كاميرون: انعزال المسلمات عن المجتمع البريطاني يساهم في تشجيع التطرف

دعا إلى التخلي عن النقاب في المدارس والمحاكم وعند الحدود

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يستقبل أمس أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داوننغ ستريت» نظيره التركي أحمد داود أوغلو (تصوير: جيمس حنا)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يستقبل أمس أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داوننغ ستريت» نظيره التركي أحمد داود أوغلو (تصوير: جيمس حنا)
TT

كاميرون: انعزال المسلمات عن المجتمع البريطاني يساهم في تشجيع التطرف

رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يستقبل أمس أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داوننغ ستريت» نظيره التركي أحمد داود أوغلو (تصوير: جيمس حنا)
رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون يستقبل أمس أمام مقر رئاسة الوزراء في «10 داوننغ ستريت» نظيره التركي أحمد داود أوغلو (تصوير: جيمس حنا)

أكد رئيس الوزراء البريطاني ديفيد كاميرون، أمس، ضرورة بذل مزيد من الجهود لتلقين اللغة الإنجليزية للمسلمات في بريطانيا، ومعالجة التمييز ضدهن، رابطا انعزال الأمهات عن المجتمع وقيمه الليبرالية بسهولة انقياد الأبناء وراء الخطاب المتطرّف.
وقال كاميرون في مقال رأي نشرته صحيفة «التايمز» أمس إن الوقت حان لمواجهة «التوجهات المتخلفة» التي تتمسك بها أقلية من الرجال المسلمين الذين يمارسون «سلطة مؤذية» على حياة النساء، والذين يمنعونهن من الاختلاط بالرجال في بريطانيا، مشيرا إلى القبول «الخاطئ» لفكرة «المجتمع المنفصل» بحجّة «التسامح»، ومؤكّدا أن نتيجة ذلك تتمثّل في الزيجات القسرية وختان الفتيات. وأضاف أن المسلمات يبلغن عن «صورة مقلقة وعن فرض عدم اختلاطهن بالرجال، والتمييز ضدهن وعزلهن اجتماعيا عن الحياة البريطانية». وقال: «يجب أن نقاوم هذه الأقلية من الرجال الذين هم السبب وراء استمرار هذه التوجهات المتخلفة، ويفرضون مثل هذه الرقابة المسيئة على زوجاتهم وشقيقاتهم وبناتهم. وعلينا ألا نسمح مرة أخرى للتسامح السلبي أن يمنعنا من قول الحقيقة الصعبة».
وأكد كاميرون أن المجتمع البريطاني يحتاج إلى أن يكون «أكثر حزما بشأن قيمنا الليبرالية، وأكثر وضوحا بشأن توقعاتنا من الأشخاص الذين يأتون للعيش هنا ويبنون بلدنا معنا»، داعيا إلى بذل مجهودات «أكثر إبداعا وسخاء في العمل الذي نقوم به لكسر هذه الحواجز».
وعن علاقة عدم الاختلاط بالتطرّف، كتب كاميرون: «لا أقول إن الممارسات الدينية المحافظة تقود إلى التطرّف، فإن ذلك قد يكون بمثابة إهانة لكثير من المتديّنين المحبين للسلام، وإنما قد تساهم في انقياد الشباب وراء الخطاب المتطرف». وضرب رئيس الوزراء المثل بطفل ترعرع بمدينة برادفورد (شمال) من أبوين باكستانيين، وأمه لا تجيد اللغة الإنجليزية، مما يؤدي إلى عدم فهمها طريقة حياته. في الوقت نفسه، فإن الابن لا يحس بانتمائه إلى المجتمع البريطاني الذي يعيش فيه بشكل كامل، مما يدفعه للبحث عن انتماء جديد وهوية جديدة قد تكون متطرّفة أو عنيفة.
في السياق ذاته، صرّح كاميرون لإذاعة محليّة أمس بأنه على النساء نزع النقاب في المدارس والمحاكم وعند الحدود، مضيفا أن بعض المدارس تفرض نظام الزي الموحّد، وأن بعض الأهالي يحاولون تفاديه عبر تقديم حجج دينية.
ونتيجة لذلك، حدّد كاميرون توجّها جديدا لـ«سياسة البريطانيات المسلمات»، وأعلن عن وضع صندوق بقيمة 20 مليون جنيه إسترليني (28.5 مليون دولار) لتعليم اللغة الإنجليزية للنساء في «المجتمعات المنعزلة» في إطار مساعي الاندماج في المجتمع. وبهذا الصدد، قال إنه سيتم إرغام المهاجرين بشكل عام على تحسين مهارتهم في اللغة الإنجليزية، وإلا فإنه قد لا يسمح لهم بالبقاء في بريطانيا. وخصّ بالذّكر المقيمات في بريطانيا بفضل تأشيرات الزوجة، محذّرا من أن عدم تكلّم الإنجليزية قد يتسبّب في انقسام عائلات وإبعاد الأمهات من بريطانيا. وأشار كاميرون إلى إحصاءات جديدة تظهر أن نحو 22 في المائة من البريطانيات المسلمات لا يتقنّ الإنجليزية، أي نحو 190 ألفا، وأن 40 ألفا منهن لا يتحدّثن اللغة إطلاقا رغم أنهن في بريطانيا منذ عقود. وربط زعيم حزب المحافظين ذلك بضعف مشاركة المسلمات في الاقتصاد الوطني، مؤكّدا أن 60 في المائة من النساء من أصل باكستاني أو بنغلاديشي غير ناشطات اقتصاديا.
إلى ذلك، رأى كاميرون أن على المهاجرين إجادة اللغة الإنجليزية إذا أرادوا أن يمددوا فترة إقامتهم في بريطانيا أو التقدم بطلب الجنسية. وشدّد مخاطبا هذه الفئة من المهاجرين: «إذا لم تحسن مهارتك في اللغة الإنجليزية، فإن ذلك سيؤثر على بقائك في المملكة المتحدة. وسيساعد هذا في التوضيح للرجال، الذين يمنعون شريكاتهم من الاندماج، تبعات ما يفعلونه».
وتعليقا على هذا التوجّه الجديد، قالت البارونة سعيدة وارسي، وهي أول مسلمة تسلمت منصبا وزاريا في الحكومة البريطانية وزيرة دولة للشؤون الدينية، قبل أن تستقيل عام 2014 على خلفية سياسات الحكومة تجاه قطاع غزة، إن قرار تخصيص صندوق لتعليم اللغة للمسلمات البريطانيات خطوة إيجابية. في المقابل، عبّرت وارسي عن استيائها تجاه «هذا الربط الكسول والخاطئ» بين اللغة والتطرف، معتبرة أن هذا التوجه مبني على تصور خاطئ للمجتمعات المسلمة.
من جانبه، رحّب شجاع شافعي، الأمين العام لمجلس مسلمي بريطانيا، بقرار رئيس الوزراء توسيع تعليم اللغة الإنجليزية ضمن المجتمعات المسلمة، لافتا إلى أن المجتمع المدني المسلم والمساجد مستعدّة لاحتضان دروس لغوية. في الوقت ذاته، حذّر شافعي من تداعيات استخدام كاميرون مثال «المسلمات البريطانيات» في ربط عدم إتقان اللغة بالتطرف، منوها بأن المسلمين لا يشكّلون سوى ثلث الأقليات في بريطانيا، وأن المهاجرين من شرق أوروبا لا يجيدون اللغة الإنجليزية. وأضاف: «وفي الإطار نفسه، أغلقت الحكومة أبواب مدرسة يهودية متشدّدة الأسبوع الماضي بسبب تدريسها اللغة العبرية فقط».
إلى ذلك، تحدّى شافعي صحّة الإحصاءات التي اعتمد عليها رئيس الوزراء، مؤكدا أن 6 في المائة فقط من إجمالي الجالية المسلمة في البلد، لا يجيدون اللغة الإنجليزية، وأن 43 في المائة من النساء منخرطات في التعليم، وأنهن يعانين من التمييز في سوق العمل بسبب انتماءاتهن العرقية والدينية.



ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
TT

ستارمر: قلقون من هجمات بالوكالة في بريطانيا

رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)
رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر (أ.ف.ب)

قال ​رئيس الوزراء البريطاني كير ستارمر، اليوم الخميس، إنه ‌يشعر «بقلق متفاقم» ‌إزاء ازدياد ​استخدام ‌دول أجنبية ​وكلاء لتنفيذ هجمات في بريطانيا.

وأوضح ستارمر، بعد اجتماعه بأعضاء من المجتمع ‌اليهودي في بريطانيا: «أشعر بقلق متزايد من أن عدداً من الدول تستخدم وكلاء لتنفيذ هجمات في ​هذا البلد».

وتعهّد رئيس الوزراء البريطاني، وفقاً لوكالة «رويترز»، بتقديم تشريع جديد في ‌أعقاب ‌هجمات خلال ‌الآونة ‌الأخيرة.

وألقت ‌شرطة مكافحة الإرهاب في بريطانيا، الأربعاء، ​القبض على شخصين بتهمة التخطيط لتنفيذ هجوم إحراق متعمَّد بموقع مرتبط باليهود في لندن. وأعلنت شرطة العاصمة ‌لندن إطلاق سراح سبعة أشخاص آخرين بكفالة، بعد اعتقالهم في وقت سابق، ‌في إطار التحقيق.

وتُجري الشرطة البريطانية تحقيقات في سلسلة من الهجمات على مواقع مرتبطة باليهود في العاصمة، في إطار تصاعدٍ أوسع نطاقاً في التهديدات المُعادية للسامية والنشاط الإجرامي منذ اندلاع حرب غزة في أكتوبر ​(تشرين ​الأول) 2023.


5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

TT

5 جرحى في حالة حرجة جراء اصطدام قطارين بالدنمارك

اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)
اصطدام قطارين في منطقة غابات شمال مدينة هيليرود بالدنمارك (رويترز)

أسفر اصطدام قطارين، صباح الخميس، في الدنمارك، على بعد نحو 40 كيلومتراً شمال كوبنهاغن، عن إصابة 18 شخصاً؛ 5 منهم في «حالة حرجة»، وفق السلطات الأمنية.

وأكدت الشرطة أنها غير قادرة حالياً على تقديم أسباب وقوع هذا الحادث في منطقة غابات بشمال مدينة هيليرود.

وقالت الشرطة، في بيان، عند منتصف النهار، نقلاً عن «الخدمات الصحية»: «أصيب 18 شخصاً في الحادث؛ بينهم 5 في حالة حرجة».

وأوضحت الشرطة المحلية، وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، أنها تلقت الإنذار في الساعة الـ06:29 (الـ04:29 بتوقيت غرينيتش).

وبيّن رئيس قسم الأطباء في خدمات الطوارئ بمنطقة كوبنهاغن، آندرس دام هييمدال، في وقت سابق، خلال مؤتمر صحافي: «تخيلوا قطارين يصطدمان وجهاً لوجه. هذا يسبب إصابات كثيرة؛ إذ يُقذف الناس في كل الاتجاهات».

وقد تسبب هذا الاصطدام الأمامي في أضرار جسيمة بمقدمة القطارين ذَوَيْ اللونين الأصفر والرمادي، حيث دُمرت غرف القيادة بالكامل وسُحقت بفعل قوة الاصطدام، كما تحطم الزجاج الأمامي والنوافذ تماماً، وفق ما أفادت به صحافية في «وكالة الصحافة الفرنسية» من المكان، وما أظهرته صور وسائل الإعلام المحلية. ولم يخرج القطاران ولا قاطرتاهما عن السكة.

فرق الإنقاذ بموقع اصطدام قطارين في الدنمارك (رويترز)

وأوضحت الشرطة في تحديث لاحق للمعطيات أن إجمالي عدد الركاب الذين كانوا على متن القطارين بلغ 37 راكباً.

ونُقل جميع الجرحى إلى مستشفيات المنطقة، فيما كانت فرق الإنقاذ قد أنهت عملها في منتصف الصباح، بعد تعبئة كبيرة شاركت فيها الشرطة وخدمات الإسعاف.

وقد خصصت بلدية هيليرود خدمة مرافقة ودعم لاستقبال الأشخاص غير المصابين وذويهم.

وقال منسّق عمليات الإنقاذ في البلدية، مايكل يورغن بيدرسن، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»: «21 شخصاً حضروا إلى المركز، جاء معظمهم من القطار الآتي من الشمال ومن المتجهين إلى عملهم... كانوا في حالة صدمة مما حدث».

وتُجري الشرطة حالياً تحقيقات فنية في الموقع، وقد جرى تأمين محيط المنطقة بالكامل.


حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
TT

حرب إيران و«استعصاء» أوكرانيا... الكرملين يواجه مخاطر جديدة

ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)
ميرتس يعاين مع زيلينسكي «مسيّرة» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

منذ اندلاع الحرب في إيران، برز السؤال الأكبر حول تداعياتها المحتملة على روسيا وملفات العلاقة الروسية الغربية، خصوصًا في سياق استعصاء التسوية الأوكرانية، وتبدُّل أولويات الإدارة الاميركية في التعامل مع الملفات المطروحة على أجندة العلاقة مع موسكو. انصبَّ التركيز في الأسابيع الماضية على الفرص التي وفَّرتها المواجهة القائمة للكرملين، لا سيما على صعيدَي تكثيف الهجمات في أوكرانيا، وتسريع محاولات تكريس وقائع ميدانية جديدة، مستفيداً من انشغال العالم بالحرب الجارية في الشرق الأوسط، فضلاً عن انتعاش آمال قطاعَي النفط والغاز بتخفيف جزئي أو كامل للعقوبات المفروضة على روسيا لتعويض النقص الحاصل في الأسواق. لكن في المقابل، بدا أنَّ الكرملين يواجه مخاطر جديدة انعكست في تسريع وتائر عسكرة أوروبا، وتفاقم التهديدات في المجال الحيوي المحيط بروسيا.

الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون مستقبلاً نظيره الأوكراني فولوديمير زيلينسكي على مدخل قصر «الإليزيه» 13 مارس 2026 (أ.ب)

خسائر في حوض قزوين

يقول خبراء روس إنَّ حرب إيران، ومهما كان سيناريو التوصُّل إلى تسوية نهائية حولها، لعبت دورًا مهماً في تكريس واقع جديد في العلاقات الدولية، يقوم على تأجيج نزعات التسلح وإعلاء مبدأ استخدام القوة. وفي حين أنَّ موسكو كانت حذَّرت مرارًا في وقت سابق من أنَّ أوروبا تعمل على عرقلة التسوية في أوكرانيا، وتستعد بشكل حثيث لمواجهة مستقبلية محتملة مع روسيا، فإنَّ هذا المسار وفقاً لمحللين مقربين من الكرملين اتخذ منحى تصاعدياً سريعاً بعد صدمة المواجهة المشتعلة في الشرق الأوسط.

المستشار الألماني والرئيس الأوكراني يحضران عرضاً لعربة عسكرية «يتم التحكم فيها عن بعد» بمعرض لمشروعات مشتركة بين بلديهما في برلين الثلاثاء (د.ب.أ)

في هذا الإطار، لم يعد الحديث في موسكو يقتصر على التداعيات السلبية لـ«إضعاف» إيران على المصالح الروسية في منطقة حوض قزوين مثلاً، التي بالإضافة إلى البعد الجيوسياسي كون منطقة جنوب القوقاز تُشكِّل الخاصرة الرخوة لروسيا تاريخياً، فهي تُشكِّل عقدةً مهمةً للغاية للإمدادات الروسية وعمليات نقل البضائع، بصفتها جزءًا أساسيًا من ممرات النقل شمالي جنوب. ورغم ذلك، فإنَّ الخسائر الروسية المحتملة في هذه المنطقة لا تكاد تذكر بالمقارنة مع تأثيرات التمدد العسكري حول روسيا من جهة الغرب.

الاتحاد الأوروبي... كتلة عسكرية

عندما أطلق نائب رئيس مجلس الأمن القومي ديمتري مدفيديف تحذيره القوي قبل أسابيع قليلة من أنَّ الاتحاد الأوروبي يتحوَّل سريعاً إلى كتلة عسكرية تكاد تكون أخطر على روسيا من حلف شمال الأطلسي، تعامل كثيرون مع التحذير بوصفه نوعًا من التصريحات النارية المتكرِّرة التي أطلقها السياسي الروسي المتشدد، والتي كان بينها التلويح بالقوة النووية مرارًا لحسم المعركة في أوكرانيا.

لكن التطورات اللاحقة أظهرت أنَّ موسكو بدأت تتعامل بجدية مع تصاعد التهديدات على حدودها الغربية، بشكل يعيد رسم العلاقة بشكل كامل على المدى البعيد مع الاتحاد الأوروبي الذي كان حتى سنوات قريبة مضت الشريك الاقتصادي الأول لروسيا. وهذا يعني أنَّ المشكلة التي كانت محصورة فقط، في التعامل مع أسس التسوية الأوكرانية غدت أكثر اتساعًا وأبعد تأثيرًا؛ لأنَّ، وكما يقول سياسيون مقربون من الكرملين، «الصراع المقبل سيكون أطول عمراً بكثير من الصراع في أوكرانيا وحولها».

في هذا الإطار، جاءت التحذيرات الروسية المتتالية من تداعيات زيادة الإنفاق العسكري في أوروبا، وتحوُّل أولويات القارة نحو المواجهة، وتبني سياسات واستراتيجيات جديدة تضع روسيا مصدر تهديد محتمل، وعدوًا رئيسيًا.

صورة من قمر اصطناعي لنيران في مستودعات تخزين للنفط بمرفأ أوست - لوغا على بحر البلطيق الذي استُهدف مراراً بغارات أوكرانية (رويترز)

استراتيجية عسكرية ألمانية

وفي أحدث تجلٍّ لهذا التحوُّل، رأى الكرملين أنَّ إعلان ألمانيا استراتيجيتها العسكرية الجديدة التي تبنَّت للمرة الأولى منذ الحرب العالمية الثانية مبادئ تعدّ روسيا التهديد الأساسي لأمن أوروبا يضع القارة أمام استحقاق جديد وخطير يذكر بمراحل المواجهة الكبرى مع ألمانيا النازية.

وكان وزير الدفاع الألماني، بوريس بيستوريوس، رأى في أثناء عرضه المفهوم الدفاعي الشامل لبلاده في برلين: «تستعد روسيا لمواجهة عسكرية مع حلف (الناتو) وتواصل التسلح، كما تعدّ استخدام القوة العسكرية أداةً مشروعةً لتعزيز مصالحها». وقال إن موسكو تهدف إلى تدمير حلف «الناتو» بقطع الروابط الأوروبية الأميركية، وتسعى إلى توسيع نفوذها.

المستشار الألماني فريدريش ميرتس والرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي يستعرضان حرس الشرف أمام المستشارية الاتحادية في برلين أمس (د.ب.أ)

وأضاف: «نحن بصدد تحويل الجيش الألماني إلى أقوى جيش نظامي في أوروبا»، بينما قوات الاحتياط جزء لا يتجزأ من القوات المسلحة، وسيتم تزويد الجيش بالأسلحة والمعدات اللازمة. وتنصُّ عقيدة برلين الجديدة على تجنيد 460 ألف فرد على الأقل، بما يساعد «بالتعاون مع الحلفاء على التصدي لأي عدوان محتمل من روسيا».

كما نقلت وسائل إعلام حكومية روسية أنَّ شركة «راينميتال»، وهي أكبر مجمع للصناعات الدفاعية في ألمانيا، تعتزم تزويد الجيش الألماني، مستقبلًا بطائرات مسيّرة انقضاضية.

العقيدة النووية الفرنسية

قبل ذلك مباشرة، كانت موسكو أكدت أنها تدرس آليات عملية للرد على العقيدة النووية الفرنسية الجديدة، التي تنصُّ على التعاون مع بلدان أوروبية لنشر أسلحة نووية في القارة، وتنفيذ مناورات مشتركة لمواجهة تعاظم الخطر المقبل من روسيا.

وفي تصعيد جديد يعكس احتدام المواجهة غير المباشرة بين موسكو وأوروبا، حذَّرت وزارة الدفاع الروسية من أنَّ التوسُّع الأوروبي في إنتاج الطائرات المسيّرة لصالح أوكرانيا يمثل خطوةً خطيرةً تدفع القارة نحو «انزلاق تدريجي إلى الحرب»، عادّةً أنَّ هذه السياسات تحول الدول الأوروبية إلى عمق لوجستي واستراتيجي لدعم العمليات العسكرية ضد روسيا.

وقالت الوزارة إنَّ قرار عدد من الدول الأوروبية زيادة إنتاج وتوريد المسيّرات لكييف جاء على خلفية الخسائر البشرية ونقص الأفراد في الجيش الأوكراني، مشيرة إلى أنَّ التمويل المتزايد للمشروعات «الأوكرانية» و«المشتركة» داخل أوروبا يهدف إلى رفع وتيرة الهجمات على الأراضي الروسية باستخدام طائرات دون طيار هجومية ومكوناتها. وشدَّدت على أنَّ هذه الخطوات لا تعزز الأمن الأوروبي، بل تجر القارة إلى مواجهة أوسع ذات عواقب غير محسوبة.

الحدود البيلاروسية - البولندية القريبة من مدينة بريست (رويترز)

وفي هذا السياق، كشفت موسكو قائمة مفصلة تتضمَّن عناوين شركات ومراكز إنتاج مرتبطة بصناعة المسيّرات في دول أوروبية عدة، من بينها ألمانيا وبريطانيا وبولندا والتشيك، إضافة إلى شركات تعمل في تصنيع مكونات حساسة مثل المحركات وأنظمة الملاحة. وأثار هذا الكشف ردود فعل غاضبة في برلين، التي اتهمت موسكو بمحاولة «ترهيب الشركات» وخرق قواعد الأمن.

ومع تهديد موسكو باستهداف أي مواقع أو منشآت تنطلق منها تهديدات على روسيا حتى لو كانت خارج أراضي أوكرانيا يتخذ التطور، الآخذ في الاتساع، بعداً أكثر خطورة.

ويرى مراقبون أنَّ دخول ألمانيا بقوة إلى سباق إنتاج المسيّرات، إلى جانب شركات أوروبية أخرى، يعكس تحولاً نوعياً في طبيعة الصراع، حيث لم يعد مقتصراً على ساحات القتال في أوكرانيا، بل امتدَّ إلى بنية التصنيع العسكري في أوروبا.

حصار كالينينغراد

في هذا التوقيت بالتحديد برز تطوران مهمان، الأول إعلان البدء بصرف مساعدات عسكرية أوروبية لأوكرانيا تصل قيمتها إلى 90 مليار دولار، بعد تجاوز «الفيتو» الذي كانت هنغاريا قد وضعته سابقاً. والثاني إطلاق مناورات أطلسية واسعة الأربعاء، قرب جيب كالينينغراد الروسي.

وكما قال نائب وزير الخارجية الروسي، ألكسندر غروشك، فإنَّ المناورات التي تُجرى تحت رعاية المملكة المتحدة، يتم خلالها التدرب على سيناريوهات لحصار بحري كامل لمنطقة كالينينغراد. بهذا كما يقول السياسيون الروس فإنَّ الحلف الأطلسي يعمل على «تأجيج المواجهة في هذا الجزء من أوروبا».

اللافت أنَّ المناورات الجديدة شكَّلت تتويجًا لمسار إحكام تطويق روسيا عسكرياً بعدما أسفر انضمام فنلندا والسويد إلى الحلف الأطلسي عن تحويل بحر البلطيق إلى «بحيرة أطلسية» بشكل كامل تقريبًا، ولم تتبقَّ لروسيا إلا إطلالة صغيرة على هذا البحر. وقبل أيام، أعلن نائب وزير الخارجية الليتواني السابق، داريوس يورغليفيتشوس، أنَّ الحلف لديه سيناريو جاهز لحصار كالينينغراد في حال حدوث مواجهة مباشرة مع موسكو.

الرئيس الصيني شي جينبينغ مستقبلاً وزير الخارجية الروسي سرغي لافروف في بكين يوم 15 أبريل (إ.ب.أ)

وقبل ذلك، كان قائد القوات البرية لحلف «الناتو»، الجنرال كريستوفر دوناهو، قد أكد أنَّ دول الحلف خطَّطت لكبح جماح القدرات الدفاعية للقوات الروسية بسرعة. وقد حذَّر الرئيس فلاديمير بوتين مرات عدة خلال العام الأخير، من أنَّ أي حصار محتمل لمنطقة كالينينغراد سيؤدي إلى تصعيد غير مسبوق، وأنَّه سيتم القضاء على جميع التهديدات التي تواجه المنطقة.

اللافت أنه في هذه الأجواء عادت أوساط روسية للتحذير من مخاطر التصعيد المتواصل حول روسيا. وكتب المعلق السياسي لوكالة أنباء «نوفوستي» الرسمية: «هذه ليست مزحة، تتضمَّن النسخة الجديدة من العقيدة النووية الروسية بنوداً تتعلق مباشرةً بضمان أمن منطقة كالينينغراد. يُسمح الآن باستخدام الأسلحة النووية في حال وجود تهديد لسلامة أراضي البلاد ومحاولة لعزل مناطقها عن بقية البلاد براً وبحراً وجواً. لذلك، فإنَّ الاستفزازات في بحر البلطيق لا تؤدي فقط إلى تصعيد، بل إلى تصعيد نووي».