حين يحاكم الشاعر الشعر.. والتاريخ

حين يحاكم الشاعر الشعر.. والتاريخ

محمود قرني يستدعي امرؤ القيس وطرفة والمعري وبوشكين ومالارميه وميلتون
الثلاثاء - 8 شهر ربيع الثاني 1437 هـ - 19 يناير 2016 مـ
غلاف المجموعة

عبر حوار طويل وممتد، متشعب الرؤى والقضايا والأفكار، تتلاقح فيه أزمنة وأمكنة شتى، يشكل الشاعر محمود قرني فضاءه الشعري في ديوانه «تفضل.. هنا مبغى الشعراء»، الصادر حديثًا عن دار «شرقيات» بالقاهرة، وهو ديوانه التاسع في رحلته مع الشعر.
وبخيال ساخن، ولغة حادة مسننة، تطل هذه القضايا من نوافذ الديوان، مظللة صفحاته المائة، ويتخذ الشاعر من فكرة المساءلة بمظانها المعرفية والواقعية مقومًا فنيًا لمحاورة شعراء وكتاب وعلماء وفلاسفة ومؤرخين، شكلوا تجسيدًا للحظات فارقة عاشتها تلك الأزمنة والأمكنة.. فثمة مساءلة دائمة للذات والآخر، للتاريخ والشعر والواقع والعناصر والأشياء، تمتد ظلالها إلى الذاكرة والعواطف والمشاعر الإنسانية والرؤى والأفكار والانفعالات، مشكِّلة جسرًا شفيفًا للوصل والقطع بين كل هذه العناصر، بحثًا عن خصوصية ما للشعر، وطارحة سؤاله البسيط المعقد، باعتباره بصيرة الذات المتخفية في خطى الزمن والبشر والأشياء.
الشعر، الذي ينتظر الشاعر عودته، مع كلب «مالارميه»، ومن تراجيديا الحضارات في «عنبر الحمي»، ومن طبقات الجحيم في «رسالة الغفران» للمعري، ويصرخ من أجله مستدعيًا روح بوشكين: «إننا الشعراء، نصلح قياصرة، عبيدا..»، لكنه في النهاية لا يعرف كيف يعتذر له، فيقول متسائلا: «فكيف أعتذر لك.. أيها البطل الخاسر دائمًا»، ثم يشفق عليه ويناجيه كطفل قائلا:
«باسم الفلاسفة
الذين هبطوا إلى النهر
بحثًا عن حقيقتك
فاختطف الغربانُ سراويلهم
باسم كل هؤلاء
من المخدوعين والحمقى
من الأفضل لك
أن تمضي من طريق أخرى
أيها الشعر»
لم يحدد الشاعر هذه الطريق الأخرى، تركها مفتوحة على البدايات والنهايات، لكنه بذكاء مخيلة أشار إليها ضمنيًا وعلى نحو خاص، عبر الدلالة المكانية اللافتة في عنوان الديوان «هنا»، وليس «هناك» مؤكدًا على أن لديه ما يخصه، ويعتز به، لديه الشعر، وهو قادر على الفرح به، لأنه يدرك وكما توحي نصوص الديوان، أن الشعر هو الحقيقة الوحيدة غير القابلة للنسيان، بعيدًا عن ترهات الشعراء وحروبهم الصغيرة.
في خضم هذه المساءلة، وفي ضوء مشاهد ووقائع بعينها يستدعيها الشاعر من خزانة التاريخ، لا يضع الشاعر قدمه فحسب - في ماضٍ يرى أن شهادة رحيله لم تنتهِ، لكنه بقوة المسائلة وجرأة المواجهة حول نصه الشعري إلى معول للتقصي والنقض، الهدم والبناء، لإعادة المساءلة والفهم من جديد للعالم والأشياء، وللآخر بكل فظاظته وقمعه وعدوانه. ومن ثم يشكل الديوان عبر نصوصه ما يشبه خشبة مسرح، تشع عليها الملهاة الإنسانية، في أقسى لحظاتها وجعًا وإيلامًا ومفارقة، وبلغة شعرية مكثفة، تعتصر أقصى طاقات التهكم والسخرية والقسوة، على الذات والشعر والماضي والحاضر، على النضال والآيديولوجيا والثورة التي تحولت إلى نعجة، على العلم والعلماء الذين ضللتهم الأفلاك والموازين المغشوشة، في ظلال كل هذا تمارس الذات الشاعرية نوعًا شفيفًا من التطهير والإزاحة، حتى تخلص في النهاية إلى مرآتها الخاصة، بعيدًا عن روث الآخر وإرثه الدامي، ومن ثم، يصبح فعلاً قادرًا على التجاوز والتخطي بجمالية شعرية مغايرة.
على حواف هذه الصراع، يطرح الديوان فكرة الصدام بين الحقيقة والشعر، وأيضًا الصدام بين العلم والشعر، بين الماضي والحاضر، ويناور الديوان كل هذا، في فضاء جمالي متراكب الرؤى والمستويات، وفي ظل ذات لا تكف عن المساءلة والنبش في حفريات الوجود والمعرفة، ما يجعلنا أمام نصوص شعرية صادمة وهتّاكة، تحتفي بمحبة الأشياء وكراهيتها في الوقت نفسه، لا تذهب إلى الماضي باسم نوستالجيا ما، وإنما بحثًا عن معنى معطل ومستلب لحياة تفر من بين أيدينا. واللافت وسط هذا المناخ أن النصوص تحتفي بالطفولة، بل ترى اللغة ثمرة من ثمراتها الطيبة، فلا تراهن على حرية الغصن بمعزل عن حرية الجذور، لذلك يبدو البحث عن الحقيقة، حقيقة المأساة بكل عبلها الإنساني هو نفسه البحث عن حقيقة الشعر. فكلاهما يفتش في الآخر عن زمنه الهارب، وحريته المغدورة. وإذا كان الواقع يعكس صعوبة فهمنا للحقيقة، لأنه يحولها دائما إلى لغز وسلطة مقموعة، فإن الشعر يتعاطى معها باعتبارها وجودًا حرًا قابلاً للتشكل والامتلاء في النص.
بهذه الطاقة المهمومة بسؤال الشعر والحقيقة معًا، يوسع الشاعر من آلية المساءلة، وينوع حراكها في النص، فهي تارة تبدو قرينة مفارقة موجعة، تتفجر دراميًا من داخل النص نفسه، الذي يتحول بدوره إلى مصفاة تنقي العناصر الخارجية المستدعاة من شوائب اللغة والتاريخ والزمن، وركام العادة والمألوف، ليعيد النص صهرها وسبكها، وفق خصوصيته، وما يحيل إليه من رؤى ودلالات. وهي تارة تستبطن حس الحكاية، تخايل في ظلالها ما يشبه الاعترافات المضمرة، أو المبتورة الناقصة، وتلك خصيصة قارة في الكثير من دواوين محمود قرني، بخاصة ديوانه السابق «لعنات مشرقية»، فاللعب على مناطق وتيمات ذات صبغة تاريخية، يستدعي الحكي، ويؤكد في الوقت نفسه أن التاريخ يُروى، وتتعدد مروياته، لأنه من صناعة البشر، وحمّالُ أقنعة وأوجه كثيرة. الأمر الذي يكسب فكرة «المساءلة» في الديوان قدرًا لافتًا من الشمول والاتساع والعمق، فهي تسعي إلى «الكلية»، حتى في لحظات مناجاتها الشخصية الفردية.
فبروح مشرّبة بالرغبة في الحوار الحي وشرف الخصومة مع الآخر، يخاطب الشاعر نفسه (عبر حديقة فلوبير)، قائلا فيما يشبه المرثية الموجعة للذات:
«أنا بطل الروايات الناقصة
أعني أنني بالضرورة سيّدُ العشاق الخائبين
أن الذي يتنشّق هُراء مجده
ولا يرى سبيلاً لقلب حبيبته
فيدقّ صورتها بإبرة الحِجامة
على ثنْيات بطنه
يسلم حذاءه للطير
وتخرج شِكَّةُ صيده خالية الوفاض
وأنا الرسام الأرعن
اسمي محمود
وصنعتي تربية النظر
اقرأ (جوستاف فلوبير) كبحار مغامر
واعتبره مثلي..
غبيًا أنيقًا
لكنه يغرق على ما يرام»
هذا التوازي بين الذات الشاعرة، وشخصية «فلوبير»، بثقلها الأدبي والدرامي، ومفارقات سيرتها الحياتية الموجعة، يطرح في المقابل توازيًا آخر، بين الشعر والحقيقة، فكلاهما لا يكف عن صراع الآخر وانتهاكه، بحثًا عن حرية مفقودة أو متوهمة، أو مخبّأة، في روحه وجسده، وتحت جدرانه.
إن قصائد الديوان حين تجر الماضي وراءها، لا تبحث فقط عن المدهش والمخفي فيه، بقدر ما تختبر الحياة في صورتها الأولى المتكررة، كقيمة مجردة من غواية النمط، وملهاة حية، نتفنن دائمًا ورغم قسوة الظروف، في العيش والتسكع فوق سطحها، وفي الوقت نفسه تؤكد القصائد أنه لا معنى للحياة خارج لحظتها الراهنة، خارج وجودها كمادة، كواقع متعين، كحقيقة معاشة بالفعل، كجسر شفيف للوصل والقطع، تتلاقح عليه شخوص وأزمنة وأمكنة، وحالات وظواهر، وحدوسات شتى للمعرفة الإنسانية.. فهكذا يقف فوق هذا الجسر: طرفة، والخنساء، وأبو تمام، والمعري، وبشار، وكيتس ونيوتن وبوشكين ومالارمية، وامرؤ القيس وفولبير وميلتون، وابن الرواندي، كما يقف الجواسيس والرواة والمهجريون واللصوص، وباعة البهجة المغشوشة، وغيرهم ممن يستدعيهم الديوان في معيته.. يقفون عراة حائرين، لا يتصارعون من أجل الحقيقة، أو كتابة مرثية تليق بالشعر، وإنما من أجل أن يظلوا أوصياء على الحياة، على الماضي والحاضر معًا.
لذلك، تفرض السخرية نفسها ضرورة للهدم والبناء معا، ولإثبات قدرة الذات الشاعرة على النفي والإثبات، إنها صوت الأنا المعارض، النقيض، الضد، الذي باسمه تتقاطع وتتوازى فوق سطح هذه الملهاة، دلالة «فردوس ميلتون المفقود» و«مقابر الصدقة»، وصراع الأبناء والأسلاف في بيت لحم على أكل أكباد بعضهم بعضا، أو تتماهى «رسالة الغفران» للمعري، مع «كوميديا دانتي»، أو يتناثر «غبار آسيا» فوق كتفي سيدة تنتظر حبيبها على شاطئ بعيد في قلب ظلام القارة السمراء، أو يصرخ في « سماوات ليبيا» القائد الذي هزمته ذبابة الملاريا.
وغيرها، من ثنائيات الشر العقيمة التي أصبحت سمة عالمنا الراهن، وأصبحنا نخمن كل يوم أكثر من طريقة للهرب منها أو العيش المر تحت ظلالها.. ومثلما يقول الشاعر في قصيدته «الفردوس المفقود» في تناغم حي وساخر بين صوت الذات الشاعرة، وصوت الآخر المجهول الذي يوهم به جون ميلتون صاحب الفردوس نفسه:
«سيدي
إذا كنت بلا عمل
فتعال إلى هنا
سنجمع الحطب سويًا
من هذا الغَوْر
الذي يقع شمال بيت لحم
لتشهد بنفسك
كيف يأكل أحفادك
أكباد أعدائهم»
في الختام، أدرك أن ما يقوله الشعر هنا في هذا الديوان الخصب لن ينتهي بقراءة القصيدة أو الديوان، وإنما تبدأ حرية الشعر ومتعته مع تعدد القراءة وطرائق الرؤية والتأويل، فنحن أمام نص شعري قادر على أن يجدد نفسه بطرائق متنوعة ومتعددة.


اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة