الباستا.. هدية العرب لولاية صقلية

عماد المطبخ الإيطالي

الباستا من أهم أطباق الإيطاليين
الباستا من أهم أطباق الإيطاليين
TT

الباستا.. هدية العرب لولاية صقلية

الباستا من أهم أطباق الإيطاليين
الباستا من أهم أطباق الإيطاليين

قد تختلف التسميات بين المكرونة والمعكرونة والباستا، وأيضا طرق التحضير بين السلق ثم الخلط بالصلصات الحمراء أو البيضاء أو الطبخ في الفرن، ولكن المكرونة، أو الباستا، ما زالت هي عماد المطبخ الإيطالي، وانتشرت منه إلى منطقة البحر المتوسط ومن ثم إلى بقية أنحاء العالم. ورغم أن أصلها إيطالي فإن مراجع التاريخ تذكر أن العرب قدموها إلى ولاية صقلية في القرن التاسع الميلادي.
ويعود ذكر الباستا الإيطالية إلى القرن الثاني عشر، حيث ورد ذكرها للمرة الأولى في كتاب للطبخ في صقلية يعود تاريخه إلى عام 1154، وسر نجاحها واستمرارها هو سهولة تحضيرها من دقيق القمح والبيض ثم تقطيعها إلى أشكال مختلفة مثل الإسباغيتي أو اللازانيا أو الأنابيب المقصوصة بأحجام مختلفة. وهي تطبخ بالسلق لمدة عشر دقائق وتخلط بعد ذلك بالصلصة أو الجبن أو باللحم المفروم وتخبز في الفرن.
وفي إيطاليا تقسم الباستا إلى قسمين: الجاف والطازج. وتباع الأنواع الجافة في أكياس في محلات السوبر ماركت وهي تصنع على نطاق صناعي آليا. أما الأنواع الطازجة فهي تصنع في أغلب الأحيان يدويا.
وتأتي الباستا في أكثر من 300 شكل وهي تعرف حول العالم بنحو 1300 اسم مختلف. وحتى داخل إيطاليا تختلف أسماء أنواع الباستا بتنوع المناطق. وتنقسم طرق تحضير الباستا في إيطاليا إلى ثلاثة أنواع. الأول هو تحضير الباستا بالصلصة سواء صلصة الطماطم أو الصلصة البيضاء. أما النوع الثاني فهو استخدام الباستا ضمن أطباق الشوربة، أما النوع الثالث فهو طهي الباستا في الفرن ويطلق عليها الإيطاليون اسم «باستا الفورنو».
وتعد الباستا طبقا سهل التحضير ويأتي في أشكال كثيرة، ويقدم أحيانا في أطباق صغيرة لتكون بمثابة مقبلات في الوجبات الإيطالية. كما يمكن تناولها في وجبات خفيفة ضمن أطباق سلاطة، وأحيانا بكميات أكبر في أطباق تقدم في وجبات العشاء.
الباستا تقدم ساخنة أو باردة، كما تختلف أنواع الصلصات التي تقدم معها. وتتناسب الصلصات مع أنواع الباستا حيث تناسب الصلصات البيضاء المكرونة رفيعة الشكل بينما تناسب صلصة الطماطم الأنواع السميكة والأنبوبية.
وكلمة باستا أصلها إيطالي، وتعتمد الآن في الكثير من اللغات الأخرى وقد دخلت معجم اللغة الإنجليزية في عام 1874، كما يعود تاريخ ذكر الباستا كوجبة غذائية إلى القرن الأول الميلادي وكانت تحضر ثم يتم قليها في الزيت والتوابل.
ويوجد من القرن الخامس كتاب طبخ يشير إلى وجبة الصلصة التي تتكون من طبقات محشوة باللحم، وهي وجبة تعرف الآن باسم «لازانيا». وفي القرن الثالث عشر جاء ذكر تنوع إنتاج أنواع الباستا في إيطاليا.
وتذكر مراجع تاريخية وجبات مماثلة للباستا كانت تعرف بأسماء أخرى وتتكون من معجنات مسلوقة، ومنها ما يعود تاريخه إلى فلسطين في القرن الخامس الميلادي. ويصف قاموس عربي يعود تاريخه إلى القرن التاسع الميلادي نوعا من الباستا يشبه السباغيتي اسمه «إيتريا» تصنع من السيمولينا المجففة قبل طبخها.
وفي عام 1154 كتب محمد الإدريسي من صقلية أن «إيتريا» تصنع وتصدر من صقلية في عهد الملك النورماندي روجر الثاني. وقال الإدريسي: «في غرب ترميني تقع مستعمرة ترابيا التي تنبع منها الأنهار وتنتشر فيها صوامع الغلال. وتوجد مبان ضخمة في الريف تصنع فيها كميات كبية من إيتريا التي يتم تصديرها بكميات كبيرة إلى الدول الإسلامية والأوروبية بأساطيل من السفن».
وما زالت أنواع الباستا التي تسمى إيتريا تصنع في إيطاليا ومنها أنواع تباع تحت أسماء أخرى مثل «تاغلياتيلي» و«ترينيتي». وهناك نوع تاريخي اسمه «لاغانوم» وهو يشبه ألواح اللزانيا المسطحة.
عشق العرب أنواع الباستا واعتمدوها غذاء مناسبا لرحلات الصحراء الطويلة بداية من القرن الخامس، وذلك وفقا للمؤرخ تشارلز بيري، الذي ذكر أيضا أن أنواع الباستا الجافة كانت تصنع في مدينة باليرمو بكميات كبيرة.
وفي شمال أفريقيا، يماثل الكسكس مكونات الباستا، وهو غذاء منتشر في المنطقة منذ قرون. ويعتبر الإيطاليون أن الكسكس هو نوع بدائي من الباستا، لأن الأخيرة تحتاج إلى الكثير من العمل اليدوي لكي تتحول إلى المذاق الناعم المعهود.
ومن اغرب أساطير التاريخ أن الرحالة الأوروبي ماركو بولو استورد أنواع من الباستا من الصين وأنها كانت تسمى «لاغانا»، وأغلب الظن أنها كانت نوع من النودل الذي يشتهر آسيويا. بينما قال جيفري شتاينغارتن، المتخصص في تاريخ المطبخ الأوروبي، بأن العرب هم من قدموا الباستا إلى إمارة صقلية في القرن التاسع الميلادي. وأن أنواعا من الباستا اكتشفت في اليونان ويعود تاريخها إلى عصر الإغريق القديم. وفي الأساطير اليونانية القديمة توجد إشارة إلى أداة تصنع شرائط من العجين، وهي أول إشارة تاريخية لجهاز صنع الباستا.
واشتهرت الباستا الجافة في القرنين الرابع والخامس عشر لسهولة تخزينها. وكانت الباستا ضمن الأغذية المخزنة التي اصطحبها معه كريستوفر كولومبوس في السفن التي اكتشف بها القارة الأميركية. وبعد ذلك بقرن واحد انتشرت الباستا في جميع أنحاء العالم بعد رحلات الاستكشاف التي فتحت العالم الجديد.
أما ارتباط الباستا بصلصة الطماطم فقد بدأ منذ نهايات القرن 18، حيث تعود أول إشارة إلى الباستا بصلصة الطماطم إلى كتاب إيطالي اسمه «المطبخ الحديث» يعود تاريخه إلى عام 1790 كتبه الشيف فرنسيسكو ليوناردي. وقبل استعمال الصلصة كانت الباستا تؤكل جافة باليد. ولكن بعد استخدام الصلصة كان يتعين استخدام الشوكة لتناول الباستا.
وانتشر استخدام أجهزة صنع الباستا منذ عام 1600 بداية من جنوب إيطاليا ومنها إلى أنحاء إيطاليا الأخرى. وأخرجت هذه الأجهزة أنواعا من الباستا أفضل من تلك التي كانت تصنع يدويا في المنازل.

* العصر الحديث
تشتهر الباستا حاليا في جميع أنحاء العالم، وخصوصا في منبعها الأصلي إيطاليا حيث يستهلك الإيطاليون سنويا ما يعادل ثلاثين كيلوغراما من الباستا لكل شخص. ويأتي الأميركيون في المركز الثاني، بعشرة كيلوغرامات سنويا للفرد الواحد.
ويزيد استهلاك الباستا في إيطاليا عن إنتاج القمح فيها، ولذلك تستورد إيطاليا القمح لصناعة المزيد من الباستا. وبفضل هذه الإقبال الواسع عليها تصنع الباستا حاليا في مصانع هائلة الحجم توفر معظم احتياجات السوق، وأفضل أنواعها ما زالت تصدر من إيطاليا.
وتشتهر الباستا أيضا في شمال أميركا وكندا نظرا لهجرة الإيطاليين إليهما في بدايات القرن العشرين. كما تشتهر وجبة الباستا بكرات اللحم في جنوب أفريقيا التي هاجر إليها أيضا أعداد كبيرة من الإيطاليين.
وتصنع الباستا من دقيق القمح أو السيمولينا. وفي أنحاء العالم الأخرى تصنع أنواع الباستا من الحبوب الأخرى مثل الشعير والذرة والأرز. وتباع بعض هذه الأنواع المصنوعة من الأرز والذرة في المتاجر الغربية لتلبية حاجات المستهلكين الذين يعانون من حساسية ضد القمح. وتدخل بعض المكونات الأخرى في صناعة الباستا مثل البيض والكريم وزيت الزيتون. وفي الأنواع الملونة تدخل مواد أخرى مثل حبر الأخطبوط والسبانخ. كما تدخل الطماطم والفطر والخضراوات واللحوم والجبن والأعشاب في مكونات تحضير وطهي الباستا.
ويمكن شراء الباستا الطازجة من محلات السوبر ماركت وهي تتميز بالمذاق الأخف من الأنواع الجافة، ولا تستغرق أكثر من نصف الوقت لطهيها مقارنة بالأنواع الجافة. وهي لا تحتاج إلا لأنواع الصلصة الخفيفة حتى يمكن تذوقها. وتتميز أنواع الباستا الطازجة بأنها لا تتمدد بالطهي مثل الأنواع الجافة. وتشتهر مثل هذه الأنواع في المطبخ الفرنسي أيضا. وتعد الباستا بأنواعها من الوجبات المفضلة عربيا أيضا.



«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
TT

«ساوردو»... من خبز تقليدي إلى «ترند» عالمي

الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)
الخبازون يتفننون بوصفات هذا النوع من الخبز الصحي (إنستغرام)

في الآونة الأخيرة، عاد خبز الـ«ساوردو» (Sourdough) ليتصدَّر المشهد الغذائي. وتحوَّل من منتج تقليدي منسيّ إلى «ترند» عالمي يفرض حضوره على موائد المنازل والمخابز الحِرفية. هذا الخبز، الذي يعتمد على التخمير الطبيعي بدل الخميرة الصناعية، لم يعد مجرّد خيار غذائي، بل أسلوب حياة يعبّر عن توق الناس إلى الأطعمة البسيطة والصحية على السواء، تفضله ربّات المنازل على غيره من أنواع الخبز كونه مرغوباً من قبل جيل الشباب.

يعود أصل هذا الخبز إلى آلاف السنين، إذ يُعتبر من أقدم أنواع الخبز في التاريخ. يُحضَّر باستخدام خليط من الطحين والماء، يُترك ليتخمَّر بفعل البكتيريا والخمائر الطبيعية الموجودة في الهواء. هذه العملية البطيئة تمنحه نكهة حامضة مميّزة وقواماً مطاطياً، إلى جانب فوائد صحية جعلته محط اهتمام خبراء التغذية.

لذيذ مع اللحوم والجبن وحتى الخضار (إنستغرام)

ويرى اختصاصيون أن التخمير الطويل يساعد على تسهيل عملية الهضم، وخفض نسبة الغلوتين، فيحسّن امتصاص المعادن مثل الحديد والمغنيسيوم. كما يتميّز بمؤشّر سكر أقل مقارنة بالخبز الأبيض، ما يجعله خياراً مفضّلاً لمن يعانون من مرض السكري.

لكن انتشار هذا الخبز لا يقتصر على فوائده الصحية. فقد ساهمت وسائل التواصل الاجتماعي في تحويل تحضيره إلى طقس يومي وهواية منزلية. وانتشرت فيديوهات «تغذية العجينة الأم» وتقنيات الخَبز كنوع من التأمّل والعودة إلى الإيقاع البطيء للحياة.

يعود هذا الخبز إلى الواجهة من جديد بعد أن تسلل إلى الأفران، يُطلب بالاسم ويتغنى الناس بتناوله لمكوناته الصحية وطعمه اللذيذ.

السوشيال ميديا ساعدت في شهرته العالمية (إنستغرام)

في لبنان، بدأ الـ«ساور دو» يشق طريقه إلى مخابز صغيرة ومطابخ منزلية، حيث أُعيد ابتكاره بنكهات محلية باستخدام طحين القمح الكامل، الزعتر، أو حتى دبس الرمان والبندورة المجففة. وهكذا، لم يعد هذا الخبز مجرّد «ترند» عابر، بل رمزاً لحنين جماعي إلى الأصالة، ولرغبة في إعادة الاعتبار للمنتج اليدوي. يختاره الشباب اللبناني لتناوله كسندويش مع التونة والأفوكادو واللحوم على أنواعها.

«ساوردو» بنكهة لبنانيةما إن وجد خبز الـ«ساوردو» طريقه إلى المطبخ اللبناني، حتى بدأ يكتسب هوية محلية. فبدل الاكتفاء بنكهته الكلاسيكية، عمد خبازون وحرفيون إلى تطعيمه بمكوّنات مستوحاة من المائدة اللبنانية، ليأخذ مساحة غذائية تجمع بين التراث والابتكار.

خبز الساوردو بنكهات شرقية (إنستغرام)

«ساوردو» بالزعتر البلدي

يُعدّ الزعتر من أوائل النكهات التي وجدت طريقها إلى هذا الخبز. يُضاف الزعتر البلدي المجفف أو الأخضر إلى العجينة، فيمنحها عطراً ونكهة مألوفين محببين إلى قلب اللبناني، إذ يذكّره بالمنقوشة اللبنانية، ولكن بشكل جديد. هذا النوع يجمع بين القوام المطاطي للـ«ساوردو» والنكهة الترابية للزعتر، مما يجعله مثالياً للتقديم مع زيت الزيتون أو اللبنة.

«ساوردو» بزيت الزيتون

في هذا الصنف، يصبح زيت الزيتون عنصراً أساسياً في العجينة، لا مجرّد إضافة. ويؤدي استخدام الزيت البلدي البِكر إلى نعومة في القوام مع لمسة منكهة خفيفة. وغالباً ما يُفضّل هذا الخبز كمرافق للأطباق التقليدية أو لتغميسه بالحمص والمتبّل.

«ساوردو» بالبصل و المكرمل منه

استُوحي هذا النوع من نكهة «الفتّة» والأكلات المنزلية الدافئة. فإضافة البصل النيّئ أو المكرمل إلى العجينة تمنح الخبز حلاوة خفيفة تتوازن مع الحموضة الطبيعية، فنحصل على رغيف غنيّ النكهة يصلح للأجبان والمقبلات.

خلطة بالقمح الكامل والحبوب المحلية

تماشياً مع الميول الصحية، انتشر هذا الخبز المصنوع من طحين القمح الكامل أو خليط من الحبوب اللبنانية. صنف أكثر كثافة، يعكس توجهاً نحو خبز يشبه ذلك الذي كانت تُحضّره الجدّات، ولكن بقالب عصري وتقنيات حديثة. وكما خبز المرقوق المرتبط بالضيعة اللبنانية وتراثها، تحوَّل الـ«ساوردو» إلى خبز عريق يرتبط بالمدينة.

نكهات مبتكرة تثير الشهية

ذهب بعض الخبازين إلى أبعد من النكهات التقليدية، فجرَّبوا تطعيم العجينة بالسماق لما يحمله من حموضة طبيعية متناغمة مع الخبز، وكذلك بحبات الزيتون البلدي الأسود والأخضر. ولم يتوانَ بعضهم عن إضافة لمسة خفيفة من دبس الرمان والبندورة المجفَّفة. هكذا تحوَّل الرغيف إلى تجربة تذوّق تعكس تنوّع المطبخ اللبناني.

بهذه الإضافات، تحوَّل الـ«ساوردو» من وافد أجنبي إلى مكون غذائي عريق بطعماته المحلية، تفتخر ربَّات المنازل في تحضيره لتروي معه حكايات ترتبط بنكهة المطبخ اللبناني الأصيل.


«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
TT

«سوبونغ»... تجربة كورية «حلال» في مصر

"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"
"كيمباب" أحد الأطعمة الأساسية في قائمة طعام "سوبونغ"

بين هدوء حي المعادي وصخب العاصمة سيول، يفتح مطعم «سوبونغ» نافذة فريدة على قلب الثقافة الكورية في مصر، مقدماً تجربة استثنائية تمزج بين المأكولات الـ«حلال» وأصالة النكهات.

فالمطعم، الذي يعني اسمه باللغة الكورية «النزهة»، يتجول بين الأطباق الكورية الشعبية الشهيرة على وجه الخصوص، لا سيما التي تظهر عبر وسائل الإعلام والدراما الكورية، ملتزماً بتقديم المأكولات الكورية «الحلال».

قبل 5 أشهر، حطّ «سوبونغ» رحاله في القاهرة، ليكون الفرع رقم 32 في سلسلة فروع المطعم المنتشرة بين كوريا وتركيا. يقول مدير الفروع، عمران شوباش، لـ«الشرق الأوسط»: «بدأت قصتنا في عام 2015 بافتتاح مطعم صغير في تركيا يحمل الاسم ذاته الذي نعمل به اليوم، إلا أنه بعد 6 أشهر فقط، فوجئنا بكم هائل من الزبائن وإقبال غير متوقع على المطبخ الكوري الحلال»، لافتاً إلى أن «المطعم أخذ في التوسع، وذلك من خلال افتتاح فرع يتلوه آخر، ليتحول اسمنا علامةً تجارية قابلة للامتياز (فرنشايز)، وأصبح هدفنا هو تغطية المحافظات التركية كافة».

ويتابع: «هذا المسار الطموح دفعنا إلى التوسع دولياً، وجاء اختيار مصر لأنها أكبر العواصم العربية وأكثرها كثافة سكانية، وهو ما يليق بطموحنا، واخترنا حي المعادي بالقاهرة تحديداً لأنه يتناسب في هدوئه مع الثقافة الكورية الهادئة بطبعها».

يشير عمران إلى أن الوجود في القاهرة مثّل تحدياً، يقول: «ندرك أن هناك تصوراً خاطئاً شائعاً لدى البعض في المنطقة العربية، حيث يربطون الأكل الآسيوي بشكل عام بأطباق غير تقليدية مثل الحشرات أو لحوم الكلاب»، متابعاً: «لهذا السبب اتخذنا قراراً بأن يكون مطعمنا متميزاً بتقديم الأكل الحلال بالكامل، وطورنا الكثير من الأطباق الكورية التقليدية، من خلال استخدام اللحم البقري عالي الجودة في جميع أطباقنا».

ديكورات "سوبونغ" تبعث على الراحة والهدوء لتعزيز التجربة الكورية

تضم قائمة طعام «سوبونغ» الكثير من الأطباق الشهيرة تتنوع بين اللحوم والدجاج، أشهرها «سونيانغ»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة حارة، و«سونجان»، وهو قطع الدجاج المقلي من دون عظم بصلصة الصويا، ومن أطباق الدواجن أيضاً «مي يانغ وينغ»، وهي أجنحة الدجاج المقلية الحارة

يعدّ «بولغوغي» من أبرز أطباق اللحوم في المطعم، وهو من أشهر أطباق الشواء الكوري ويكتسب الآن شعبية كبيرة في أوروبا وأميركا، وهو عبارة عن شرائح رقيقة من لحم البقر تُتبل بصلصة حلوة ومالحة ثم تُشوى. أما «يوكيجن» فهو حساء اللحم المكون من لحم بقري وخضراوات وزيت الفلفل الحار.

، "سونيانغ" قطع الدجاج المقلي بدون عظم بصلصة حارة

يأتي الـ«كيمباب» الكوري كأحد الأركان الأساسية في قائمة الطعام، ويعدّ واحداً من أشهر أكلات الشارع الكوري، الذي وصل إلى جميع أنحاء العالم، وهو عبارة عن لفائف الأرز الكوري الأبيض المسلوق مع كثير من المكونات الأخرى، وحشوات مختلفة مثل السلمون والتونة والخضراوات.

بينما يُرشح المطعم لزواره مع الأطباق الأساسية السابقة طبق «كيمتشي» كأشهر طبق تقليدي جانبي، المصنوع من الملفوف (الكرنب) مع الفلفل الحار والثوم والتوابل الأخرى. ومعه «تشيكين مو»، أو مكعبات الفجل المخلل، الذي يتميز بنكهته اللاذعة قليلاً والحلوة، حيث يحضّر بالخل والسكر والملح.

يقدم المطعم لزواره أرز «توكبوكّي» الحار، الذي يقدم في شكل أصابع مع صلصة كورية حارة، وكذلك «لاميون» وهي نودلز كورية حارة، تتسم بالنكهة القوية. أما «تشابشي نودلز» فهي نودلز شفافة مقلية مع الدجاج والخضراوات، بطعم حلو ومالح، وهي أحد الأطباق التي أخذت شهرة كبيرة في مصر منذ افتتاح «سوبونغ».

يعود عمران للحديث، موضحاً أن «قائمة الطعام لم تكتمل بالشكل النهائي بعد، فنحن نتبع استراتيجية الطرح التدريجي للأطباق للاختبار وضمان الجودة، وسنقوم قريباً بإضافة تشكيلة من الحلويات الكورية الأصيلة إلى القائمة، بالإضافة إلى الشاي الكوري التقليدي، لنضمن تقديم تجربة كورية شاملة ومتكاملة لعملائنا في مصر».

ويؤكد أنه خلال أشهر قليلة تمكن «سوبونغ» من خلق قاعدة له بين المصريين، لا سيما فئة الشباب. ويرى في هذا دليلاً على أن المذاق الكور المقدم بمعايير الحلال وبأسعار تنافسية يجد مكانه في قلوب المصريين، مبيناً أن المطعم ينال تقييماً مرتفعاً على محرك «غوغل»؛ وهو ما شجع إدارة المطعم على الإقدام على تجهيز فرع ثانٍ له بحي مصر الجديدة.

يفتح «سوبونغ» أبوابه بين 12 ظهراً حتى 12 صباحاً، ويتسع لنحو 100 فرد، تستوعبهم مناطق جلوس خارجية وداخلية، وكلاهما يستقبل الزائر بتصميمات من البيئة الكورية، فأسوار المنطقة الخارجية تضم رسومات توضيحية لأهم الأطباق الكورية وحكاية وتاريخ كل طبق؛ ما يحول التجربة الكورية لتناول الطعام رحلةً ثقافية تعليمية.

أما التصميم الداخلي، فهو مريح وهادئ لتعزيز تجربة الزائر، وتحرص إدارة المطعم أن تكون جميع الفروع متطابقة في مفردات التصميم الأساسية؛ لضمان أن يخوض الزبون تجربة كورية أصيلة أينما كان. وتعدّ وحدات إضاءة السقف وإطاراتها الخشبية الدائرية عنصراً أساسياً في التصميم، وهي مستوحاة مباشرة من الديكورات المنتشرة في كوريا، أما وحدات إضاءة الجدران فتأتي مضاءة بألوان العَلم الكوري الأساسية، الأزرق والأحمر؛ ما يضفي عمقاً رمزياً للمكان.

كما يكثر استغلال الزراعات الخضراء في الديكور الداخلي بما يبعث بالراحة النفسية والهدوء، بينما تزين بعض الأركان بالزي الكوري التقليدي للرجال والنساء «الهانبوك». أما الموائد الخشبية البسيطة، والموسيقى الكورية الهادئة في الخلفية، فإنها تجعل الديكور لا يقتصر على الجماليات فحسب، بل يعكس الثقافة الكورية بعمق.


«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
TT

«تيته عايدة»... مخللات بنكهة بيوت زمان

المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان
المخلل حاضر دائما على سفرة رمضان

يحتل «المخلل» مكانة خاصة على المائدة الشرق أوسطية ويعتبر عنصراً أساسياً يفتح الشهية، ويوازن دسامة الأطباق.

وعلى الرغم من حضوره الدائم بوصفه طبقاً جانبياً، فإن المخلل ظل عبر العصور شاهداً على تطور الذائقة الغذائية وتبدل أساليب الحفظ؛ منذ أن استخدمته الحضارات القديمة وسيلة لتخزين الخضراوات والفواكه وحمايتها من التلف، وصولاً إلى تحوله إلى جزء أصيل من المطبخ الشعبي.

وتشير روايات تاريخية إلى أن المخللات كانت حاضرة في النظام الغذائي للحضارة المصرية القديمة، وأن النقوش الأثرية وثّقت وجودها خلال هذه الحقبة.

وفي هذا السياق الممتد عبر آلاف السنين، تطل علامة مصرية تحمل اسم «تيته عايدة»، أسستها ياسمين منير، لتعيد تقديم المخلل بوصفه منتجاً صحياً وحرفياً، يستلهم وصفات الجدات، ويعيد صياغتها بما يتوافق مع أذواق العصر ومتطلبات الغذاء المتوازن.

المخلل جزء من طقوس رمضان الغذائية

إذ تعيد «تيته عايدة» قراءة التراث الغذائي بمنطق العصر، وتمزج بين دفء الوصفات المنزلية ودقة الحرفية الحديثة؛ لتقديم تجربة مذاق تتجاوز فكرة المخلل التقليدي، وتضعه في قلب المطبخ الصحي المعاصر. وفي كل برطمان تحضر حكاية عائلة، وذاكرة مطبخ، وطموح امرأة شابة تسعى إلى تحويل الوصفات القديمة في المطبخ المصري إلى علامة تجارية تحمل بصمة لها خصوصيتها إلى موائد العالم.

تقول ياسمين منير لـ«الشرق الأوسط» إن فكرة المشروع «ولدت من ذكريات الطفولة، ووصفات الجدة التي كانت محط إعجاب كل من يتذوقها في المناسبات العائلية. كان الجميع يسأل عن المكونات ويطلب تكرارها؛ لأن طعمها كان منزلياً أصيلاً ومحبباً للجميع؛ ومن هنا بدأت الفكرة داخلي، بأن نخرج هذه الوصفات من إطار البيت إلى علامة متخصصة».

بدأت التجربة بمنتج واحد فقط، هو الزيتون التفاحي، الذي لاقى استحساناً واسعاً؛ بفضل جودة الخامات وطريقة التحضير التقليدية الدقيقة. ومع الوقت توسعت المجموعة لتشمل أصنافاً متعددة، بعد الاستماع إلى آراء العملاء ورغباتهم، حتى أصبحت العلامة تُطلب بالاسم، بعد انطلاقها في سبتمبر (أيلول) 2024. وتضيف المؤسسة الشابة أن الوصفات انتقلت عبر الأجيال، من الجدة إلى الأم ثم إليها، لكنها أعادت تطويرها بإدخال مجموعة متنوعة من الأعشاب والمكونات غير التقليدية التي تمنح النكهات عمقاً وتوازناً مختلفاً.

لكن لا يقتصر تميز «تيته عايدة» على المكونات وحدها، بل يمتد إلى فلسفة التحضير نفسها؛ إذ تعتمد العلامة على خلطات سرية تجمع بين الخضراوات والتوابل وعصير الليمون وأحياناً الكرفس والثوم، بما يخلق صلصة يمكن استخدامها في أطباق أخرى مثل الفول أو الجبن القريش؛ ليغير مذاقها جذرياً.

وتؤكد ياسمين أن الخلطة هي روح المنتج، وأنها لا تقدم الزيتون أو المخللات بشكل «سادة»، بل في تركيبات تمنح الطعام شخصية مختلفة، وتخلق تجربة متكاملة.

وتشير إلى أن المنتجات تشبه ما كانت تصنعه الأسر المصرية في البيوت قديماً، لكنها تقدم اليوم بحرفية عالية وعبوات أنيقة، مع استدعاء واضح لعنصر «النوستالجيا» وذكريات اللمة العائلية.

وفي الوقت نفسه، تلبي العلامة الطلب المتزايد على الغذاء الصحي؛ إذ تخلو منتجاتها من المواد الحافظة، وتُحضر بعض الأصناف من دون خل، ضمن فئة المخمرات الطبيعية التي تُعد مفيدة للجهاز الهضمي والقولون. كما تراعي «تيته عايدة» احتياجات الفئات الخاصة، مثل مرضى الضغط والسكري والغدة الدرقية، من خلال تقديم منتجات منخفضة الصوديوم أو باستخدام ملح صحي مثل ملح «الهيمالايا»، إلى جانب إمكانية تخصيص الطلبات وفق احتياجات العملاء، سواء من حيث مستوى الملوحة أو نوع المكونات.

ولا تقتصر الابتكارات على المخللات وحدها، بل تمتد إلى منتجات الجبن والساندويتشات والكرواسان؛ حيث يتم دمج المخللات في أنواع الجبن الكريمية والطازجة؛ لإنتاج نكهات جديدة تختلف عن الجبن الأبيض التقليدي المنتشر في السوق المصرية. وقد لاقت هذه المنتجات إقبالاً واسعاً، خصوصاً في الفعاليات والبازارات؛ حيث بدأ الجمهور يكتشف إمكانات المخلل بوصفه مكوناً أساسياً في أطباق مبتكرة.

وفي مواجهة الاعتقاد الشائع بأن المخللات غير صحية، تؤكد ياسمين أن «هذا التصور غير دقيق؛ إذ إن المخللات في جوهرها خضراوات غنية بالعناصر الغذائية، وأن الضرر يأتي من الإفراط في الملح أو إضافة المواد الحافظة الصناعية، وهو ما تحرص العلامة على تجنبه».

كما تشير إلى أن بعض الأصناف مثل الكرنب واللفت والخيار تعد مصادر مهمة لـ «البروبيوتيك» والفيتامينات، وأنها تتوافق مع فلسفة الغذاء الموسمي الذي يمنح الجسم ما يحتاجه في وقته المناسب.

بدأت رحلة «تيته عايدة» من المنزل، حيث كانت عمليات التحضير والتعبئة والتعقيم تتم يدوياً، قبل أن يتوسع المشروع ويحتاج إلى مساحة تصنيع صغيرة مجهزة بأحواض وطاولات من «الستانلس ستيل» ومعدات تعقيم، مع فريق عمل يضم مسؤولين عن المخزن والتوزيع ووسائل التواصل الاجتماعي والإعلانات، بينما تشرف المؤسسة بنفسها على جميع مراحل الإنتاج، وأحياناً تشارك في التنفيذ عند ضغط العمل.

وتقول ياسمين إنها درست الحاسبات والمعلومات، وعملت في مجالها لفترة قصيرة، قبل أن تقرر التفرغ للمشروع بعد اتساع نطاقه وزيادة الطلب على المنتجات، وهي تعمل حالياً على دراسة فرص التصدير إلى الخارج، مع الحفاظ على الجودة التي تعدها أساس الانتشار والاستدامة.

وتستمر العلامة في تطوير منتجاتها استجابة لاقتراحات العملاء، حيث أُضيف اللفت إلى القائمة بناءً على طلب الجمهور الباحث عن نكهة البيوت القديمة، كما تم تطوير أنواع جديدة من الجبن الممزوج بالمخللات والزيتون والليمون والخيار والسلمون، لتلبية أذواق مختلفة، من الفطور اليومي إلى الضيافة الراقية. وتؤكد ياسمين أنها لم تخشَ المنافسة في سوق المخللات، حتى من جانب المتاجر العتيقة الشهيرة، معتبرة أن ما تقدمه مختلف من حيث النكهة المتوازنة وجودة المكونات وغياب المواد الحافظة، فضلاً عن الطابع الحرفي الذي يمنح المنتج شخصية خاصة.

وتقول منير: «قد يبدو المخلل متشابهاً في الشكل، لكن التفاصيل الصغيرة في الخلطة والتوازن بين الحموضة والملوحة والتوابل هي ما يصنع الفارق».