الإفراج عن سماحة، لا سيما أن تحرير الأخير «يعطي انطباعًا عن وجود ازدواجية في المعايير القضائية التي تميّز بين الموقوفين أمام المحكمة العسكرية». وكشفت مصادر مطلعة لـ«الشرق الأوسط» أيضًا أن ريفي «طلب من مجلس القضاء الأعلى (رأي هرم السلطة القضائية) نقل لطوف من مكانه وتعيين قاضٍ مكانه على رأس هيئة محكمة التمييز العسكرية».
واستند وزير العدل في مشروع مرسوم إحالة سماحة على المجلس العدلي، إلى «التداعيات السياسية والقضائية والشعبية التي رافقت قرار إخلاء سبيل المتهم ميشال سماحة، رغم الاعترافات الخطيرة الموثقة بتورطه في أفعال جرمية كادت تؤدي إلى فتنة مذهبية لا تحمد عقباها»، مشيرًا إلى أن مجلس الوزراء «درج على إحالة القضايا الخطرة التي تمس أمن الدولة الداخلي والعيش المشترك في الصميم على المجلس العدلي، لكون الأخير يشكل أعلى سلطة قضائية في لبنان ويتألف من أرفع القضاة درجة، الأمر الذي يبعد عن مسار القضية شبهة التأثير على قناعة المحكمة الناظرة فيها وحيادها». ولفت إلى أن «إحالة سماحة على المجلس العدلي تأتي انطلاقًا من الحرص على استقرار الوضعين السياسي والأمني وعلى الدور الذي يعول عليه اللبنانيون للحكومة».
واستكمل ريفي مرسوم إحالة سماحة على المجلس العدلي، بتقديمه إلى مجلس الوزراء مشروع قانون يرمي إلى إنشاء محاكم ودوائر وهيئات قضائية متخصصة بقضايا الإرهاب والجرائم الكبرى، وهذه المحاكم تتولى مهام وصلاحيات المحاكم العسكرية والمجلس العدلي، على اعتبار أن الأخيرين هما من المحاكم الاستثنائية التي المطلوب إلغاؤها.
فالمحكمة العسكرية التي كان لأحكامها الأخيرة الأثر الأكبر في إثارة إلغاء المحاكمة الاستثنائية، هي محكمة استثنائية ولها قانون خاص اسمه قانون القضاء العسكري، وهي غير مرتبطة بوزارة العدل، إنما تتبع إداريا فقط لوزارة الدفاع، ويرأسها ضابط برتبة عميد، أما القضاة المدنيون فيها فيتبعون لوزارة العدل. في حين أن محكمة التمييز العسكرية يرأسها قاضٍ مدني (طاني لطوف حاليًا) ولديه خمسة مستشارين هم ضباط في الجيش برتبة عميد.
وتشمل صلاحية العسكرية كل الأراضي اللبنانية، وأعطي لها منذ عام 1958 دور أوسع بكثير من دورها الأساسي، في سياق حالة الطوارئ أعلنت يومذاك، فباتت متخصصة بـ«جرائم الإرهاب، والتعامل مع العدو (الإسرائيلي) والتجسس لمصلحته، وجرائم الأسلحة والمتفجرات، وهذه المهام الدقيقة أضيفت إلى وظيفتها الأساسية التي كانت محصورة بالجرائم التي تمس مصلحة مؤسسات القوات المسلحة، الجرائم الواقعة على أشخاص العسكريين، الجرائم الواقعة على الجيوش الأجنبية العاملة في لبنان مثل قوات اليونيفيل العاملة في جنوب لبنان».
ومن أبرز الثغرات التي تعتري عمل المحكمة العسكرية، هو عدم تمكّن المتضرر من أي قضية عالقة أمامها أن يكون ممثلاً بصورة شخصية أو بواسطة محامٍ، عدا عن مسألة مثول المدنيين أمامها.
ولا يختلف المجلس العدلي عن واقع المحاكم الاستثنائية، فهو يختص بالنظر في الجرائم الواقعة على أمن الدولة والسلم الأهلي، عبر التفجيرات والاغتيالات تطال سياسيين ومرجعيات دينية ودبلوماسيين، والمأخذ على هذه الهيئة القضائية أن المحاكمات فيها على درجة واحدة، وأحكامها غير قابلة للطعن أو الأبطال بأي صورة.
ولعلّ أبرز ما تضمنه مشروع القانون الجديد، هو إنشاء المحاكم البديلة التي تتولى هذه الصلاحيات، إنما على درجات متعددة، ويتضمن اقتراحًا يقضي بإنشاء محاكم بالجرائم الواقعة على أمن الدولة، الجرائم الإرهابية وتلك التي تنال من الوحدة الوطنية، إثارة النعرات الطائفية والحروب الأهلية عن طريق تأليف عصابات مسلحة، وجرائم تبييض الأموال والاتجار بالبشر.
أما الهيئات القضائية المتخصصة في هذه الجرائم فتبدأ من تأليف نيابة عامة تمييزية متخصصة، دائرة تحقيق وهيئة اتهامية، غرفة تنظر في طلبات نقض القرارات الصادرة عن الهيئة الاتهامية، محكمة جنايات متخصصة وصولاً إلى محكمة عليا تنظر في نقض الأحكام الصادرة عن محكمة الجنايات وفي طلبات إعادة المحاكمة.
10:0 دقيقه
لبنان: مشروع قانون لإلغاء «المحكمة العسكرية» واستبدال محاكم الإرهاب بها
https://aawsat.com/home/article/547391/%D9%84%D8%A8%D9%86%D8%A7%D9%86-%D9%85%D8%B4%D8%B1%D9%88%D8%B9-%D9%82%D8%A7%D9%86%D9%88%D9%86-%D9%84%D8%A5%D9%84%D8%BA%D8%A7%D8%A1-%C2%AB%D8%A7%D9%84%D9%85%D8%AD%D9%83%D9%85%D8%A9-%D8%A7%D9%84%D8%B9%D8%B3%D9%83%D8%B1%D9%8A%D8%A9%C2%BB-%D9%88%D8%A7%D8%B3%D8%AA%D8%A8%D8%AF%D8%A7%D9%84-%D9%85%D8%AD%D8%A7%D9%83%D9%85-%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D8%A8%D9%87%D8%A7
لبنان: مشروع قانون لإلغاء «المحكمة العسكرية» واستبدال محاكم الإرهاب بها
وزير العدل يحيل القاضي الذي أطلق سماحة إلى التحقيق
- بيروت: يوسف دياب
- بيروت: يوسف دياب
لبنان: مشروع قانون لإلغاء «المحكمة العسكرية» واستبدال محاكم الإرهاب بها
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة



