فنزويلا أولى ضحايا النفط.. والخليج قادر على الصمود

روسيا تسابق الزمن لإيجاد المال.. وربما تلجأ لـ«الاحتياطي»

فنزويلا أولى ضحايا النفط.. والخليج قادر على الصمود
TT

فنزويلا أولى ضحايا النفط.. والخليج قادر على الصمود

فنزويلا أولى ضحايا النفط.. والخليج قادر على الصمود

لا يزال انخفاض أسعار النفط يلقي بظلاله على الدول المنتجة للنفط، لتواجه بعضها أكبر أزماتها الاقتصادية، فيما تتحمل أخرى تلك الضغوط بشكل أكثر صلابة، وذلك في وقت وصل فيه برميل النفط إلى أدنى مستوياته منذ 12 عاما إلى ما تحت 30 دولارا للبرميل بنهاية تداولات الجمعة آخر جلسات الأسبوع.
وبينما انخفض خام برنت بما يقارب 18 في المائة منذ بداية 2016، ويعاني المصدرون الكبار من أزمة حقيقية تجتاح مؤشرات الاقتصاد الكلي في كثير من الدول. أعلنت الحكومة الفنزويلية عن حالة «طوارئ اقتصادية» لمدة 60 يوما للتعامل مع الأزمة المتفاقمة نتيجة انخفاض أسعار النفط، ويتضمن المرسوم الذي أقره الرئيس الفنزويلي نيكولاس مادورو ليلة أول من أمس، زيادة الضرائب ويضع تدابير الطوارئ لدفع ثمن الخدمات الاجتماعية، والواردات الغذائية.
وجاء تحرك الحكومة نحو تلك القرارات بعد أن أظهرت الأرقام الرسمية الصادرة عن المركزي الفنزويلي أن الاقتصاد انخفض بما يقرب من 4.5 في المائة في الأشهر التسعة الأولى من 2015، ليقترب العجز النقدي من 30 مليار دولار لسداد ديونها واستيراد المنتجات التي تحتاجها البلاد.
وأعلن مادورو حالة الطوارئ قبل ساعات من خطابه أمام الكونغرس لأول مرة منذ تولي معارضيه من يمين الوسط السلطة التشريعية. وفرض المرسوم أيضا المزيد من القيود التي تفرضها الدولة على الشركات والإنتاج الصناعي، والمعاملات النقدية الإلكترونية.
ورغم أن فنزويلا تمتلك أكبر احتياطيات للنفط في العالم، فإن الانخفاض الهائل في أسعار النفط في الأشهر الـ18 الماضية خفض إيراداتها النفطية بما يقارب 60 في المائة، لتنكمش سلة النفط الفنزويلية إلى أدنى مستوى في 13 عاما، وينخفض الخام الفنزويلي إلى 24 دولارا للبرميل بنهاية جلسة تداولات الجمعة.
وقال البنك المركزي في بيان سابق إن معدل التضخم قد اقترب من 141 في المائة وانكمش الاقتصاد بنحو 7.1 في المائة بنهاية سبتمبر (أيلول) 2015، الأمر الذي جعل مادورو يؤكد على وزير الاقتصاد المعين حديثا بضرورة حماية البرامج الاجتماعية التي أنشأها سلفه الرئيس السابق هوغو شافيز من الانخفاض العالمي في أسعار النفط.
وتمثل صادرات النفط نحو 95 في المائة من عائدات فنزويلا، وتقول الحكومة إن انخفاض أسعار النفط أثرت على أسعار السلع الأساسية، والتقلب الاقتصادي خاصة في أسعار العملة، مما أدى إلى تعاظم المعارضة للحكم الحالي، وتسود في فنزويلا حالة ترقب ما إذا كان الكونغرس الذي سيطر عليه الحزب المعارض سيدعم الإجراءات الأخيرة، أم ستتجه إدارة مادورو إلى محكمة العدل العليا.
وفي الوقت ذاته يرى محللون أن الرئيس الفنزويلي لديه مشكلات أعمق من الركود والانكماش الاقتصادي وانخفاض أسعار النفط، فهو يواجه معركة صعبة مع المعارضة.
وقال الرئيس الفنزويلي في خطابه الذي دام 3 ساعات، علينا أن نعترف بأخطائنا الكثيرة، فالشعب الفنزويلي ينتظر حلولا ملموسة.

* مخاوف ووعود
وبالرغم من أن خطاب مادورو اتسم بكثير من الإشارات وإعطائه صلاحيات لحل الأزمة الاقتصادية، فإنه لم يوضح خططا محددة لإخراج البلاد من الأزمة.
غير أن هناك إشارات إلى الحاجة لرفع سعر البنزين المدعوم بشكل كبير وإصلاح النظام الضريبي. والسؤال الرئيسي المطروح حاليا هو «هل ستعلن الحكومة إيقاف سداد الديون؟».
وفي هذا الشأن كتب بنك أوف أميركا مذكرة بحثية لعملائه يوم الجمعة الماضي، موضحا أن الضغوط على الموارد المالية الحكومية كبيرة لتعزيز حالة إعادة هيكلة الديون.
وردا على تخوفات المقرضين، أكد مادورو على أن بلاده ستواصل الوفاء بالتزاماتها الدولية، موضحا أن هناك 14 مليار دولار سيتم دفعها خلال العام الجاري، قائلا إنها التزامات الدولة وما فعلناه سابقا سنستمر فيه.
ورغم أن الكونغرس ما زال لديه ثمانية أيام لدراسة ومناقشة المرسوم قبل التصويت على موافقته فإن الكثير من المحللين يشككون في استقبال الجمعية الوطنية لذلك المرسوم لتشكل أداة سياسية للضغط على حكومة مادورو، في الوقت ذاته ترفض الجمعية الوطنية ادعاءات الحكومة بأن المشكلات الاقتصادية هي حرب اقتصادية يقودها رجال الأعمال للإطاحة بحكومة مادورو الاشتراكية.
وأوضح المركزي في تقرير صدر يوم الجمعة، أن هناك استعجالا في اتخاذ تدابير اقتصادية، للسيطرة على تداعيات مؤشرات الاقتصاد الكلي، فانكمش النشاط الاقتصادي بنحو 20 في المائة خلال 2015، وارتفع عجز الحساب الجاري ليقترب من 13 مليار دولار، بالرغم أن الموازنة الفنزويلية قد حققت فائضا بما يقارب 8.4 مليار دولار في 2014.
وتشير تقديرات صندوق النقد الدولي بانكماش الاقتصاد الفنزويلي بما يقارب 10 في المائة خلال العام الجاري، وانخفاض معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي بنحو 3.3 في المائة، وارتفاع معدل التضخم بما يقارب 200 في المائة.

* روسيا المهددة
ويأتي في المرحلة اللاحقة لأضرار انخفاض أسعار النفط بعد فنزويلا، روسيا التي قد تضطر إلى خيارات أخرى لسد العجز في الموازنة الحالية لعام 2016. وقال وزير التنمية الاقتصادية الروسي أليكسي أوليوكاييف في تصريح سابق إن الكرملين يدرس بيع أصول في سيبر بنك ومجموعة في تي بي لسد ثغرات الميزانية.
وبالأمس، بدأت بالفعل بوادر تحركات روسية ربما لتلافي مصير فنزويلا، حيث أعلن وزير المال الروسي أنطون سيلوانوف أن الحكومة الروسية تنوي بيع 19.5 في المائة من حصصها في مجموعة «روسنفت» النفطية العملاقة لتعويض تراجع الإيرادات في الموازنة بسبب الأزمة. قائلا في تصريح إعلامي: «علينا اتخاذ قرار الآن لإيجاد المال»، ومؤكدا أن هذه مجرد «مرحلة أولى».
وتملك روسيا حاليا 70 في المائة من روسنفت، التي تمثل 40 في المائة من الإنتاج النفطي الروسي، لكنها طرحت للبيع منذ 2013 نسبة الـ19.5 في المائة، قبل أن تعود الحكومة الروسية في قرارها.
وهذا الأسبوع أكد سليوانوف أن الحكومة تبحث عن إيرادات جديدة خصوصا مع عمليات خصخصة قد تدر ألف مليار روبل خلال عامين (نحو 12 مليار يورو). واستندت موازنة 2016 إلى سعر برميل نفط قدره 50 دولارا، مع عجز بقيمة 3 في المائة من إجمالي الناتج الداخلي.. وهو الحد الذي طلب الرئيس فلاديمير بوتين عدم تجاوزه. وبحسب الوزير يجب أن يرتفع سعر برميل النفط إلى 82 دولارا لتأمين التوازن. وإذا كان العجز قد بقي مضبوطا العام الماضي بـ2.6 في المائة فإن هذا العام سيكون أصعب.
وحذر الوزير من تفاقم الوضع، رغم امتلاك روسيا احتياطيا قدر في نهاية العام بـ8300 مليار روبل (97 مليار يورو)، قائلا: «يمكننا إنفاق الاحتياطي إذا لم نتخذ تدابير أخرى».
وقال رئيس الوزراء ديمتري ميدفيديف إن أسعار النفط ساهمت في تراجع سعر الروبل إلى أدنى مستوى خلال أكثر من عام، الأمر الذي يطرح «تهديدا جديا» على الموازنة، علما بأن النفط يشكل مع الغاز أكثر من نصف إيرادات موازنة البلاد.
ورغم أن البنك المركزي الروسي قدم توقعات متفائلة بارتفاع أسعار النفط إلى ما بين 70 إلى 75 دولارا للبرميل، فإن ميدفيديف قال: إن الكرملين يحتاج للتحضير لأسوأ سيناريو إذا استمرت الأسعار في الانخفاض.
وقال بوتين في تصريحات سابقة بأن العقوبات الاقتصادية تضر بالاقتصاد الروسي، ولا تستهدف مساعدة أوكرانيا، بل تضر الجانبين الروسي والأوروبي.
ويعاني الاقتصاد الروسي من انكماش بنحو 3.7 في المائة في 2015، ويتوقع صندوق النقد الدولي أن ينخفض معدل نمو الناتج المحلي بنحو 0.5 في المائة خلال 2016.

* الخليج «متماسك»
وعلى النقيض، تظهر دول الخليج تماسكا كبيرا، وعلى رأسها السعودية صاحبة ما يقرب من 25 في المائة من محفظة النفط في أوبك وما يعادل تقريبا 20 في المائة من محفظة النفط عالميا، ورغم رفض المملكة لخفض إمدادات النفط في اجتماع أوبك السابق، فإنها تمتلك من المال والصبر ما يؤهلها للصمود والفوز بالحصول على حصتها في السوق في مواجهة أي مورد عالمي آخر، بحسب المراقبين.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يرتفع معدل نمو الناتج المحلي الإجمالي للمملكة بنحو 1.9 في المائة في 2016.. لكن المراقبين والمحللين يتوقعون المزيد، في ظل ما تظهره المملكة من إصرار على اتخاذ تدابير اقتصادية جديدة، على غرار تقليص الدعم الحكومي والاتجاه إلى اقتصاد استثماري حقيقي وخطط واضحة لدفع الاقتصاد السعودي خلال السنوات القادمة.

* قدرة سعودية على الصمود
وبالعودة إلى التاريخ، فمن الصعب إثبات أن السعودية غير مستعدة لـ«المقاومة». فقد شهدت المملكة بناء الاحتياطات من ثروة النفط في السبعينات، وسجلت عجزا في ميزانيات 1983 حتى 1998، حتى استقرت الأمور لتعود المملكة مرة أخرى لتسجل فوائض في الميزانية للسنوات الـ15 التالية. فعند التعامل مع قضايا هامة مثل الاستقرار الإقليمي والمحلي لا ينبغي أن نندهش لرؤية التاريخ يعيد نفسه، بحسب خبراء دوليين.
وكانت هناك ثلاثة انخفاضات رئيسية قبل الانخفاض الحالي، الأول في 1985 - 1986. والثاني في 1990 - 1991 في أثناء حرب الخليج، وفي 2008 - 2009 خلال الأزمة المالية العالمية.
وفي كل أزمة كان لتدخل أوبك لضبط الأسعار وضبط المعروض والطلب له الأهمية الكبرى، إلا أن في استطلاع «الشرق الأوسط» لأوساط المحللين، فإن الأمر سيحتاج لأكثر من كبح جماح الإنتاج لرفع أسعار النفط الخام، بل هناك حاجة إلى ارتفاع حاد في الطلب العالمي نفسه لرفع أسعار الخام. ويبقى السؤال الدائم ما هو «السعر العادل» للخام؟

* ما هي إجراءات «الطوارئ الاقتصادية»؟
- تأتي إجراءات الطوارئ الاقتصادية، إذا كان الوضع الاقتصادي يهدد الاستقرار المالي لدولة ما.
- يجب أن يوافق البرلمان أو المجلس التشريعي على إعلان حالة الطوارئ المالية.
- تختلف إجراءات الطوارئ في كل دولة طبقا لاختلاق الوضع الاقتصادي، ولاختلاف القوانين.
- تفرض حالة الطوارئ الاقتصادية إما في حالات الحروب، كالقانون الاتحادي في الولايات المتحدة الذي نص بعد الحرب العالمية الثانية على أن الرئيس والمجلس التشريعي لهم الحق بإصدار قانون لتنظيم الهيكل المالي داخل الدولة في حالة وجود تهديد ما يضر بالأمن الاقتصادي الاتحادي للولايات المتحدة.
- وإما في الأزمات المالية الشديدة، كما فرضت الهند إجراءات الطوارئ الاقتصادية عقب أزمتها بنهاية 1990، فكانت الحكومة الهندية بالكاد تستطيع تمويل ثلاثة أسابيع من الواردات، الأمر الذي أدى في النهاية إلى نقل الاحتياطي الوطني من الذهب في مقابل الحصول على قرض تغطية رصيد الديون المرتفع، وتعهد بذلك حينها صندوق النقد الدولي.

* ماذا حدث في فنزويلا في الأسبوعين الماضيين؟
- فنزويلا تدعو إلى اجتماع عاجل لأوبك في يناير (كانون الثاني).
- المعارضة تتسلم البرلمان وسط خلاف شديد مع الحكومة.
- رئيس فنزويلا يسحب من البرلمان صلاحية تعين رئيس البنك المركزي.
- مواجهة بين المعارضة اليمينية والرئيس الفنزولي والاقتصاد يعاني.
- الرئيس الفنزويلي يعين جامعيين في منصبين اقتصاديين في تعديل وزاري.
- المعارضة الفنزويلية تعلن أنها الأكثرية وتتحدى الرئيس.
- تفاقم أزمة المؤسسات يؤدي إلى تعطيل أعمال البرلمان.
- فنزويلا تجدد دعوتها لمؤتمر طارئ لأوبك.



«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
TT

«هندالكو» الهندية توقف إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب حرب إيران

يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)
يُستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية (إكس)

ذكرت شركة «هندالكو إندستريز» الهندية، أنها أوقفت إنتاج الألمنيوم المبثوق بسبب نقص الغاز في أعقاب انقطاع الإمدادات من الشرق الأوسط.

وأظهر إشعار أن الشركة المملوكة لمجموعة «أديتيا بيرلا» أعلنت حالة القوة القاهرة لجميع عملاء منتجات الألمنيوم المبثوق في 11 مارس (آذار)، حسبما ذكرت «رويترز» نقلاً عن إشعار ومصادر مطلعة.

ويستخدم الألمنيوم المبثوق في البناء والمركبات الكهربائية والإلكترونيات والألواح الشمسية.

وتعاني الهند من أسوأ أزمة غاز منذ عقود، بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران؛ إذ خفضت الحكومة الإمدادات للصناعات، لتجنيب الأسر أي نقص في غاز الطهي.

وقالت الشركة في الإشعار: «اتخذت (هندالكو) وتواصل اتخاذ جميع الخطوات المعقولة للتخفيف من تأثير حالة القوة القاهرة».

وقال المصدران اللذان طلبا عدم الكشف عن هويتيهما لأنهما غير مخولين بالتحدث إلى وسائل الإعلام، إن مصاهر الألمنيوم التابعة لشركة «هندالكو» تواصل العمل بشكل طبيعي.


كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
TT

كيف «خنق» الدولار بريق الذهب في صراع الملاذات الآمنة؟

أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)
أوراق نقدية من فئة 100 دولار وعملات من الوون الكوري الجنوبي واليوان الصيني والين الياباني (رويترز)

بينما تثير التوترات في الشرق الأوسط مخاوف عالمية من ركود اقتصادي، يبرز الدولار الأميركي استثناءً مثيراً للجدل؛ إذ أدت الصدمة الحالية في إمدادات الطاقة إلى ارتفاع قيمته بنحو 2.5 في المائة وفقاً لمؤشر الدولار؛ مما يضع العملة الأميركية في موقع المستفيد الأول من نيران الحروب. هذا الصعود، الذي قد يبدو للوهلة الأولى منافياً للمنطق في ظلِّ الأزمات، يرتكز على معادلة اقتصادية معقَّدة جعلت من «العملة الخضراء» ملاذاً إجبارياً في وجه العواصف.

الدولار عملة ملاذ... ومحرك للأسواق

في جوهر هذا الصعود، تبرز طبيعة الدولار بوصفه عملة ملاذ آمن لا يُنافَس في أسواق المال العالمية. ففي أوقات عدم اليقين، وتحديداً حينما تلوح مخاطر إغلاق ممرات حيوية، يبادر المستثمرون عالمياً إلى التخلص من الأصول عالية المخاطر والتحوط بالسيولة الدولارية. وبالتالي، فإن من شأن عقلية الحفاظ على النقد هذه أن تحول الدولار إلى وجهة إجبارية لأموال ذعرت من تقلبات الأسواق، مستمدةً قوتها من عمق النظام المالي الأميركي، وقدرته الفائقة على استيعاب الصدمات مقارنة بأي اقتصاد آخر.

رجل يسير على طول الشاطئ بينما تصطف ناقلات النفط وسفن الشحن في مضيق هرمز (أ.ب)

لكن القصة لا تقف عند حدود الملاذ الآمن النفسي، بل تمتد إلى طبيعة التجارة الدولية ذاتها. فالدولار يظلُّ العملة المرجعية لتسعير النفط والغاز عالمياً؛ ومع كل قفزة في أسعار الطاقة الناتجة عن الصراع، يرتفع تلقائياً حجم الطلب العالمي على العملة الأميركية، حيث تضطر الدول المستوردة للطاقة - مثل الاقتصادات الآسيوية والأوروبية - إلى زيادة مشترياتها من الدولار لتسوية فواتير استيرادها المرتفعة، مما يخلق ضغطاً شرائياً مستمراً يرفع من قيمة العملة الخضراء مقابل عملات تلك الدول التي تعاني أصلاً من استنزاف احتياطاتها.

لغز الذهب

في مقابل صعود الدولار، شهدت أسواق الذهب «لغزاً» مربكاً؛ إذ فشل المعدن الأصفر في استغلال الاضطراب الجيوسياسي لتعزيز مكاسبه. فبعد صعوده عقب بدء العمليات العسكرية مباشرة من 5296 دولاراً إلى 5423 دولاراً للأونصة، تعرَّض لعمليات بيع مكثفة هبطت بسعره إلى 5085 دولاراً.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

يوضح روس نورمان، الرئيس التنفيذي لـ «ميتالز دايلي» لشبكة «سي إن بي سي»، أن قوة الدولار وارتفاع عوائد سندات الخزانة سحبا البساط من تحت الذهب؛ فالمستثمرون باتوا يجدون في الأصول الأميركية ذات العائد جاذبية أكبر من الذهب غير المُدر للدخل في ظلِّ بيئة فائدة مرتفعة.

وأضاف نورمان أن ارتفاع أسعار النفط قد يؤدي إلى تضخم مطوّل وربما ارتفاع أسعار الفائدة، في ظلِّ سعي البنوك المركزية لاحتواء تداعيات إغلاق مضيق هرمز، الممر البحري الحيوي للنفط والغاز.

وتميل أسعار الفائدة المرتفعة إلى زيادة جاذبية الأصول ذات العوائد، مثل السندات الحكومية، مقارنةً بالمعادن النفيسة التي لا تدرّ عوائد، مثل الذهب.

وقال نورمان: «تبدو تحركات أسعار الذهب والفضة ضعيفة في الوقت الراهن، ولكن ربما يكون هذا هو الشعور الطبيعي بعد بعض التحركات الهائلة التي شهدناها خلال الأشهر القليلة الماضية».

يُعزى تفسير آخر إلى أنَّ النزاعات تُثير موجة بيع مذعورة بين المستثمرين، مما يُسبب «تدفقاً مفاجئاً» يُجبر المتداولين على بيع مراكزهم مع انخفاض الأسعار، وفقاً لعامر حلاوي، رئيس قسم الأبحاث في شركة «الرمز».

وأضاف، في حديثه لـ«سي إن بي سي»: «في حال حدوث أزمة سيولة، سيتم بيع كل شيء حتى يستوعب الناس الوضع، وتُعاد توجيه الاستثمارات نحو الأصول المناسبة».

الفائدة من بين أسباب ارتفاع الدولار

من جهتها، تستعرض «وكالة الصحافة الفرنسية» الأسباب الكامنة وراء صعود العملة الأميركية أمام منافساتها في ظلِّ هذه الظروف، ووفقاً للوكالة، يرتكز هذا الصعود على 3 ركائز:

  • السيولة والملاذ الآمن: يظل الدولار الوجهة الأولى للمستثمرين الباحثين عن ملاذ آمن عالي السيولة، حيث يظل العملة الأكثر تفضيلاً في التجارة الدولية واحتياطات المصارف المركزية.
  • الاستقلال الطاقي الأميركي: الولايات المتحدة بمنأى عن أزمة الإمدادات كونها المنتِج الأكبر للخام عالمياً، حيث لا تستورد سوى 8 في المائة فقط من احتياجاتها من الخليج، مقارنة بثلثي احتياجاتها من كندا. هذا يجعل الاقتصاد الأميركي مصدّراً صافياً للمنتجات النفطية والغاز، مما يعزِّز ميزانه التجاري ويمنح الدولار حصانة مقارنة بالعملات الأوروبية والآسيوية التي تتلقى ضربات أقوى نتيجة اعتمادها المفرط على نفط الخليج.
  • توقعات الفائدة: من شأن ارتفاع تكاليف الطاقة أن يغذي مخاوف التضخم، مما يضطر «الاحتياطي الفيدرالي» لإبطاء وتيرة خفض الفائدة، وهو ما يعزِّز جاذبية الدولار على حساب الأصول الأخرى.
مضخة نفط في حقل مهجور شمال إسبانيا (أ.ف.ب)

بين سياسة ترمب وواقع الحرب

هذه التطورات تتعارض مع أهداف إدارة ترمب التي تعهَّدت بخفض أسعار الغاز ودعم صادرات «دولار ضعيف». وفي هذا السياق، أكد وزير الخزانة الأميركي سكوت بيسنت في نهاية يناير (كانون الثاني) 2026 تمسك الإدارة بـ «سياسة الدولار القوي»، موضحاً أن جوهر هذه السياسة يكمن في تهيئة بيئة اقتصادية داعمة للنمو عبر سياسات ضريبية وتجارية وتنظيمية تجعل من الولايات المتحدة أفضل وجهة لرأس المال في العالم، وذلك رغم التذبذبات الأخيرة في قيمة العملة.

يسير الناس قرب الأراضي الزراعية المجاورة لحقل الزبير النفطي في البصرة بالعراق (رويترز)

وفي الوقت الذي يرى فيه خبراء أن آراء الإدارة تبدو «متخبطة»؛ بسبب التناقض بين تصريحات ترمب المرحبة بضعف الدولار وسياسات بيسنت، تحذِّر المحللة المالية كاثلين بروكس من أن جاذبية الدولار قد تتضاءل إذا تفاقم العجز في الموازنة الأميركية نتيجة الإنفاق العسكري المتوقع للأشهر المقبلة، مما يضع الإدارة أمام معضلة حقيقية في إدارة التوازن بين القوة الاقتصادية والواقع الجيوسياسي.


اليابان تستعد للسحب من احتياطيات النفط وسط ضغوط أميركية

صهاريج لتخزين النفط في شيبوشي بمحافظة كاغوشيما اليابانية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في شيبوشي بمحافظة كاغوشيما اليابانية (رويترز)
TT

اليابان تستعد للسحب من احتياطيات النفط وسط ضغوط أميركية

صهاريج لتخزين النفط في شيبوشي بمحافظة كاغوشيما اليابانية (رويترز)
صهاريج لتخزين النفط في شيبوشي بمحافظة كاغوشيما اليابانية (رويترز)

تعتزم اليابان البدء في السحب من مخزونات النفط لديها يوم الاثنين، للتخفيف من وطأة الصدمة الناجمة عن الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران، في تذكير واضح بأزمة نفط وقعت قبل نصف قرن، وهي التي دفعت طوكيو من الأساس إلى تخزين احتياطيات.

ومع بدء ارتفاع أسعار البنزين في أنحاء اليابان بسبب الحرب التي عطلت الإمدادات من مضيق هرمز، تعهدت طوكيو بسحب كمية غير مسبوقة تبلغ 80 مليون برميل من النفط، أي ما يعادل نحو 45 يوماً من الإمدادات.

وطلبت الحكومة اليابانية من مصافي التكرير اليابانية استخدام النفط الخام الذي سيتم سحبه، وسيقلل الاحتياطيات الوطنية بنسبة 17 في المائة، لتأمين الإمدادات المحلية. ومن غير المعروف حتى الآن حجم النفط الذي ستخصصه اليابان للمشاركة في عملية سحب عالمية لكمية تبلغ 400 مليون برميل، تنسقها الوكالة الدولية للطاقة للتعامل مع صدمة الإمدادات الناجمة عن الحرب ومع تقلبات الأسعار.

وأشار ريوسي أكازاوا وزير الاقتصاد والتجارة والصناعة، إلى أن البلاد تسعى أيضاً للحصول على إمدادات من الولايات المتحدة وآسيا الوسطى وأميركا الجنوبية، ودول يمكنها تجاوز العبور من مضيق هرمز.

وقال لي زيلدين، مدير وكالة حماية البيئة الأميركية، وفقاً لـ«رويترز»: «عندما ترى الصراع في الشرق الأوسط... تتذكر أن كل النفط الخام الذي نُقل من ألاسكا إلى اليابان لم يتعرض أبداً للاستهداف بهجوم إرهابي ناجح... هذا الصراع... تذكرة بأن كثيراً من الدول الأخرى في منطقة المحيطين الهندي والهادي يمكنها أن تنظر للولايات المتحدة؛ حيث لدينا الموارد».

كسب وقت

تحصل اليابان على نحو 4 في المائة فقط من النفط من الولايات المتحدة، بعد أن أوقفت إلى حد بعيد شراء النفط من روسيا منذ الحرب الروسية الأوكرانية في 2022، وهي المرة الأحدث السابقة التي لجأت فيها طوكيو للاحتياطيات.

وقال يوري هامبر، الرئيس التنفيذي لشركة «يوري غروب» للاستشارات، ومقرها طوكيو، إن السحب الذي ستنفِّذه اليابان يظهر مدى الجدية التي تتعامل بها طوكيو مع هذا الاضطراب.

وأضاف: «يمكن للاحتياطيات أن تساعد في استقرار الإمدادات والأسعار على المدى القصير، ولكنها بالأساس وسيلة لكسب الوقت. ولا يمكنها أن تعوض بالكامل عن تعطل مطول في مضيق هرمز».

وقالت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة، إن أي سحب محتمل من 12 مليون برميل تحتفظ بها السعودية والإمارات والكويت بشكل مشترك في اليابان، سيكون إضافة إلى الثمانين مليون برميل المعلن عنها.

وبدأت اليابان نظام تخزين احتياطي نفطي في البلاد في 1978، بعد سنوات عدة من أزمة وقف تصدير النفط العربي. ولدى اليابان، العضو في مجموعة الدول السبع الصناعية الكبرى، مخزونات نفط تكفي لاستهلاك 254 يوماً.

وتعتمد اليابان على الشرق الأوسط في الحصول على نحو 90 في المائة من احتياجاتها النفطية.

وذكرت وزارة الاقتصاد والتجارة والصناعة أن البلاد ستبدأ في سحب كمية تعادل 15 يوماً من استهلاك القطاع الخاص، بدءاً من غداً الاثنين، وما يعادل شهراً من احتياطي الدولة بدءاً من أواخر الشهر الجاري.

وأعلنت وكالة الطاقة الدولية، الأربعاء الماضي، أن الدول الأعضاء فيها، والبالغ عددها 32 دولة، قد اتفقت بالإجماع على طرح 400 مليون برميل من النفط من احتياطياتها الاستراتيجية في الأسواق. وهو ما يتجاوز ضعف كمية سحب عام 2022. وأعقب ذلك إعلان الولايات المتحدة أنها ستفرج عن 172 مليون برميل نفط من احتياطياتها النفطية الاستراتيجية.

وتُمثِّل هذه الخطوة أكبر عملية إطلاق لاحتياطيات استراتيجية في تاريخ الوكالة.

وحذَّر المدير التنفيذي للوكالة، فاتح بيرول، من أن الصراعات الدائرة في الشرق الأوسط تترك أثراً بالغاً على أسواق الطاقة العالمية، مؤكداً أن قارة آسيا هي المنطقة الأكثر تأثراً وتضرراً من حيث إمدادات الغاز.