تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

الأحزاب السياسية تستعد مبكراً للاستحقاقات الانتخابية

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة
TT

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

تونس.. خريطة التحالفات الجديدة

مؤشرات عديدة توحي بأن خريطة جديدة للتحالفات السياسية في تونس هي الآن قيد التشكل استعدادا للاستحقاقات الانتخابية المقبلة. والحديث عن تحالفات انتخابية محتملة أصبح يطرح باستمرار، حيث دخلت أهم الأحزاب مرحلة الإعداد للاستحقاقات الانتخابية المقبلة في ما يشبه حملة انتخابية مبكرة، باعتبار أن موعد الانتخابات لم يتحدد بعد.
ويجري اليوم في تونس حراك كبير داخل مختلف العائلات السياسية الرئيسة حول إمكانيات التحالف استعدادا للانتخابات المقبلة. وتعيش العديد من المدن التونسية خاصة العاصمة كل يوم أحد (وهو يوم العطلة الأسبوعية في تونس) حالة من التفاعل السياسي بتنظيم اجتماعات عامة كبرى للأحزاب السياسية لكسب ود الناخبين من الآن، وغالبا ما يقع التعرض خلال هذه الاجتماعات لمسألة الحلفاء المحتملين لهذا الحزب أو لذاك خلال المرحلة المقبلة.
خلفت انتخابات أكتوبر (تشرين الأول) 2011 استنتاجات عديدة سواء بالنسبة للفائزين بها أو الذين حققوا فيها نتائج متواضعة، وحتى عند الذين لم يشاركوا فيها ويستعدون للمشاركة في الانتخابات المقبلة. ويمكن القول إن مختلف القوى تحاول اليوم الاستفادة من دروس انتخابات أكتوبر 2011.

* التركيز على جمع الأصوات المشتتة
يرى بعض المراقبين للوضع السياسي في تونس تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» أن سببين أساسيين سيدفعان عديد الأحزاب إلى التقارب وربما التحالف الانتخابي خلال الانتخابات المقبلة، أولهما النتائج التي أفرزتها انتخابات 23 أكتوبر 2011، والتي أظهرت أن نحو مليون ونصف المليون ناخب (ما يمثل ثلث عدد الذين اقترعوا في تلك الانتخابات) «ذهبت أصواتهم أدراج الرياح» بسبب العدد الكبير للقوائم التي خاضت غمار هذه الانتخابات سواء من الأحزاب أو من المستقلين، مما تسبب في تشتت الأصوات، علما بأن حركة النهضة الإسلامية التي فازت بهذه الانتخابات بحصولها على 89 مقعدا في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) من جملة 217 مقعدا، حصل مرشحوها على نحو مليون ونصف المليون ناخب، وهو نفس عدد الأصوات التي وصفت بأنها «ذهبت أدراج الرياح».
وظاهرة تشتت الأصوات هذه خلال الانتخابات السابقة هي واحد من الأسباب التي علل بها الباجي قائد السبسي، رئيس الحكومة الأسبق، قراره بعث «حزب نداء تونس» (ليبرالي) الذي لم يكن موجودا قبل انتخابات أكتوبر 2011، ليصبح هذا الحزب اليوم المنافس الرئيس لحركة النهضة، وفق ما تبينه مختلف عمليات سبر الآراء التي تنشر كل شهر في تونس، بنسب متقاربة جدا بينهما في نوايا التصويت للانتخابات المقبلة.
أما السبب الثاني الذي يتحدث عنه المراقبون فيتعلق بتطورات الوضع السياسي بالبلاد خاصة الأزمة الحادة التي عاشتها تونس عقب اغتيال محمد البراهمي عضو المجلس الوطني التأسيسي والقيادي في التيار الشعبي (حزب عربي قومي) في 25 يوليو (تموز) 2013. وهي الحادثة التي جعلت عددا من أبرز قوى المعارضة التونسية تلتقي على أرضية المطالبة باستقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة كفاءات مستقلة.
وقد برز حينها «الاتحاد من أجل تونس»، وهو عبارة عن جبهة سياسية تتكون من خمسة أحزاب من عائلات سياسية مختلفة، هي «حزب نداء تونس» وثلاثة أحزاب ذات توجهات يسارية هي «حزب المسار الديمقراطي الاجتماعي»، و«حزب العمل الوطني الديمقراطي» و«الحزب الاشتراكي اليساري»، و«الحزب الجمهوري» (وسطي) الذي انسحب قبل أيام من هذا الاتحاد بسبب خلافات داخلية.
وقد كون «الاتحاد من أجل تونس» مع الجبهة الشعبية (تجمع لأحزاب يسارية وقومية عربية)، وعدد من جمعيات المجتمع المدني، ما يسمى بـ«جبهة الإنقاذ» التي بادرت الصيف الماضي بتنظيم ما يعرف بـ«اعتصام الرحيل»، للمطالبة باستقالة حكومة علي العريض.
السؤال المطروح اليوم يتعلق بما إذا كان «الاتحاد من أجل تونس» سيتحول من جبهة سياسية إلى جبهة انتخابية.. ولئن لم تحسم هذه المسألة بعد بشكل نهائي ورسمي فإن الاحتمال الأقرب هو أن تقدم الأحزاب المكونة لهذا الاتحاد قوائم موحدة، وهو أكده محسن مرزوق القيادي في «حزب نداء تونس» بقوله في تصريح إعلامي إن «الاتحاد من أجل تونس هو فعلا جبهة انتخابية». وأكثر من ذلك فإن هناك من يدفع باتجاه توسيع هذه الجبهة الانتخابية لتكوين حلف أكبر بين «الاتحاد من أجل تونس» و«الجبهة الشعبية». لكن عديد المراقبين يرجحون أن تخوض «الجبهة الشعبية» غمار الانتخابات المقبلة بمفردها.

* عين على تحالفات الخصوم
في الجهة المقابلة ورغم تأكيد عدد من قيادات حركة النهضة التي فازت بانتخابات أكتوبر 2011، فإن الحديث عن التحالفات الانتخابية «يظل سابقا لأوانه» خاصة أنه «لم تقع بعد المصادقة على القانون الانتخابي، ولا تحديد موعد الانتخابات المقبلة»، كما صرح بذلك مؤخرا نور الدين العرباوي القيادي بالحركة للقناة التلفزيونية الرسمية الأولى. فإن هذه القيادات أكدت أيضا أن «مجلس الشورى لحركة النهضة بصدد النظر في هذا الموضوع»، وفق ما قاله عبد الكريم الهاروني وزير النقل السابق والقيادي بالحركة، خلال اجتماع شعبي للحركة انتظم الأحد الماضي بمدينة «دوز» من محافظة «قبلي» أقصى جنوب العاصمة التونسية. كما أن الحركة أوحت أكثر من مرة على لسان بعض قيادييها بأن «احتمال التحالف مع أحزاب وسطية يبقى واردا».
بعض المراقبين الذين تحدثت إليهم «الشرق الأوسط» يرون أنه أن «أحد هواجس حركة النهضة هو مراقبة ما يجري في الجبهة المقابلة بين خصومها السياسيين ومتابعة التحالفات التي قد تقام في مواجهتها». ويضيف هؤلاء أن استراتيجية «النهضة» قامت على «مد جسور التواصل مع كل الأحزاب التي لها إشعاع نسبي على الساحة السياسية وحضور إعلامي ولم تدخل في تحالفات معادية لها». تجدر الإشارة من جهة أخرى إلى أن الحركة عضو في «الائتلاف الوطني لإنجاح المسار الديمقراطي» الذي تم بعثه في سبتمبر (أيلول) الماضي، ويتكون من 12 حزبا جلها غير ممثل في المجلس الوطني، وقد يكون من بين هذه الأحزاب من ستتحالف معه الحركة في الانتخابات المقبلة، ليس من خلال تكوين قوائم مشتركة معها، بل مجرد دعم شخصيات في هذه الأحزاب خلال الانتخابات.
أما السؤال الأهم فيبقى حول موقف الأحزاب ذات المرجعية الإسلامية، وما إذا كانت ستدخل غمار الانتخابات أم أنها ستدعم قوائم النهضة خاصة أن أغلبها لم يكشف إلى حد الآن عن شكل مشاركته في الانتخابات المقبلة بصفة علنية، ولم يتحدث عن احتمال تحالفه مع حركة النهضة من عدمه رغم التقارب الفكري مع الحركة.
سؤال آخر يطرح نفسه بالنسبة لحركة النهضة، ويتعلق بكيفية تعاملها المستقبلي مع الأحزاب التي تحالفت معها بعد انتخابات أكتوبر 2011، وكونت معها الائتلاف الحاكم خاصة «حزب المؤتمر من أجل الجمهورية» الذي كان يتزعمه حينها المنصف المرزوقي الذي عاد إليه بموجب هذا التحالف منصب رئاسة الجمهورية. وكذلك «حزب التكتل من أجل العمل والحريات» الذي يتزعمه مصطفى بن جعفر الذي يترأس المجلس الوطني التأسيسي بفضل هذا التحالف أيضا، في حين عادت بموجب هذا التحالف رئاسة الحكومة التي تحتكر أهم الصلاحيات في السلطة التنفيذية لحركة النهضة قبل استقالة حكومة علي العريض وتعويضها بحكومة مهدي جمعة المستقلة.
في هذا الصدد يمكن القول إنه وإلى حد الآن لا تزال العلاقة بين حركة النهضة وهذين الحزبين جيدة ومتماسكة. كما أن التشاور بينهم تواصل في العديد من المسائل التي طرحت على الساحة السياسية، ولم يقم كل من حزب المؤتمر وحزب التكتل من أجل العمل والحريات حتى الآن بأي خطوة للتقارب مع «خصوم النهضة»، وهو ما يعتبره العديد من الملاحظين «مؤشرا على أن يساعد هذه الأحزاب على الالتقاء من جديد قبل الانتخابات المقبلة أو بعدها».
وتجدر الإشارة إلى أن حركة النهضة غالبا ما قدمت تجربة تحالفها مع أحزاب علمانية (حزب المؤتمر من أجل الجمهورية وحزب العمل من أجل الحوار والحريات) بعد انتخابات أكتوبر 2011 لحكم تونس على أنها تجربة فريدة من نوعها، وأنها مستعدة لإعادة التجربة سواء مع هذين الحزبين أو أحدهما أو مع أحزاب أخرى. لكن العديد من الملاحظين يرون أن هذا الأمر سيتحدد على ضوء النتائج التي سيحققها هذان الحزبان أو الأحزاب الأخرى التي لا «تعادي» النهضة.

* لا مفر من التحالفات قبل الانتخابات
هناك إجماع اليوم وسط الطبقة السياسية في تونس على أنه لا يوجد حزب سياسي يمكنه أن يحكم البلاد مستقبلا بمفرده. وقد أكدت هذا الانطباع مختلف عمليات سبر الآراء حول نوايا التصويت في الانتخابات المقبلة، والتي تبين أنه ليس هناك حزب في تونس يمكنه أن يحصل على الأغلبية بمفرده، وأنه لا مفر للأحزاب الكبرى من التحالف مع قوى أخرى سواء قبل الانتخابات أو بعدها لتكوين ائتلاف يحكم البلاد. كما تبين هذه الاستطلاعات أن بعض الأحزاب ورغم إشعاعها الإعلامي ووجود زعامات معروفة على رأسها لن تحقق نتائج جيدة في الانتخابات المقبلة بسبب تشتت الأصوات، وأن مهمة هذه الأحزاب قد تزداد صعوبة بسبب حالة الاستقطاب الثنائي بين كل من حركة النهضة وحزب نداء تونس والأحزاب القريبة منهما، وهو ما فرض على عدد من هذه الأحزاب التفكير في إقامة تحالفات سياسية وحتى انتخابية والحديث عن خيار ثالث.
وتجرى اليوم مشاورات بين عدد من هذه الأحزاب التي تصنف عادة على أنها وسطية للنظر في إمكانية تشكيل قطب ثالث لكسر حالة الاستقطاب الثنائي. ويتعلق الأمر بالخصوص بحزب التحالف الديمقراطي الذي يتزعمه محمد الحامدي، والحزب الجمهوري بقيادة كل من مية الجريبي وأحمد نجيب الشابي، والتيار الديمقراطي بقيادة محمد عبو، وحزب آفاق بقيادة ياسين إبراهيم وزير النقل في حكومة الباجي قائد السبسي، وعدد من الحركات السياسية الأخرى الأقل إشعاعا.
كما تحاول مجموعة من الأحزاب التي تصنف نفسها على أنها أحزاب من العائلة دستورية أو البورقيبية نسبة للزعيم الراحل الحبيب بورقيبة الذي أسس الحزب الاشتراكي الدستوري للالتقاء في جبهة انتخابية موحدة. وتترأس بعض هذه الأحزاب شخصيات عملت مع بورقيبة وزين العابدين بن علي، مثل حامد القروي الوزير الأول الأسبق لـ«بن علي»، ونائب رئيس التجمع الدستوري الديمقراطي الذي وقع حله بعد يناير (كانون الثاني) 2011، والذي شغل أيضا مناصب وزارية مع بورقيبة. وكذلك كمال مرجان آخر وزير خارجية لتونس في عهد بن علي والذي يترأس «حزب المبادرة»، ومحمد جغام زعيم «حزب الوطن» والذي شغل عدة مناصب وزارية في عهد بن علي، فضلا عن بروز عدد من الحركات والأحزاب الدستورية الأخرى الأقل حجما والتي تضم بدورها شخصيات معروفة تحملت مسؤوليات سواء حكومية أو حزبية في عهد الرئيس السابق زين العابدين بن علي أو بورقيبة. علما وأن «حزب نداء تونس» الذي يقوده الباجي قائد السبسي يقوم بدوره بمحاولة استمالة عدد من هذه الأحزاب البورقيبية أو الدستورية إما للانصهار في الحزب أو الالتحاق بتحالف «الاتحاد من أجل تونس». وتشهد الساحة السياسية التونسية هذه الأيام صراعا خفيا بين الباجي قائد السبسي وحامد القروي، عكسته التصريحات الإعلامية للرجلين أو للمقربين منهما والتي جاء بعضها في شكل تشكيك في «بورقيبية» أو «دستورية» هذا الطرف أو ذاك، وحتى في شكل اتهامات، حيث رأت قيادات من حزب نداء تونس في تحركات حامد القروي لتكوين جبهة من الأحزاب الدستورية أنها «موجهة بالأساس ضد حزب نداء تونس» ولـ«خدمة أجندات أحزاب أخرى» فهم العديد أن المقصود منها هي حركة النهضة.
وعموما يمكن القول إن الانتخابات المقبلة ستشهد تنافسا قويا بين قطبين رئيسين هما حركة النهضة وحزب نداء تونس، سواء خاض هذه الانتخابات بمفرده أو في إطار تحالف الاتحاد من أجل تونس، وثلاثة أقطاب أخرى من الصف الثاني إذا صح التعبير تمثلها الجبهة الشعبية والأحزاب الدستورية ذات المرجعية البورقيبية، وقطب ثالث يتكون من الأحزاب التي تسمى بالوسطية.
كما تجدر الملاحظة إلى أن هذه الحركية في مستوى الأحزاب السياسية للبحث عن تحالفات وتكوين جبهات تجري بالتزامن مع نظر لجنة التشريعات في المجلس الوطني التأسيسي في مشروع القانون الانتخابي الجديد الذي سيجري الاقتراع المقبل على أساسه، علما بأن هناك توجها لمعالجة ظاهرة تشتت الأصوات التي عرفتها الانتخابات السابقة، وسيكون ذلك خاصة على حساب ترشح المستقلين والأحزاب الصغرى، وهو ما سيدفع بالكثير منها إلى الدخول في تحالفات.
ويجري كذلك حديث كثير عن الفوارق المادية بين مختلف الأحزاب في الساحة السياسية التونسية وكذلك موضوع تمويل الأحزاب خلال الحملات الانتخابية، إذ يعتبر العديد من الملاحظين أن الإمكانيات المادية للأحزاب ستكون من بين العوامل الحاسمة في الانتخابات المقبلة، ويطرحون بالمناسبة وجوب الاعتماد على آليات قانونية واضحة لمراقبة مصادر تمويل الأحزاب والأموال التي ستنفقها في الحملات الانتخابية وتلك قضية أخرى مهمة في ملف الاستحقاقات الانتخابية المقبلة في تونس.

* عدد قياسي من الأحزاب السياسية نخرت بعضها الانقسامات
* تونس: «الشرق الأوسط»
* يبلغ عدد الأحزاب السياسية اليوم في تونس أكثر من 150 حزبا. ولم يكن عدد الأحزاب القانونية قبل 14 يناير (كانون الثاني) 2011 تاريخ سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي يتجاوز العشرة أحزاب.
ويبلغ عدد الأحزاب الممثلة في المجلس الوطني التأسيسي (البرلمان التونسي) الذي وقع انتخاب أعضاءه في انتخابات 23 أكتوبر (تشرين الأول) 2011، 26 حزبا، كثير منها ممثل في هذا المجلس بنائب واحد أو اثنين. ولا يتجاوز عدد الأحزاب الحاضرة بنشاطها المستمر على الساحة السياسية التونسية - ولو بشكل متفاوت - أكثر من عشرين حزبا أهمها حزب حركة النهضة (إسلامي)، الذي يتزعمه راشد الغنوشي والذي فاز بالمرتبة الأولى في انتخابات أكتوبر 2011 بحصوله على 89 مقعدا في المجلس التأسيسي من جملة 217 مقعدا وحزب نداء تونس الذي أسسه الباجي قائد السبسي بعد انتخابات أكتوبر 2011، وحزب التكتل من أجل العمل والحريات برئاسة مصطفى بن جعفر رئيس المجلس الوطني التأسيسي وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية الذي كان يرأسه محمد المنصف المرزوقي قبل أن يصبح رئيسا للجمهورية، والحزب الجمهوري الذي تقوده مية الجريبي بصحبة أحمد نجيب الشابي، وحزب المسار الديمقراطي الاجتماعي (الحزب الشيوعي التونسي سابقا) ويقوده أحمد إبراهيم، وعدد من الأحزاب اليسارية والقومية التي كونت ما يعرف اليوم بالجبهة الشعبية وعلى رأسها حزب العمال الذي يترأسه حمة الهمامي فضلا عن عدد من الأحزاب الأخرى ذات المرجعية الإسلامية.
وتجدر الإشارة إلى أن عددا من الأحزاب التي حققت نتائج جيدة في انتخابات أكتوبر 2011 شهدت بعد ذلك انقسامات كثيرة. ويأتي على رأس هذه الأحزاب حزب «المؤتمر من أجل الجمهورية»، حيث خرج من هذا الحزب القيادي عبد الرؤوف العيادي الذي أسس «حركة وفاء» وكذلك محمد عبو الذي كون حزب «التيار الديمقراطي». وكذلك الحزب الديمقراطي التقدمي، والذي أصبح يسمى اليوم بالحزب الجمهوري بعد أن غادره محمد الحامدي ليؤسس التحالف الديمقراطي، وكذلك مغادرة كثير من الأسماء المعروفة لحزب التكتل من أجل العمل والحريات والالتحاق بأحزاب أخرى وخصوصا بحزب نداء تونس، هذا فضلا عن تشتت كثير من الكتل النيابية الأخرى وخصوصا منها العريضة الشعبية التي يتزعمها الهاشمي الحامدي، القيادي السابق في حركة الاتجاه الإسلامي والتي أصبحت تسمى بـ«تيار المحبة».



الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)
TT

الانتخابات الإسرائيلية... سيناريوهاتها وتبعاتها

نتنياهو (غيتي)
نتنياهو (غيتي)

تلقى منصور عباس مساء الخميس اتصالاً من أحد المقربين من رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، محاولاً جس نبضه إن كان مستعداً لترك معسكر غادي آيزنكوت والانضمام إليه في الجهود لتشكيل حكومة وحدة وطنية، وما الثمن الذي يطلبه لقاء ذلك. وحدّد رسول نتنياهو السؤال أكثر: «هل سترغب في الانضمام للحكومة وتحظى بمنصب وزير أو ستكتفي بالدعم من الخارج مقابل ميزانيات ومطالب مدنية محددة؟». مَن يقرأ هذه الكلمات يستصعب تصديقها؛ لأن هذا الاتصال جاء في وقت كانت فيه إسرائيل تغلي كالمرجل بسبب الحملة التي شنها نتنياهو على الأحزاب العربية لتجريدها من شرعيتها، ولتخويف آيزنكوت من التفكير في تشكيل حكومة بمساندتها. لقد كانت وسائل الإعلام غارقة في متابعة «قطر غيت» ثانية؛ إذ أعلن «الشاباك» أنه «يحقق في معلومات عن تدخّل قطر ودول أخرى في الانتخابات الإسرائيلية عبر تمويل بعشرات ملايين الشواقل»، لكن تبين أن القصة غير جادة ولم تؤثر على نتائج الانتخابات. وكانت مشغولة أيضاً في اتهامات حول تزوير الانتخابات لدى العرب، وهذا أيضاً لم يثبت. ولجنة الانتخابات أكدت أنه لا يوجد شك في نزاهة الانتخابات لدى العرب. لكن نتنياهو نجح في إثارة عاصفة مخيفة.

كان واضحاً أن بنيامين نتنياهو ليس مهتماً حقاً بالدعم الخارجي للأحزاب العربية ولا أي أحزاب؛ فجميع الأحزاب الإسرائيلية تحصل على دعم خارجي، وهو نفسه يتباهى بالدعم الخارجي الذي يحصل عليه معنوياً ومالياً من عدة جهات في اليمين الأميركي، ويعرف أن الدعم الذي حصل عليه من الرئيس دونالد ترمب لا يقدّر بثمن. لكن القضية هي أن نتنياهو يقرأ جيداً نتائج الانتخابات ويدرك أنه خسرها.

صحيح أنه حقق نتائج أفضل مما كان متوقعاً؛ فالاستطلاعات كانت تشير إلى أنه سيخسر ربع قوته، لكنه وفق النتائج النهائية وشبه الرسمية، التي أعلنتها لجنة الانتخابات، خسر خُمس قوته، ولن يكون بمقدوره العودة إلى الحكم بحكومة يمين كامل.

وهذه النتائج تشير بوضوح إلى أن الجمهور الإسرائيلي يريد بغالبيته تغيير هذه الحكومة؛ إذ منح أكثرية 67 مقعداً من مجموع 120 مقعداً للمعسكر المناوئ بقيادة غادي آيزنكوت.

جبارين (الأناضول)

النتائج التفصيلية

بعد فرز 100 بالمائة من مجمل أصوات انتخابات الكنيست، بما يشمل المغلفات المزدوجة، أعلنت لجنة الانتخابات المركزية النتائج شبه الرسمية (النتائج الرسمية تسلّم لرئيس الدولة يوم الأربعاء المقبل)، ويتّضح منها أن معسكر نتنياهو استقر عند 53 مقعداً، في حين استقر معسكر أحزاب المعارضة الصهيونية عند 48 مقعداً، بالإضافة إلى 19 مقعداً للقائمتين العربيتين («المشتركة» بـ11 مقعداً، و«الموحّدة» بـ8 مقاعد).

من جهة ثانية، تبين أن أصوات الجنود والمرضى في المستشفيات أحدثت تغييرات طفيفة داخل المعسكرات؛ فبسببها خسرت «القائمة العربية المشتركة» مقعداً واحداً ربحته «القائمة العربية الموحّدة»، وخسر حزب «شاس» الحريدي الشرقي مقعداً ربحه «الليكود». وبناء عليه، ستتوزّع المقاعد كما يلي: «الليكود» بقيادة نتنياهو 27 مقعداً (1.16 مليون صوت)، و«يشار» بقيادة آيزنكوت 21 مقعداً (910 آلاف صوت)، و«بياحد» بقيادة نفتالي بينيت ويائير لبيد 12 مقعداً (529 ألفاً)، و«القائمة المشتركة» بقيادة يوسف جبارين وأحمد الطيبي وسامي أبو شحادة 11 مقعداً (499 ألفاً)، و«الديمقراطيون» بقيادة يائير غولان 8 مقاعد (458 ألفاً)، و«القائمة الموحّدة» بقيادة منصور عباس 8 مقاعد (336 ألفاً)، و«يسرائيل بيتينو» بقيادة أفيغدور ليبرمان 7 مقاعد (322 ألفاً)، و«يهدوت هتوراه» للحريديم الأشكناز 7 مقاعد (311 ألفاً)، و«عوتسما يهوديت» بقيادة إيتمار بن غفير 7 مقاعد (325 ألفاً)، و«شاس» بقيادة أرييه درعي 6 مقاعد (298 ألفاً)، و«الصهيونية الدينية» بقيادة بتسلئيل سموتريتش 6 مقاعد (288 ألف صوت).

بحسب لجنة الانتخابات، بلغت نسبة التصويت 77.7 بالمائة؛ إذ كان عدد المقترعين 5.697.290 مقترعاً (من مجموع 7.3 مليون صاحب حق اقتراع)، وعدد صناديق الاقتراع 12.884 صندوقاً. وقد أُلغي 25 ألفاً و756 صوتاً، وبقي 5.671.534 صوتاً صحيحاً.

وفي قراءة أولية لهذه النتائج، يتضح أن حزب نتنياهو زاد عدد أصواته من 1.11 مليون صوت عام 2022 إلى 1.16 ألف؛ أي بزيادة 48 ألف صوت جديد. لكن عدد المقاعد التي حصل عليها في الانتخابات السابقة بلغ 32 مقعداً (لا تشمل 4 مقاعد جلبها إليه جدعون ساعر عندما انشق عن بيني غانتس)، وهبط في هذه الانتخابات إلى 27 مقعداً. والسبب في هذا الهبوط يعود إلى الارتفاع الكبير في نسبة التصويت. وحصل هذا الارتفاع بسبب التجنيد الكبير للقوى التي قرّرت إسقاط نتنياهو، وفي مقدمتهم العرب، الذين ارتفعت نسبة التصويت لديهم من 53 بالمائة في 2022 إلى 80 بالمائة هذه المرة.

الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق.. ونتنياهو ليس المفضّل لكنه يتمتع بجوانب يتمسكون بها

حصة نتنياهو

عملياً، كانت خسارة نتنياهو كبيرة على صعيد الحصص في معسكره (من 68 إلى 53 مقعداً). وأيضاً تراجع حزب «شاس» من 11 مقعداً إلى 6 مقاعد، ما يعد انهياراً؛ فهذا الحزب، الذي استقطب سابقاً معظم أصوات اليهود الشرقيين، ووصل إلى 17 مقعداً، يعاني اليوم من أزمة ثقة مع القيادة. وهو حزب فقر وفقراء، يعمل في مدارسه عشرات الألوف، لكن لا توجد مراقبة على حساباته. وجمهوره يتهم القيادات بالفساد (يحصل هذا الحزب مع حزب الحريديم الأشكناز على 11 مليار شيقل)؛ لأن المواطنين، بمن فيهم أعضاء الحزب، لا يشعرون بهذه الأموال.

الجناحان المتطرفان للمستوطنين خسرا أيضاً بعض قوتَيهما؛ إذ حصلا معاً على 14 مقعداً في الانتخابات السابقة، وهبطا حالياً إلى 13 (سموتريتش هبط من 8 إلى 6 مقاعد، وبن غفير ارتفع من 6 إلى 7 مقاعد، مع العلم أن الاستطلاعات كانت تمنح بن غفير 9 و10 مقاعد قبل شهرين).

وتتهم أحزاب اليمين نتنياهو بإدارة حملة منظّمة في الأسبوع الأخير من المعركة الانتخابية هدفها أن يصبح أكبر حزب، ولهذا الغرض «شفط» منها عشرات ألوف الأصوات وتسبب في تقليص قوتها.

معسكر آيزنكوت

في المقابل، تمكن آيزنكوت من إقناع الجمهور، ولو جزئياً، بأنه أفضل مَن يهزم نتنياهو. ومع أن حزبه يبلغ من العمر 13 شهراً فقط، وهو شخصياً يفتقر للكاريزما المطلوبة للشارع الإسرائيلي، تمكن من اقتحام معاقل «الليكود» وبعض قلاع الأحزاب الدينية، وحصل على 21 مقعداً، ورسّخ مكانته كأكبر أحزاب المعارضة، رغم أن حلفاءه في المعسكر (نفتالي بينيت ويائير لبيد وأفيغدور ليبرمان) رفضوا قبوله رئيساً للمعسكر، ومنعوه من الظهور كمرشح عنه لرئاسة الحكومة. وحتى بعد ظهور النتائج شبه الرسمية لا يعلن هؤلاء أنهم سيوصون رئيس الدولة بتكليفه بتشكيل الحكومة. وسيضطر إلى إدارة مفاوضات معهم في الموضوع.

وأما حزب «بياحد»، الذي كان يتمثل بـ24 مقعداً، فقد هبط إلى 12 مقعداً فقط، مع أن الاستطلاعات منحته 14 مقعداً في الأسبوع الأخير. في حين حصل ليبرمان على 7 مقاعد (كان لديه 6 مقاعد)، بعدما حصل في الشهور الأخيرة على 12 مقعداً في الاستطلاعات.

آيزنكوت (أ.ف.ب)

مفاجأة الانتخابات

في المقابل، كان العرب مفاجأة الانتخابات، أكان ذلك بنسبة التصويت (التي بلغت 80 بالمائة)، أم عدد المقاعد (إذ قفزوا من 10 مقاعد إلى 19 مقعداً). وهكذا ساهموا بقوة في إسقاط حكومة نتنياهو، والرد على محاولات القمع والكبت والتهميش والعنصرية، وأظهروا حضوراً لافتاً في الساحة السياسية.

وأيضاً، بخوضهم المعركة الانتخابية بقائمتين؛ «المشتركة» (التي تضم ثلاثة أحزاب)، و«الموحّدة» (التي تضم «الحركة الإسلامية» التي تحالفت مع ضابط شرطة كبير سابق)، تمكنوا من تجنّب إضاعة أي صوت. وحقاً، أوصلوا رسالة مجلجلة للمجتمع اليهودي بأنهم يواجهون بلا خوف الخطاب العنصري ضدهم، مؤكدين أنهم لا يضعون شروطاً قاسية على آيزنكوت.

من جهة ثانية، لم يُعرف بعد كيف رد منصور عباس على مقترح نتنياهو، لكنه اجتمع مع يائير غولان وتحدث إلى لبيد ومقربين من آيزنكوت. وأكد التزامه بالخطوات المقررة لإقالة رئيس الكنيست. فإذا تمكن من عقد لقاء مع نتنياهو أو مقرب منه، وكُشف الأمر للإعلام، سيساعد آيزنكوت على تشكيل حكومة تستند إلى العرب (قسم من داخل الحكومة وقسم من خارجها).

وما يُذكر هنا أن حزب «الديمقراطيين» - مع أنه حصل على 8 مقاعد فقط - خرج بقوة إلى العمل، واجتمع مع لبيد وعباس في محاولة للتقدّم نحو تشكيل حكومة أقلية، تضم «القائمة العربية الموحّدة». ويقول: «نحن مع (القائمة الموحّدة) 55 نائباً، مقابل معسكر نتنياهو المؤلف من 53 نائباً. ولدينا احتياطي ممثل في (القائمة المشتركة)، بـ11 نائباً؛ أي إنها تقف جسماً مانعاً أمام أي محاولة لنتنياهو لإسقاط الحكومة».

وهكذا، باختصار، أظهرت نتائج الانتخابات ما يلي:

أولاً: فشل الاستطلاعات.

ثانياً: فشل نتنياهو؛ إذ خسر خُمس قوة معسكره اليميني المتطرف، وليس بمقدوره العودة لتشكيل حكومة يمين خالص.

ثالثاً: ما زالت إسرائيل تعاني من أزمة قيادة؛ إذ لا وجود لزعيم «كاريزمي» يستطيع جرف الجمهور إلى جانبه، مثل بن غوريون أو مناحيم بيغن أو أرئيل شارون، أو حتى إيهود باراك.

رابعاً: ينتظر الجمهور اليميني اليوم أن ينجح نتنياهو في حملته ضد العرب ليمنع آيزنكوت من تشكيل حكومة معهم. وفي المقابل، ينتظر جمهور اليمين الوسط والليبراليون أن يشد آيزنكوت أزره ويشكّل حكومة مستقرة؛ إذ يوجد لديه الآن 67 نائباً مستعدون لتتويجه رئيس حكومة.


رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
TT

رابين وأولمرت ونتنياهو والعرب

إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)
إسحاق رابين رئيس وزراء إسرائيل الأسبق الذي اغتيل على يد متطرف يهودي (أ.ب)

لقد فرضت نتائج الانتخابات الإسرائيلية على المجتمع اليهودي وأحزابه وقادته أن ينظروا إلى أنفسهم بالمرآة، فيما يتعلق بموقفهم من العرب. ففي السنوات الأولى لقيام الدولة العبرية، جرت عدة مداولات، كشف عنها النقاب بعد عدة عقود، موضوعها هل بقاء عرب في إسرائيل كان صحيحاً أم خطأ فاحشاً؟ كان هناك من قرر أنه خطأ جسيم. كما وضعت عدة خطط لترحيلهم، من بينها ارتكاب مجزرة كفر قاسم عام 1956.

وعام 1973، كشف الجنرال أهارون يريف، الرئيس الأسبق لشعبة الاستخبارات العسكرية، عن مخطط لدى الجيش الإسرائيلي لترحيل 600 – 700 فلسطيني من الضفة الغربية ومن الجليل في أول حرب تواجه إسرائيل.

لكن عام 1993، عندما احتاج إسحاق رابين إلى العرب لحماية حكومته من السقوط، تحالف مع الحزبين العربيين («الجبهة» بقيادة توفيق زياد و«الحزب الديمقراطي العربي» بقيادة عبد الوهاب دراوشة) اللذين تحوّلا إلى جسم مانع في وجه اليمين، ودعماه من خارج الحكومة.

في حينه أيضاً، تعرض رابين إلى هجمة شبيهة بالهجمة التي يواجهها آيزنكوت اليوم لاستناده إلى العرب. وفي تلك الفترة أيضاً، قاد الهجمة العنصرية نتنياهو نفسه. لكن رابين واجه تلك الهجمة بقوة، وقال: «عار ألا يتعامل اليهود مع العرب بمساواة... نحن اليهود عشنا تحت الظلم والتمييز والعنصرية مئات السنين في أوروبا. ولا يجوز لنا أن ننبذ العرب خارج الصفوف، ونتعامل معهم بعنصرية».

حتى نتنياهو، عندما احتاج إلى العرب لتثبيت حكومته عام 2015، تكلم عن العرب بطريقة مختلفة. واعتذر لهم على أنه تكلم يوم الانتخابات ضد تدفقهم إلى الصناديق. وبثّ شريط فيديو يقول فيه ما يلي: «مواطنينا العرب الأعزاء (بعدما قالها بالعبرية، أعادها بالعربية المكسّرة: مواتنونا العرب الأعزاء)، قبل أن يتم انتخابي قلت إن مواطنينا العرب تدفّقوا بجماهيرهم إلى صناديق الاقتراع. رغم أنني كنت أقصد حزباً سياسياً محدداً، فإن بعض المواطنين العرب شعروا أنني مسست بهم، وأفهم ذلك. اعتذرت عن الشكل الذي فهمت فيه أقوالي. أكثر من 20 في المائة من مواطنينا هم عرب. وأنتم وصلتم إلى إنجازات مذهلة. قضاة في المحكمة العليا وأعضاء كنيست. أدباء ذوو سمعة. أطباء وصيادلة ورجال أعمال وأصحاب شركات في الهايتك وعلماء. أنا أعتز بالدور الذي تقومون به لنجاح إسرائيل. وأريد أن يكبر دوركم أكثر. إن احترام الأقليات ليس الأمر الصحيح فقط، الذي يجب أن نقوم به، بل هو أمر حيوي لنا ولتقدمنا». وبعد هذا الموقف، صادقت حكومته على خطة لتطوير البلدات العربية بقيمة 5 مليارات شيكل (1.5 مليار دولار).

وعام 2021، عاد نتنياهو إلى تصريحات مشابهة، عندما تفاوض مع منصور عباس على التحالف ودعم حكومته، لكنه تراجع لأن حزب سموتريتش فرض «الفيتو» وهدّد بإسقاط الحكومة. فتوجّه عباس إلى بنيت ولبيد وأقام معهما تحالفاً. ويومها رفض عباس أن يكون جزءاً من الحكومة، لكنه كان جزءاً من الائتلاف البرلماني (في الكنيست). ولم تطل هذه التجربة، إذ تمكن نتنياهو من إسقاط الحكومة بعد 1.5 سنة، لكنها اعتبرت تجربة بالغة الأهمية. ويحاول عباس اليوم تكرارها.

كثيرون من أنصار السلام في إسرائيل يعيدون هذه الأيام نشر الفيديوهات الإيجابية التي تظهر تصريحات رابين ونتنياهو المذكورة أعلاه، لغرض تشجيع آيزنكوت على مواصلة هذا التوجه السليم. وفي هذه الأثناء، أجري استطلاع رأي، الخميس، قال فيه 59 في المائة من ناخبي معسكر آيزنكوت إنهم يؤيدون تشكيل حكومة مع العرب.

بالتالي، القضية اليوم المطروحة بعد نشر نتائج الانتخابات هي؛ هل سيتغلب آيزنكوت على حملة نتنياهو العنصرية، ويثبت أنه قائد قوي وجريء، ويقيم التحالف الذي يضمن له احترام إرادة الناخب وإسقاط حكم نتنياهو.

صحيح أن الجمهور أعطى رسالة لقادته وللعالم أن جرح «7 أكتوبر» عميق ويهيمن على كل زاوية ويغرقهم في كراهية جنونية للعرب، وصحيح أيضاً أن الجمهور لم يعد يرى في نتنياهو القائد المفضل، لكن نتنياهو يتمتع بجوانب قوة يتمسكون بها، ولا يجدونها بعد لدى آيزنكوت وغيره من الجنرالات الذين اهتزت بهم ثقة الناس.


السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟
TT

السيناتورة إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

السيناتورة  إليسا سلوتكين... هل تستطيع جمع الديمقراطيين الأميركيين رغم خلافاتهم؟

في الثالث من أكتوبر (تشرين الأول) وقفت إليسا سلوتكين إلى جانب المرشح الديمقراطي لمجلس الشيوخ عبدول (عبد الرحمن) السيد، في لقاء انتخابي بمدينة وارن بولاية ميشيغان. في هذا اللقاء بالمدينة - بضواحي مدينة ديترويت - كانت السيناتورة اليهودية ذات الخلفية الاستخباراتية والمواقف الوسطية، تدعم مرشحاً مسلماً تقدمياً تختلف معه في قضايا خارجية، وتتحفظ عليه شخصيات يهودية بسبب مواقفه من إسرائيل. بالنسبة إليها، كان المشهد فرصة لإثبات إمكانية العمل المشترك رغم الخلاف. وبالنسبة إلى حزبها، كان اختباراً لقدرة مكوّناته على البقاء معاً عشية انتخابات قد تعيد توزيع السلطة في واشنطن. ومع أن سلوتكين لا تخوض انتخابات تجديد مقعدها الثلاثاء المقبل، لكن موقعها السياسي يخضع لاختبار من نوع آخر.

السيناتورة إليسا سلوتكين، التي فازت عام 2024 في ولاية ميشيغان بشمال الولايات المتحدة التي اختارت يومذاك دونالد ترمب للرئاسة، تحاول اليوم المساهمة في إنقاذ الائتلاف الذي حملها إلى واشنطن. وهي بين خبرتها الأمنية، وهويّتها اليهودية، وعلاقتها بناخبين عرب ومسلمين، وطموحها الوطني المحتمل، تتشكّل شخصية استثنائية قد يصبح تأثيرها أكبر من عمر تجربتها القصيرة في مجلس الشيوخ.

جذور ومسارات

ولدت إليسا سلوتكين في مدينة نيويورك يوم 10 يوليو (تموز) 1976، ونشأت في ميشيغان حيث ارتبط تاريخ عائلتها بمزرعة في بلدة هولي وبشركة «هايغريد فودز» لتعليب اللحوم. ومن أشهر منتجات الشركة نقانق «بول بارك» التي ارتبطت بمدرّجات ملعب الـ«تايغر» التابع لنادي ديترويت تايغرز لكرة القاعدة (البيسبول) في مدينة ديترويت.

هذه تفاصيل تستحضرها سلوتكين في موقعها الرسمي عن سيرتها، لربط سيرة العائلة بتاريخ الولاية الصناعي وحياتها اليومية، بعيداً عن الصورة المجرّدة لموظفة أمن قومي سابقة آتية من واشنطن.

درست السيناتورة المستقبلية في جامعتين من أرقى جامعات أميركا، فحازت بكالوريوس في علم الاجتماع الريفي من جامعة كورنيل، ثم ماجستير العلاقات الدولية من جامعة كولومبيا عام 2003.

وبين الاختصاصين مسافة تبدو حاضرة في خطابها. اهتمام بالمجتمعات المحلية ومصادر عيشها، وانشغال بموقع الولايات المتحدة وأخطار العالم. لكنها لم تدخل السياسة الانتخابية مباشرة بعد تخرّجها من الجامعة، بل أمضت سنوات في مؤسسات اعتاد أن يعمل موظفوها بعيداً عن الجمهور.

بحسب روايتها، وقعت هجمات 11 سبتمبر (أيلول) خلال أسبوعها الأول في نيويورك لبدء الدراسات العليا، فدفعتها إلى اختيار العمل الأمني. وبالفعل، التحقت بوكالة الاستخبارات المركزية (السي آي إيه) محللة لشؤون الشرق الأوسط، ثم أرسلت إلى بغداد في أولى 3 مهمات بالعراق.

لم تكن يومذاك عسكرية، بل عملت إلى جانب القوات والدبلوماسيين الأميركيين، في بيئة تداخلت فيها المعلومات الاستخباراتية بالمواجهات المسلحة وصراعات النفوذ.

ومن العراق، انتقلت إلى وظائف في مجلس الأمن القومي ووزارة الخارجية و«البنتاغون» (وزارة الحرب)، وخدمت في إدارتي جورج بوش الابن وباراك أوباما. ووصلت إلى منصب مساعد وزير الدفاع بالإنابة لشؤون الأمن الدولي.

هذه الخبرة منحت سلوتكين مادة سياسية مميّزة، وبالفعل قدّمت نفسها كموظفة خدمت الدولة تحت رئيسين من حزبين مختلفين، قبل أن تغدو ممثّلة منتخبة لأحدهما. لكنها أيضاً ارتبطت بمؤسّسة أمنية تواجه أسئلة متراكمة عن نتائج الحروب الأميركية وحدودها.

الأم والسياسةإذا كان العراق قد صاغ خبرة إليسا سلوتكين المهنية، فإن مرض والدتها شكّل العامل الشخصي الذي دفعها لدخول السياسة، بحسب روايتها. إذ شُخصت إصابة والدتها بسرطان المبيض في مرحلة متقدمة عام 2009، عندما كانت بلا تأمين صحي، وبعدما جعل تاريخ الإصابة بسرطان الثدي تكلفة التغطية المالية للعلاج مرهقة. وهنا تروي سلوتكين أن الأسرة كانت تبحث عن علاج ينقذ حياة الأم، وتملأ في الوقت نفسه أوراق إشهار إفلاسها.

توفيت والدتها عام 2011، لكن التجربة بقيت أساساً لموقفها من حماية المصابين بأمراض مُزمنة وخفض أسعار الأدوية. وحين حاول الجمهوريون إلغاء الحماية التي أتاحها «قانون الرعاية الصحية»، قرّرت خوض الانتخابات عن الديمقراطيين. وهكذا وجدت مسؤولة الأمن السابقة مدخلها إلى الناخبين في مسألة شخصية يمكن لملايين العائلات فهمها.

عضو مجلس النواب

عام 2018، انتخبت سلوتكين نائبة في مجلس النواب عن ميشيغان بعدما انتزعت مقعداً للجمهوريين، وكرّرت الفوز في عامي 2020 و2022. ثم انتقلت إلى المنافسة على مقعد السيناتورة الديمقراطية المتقاعدة ديبي ستابيناو عام 2024.

يومذاك، لم يكن انتصارها كاسحاً، إذ حصلت على نحو 2.713 مليون صوت متقدّمة بـ19 ألف صوت فقط على الجمهوري مايك روجرز، الذي ينافس اليوم عبدول السيد. بيد أن لهذا الهامش معنى يتجاوز الحساب الانتخابي. فهو يمنحها حجة بأنها تستطيع الفوز في بيئة لا تضمن نجاح الديمقراطيين، لكنه يذكّرها بأن أي خسارة محدودة بين المستقلين أو العمال أو الأقليات قد تقلب النتيجة. في تلك المعركة، ركّزت سلوتكين حملتها على تكاليف المعيشة والأدوية والتعليم، ودافعت عن حقوق الإجهاض، وحصلت على تأييد نقابة عمال السيارات، أي أن خبرتها الخارجية لم تغنها عن بناء صدقية في الشؤون المعيشية. ومن هذه التجربة تستمد اليوم اعتراضها على اختزال السياسة بالتصنيفات الآيديولوجية. فهي ترى أن الناخب الذي يقلقه التأمين الصحي أو استقرار عمله لا يبدأ بالضرورة من السؤال عما إذا كان المرشح وسطياً أو تقدمياً، بل ممّا يستطيع تقديمه.

ائتلاف يهودي - مسلم... تحت الضغط

تجسّد ولاية ميشيغان راهناً الصعوبة التي تواجه هذا المنطق حين تتداخل السياسة الخارجية بالهوية والتجارب العائلية. فالحضور العربي والمسلم واليهودي يضع الحرب في غزة والعلاقة مع إسرائيل في قلب النقاش المحلي، إلى جانب الوظائف والأسعار والسكن. ومن ثم، لا تستطيع سلوتكين التعامل مع هذه القضايا وكأنها ملفات بعيدة تخصّ لجان الكونغرس وحدها.

لكنها بالمقابل ترفض تصوير الجماعات الانتخابية ككتل متجانسة. وفي ظهورها مع السيد، شدّدت على اختلاف أولويات الناخبين اليهود، كما تختلف أولويات المسلمين والسود. ونقل موقع «جويش إنسايدر» عنها رغبتها في تقديم نموذج لامرأة يهودية ورجل مسلم يستطيعان النقاش والعمل معاً. وجاء موقفها هذا بينما تنتقد شخصيات يهودية ديمقراطية السيد، وبعضها يلوّح بحجب التأييد عنه أو دعم منافسه الجمهوري.

لا يعني هذا أن سلوتكين تبنّت برنامجه. ووفق صحيفة «شيكاغو ماروون» أوضحت في نقاش بجامعة شيكاغو هذا الشهر، أنها لم تؤيده في الانتخابات التمهيدية، وأن خلافاتهما مستمرة وبخاصة في السياسة الخارجية. لكنها ترى أرضية مشتركة في حماية الديمقراطية والأمن الاقتصادي، بحسب قولها. ومن هنا تحاول صياغة انقسام بديل داخل الحزب، بين الاستعداد للمواجهة والانسحاب منها، بدلاً من الفصل التقليدي بين المعتدلين والتقدميين.

مع ذلك، يرى البعض أن هذا الاختيار ينطوي على أخطار. فتأييد مرشح مختلف عنها قد يساعد على توحيد الحزب، لكنه قد يضعف صورتها لدى بعض من اختاروها بسبب اعتدالها. وفي المقابل، فإن الابتعاد عنه كان سيجعل خطاب الوحدة أقل اقناعاً لدى التقدميين والناخبين الذين يريدون تغييراً في سياسة إسرائيل. والاختبار هنا ليس لقدرتها على إرضاء الجميع، بل على إقناع المختلفين بأن التعاون لا يستلزم تنازلهم عن جميع مواقفهم. ومن ثمّ، إذا أرادت قيادة وطنية، فهذه مهارة تحتاج إليها في حزب يصعب على أي جناح فيه الفوز منفرداً.

إسرائيل بلا تفويض

تظهر محاولة سلوتكين الموازنة في مواقفها بوضوح في تصويتها يوم 15 أبريل (نيسان) الماضي، لمنع نقل قنابل هجومية تزن ألف رطل وجرّافات عسكرية إلى إسرائيل، مع تأكيد استمرار دعمها أنظمة الدفاع، بينها «القبة الحديدية». وقالت إنها ستراجع الأسلحة الهجومية المموّلة أميركياً، كل حالة على حدة.

بذا وضعت السيناتورة فصلاً عملياً بين حماية إسرائيل وتأييد كل ما تطلبه حكومتها. وفي تفسيرها موقفها، أكدت تمسكها بـ«إسرائيل يهودية ديمقراطية»، لكنها رفضت مساواة تأييدها بالموافقة على أجندة رئيس وزرائها بنيامين نتنياهو. وربطت موقفها بحق الأميركي في دعمها وانتقاد قيادتها. وأيضاً، استحضرت خبرتها في العراق لتشدّد على معارضتها النظام الإيراني وحلفائه، بالتزامن مع رفض حرب ترى أن «ترمب بدأها بلا تهديد وشيك مثبت أو أهداف واضحة» أو موافقة الكونغرس.

تتيح هذه الصيغة تصوّر أن تلعب سلوتكين دوراً في محاولة إعادة بناء العلاقة بين الديمقراطيين وإسرائيل. لكن لا توجد أدلة تتيح تقديمها بوصفها صاحبة خطة معلنة للعمل مع جماعات الضغط المحسوبة على اللوبي اليهودي لاستعادة الدعم غير المشروط لإسرائيل. فموقفها الموثّق أقرب إلى «إعادة تعريف التأييد» بحيث يتّسع للقيود والمحاسبة. هذا قد يجعلها محاورة مفيدة لبعض المنظمات والناخبين المؤيدين لإسرائيل، وموضع خلاف مع آخرين. في المقابل، هويّتها اليهودية لا تضمن قبول حجتها، مثلما لا يضمن تصويتها ضد أسلحة هجومية استعادة ثقة العرب والمسلمين. فعليها إقناع الطرفين بأن معاييرها ثابتة، وليست استجابة متغيرة لضغط الانتخابات.

وهنا تضيف الانتخابات الإسرائيلية بعداً جدياً لهذا الاختبار. فالمعطيات حتى الآن لا توضح الطرف الذي يملك غالبية محسومة، ويظل احتمال استمرار بنيامين نتنياهو مطروحاً ضمن مفاوضات الائتلاف. وإذا بقي، فقد يزداد الضغط على سلوتكين لإثبات أن الفصل بين إسرائيل وحكومتها يترجم إلى قرارات، لا لغة مريحة سياسياً فقط.

للعلم، بدأ انتقال سلوتكين إلى الجمهور الوطني مبكراً بعد دخولها مجلس الشيوخ، إذ اختارها الديمقراطيون في مارس (آذار) 2025 للرد على خطاب ترمب أمام الكونغرس. وأدلت بخطاب يستدعي قيماً مشتركة ويتوجّه إلى «الوسط» السياسي، بدليل أنها استعانت بإرث الرئيس الجمهوري الراحل رونالد ريغان لانتقاد مقاربة ترمب للعلاقات الدولية.

لكن نبرتها الأكثر مواجهة اليوم لا تعني تخلّيها عن الأولويات الاقتصادية. فقد طرحت خلال مشاركتها في مناقشات شيكاغو تسريع بناء المساكن والتأمين الصحي العام، منتقدة تقصير الديمقراطيين في مخاطبة مخاوف الأسر خلال انتخابات 2024. وهي بذا تحاول توسيع صورتها من «خبيرة أمن قومي» إلى «سياسية» ترى أن هشاشة الطبقة الوسطى تمسّ استقرار البلاد نفسه. وفي مسألة الإدارة، تدعو سلوتكين إلى تحقيقات محدّدة تستطيع كشف المسؤوليات مع تشريعات تمنع تكرار التجاوزات. وتتحفّظ عن التعويل على تكرار محاولات عزل الرئيس الشكلية من دون أصوات كافية لإدانته في مجلس الشيوخ. وهنا يظهر منطق عملها: «مواجهة أشد لكن بأهداف قابلة للتحقق لا مجرد رفع سقف الوعود».

من ناحية أخرى، أقرت سلوتكين بأنها تفكر في الترشح للرئاسة، من دون إعلان قرار، كما زارت ولاية نيفادا أخيراً وسط تكهنات بطموحها لعام 2028 بحسب موقع «أكسيوس».

ومع ذلك، فالفوز في ميشيغان لا يضمن اجتياز انتخابات تمهيدية وطنية، حيث تحتاج إلى شبكة تنظيمية وتمويل وتعريف أوسع بنفسها، وتواجه منافسين أقوى وأكثر شهرة.

وعشية الانتخابات النصفية، تبدو إليسا سلوتكين أمام اختبار يسبق إعلان أي طموح رئاسي: هل تستطيع مساعدة حزبها على الفوز من دون إخفاء خلافاته وأزماته، ومخاطبة ناخبين لا يثق بعضهم ببعض؟