هل نجح نيتشه حقًا في تحطيم المقدس؟

ضرب المعنى الإنساني في الصميم وأغرق القرن العشرين في مزيد من العلمنة

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه
TT

هل نجح نيتشه حقًا في تحطيم المقدس؟

فريدريك نيتشه
فريدريك نيتشه

يعد نيتشه (1844 - 1900) بحق، مدشن فكرة التفكيك التي راجت بقوة في القرن العشرين عند الكثير من الفلاسفة، أمثال هايدغر وفوكو ودريدا وغيرهم. وهو فيلسوف مثير للجدل. هناك من يحبه إلى أقصى درجة، ويعتبره الرجل الذي فاه بالحقيقة، على أساس أن الحقيقة مجرد وهم وقد نسينا أنها كذلك. فهو استطاع أن يقشر الأغلفة التي سميت قيما ومُثُلا، التي عمل بها الإنسان على ستر حقيقته، التي هي، في نهاية المطاف، أصله الحيواني. كأن الإنسان خلال مسيرته الطويلة، لا يريد الاعتراف بجذوره الغارقة في الطبيعة، فعمل على إيهام نفسه بنماذج مثالية، يختفي فيها خجلا وهربا من الحقيقة المرة، وهي أننا نصارع في الحياة من أجل البقاء، مثلنا مثل باقي الحيوانات، وأن ما يسمى العقل الذي يتبجح به الإنسان، هو مجرد سلاح كالناب والمخلب عند الأسد. وكيف لا يصدر ذلك عن نيتشه، وقد جاء في حقبة القرن التاسع عشر، المشحون بنظرية التطور، إلى درجة أن الفيلسوف جون ديوي قال: إن نيتشه هو ابن داروين وشقيق بسمارك. لكن هناك من يكرهه، ويحمله تبعات نزع القداسة عن كل شيء. انه من ضرب المعنى الإنساني في الصميم، وأغرق القرن العشرين في مزيد من العلمنة والأرضنة. لقد جعل حياة الإنسان كصحراء جدباء من دون بوصلة، ما عدا بوصلة الطاقة الحيوية القائمة على منطق القوة، التي يعتبرها البعض سببا في نشوب الحربين العالميتين وظهور الأنظمة الكليانية من فاشية ونازية. وبغض النظر عن حب الرجل أو كراهيته، فمن المؤكد أن الأمر لا يخلو من تطرف في الحكم عليه، باعتباره الفاعل الوحيد، واليه يعود كل ما حدث من تقويض للسير أو المرويات الكبرى، التي غذت المعنى لدى الإنسان، وأقصد بذلك، الأسطورة والدين والميتافيزيقا، بل حتى القيم الإنسانية التي أنتجتها الحداثة، كالحرية والديمقراطية والعدالة. فزمن العبقريات قد ولى. ونيتشه مجرد جزء من نسق شامل. انه، في حقيقته، حلقة ضمن مسار اللائكية، التي بدأت في القرن السابع عشر، مع رواد العلم الحديث، كغاليليو وكبلر وديكارت ونيوتن، ونزعتهم الآلية التي تعاملت مع العالم كساعة ضخمة وصماء، تشتغل بمنطق السبب والنتيجة. وهؤلاء أفرغوا الطبيعة من كل سحر وقداسة، ومن كل نزعة إحيائية. هذه النزعة الميكانيكية، التي مهدت للتفسيرات الغارقة في الدنيوية، ستستمر في الاشتغال كنموذج ذهني موجه، لتنفجر بقوة وبطريقة أكثر شراسة، ولتمس كل جوانب الشأن الإنساني في القرن التاسع عشر. لهذا فنيتشه هو، فقط، ترس في ماكينة النزعة الدنيوية التي سعت وما تزال إلى عزل الأرض عن السماء.
في مقالنا هذا، سنحاول إلقاء نظرة على تفكيكية نيتشه للقيم التي اعتادها البشر. كما سنبحث عن القيم البديلة التي بشر بها وجعل منها الخلاص البشري.
لقد اشتغل نيتشه بمنطق المطرقة لتحطيم الأوثان. فما المقصود بالأوثان عنده؟ إنها كل المثل العليا القديمة والحديثة، سواء كانت باسم الدين أو باسم الميتافيزيقا، أو حتى باسم كل الآيديولوجيات التقدمية التي تريد إخضاع الحياة لقيم متعالية، باسم العقل أو الأخلاق أو التاريخ.
إن ما أنتجه الزمن الحديث، بدءا من القرن السابع عشر، من نزعة إنسانية ظهرت تارة كشيوعية وتارة أخرى كديمقراطية، والتي نادت بحقوق الإنسان والعدالة الاجتماعية، يعتبره نيتشه، مجرد أوثان أيضا. وهذا ما جعل منه عنوان كتاب له هو: «أفول الأوثان». كان قصد نيتشه الأساسي، هو فضح الحوافز الخفية لدى المثاليين بكل أصنافهم المذكورة أعلاه، والعمل على خلع قناعاتهم المزيفة التي يظهرون من خلالها مشروعيتهم. لكن في الحقيقة، كان الأمر مجرد وهم، أي أنه كان يسعى نحو بيان النوايا المتسترة وراء الظاهر الذي ليس سوى بهرج كاذب. وهذا العمل الباحث عن المخفي وراء الظاهر، هو ما يسمى عنده «الجينيالوجيا» أي دراسة الجذور والطبقات الأصل التي تعود إليها الأشياء، وكأنها تقشير للأغلفة السطحية والمزيفة التي تغطي جوهر الإنسان، الذي هو في حقيقته إرادة بقاء. وهذا ما سنعمل على توضيحه هنا:
إن نيتشه هو ابن القرن التاسع عشر - الذي ورث كل الإرث الأنواري، بما هو نقد للجاهز - والذي بدأ مع ديكارت، وتم تتويجه بكانط. لكنه أراد أن يذهب بالنقد إلى أقصى مداه، وبطريقة جديدة لا هوادة فيها، تقوم على التحطيم والتفكيك، وإبراز البهرج الكاذب للظاهر المزعوم، والحفر في الجذور الخفية. بعبارة أخرى، يعد نيتشه حليفا للأنوار في الأساس، لكنه خصم لها في الآن نفسه، لأنها هي أيضا، لن تسلم من مطرقته. فالنزعة الإنسانية التي خلقتها الأنوار، هي وثن جديد من حيث لا تحتسب. فالأنوار من وجهة نظره، مذنبة، لأنها وقفت في الطريق أثناء صراعها ضد الأوثان الميتافيزيقية. فنحن نعلم أن النقد الحداثي نشأ على فكرة الوضوح الديكارتي. فكل ما هو غامض، يجب استبعاده من مجال الحقيقة، لأنه يكون بؤرة للخداع والتلاعبات. وهنا بالضبط، نلمس عتابا لنيتشه للأنوار، فهو يراه قد خذلنا ولم يسر إلى نهاية الطريق. ناهيك عن أنه خلق بدوره، مُثلا جديدة هي أيضا أوهام، من قبيل: الذات، الوعي، الإرادة، العقل، التاريخ، التقدم، الحرية، الديمقراطية. فكلها تصورات سيعمل نيتشه على جعلها تتصدع، لأنها، في الأصل، ذات جذور دينية بلبوس دنيوي، وترفض الحياة، وتجعل من نفسها قناعات يمكن التضحية من أجلها. بل هي تدين من لا ينصاع لها، وترى في نفسها المصدر المشروع والوحيد للمعنى. فلماذا يرفض نيتشه كل فكرة تنفي الحياة، لأنها وهمية وخطيرة وشاذة؟ وكيف ذلك؟
إن القيم المتعالية وهمية، لأنها ستجعلنا، بحسب نيتشه، نحكم على الحياة ونحن في قلبها من الخارج، وهو تشويه فظيع للواقع. وهي أمر خطير، لأنها ستؤدي إلى إضعافنا، وإلى إخماد قوانا الحية. أما كونها شاذة، فلأن فيها كبت لغرائزنا التي هي الطبيعة الحقيقية لن. وهو ما سيحملنا على إعادة إيجادها خلسة، بحيث سيتسرب المكبوت قصد الإشباع، ولكن بغير وضوح، أي بأقنعة وألبسة تنكرية كاذبة.
مما سبق، سنفهم عبارة شهيرة مرتبطة بنيتشه، هي العدمية التي لا يقصد بها ذلك المعنى المعتاد والمتعارف عليه. ففي اللغة المتداولة يقصد بالعدمي: الشخص الذي لا يعتقد في شيء. لكن نيتشه سيضخ في لفظة العدمية معنى خاصا، يتمثل في الإيمان بمثل متعالية، تنفي الحياة وتشوهها. بعبارة أخرى، يعد العدمي، هو كل من يرتبط بقيم عليا تنفي الأرض باسم السماء، وتنفي الدنيا باسم الآخرة. فماذا يطلب نيتشه بالضبط؟ انه يطلب المحايثة عوضا عن المفارقة. أي على الإنسان أن يبقى لصيقا بقيم الأرض وهي قيم البقاء. وأن لا يحلق بعيدا نحو قيم مفارقة للواقع، تجعله يستنزف طاقاته من أجل ما يعتبره نيتشه السراب. لكن، أليس نزع القيم التي أضفت على الإنسانية المعنى، وأعطته مبرر الوجود عبر التاريخ، وجعلته يحس بالأمن، تحت دعوى أنها أوهام، أمرا خطيرا؟ وإذا كان الأمر كذلك، فماذا يقترح نيتشه كبديل للخلاص؟
يرى نيتشه أن نسف الأوثان بالمطرقة والعمل على تهشيمها، سوف لن يزيدنا وضوحا في الرؤية، أو يخلصنا من القيود التي تفرضها علينا تلك الأوثان فقط، بل سيحرر طاقاتنا واستعداداتنا الحيوية المقموعة، ويجعلنا ننطلق في حياة أكثر قوة وثراء.
إن القيم التي يقترحها نيتشه يجب أن لا تخرج عن المحايثة، بمعنى أنها لا ينبغي أن تصدر إلا من صلب الأرض، وأن لا تعلو أبدا على الحياة. إن المخرج الذي وجده نيتشه مرتبط بالزمن الحاضر. فعندما يعيش المرء لحظة قوية وبحرية قصوى، أو عندما يحب بجنون، أو عندما يبدع عملا، أو عندما يكتشف مجهولا من العالم، فإنه يكون متصالحا مع الواقع، ويحس بما يسميه نيتشه «بخفة الراقص»، إلى درجة أن المرء يتمنى استمرار هذه اللحظات إلى الأبد.
إذن يعد الرجاء في دوام لحظات الذروة، باعتبارها توافقا كاملا مع الحاضر من دون قيود الماضي، أو هواجس المستقبل قمة الخلاص الإنساني. إذ يصبح الحاضر مستحقا وليس مجهضا، ويعاش كأنه بذرة من الأبدية. وهنا بالضبط، تزول المخاوف والحيرة من الموت. إذن التصالح مع الحاضر وملامسة تلك اللذة الأبدية، التي تصبح كالمطلق الذي نرجو إحياءه والى الأبد، هو العود الأبدي عند نيتشه. إن نيتشه ينشد أبدية ليست مثالية تتم بعد الموت، بل أبدية محايثة يمكن بلوغها. إنها الجنة الموعودة في الأرض. وربما هنا بالضبط، يكون نيتشه قد رهن الفكر، وخصوصا الغربي منه، في مزيد من اللائكية، بحيث جرى الترويج لإمكانية انبعاث الحياة الطيبة في هذه الدنيا، وليس تأجيلا لما بعد الموت.
في الختام، هل حقا تعد إرادة سحب الخلاص من السير والقيم الكبرى، تحت دعوى أنها متعالية، وفيها تزييف للواقع وإهدار للطاقة الإنسانية، وإجهاض للوجود الأصيل للإنسان، وجعله مغتربا وممزقا عن حقيقته، والاكتفاء فقط، بما هو محايث ودنيوي، قد جلب الخلاص للبشرية؟ إن المشهد التاريخي خلال القرن العشرين والقرن الواحد العشرين، يبرز، في بعض الأحيان، عكس ذلك. إذ دخلت الإنسانية في أزمة معنى رهيبة، جعلت المطالبة بعودة المقدس والديني ملحة، وبدا الهجوم الضاري على النزعات التفكيكية الهدامة واضحا، بما فيها نيتشه، إلى درجة عكس الآية تماما. فعوضا عن الحديث عن تصدع المتعالي، أصبحنا نتحدث عن تصدع الدنيوي واعتباره تأويلا بائسا ومريضا للعالم. وهنا أستحضر عنوان كتاب المفكر طه عبد الرحمن «بؤس الدهرانية».



سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود
TT

سلطة الفن العابرة للحدود

سلطة الفن العابرة للحدود

يعبّر بعض العراقيين المقيمين في بريطانيا عن غبطتهم وهم يروون حكاية نجاح ابن بلدهم تشارلز ساتشي الذي تحولت مؤسسته الفنية عبر أربعين سنة من المغامرة والجرأة سلطةً تهب فنانيها تذكرة المرور إلى عالم الفن العالمي. ولا يفوتهم التأكيد على معلومة تاريخية تفيد بأن لقب ساتشي يعود إلى مهنة والد تشارلز الذي كان ساعاتياً في بغداد. تلك حكاية لا يلتفت إليها أحد في خضم الإعجاب بنشاط جامع الأعمال الفنية الذي تغلغل في سوق الدعاية والإعلام حاملاً لواء المعارضة من خلال تبنيه للفنون المعاصرة.

منذ تأسيسه عام 1985 تبنى غاليري ساتشي فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة التي كانت بمثابة التمهيد الوسيط بين الأساليب الفنية الراسخة في حداثتها والفنون المعاصرة التي تشكل انقلاباً في طرق الرؤية والتقنيات، فضم معرضه الأول أعمالاً لدونالد جود، وسي تومبلي، وبرايس ماردن وأندي وارهول.

أُقيم المعرض الأول في الفترة من مارس (آذار) إلى أكتوبر (تشرين الأول) 1985، وضمّ الكثير من أعمال الفنان الأميركي دونالد جود، أحد رواد المدرسة التقليلية والفنانين الأميركيين برايس ماردن وسي تومبلي، أحد رواد الرسم التجريدي والفنان الأميركي آندي وارهول، أحد رواد فن البوب. بعد ذلك بسنة احتضن الغاليري معرضاً لأعمال النحات الأميركي جون تشامبرلين والفنانين الأميركيين دان فلافين، وسول لويت، وروبرت رايمان، وفرانك ستيلا وكارل أندريا، وجميعهم من رواد المدرسة التقليلية. كما أقيم معرض للفنان الألماني أنسيلم كيفر، والنحات الأميركي ريتشارد سيرا الذي عُرف بأعماله النحتية الضخمة.

من خلال تلك المعارض التي جذبت الأنظار إليه نجح تشارلز ساتشي في تكريس وجوده في الحياة الفنية البريطانية؛ وهو ما أهَّله للانتقال إلى المرحلة التي تحول فيها عراباً للفنون المعاصرة من خلال تبنيه الفنانين الشباب مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل، وسارة لوكاس، وجافين تروك وراشيل وايت ريد. لا يُفهم نشاط تشارلز ساتشي إلا إذا وضعناه في سياقه الاستثماري الذي كان الترويج الدعائي للفن بصفته بضاعة جزءاً أساسياً منه.

حين يعود الرسم إلى الواجهة

اقتحم ساتشي الأسواق الفنية العالمية، لكنه فعل ذلك من خلال غزو المتاحف العالمية بمجموعته بدءاً من متحف هامبورغر بانهوف ببرلين وانتهاءً بمتحف الفن الحديث (موما) بنيويورك. يختلف الكثيرون في وصف مهمته التي تمتزج فيها الحماسة للفنون المعاصرة بالهوس التجاري إلى درجة أن البعض من النقاد كان قد عدَّه واحداً من الطغاة الذين يسعون إلى صناعة تاريخ زائف للفن، ملمحين إلى ظاهرة المنظمة السرية التي تدير سوق الفن بالخفاء متخذة من أصحاب القاعات الفنية واجهة هشة مخادعة.

كل ذلك قد يكون صحيحاً على الرغم مما يتخلله من أوهام غير أن الاحتفالية التي يقيمها غاليري ساتشي بلندن لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه تقول شيئاً مختلفاً. شيئاً لا ينفي ولا يؤكد بقدر ما يأخذنا إلى مناطق خاصة في التفكير الفني. مناطق يعود فيها على سبيل المثال الاهتمام بالرسم إلى الواجهة. وهو ما أدهشني في معرض «الآن البعيد»، وهو معرض يعيد إلى الرسم مكانته من خلال أعمال رسامين بأساليب مختلفة.

لقد دأبت منذ أكثر من عشر سنوات على زيارة غاليري ساتشي، وكنت في كل مرة أشعر بالإحباط بسبب ذائقتي الجمالية غير أن المعرض الحالي، وهو أشبه بمعرض استعادي يؤكد أن الغاليري الذي صار مؤسسة سلطوية يملك من المعرفة الفنية ما يؤهله أن يكون وسيطاً عادلاً بين مختلف التيارات الفنية، وبالأخص ما كان منها حداثوياً وما هو معاصر. لا يعني ذلك أن ما يطرحه المعرض هو أشبه بصيغة التعايش بين الأساليب بقدر ما يعني أن هناك بيئة ثقافية هي الفضاء الذي تتلاقح من خلاله تلك الأساليب، بعضها من البعض الآخر لتكتمل صورة الفن الآن، الذي هو فن المستقبل.

المزاوجة بين التجارة والثقافة

بغض النظر عن الخلافات العميقة في الآراء بين مناصري ساتشي والمعترضين على نهجه، وبالأخص فيما يتعلق بانفتاحه على الفنون المعاصرة، فإن الغاليري تخطى الحدود الضيقة التي تحصره في مهمة إقامة المعارض والترويج لأعمال فنانيه ليصبح قوة ضاربة لا في السوق الفنية المحلية فحسب، بل وفي المشهد الفني العالمي. فمَن تنفتح له أبواب «ساتشي» يكون ذهابه إلى العالمية أمراً ليس عسيراً إذا ما اجتهد وصقل موهبته بالعمل والمعرفة والتجدد. وهو ما يعني أن الصرح الكبير الذي يقع في منطقة تشيلسي الثرية بلندن ليس مجرد مجموعة من القاعات التي ينتهي عملها بعرض الرسوم والمنحوتات والصور الفوتوغرافية والأعمال التركيبية والأفلام، بل هو مؤسسة معقدة التفاصيل فيما تمارسه من تأثير خفي على الحياة الفنية تبعاً لقدرتها على فرض تيارات فنية معينة وتعزيز وجود فنانين دون سواهم والتحكم بأسعار الأعمال الفنية.

زاوج ساتشي بين التجارة والثقافة بطريقة محترفة. لم تغره التجارة بعد أن أثبت أنه مؤهل للوقوف خارج المنافسة بتفوق ملحوظ، بل اندفع في اتجاه خلق ثقافة بصرية جديدة، قوامها الانتصار للفنون المعاصرة التي تجلب عروضها سمعة غير أنها لا تجلب أرباحاً. قلب ساتشي المعادلة حين صار فنانوه يبيعون أعمالهم بأعلى الأسعار وتتسابق المتاحف العالمية على إقامة معارض لهم، كما أن هناك دولاً صارت تتسابق على اقتناء أعمالهم. لقد تحول فنانون مثل داميان هيرست، وتريسي أمين، وجيني سافيل وسارة لوكاس أيقوناتٍ عالمية في المشهد الفني المعاصر. كل هذا من صنع ساتشي.

تبنَّى غاليري ساتشي منذ تأسيسه عام 1985 فكرة العرض لفنانين عالميين كانوا في ذلك الوقت يمثلون الموجة الجديدة

غاليري من غير حدود

«الآن البعيد» هو عنوان المعرض الذي يقيمه ساتشي لمناسبة مرور أربعين سنة على تأسيسه. انتقى القيَّمون على هذا المعرض أعمالاً فنية قديمة وجديدة بما يتيح التعرف على مراحل زمنية مختلفة، نجح الغاليري عبرها في تكريس سمعته عراباً لفن مغاير، بعضه يتمسك بالخيوط التي تربطه بالحداثة الفنية كما كانت في النصف الثاني من القرن العشرين، في حين يذهب البعض الآخر في نفوره من الحداثة إلى درجة القطيعة؛ وهو ما فتح الباب أمام هيمنة الفنون المعاصرة على العروض التي دأب ساتشي على إقامتها عبر العشرين سنة الماضية.

«الحاضر يذهب إلى المستقبل» من خلال تلك المقولة يظهر ساتشي ثقته من أن سلطته ونفوذه سيظلان قائمين حتى بعد غيابه، وهو هنا كمَن يقول: «سيكون المستقبل من صنعي» هل سيكون ذلك حقيقياً أم أنه مجرد وهم، تمليه القوة التي يمكن أن يتمرد عليها الفن؟

من المؤكد أن هناك دعاية مبالَغ فيها لصالح ساتشي وهو الذي يدير الجزء الأكبر منها، غير أن ما لا يمكن إنكاره أن سلطته لم تكن وهماً. إن صرحاً بحجم الغاليري إنما يستند إلى سعة في النفوذ لا على مستوى السوق الفنية وحدها، بل يتخطاها إلى عموم المشهد الفني بضمنه الجوائز الفنية الرفيعة، وفي مقدمتها جائزة «تيرنر».

عبر مسيرته لم يكتفِ غاليري ساتشي بتبني الفنانين البريطانيين المعاصرين، بل امتد نشاطه ليشمل برعايته فنانين عالميين من مثل جيف كونز، وسيندي شيرمان، وروبرت غوبر، وبيتر هالي، وحاييم شتاينباخ، وفيليب تافي وكارول دونهام. أما حين أقام عام 1987 معرض «فن نيويورك الآن» فإنه اكتسي سمعة الغاليري عابر الحدود.


صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
TT

صيد الحمير البرية في جدارية أموية

صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن
صيد الحمير الوحشية في جدارية من قصير عمرة الأموي في بادية الأردن

دأب شيوخ قبائل العرب على صيد الطيور والحيوانات البرية، وجعلوا من هذه المزاولة تقليداً راسخاً، ورثه الحكام الأمويون وطوّروه، فغدا وسيلة من وسائل اللهو، ارتبطت ارتباطاً وثيقاً بالغنى والترف، كما يشهد الميراث الأدبي الخاص بتلك الحقبة. تردّد صدى هذا التقليد في الفن الأموي، وتجلّى في مجموعة من الأعمال التصويرية المتعدّدة الأنواع، منها لوحات من الحجم الكبير تشكّل جزءاً من الجداريات التي تزيّن قاعات قصير عمرة في صحراء الأردن. تمثّل إحدى هذه اللوحات صيد الحمير البرية وسط حلبة مسيّجة، في مشهد شامل وجامع يتميّز بتفاصيله الإنشائية الدقيقة.

يحوي قصير عمرة قاعة كبيرة مكوَّنة من ثلاثة إيوانات حافظت على الجزء الأكبر من جدارياتها، ويحضر مشهد صيد الحمير الوحشية في الإيوان الغربي في لوحة أفقية مستطيلة، تحتلّ الجزء الأعلى من الجدار الغربي، وتستقرّ فوق تأليف ثلاثي يجمع بين ثلاثة مشاهد مستقلّة تمتدّ على الجزء الأوسط من هذا الجدار. مُحِي النصف الأعلى من مشهد الصيد بشكل كبير بحيث تعذَّر تحديد معالمه عند اكتشاف القصير في مطلع القرن الماضي، غير أن بعضاً من هذه المعالم انكشف وظهر بفضل أعمال الترميم التي أجرتها بعثة إيطالية من «المعهد العالي للحفظ والترميم» في الموقع خلال عام 2010. في المقابل، حافظ النصف الأسفل من هذه اللوحة على مختلف عناصره، واستعادت هذه العناصر لمعانها الأوّل بفضل هذا الترميم الدقيق.

يدور هذا الصيد داخل حلبة تحدّها شرقاً شبكة عريضة ترتفع على شكل سياج مقوّس. داخل هذه الحلبة، تحل مجموعة من البهائم تركض معاً في اتجاه الشبكة. تتكوّن هذه المجموعة كما يبدو من 17 بهيمة متراصة، تحضر كلها في وضعية جانبية، وتظهر وهي تجري في حركة واحدة، رافعة رؤوسها إلى الأمام. وحدها البهيمة التي تحضر في الطرف الأخير تدير رأسها إلى الخلف في اتجاه كلب سلوقي يلاحقها ويدنو منها. تبدو هذه البهائم من فصيلة الخيليات، وهيكلها ما بين الحمار والحصان، ممّا يوحي بأنّها من الحمير البريَّة التي تُعرف في الميراث الأدبي بحُمر وحش، كما تُعرف بحمير وحش. يأتي ذكر هذه الحمير في الأدبيات الخاصة بالصيد، وأقدم ما وصلنا منها رسالة الصيد المنسوبة إلى عبد الحميد بن يحيى، كاتب مروان بن محمد، آخر خلفاء بني أمية، وفيها يذكر كلاب السلوقي السريعة في مطاردة الغزلان، ويتحدّث عن غابة «من ورائها حمير وحش كثيرة».

تنقل جدارية قصير عمرة صورة حيَّة لهذه الحمير، وفيها تبدو «صُفْر المناخرِ والأَشْداق»، كما وصفها الشاعر ابن ميادة في زمن الدولة الأموية، ويظهر من خلفها ثلاثة من رجال الصيد يمتطون خيلهم. مُحِيَت صور هؤلاء الفرسان، وما بقي منها يُظهر تقدّم اثنين منهم في حركة موازية، وتهاوي الثالث وسقوطه عن حصانه في حركة معاكسة. في القسم الأسفل من التأليف، ترتفع سلسلة من الرايات المرفوعة فوق قضبان مغروسة في الأرض، تقابلها سلسلة مشابهة في القسم الأعلى من الصورة. تُشكّل هاتان السلسلتان حلقة تطلّ من خلف عدد من راياتها قامات تُمثّل على الأرجح مراقبي جولة الصيد. يظهر كلّ فرد من هؤلاء المراقبين أمام راية من هذه الرايات، رافعاً ذراعه أفقياً في حركة واحدة ثابتة. في المقابل، تظهر خيمة سوداء في طرف التأليف شرقاً، حيث ترتفع تحت الشبكة المقوّسة. تكشف هذه الخيمة عن ثلاثة وجوه تُمثّل كذلك مراقبين يتابعون جولة الصيد. وتقابل هذه الخيمة في الطرف المعاكس خيمة أخرى مشابهة تخلو من الشهود.

رصد بازيار العزيز الفاطمي أحوال الصيد وطقوسه في كتاب يُعرف باسم «البيرزة»، وفيه أشار إلى تعدد هذه الأحوال بحسب الأوضاع الطبقية الخاصة بالصيادين، وقال: «ويغدو للصيد اثنان متفاوتان، صعلوك منسحق الأطمار، وملك جبار، فينكفئ الصعلوك غانماً، وينكفئ الملك غارماً، وإنما يشتركان في لذة الظفر. ولا مؤونة أغلظ على ذي المروءة من تكلف آلات الصيد لأنها خيل وفهود وكلاب وآلات تحتاج في كل قليل إلى تجديد. ومن هنا قيل إنه لا يشغف بالصيد إلا سخيّ». رأى الكاتب أن هذا الصياد السخي يحتاج إلى كلب ودابة، كما أنه يحتاج إلى غلام يركب هذه الدابة، «وجارية تصلح لنا صيدنا وتعالج طعامنا». وأضاف في الخلاصة: «كلب ودابة وغلام وجارية هؤلاء عيال، ولا بد من دار»، «ولا بد لهؤلاء من غلة ضيعة».

تعكس جدارية قصير عمرة صورة هذا الصيد السخي في كنف الأسرة الأمويّة، وتحضر بأسلوب تشكيلي متين يتبع التقليد الروماني الكلاسيكي، ويتميّز بطابعه الواقعي النابض بالحركة الحيّة. يعود هذا المشهد ويظهر في تأليف مشابه في جدارية أخرى في الإيوان الشرقي حيث تحتل القسم الأوسط من الجدار الشرقي، وهذه اللوحة ممحوة بشكل كبير، وتصعب قراءتها من دون الاستناد إلى الرسم التوثيقي الخاص بها. يُمثّل هذا المشهد صياداً يلاحق مع قطيع من كلاب السلوقي مجموعة من الحمير الوحشية تحتلّ طرف الصورة. يعلو هذه اللوحة تأليف ثلاثي يتكوّن من مشهد يصوّر لقاءً بين قامتين يصعب تحديد هويّتهما، يتبعه مشهد يصوّر عناقاً بين هاتين القامتين الغامضتين، ثم مشهد تقليدي مستقلّ يصوّر أسداً ينقض فوق طريدة ذات جلد أبيض.

تضم مجموعة جداريات قصير عمرة كذلك لوحتين كبيرتين ترتبطان بعالم الصيد، وتمثّلان ذبح الطرائد. تبرز هاتان اللوحتان بطابعهما الفريد، وتستحقّ كل منهما قراءة متأنيّة مستقلّة.


تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
TT

تدشين كتاب «سلمان: قراءة في فكر ملك» باللغتين الإنجليزية والفرنسية

الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)
الدكتور إبراهيم المطرف بجانب كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية (الشرق الأوسط)

تزامناً مع الاحتفاء بيوم «التأسيس» في السعودية، دشنّ الدكتور إبراهيم بن عبد الله المطرف، كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات باللغات العربية والإنجليزية والفرنسية، وذلك في الغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية.

يعدّ الدكتور إبراهيم المطرف خبيراً في العلاقات الدولية، وشغل سابقاً أستاذ العلاقات الدولية المشارك بجامعة الملك فهد للبترول والمعادن، كما شغل منصب وكيل محافظ الهيئة العامة للاستثمار للأنظمة والتعاون الدولي، وشغل أيضاً منصب أمين عام الغرفة التجارية الصناعية للمنطقة الشرقية.

يتناول الكتاب الدور القيادي لخادم الحرمين الملك سلمان بن عبد العزيز، منذ توليه إمارة الرياض، وصولاً لتسلمه الحكم في المملكة (23 يناير - كانون الثاني 2015)، ويسجل الإنجازات التي عاشتها المملكة العربية السعودية من خلال فهم علمي ودقيق للتطورات التي عاشتها، وطبيعة هذه التطورات، مع شرح لأبعادها، وطبيعة التحدّيات وسبل مواجهتها.

كما يتطرق الكتاب لعدد من القرارات التي أصدرها خادم الحرمين الشريفين، على الصعيد المحلي تطويراً لآليات الحكم، وإعداداً لجيل جديد من قادة المستقبل، ويتطرق لحركة السياسة الخارجية السعودية وأدائها، ومواقف المملكة من متغيّرات إقليمية ودولية عدة، تجسيداً لرؤية المملكة في «إدارة» أو «حل» الأزمات والصراعات الإقليمية والدولية.

سبق للدكتور المطرف أن أصدر كتاباً بعنوان «العلاقات السعودية الدولية... اللوبي أنموذجاً» طرح فيه رؤية «مستقبلية» حول بناء وتكوين «لوبي» سعودي، يكون نموذجاً لعمل سياسي ودبلوماسي فعال ومؤثّر، على صعيد العلاقات الدولية للمملكة.

الدكتور إبراهيم المطرف خلال تدشين كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» في 3 إصدارات بالغرفة التجارية بالمنطقة الشرقية (الشرق الأوسط)

يهتم الكتاب بتكوين «لوبي» سعودي يعمل على التأثير في الساحة الأميركية من أجل ضمان المصالح الاستراتيجية للمملكة في أقوى دولة على مستوى العالم. ويركز الكتاب على 3 محاور رئيسية. هي «اللوبي»، و«الدبلوماسية الناعمة»، و«منتديات الحوار». وتمثل هذه المحاور صُلبَ الكتاب.

وفي كتابه «سلمان: قراءة في فكر ملك» يعود المطرف للتأكيد على الدبلوماسية الناعمة، مخصصاً فصلاً خاصاً، تناول فيه «آليات» السياسة السعودية، في حضورها «الخارجي»، وأدواتها في المجال الدولي، وفي محيطها الإقليمي الحيوي، ودائرتها العربية والخليجية، مستعرضاً ركائزها الاستراتيجية، ومقوماتها الروحية التاريخية الحضارية والثقافية، مُسلّطاً الضوء على نشأة «المصطلح» تاريخياً، وتطوره، ومُبيّناً «أدواته»، ومنها: قوة المال والنفط، والمساعدات المالية والاقتصادية للدول العربية والإسلامية والنامية، وكثير من دول العالم الثالث.

واستعرض كثيراً من المواقف التي نجحت فيها «الدبلوماسية الناعمة»، إذ تمكنت المملكة من توظيف «عناصر» قوتها الدبلوماسية «الناعمة» على النحو الذي ساعدها في تحقيق كثير من أهدافها الاستراتيجية في خدمة قضايا أمتها العربية والإسلامية، وتوفير بيئة دولية وإقليمية وعربية مواتية لإحلال السلام والاستقرار الدوليّين، وتفعيل عملية التنمية المستدامة، لخير الشعوب ورخائها ورفاهيتها، عالمياً وإقليمياً وعربياً، ومحلياً.

وفي حفل تدشين الكتاب الذي حضرته شخصيات اقتصادية وثقافية، أشار الدكتور المطرف إلى أن الكتاب شمل قراءة تحليلية لعددٍ من توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان بن عبد العزيز، كما سلّط الضوء على ملامح قيادة وفكر الملك سلمان الإداري والسياسي، وما تحقق في عهده من نقلات نوعية على مختلف الأصعدة.

وأشار إلى أن تزامن تدشين الإصدارات باللغات الثلاث مع احتفال المملكة بيوم التأسيس جاء منسجماً مع أهداف هذا اليوم، حيث يقدّم الكتاب قراءة في فكر خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، القائد الذي واصل مسيرة الإنجاز لمن سبقه من المؤسسين، وعزّز من مكانة وسمعة وصورة الوطن على كافة المستويات والأصعدة في المنطقة والإقليم والعالم، بمساندة من ولي عهده الأمير محمد بن سلمان.

وأضاف الدكتور المطرف: «حرصت في كتاب (قراءة في فكر ملك) على تقديم محتوى، وثّقت من خلاله بالكلمة والصورة معاً، وبفهم ومنهج دقيق، بعض توجهات وسياسات وإنجازات الملك سلمان، وتقديم قراءة موضوعية لمسيرته الرائدة».

تلقى الدكتور المطرف تعليمه الأوليّ في مدينة الخبر شرق السعودية، وحصل على الشهادة الثانوية في الولايات المتحدة، وابتعث من شركة «أرامكو السعودية» للحصول على الشهادة الجامعية في الولايات المتحدة، وإليها ابتعث من جامعة الملك فهد للبترول والمعادن للحصول على شهادة الدكتوراه. وهو كاتب في الشؤون الدولية، ألّف عدداً من الكتب في الشأن الدولي، وأنجز أكثر من 30 بحثاً محكماً.