قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (1 - 3): الخميني سعى لتكريس السلطة.. بالتمهيد لقيام دولة الفقيه

التصور الذي وضعه الدستور لمنصب القائد وصفاته ووظائفه وسلطاته وصلاحياته ومهامه وأدواره.. أتاح له بأن يقيم «دولة داخل الدولة»

صورة أرشيفية تعود لعام 1978 لآية الله الخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)
صورة أرشيفية تعود لعام 1978 لآية الله الخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)
TT

قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (1 - 3): الخميني سعى لتكريس السلطة.. بالتمهيد لقيام دولة الفقيه

صورة أرشيفية تعود لعام 1978 لآية الله الخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)
صورة أرشيفية تعود لعام 1978 لآية الله الخميني في حديقة منزله بمدينة نوفيل لو شاتو في فرنسا (غيتي)

بعد سقوط حكم الشاه بشكل سريع ومفاجئ، كان الخميني واعيًا منذ اللحظة الأولى بأهمية البُعد المؤسّسي والدستوري في استمرار الثورة على الصورة التي كان قد رسمها وقررها، ولذلك فقد سعى بعد هدم النظام القديم، إلى تقنين وتكريس منصب القائد أو الولي الفقيه أو نائب المهدي أو المرشد الأعلى، في الدستور، وفي قمة الهرم السياسي للنظام. وكذلك قام بخلق واستحداث مؤسساتٍ موازيةٍ للمؤسسات القديمة في النظام، الغرض منها إضعاف النظام الملكي المتهاوي، وتقوية النظام السياسي الناهض، والتقليل من فرص الهجوم عليه، وضمان ولاء قطاعاتٍ واسعة من شرائح الشعب، عن طريق ربط مصالحها بالنظام الجديد، بشكل يقطع الطريق على أي تيار سياسي، لأن يفكر أو يسعى مستقبلاً، للانقلاب عليه.
وقد كانت صياغةُ دستورٍ جديد للبلاد، هي الملجأ الذي أمكن للخميني من خلاله، شخصنة السلطة والقبض على كل مفاصلها، وضبط كل من الحكومة والمجتمع بضوابط الآيديولوجيا الجديدة، وتأصيل الحكومة الإسلامية، وفرض هُوية ومذهبية جديدة، رأى «الثوارُ» أن النظام السابق (الطاغوت) قد حاربها وطمسها وغيّبها. ولذلك، فإن أول خطوة قامت بها الحكومة الانتقالية بزعامة «مهدي بازركان» في أغسطس (آب) 1979، هي الدعوة إلى انتخاب مجلس الأوصياء (مجلس الخبراء) من أجل صيانة دستورٍ جديد، مما مهد لقيام دولة الفقيه المستقلة.
بعد دخول الإمام الثاني عشر في الغيبة الكبرى في عام 329 للهجرة، عانى الشيعة غياب الولي المعصوم الذي يمتلك وحده الحقّ الشرعي في إقامة دولة الإسلام التي ستملأ الأرض عدلاً بعد أن مُلئت ظلمًا وجورًا! وقد عاش الشيعة خلال 14 قرنًا في ظلّ دولةٍ لا يرتبطون بها عضويًا، وإن كانوا يعيشون تحت سلطتها السياسية، ويخضعون لقرارها السياسي والاجتماعي والاقتصادي. وبواسطة بعض المفاهيم، وفي مقدمتها «التقيّة» لحماية أنفسهم من الاضطهاد، و«التقليد» لمرجع من المراجع الدينية، و«الخُمس» الذي يقدّمه المقلّدون للإمام كي يحمي جماعة المؤمنين - تمكّن الشيعة من المحافظة على هُويتهم الدينية المتمايزة والمخفية وسط الأغلبية السُنيّة التي يعيشون معها.
وقد تنازعت الفكر السياسي الشيعي عدة اتجاهات، منها ما يرى ضرورة انتظار عودة المهدي الغائب الذي لا تصحّ شرعيّة الدولة من دونه، قبل القيام بأي ثورةٍ، على الرغم من عدم الاعتراف بشرعية النظام السياسي القائم الذي يُعتبر مغتصِبًا لحقّ الإمام المعصوم الغائب، ومنها ما يرى أن على الشيعة التخلّي عن سكونهم وصبرهم التاريخي، للخروج على الحاكم، والثورة على الظلم، بغية تعجيل عودة الإمام.
وعشية الثورة الإيرانية، كان شاه إيران، محمد رضا بهلوي، يحاول رسم مستقبلٍ للمجتمع الإيراني، لا يمرّ عبر ثقافته وهُويته الإسلامية، بل عبر إعادة إحياء تراث إيران السابق على الفتح الإسلامي (أو الغزو العربي)، والتأكيد المتواصل على عراقة الحضارة الفارسية القديمة، وإسهامها في الحضارة العالمية، وكذلك عبر الارتباط بثقافة الغرب وقيمه الحداثية، والدعوة إلى الفصل بين السياسة والدين، والتقليل من دور رجال الدين في الميدان السياسي والاجتماعي.
وقد أدّت هذه التوجهّات السياسية والثقافية والاجتماعية لنظام الشاه، إلى صعود حركات احتجاجٍ ومعارضةٍ ضد مظاهر التبعية والتغريب في المجتمع الإيراني، وعلى رأسها الأحزاب اليسارية المعادية للرأسمالية (حزب تودة الشيوعي الذي وجّه إليه النظام عدة ضربات موجعة، منظمة مجاهدي خلق المسلّحة الماركسية، وحركة تحرير إيران الإسلامية المعتدلة بزعامة مهدي بازركان، وتيار الحسن بني صدر الليبرالي، وجماعة فدائيان إسلام التي أسّسها نوّاب صفوي..) والقوى الإسلامية التي كانت الحضن الذي لجأ إليه المتدينون الرافضون لسياسات الشاه التغريبية وتحالفاته الخارجية مع كل من الولايات المتحدة الأميركية وإسرائيل. ومن التحالف (المصلحي والمؤقّت) الذي نشأ بين هذه القوى التي لها تاريخ طويل من النضال والمعارضة، والتي كان للتيار الديني بزعامة الإمام الخميني المنفي إلى فرنسا، الوزن الأكبر فيه، انطلقت شرارة الثورة على نظام الشاه.
كان الإمام الخميني في مرحلة الستينات من القرن العشرين، مجرد «معارضٍ» لنظام الشاه، طالب بتقييد صلاحياته الملكية المطلقة بضوابط الدستور، ولكنه تحوّل في السبعينات إلى «ثائرٍ» طرح فكرة الإطاحة بالشاه وإقامة نظامٍ بديل يتولّى فيه الفقهاء مسؤولية الحكم بشكلٍ مباشر. ذلك أنه في ظلّ غيبة إمام العصر والزمان التي طالت، ولا أحد يعرف متى تنتهي، لا يجوز تعطيل أحكام الشريعة، ومن ثمّ يجب على الفقهاء والعلماء الذين هم ورثة الأنبياء، أن ينهضوا لمهمة قيادة الأمة. وقد أعلن الخميني في أواخر السبعينات أن ممارسة «التقية» حرامٌ، وأنه حان الوقت كي تتحول «المعارضة» إلى «ثورة».
وفي كتابه «الحكومة الإسلامية»، وانطلاقًا من فكرة «الولاية الاعتبارية» التي تشمل كل الاختصاصات التي شملتها «الولاية التكوينية» أو «الولاية التأسيسية» التي كلّفها الله سبحانه وتعالى للنبي المعصوم وآل بيته الأطهار، راح الخميني يعمل على تأسيس سلطةٍ للفقهاء على جمهور المسلمين، تتجاوز ولايتهم التقليدية على أمور الحسبة والقضاء، وولايتهم على القُصّر والأيتام والأرامل، ووظيفتهم في تبيان أحكام الشريعة فيما يستفتيهم فيه جمهورُ المقلّدين.
وهكذا تحولت نظرية «ولاية الفقيه» التي طوّرها الإمام الخميني، بعد نجاح الثورة، من مسألةٍ تتعلق بقيادة جمهور المؤمنين خلال سنوات الغيبة، دون تخصيص أي دورٍ سياسي يتولاه الفقهاء بالنيابة أو بالوكالة عن الإمام الغائب، إلى مسألةٍ تتعلق بالقيادة السياسية لمجتمع سياسي منظّم، وتنصّ على مركزية الولي الفقيه في نظام الحكم الإيراني، وعلى تفرّده بالمرجعية الدينية لكل شيعة العالم، بغضّ النظر عن الحدود الجغرافية والفروقات الإثنية.
يقول الخميني إنه بحث ولاية الفقيه، وتبيّن له أنّ «ما ثبت للرسول والأئمة، فهو ثابتٌ للفقيه، ولا شكّ يعتري هذا الموضوع»(1)، ولذلك «إذا نهض بأمر تشكيل الحكومة فقيهٌ عالم عادل، فإنه يلي من أمور المجتمع، ما كان يليه النبي منهم، ووجب على الناس أن يسمعوا له ويطيعوا»(2).
بعد نجاح الثورة، وسقوط حكم الشاه بشكل سريع ومفاجئ، وفي الوقت الذي عجزت فيه بعضُ القوى الليبرالية والقومية والماركسية، عن ترجمة أفكارها ورؤيتها فيما يخصّ شكل النظام الجديد وهُويته، وفيما يخصّ صياغة الحريات السياسية العامة، داخل الدستور والمؤسسات الفاعلة في النظام، فقد نجحت المؤسسة الدينية في بلورة رؤيتها وتكريس مشروعها، عن طريق تغلغلها في كل مؤسسات الدولة، ابتداء من الدستور، مرورًا بالجيش والاقتصاد والقضاء والتعليم والإعلام والسياسة الداخلية والخارجية..
فقد كان الإمام الخميني واعيًا منذ اللحظة الأولى للثورة، بأهمية البُعد المؤسّسي والدستوري في استمرار الثورة على الصورة التي كان قد رسمها وقررها، ولذلك فقد سعى بعد هدم النظام القديم، إلى تقنين وتكريس منصب القائد أو الولي الفقيه أو نائب المهدي أو المرشد الأعلى، في الدستور، وفي قمة الهرم السياسي للنظام، وكذلك قام بخلق واستحداث مؤسساتٍ موازيةٍ للمؤسسات القديمة في النظام، الغرض منها إضعاف النظام الملكي المتهاوي، وتقوية النظام السياسي الناهض، والتقليل من فرص الهجوم عليه، وضمان ولاء قطاعاتٍ واسعة من شرائح الشعب، عن طريق ربط مصالحها بالنظام الجديد، بشكل يقطع الطريق على أي تيار سياسي، لأن يفكر أو يسعى مستقبلاً، للانقلاب عليه.
وقد كانت صياغةُ دستورٍ جديد للبلاد، هي الملجأ الذي أمكن للخميني من خلاله، شخصنة السلطة والقبض على كل مفاصلها، وضبط كل من الحكومة والمجتمع بضوابط الآيديولوجيا الجديدة، وتأصيل الحكومة الإسلامية، وفرض هُوية إسلامية ومذهبية جديدة، رأى الثوارُ أن النظام السابق (الطاغوت) قد حاربها وطمسها وغيّبها. ولذلك، فإن أول خطوة قامت بها الحكومة الانتقالية بزعامة «مهدي بازركان» في أغسطس (آب) 1979، هي الدعوة إلى انتخاب مجلس الأوصياء (مجلس الخبراء) من أجل صيانة دستورٍ جديد.
بعد تكوين «مجلس الخبراء» من كل القوى الوطنية الإيرانية، وجّه الإمامُ خطابًا إليه، كلّفه فيه بالعمل على صياغة دستورٍ يتوافق مائة في المائة مع الإسلام، وأن يتمّ تقنين مبدأ «ولاية الفقيه العامة»، وتوسيع دور العلماء والفقهاء في الحكم وممارسة الشؤون السياسية. وهذا ما سوف يخلق أكثر من أزمة سياسيةٍ وصراعٍ داخلي بين مكوّنات النظام، حول طبيعة العلاقة بين الفقيه والسلطة، والفقيه والجماهير.
طُرح هذا الدستور على الاستفتاء العام، فحصل على موافقة الأغلبية الساحقة من الجماهير الإيرانية (98.2). ولكن التطورات التي حدثت لاحقًا في إيران (الحرب الإيرانية - العراقية، تصفية معظم قوى المعارضة الداخلية التي شاركت في الثورة، عزل آية الله منتظري من منصب نائب الإمام الخميني..) أوجدت الحاجة إلى مراجعة الدستور بغية تعديله. وقد تمّ تغيير خمسين مادة من مواد دستور 1979، وارتفع عدد مواده من (157) مادة إلى (177) مادة، وازدادت عددُ فصوله من (12) فصلاً إلى (14) فصلاً. وكان الخميني نفسه وراء عملية التعديل، ولكن التصويت على الدستور، حصل بعد وفاته، ونال موافقة (97.3) في المائة من أصوات الإيرانيين في عام 1989.
وأبرز الملاحظات حول هذا الدستور، هي أنه تضمّن بعض التشريعات والمبادئ والثوابت التي تُعتبر مفتاحية ونهائية وجوهرية للنظام، يحظر المشرّعُ تغييرها أو مسّها، وهي المتعلقة بأعمدة النظام الإسلامي الأساسية، مثل: منصب الإمام، وصلاحيات القائد، وإسلاميّة النظام، ومذهبيته(3).
أ - دولةُ الولي الفقيه المستقلّة
«وإنّ من ضروريات مذهبنا، أنّ لأئمتنا مقامًا لا يبلغه ملكٌ مقرّبٌ، ولا نبي مرسل»(3).
لقد سعى النظام الجديد إلى تحويل شرعية الثورة وشرعية الكاريزما القيادية التي كان يتمتع بها الإمام الخميني، إلى شرعية مقنّنة في الدستور أولاً، وفي المؤسسات التابعة له ثانيًا. ولذلك تمّ التأكيد في عددٍ من مواد الدستور على الدور القيادي والمؤثّر للخميني في الثورة الإسلامية، واحتلّ هذا القائد التاريخي، موقعًا يتجاوز من حيث الأهمية وسعة الصلاحيات والسلطات، باقي مراكز صنع القرار في البلاد، ولا سيما بعد أن صار منصب المرشد الأعلى للثورة مقنّنًا في الدستور الإيراني الذي وضعه فوق السلطات الثلاث المعترف بها في داخل أي نظام (التنفيذية والتشريعية والقضائية) وجعله غير خاضعٍ للمحاسبة والمساءلة المباشرتين من أفراد الشعب، ولا من ممثّليه في البرلمان، بل من خلال «مجلس خبراء القيادة». ومن المسائل التي قوّت هذا المنصب داخل النظام، هي ارتباطه المباشر وتحكّمه بالكثير من المؤسسات الاقتصادية والسياسة والقضائية والأمنية التي لا تخضع للمجلس النيابي الشرعي المنتخب من الشعب.
وقد تعددت المواد الدستورية التي تناولت مسألة القيادة والصلاحيات والشروط اللازم توفّرها في «القائد» الذي وصفته المادة (107) من الدستور، بأنه «المرجع المعظّم والقائد الكبير للثورة الإسلامية العالمية ومؤسّس جمهورية إيران الإسلامية، سماحة آية الله العظمى الإمام الخميني (قُدس سرّه الشريف) الذي اعترفت الأكثرية الساحقة من الناس، بمرجعيته وقيادته».
ونشير بدايةً إلى المادة (110) التي عدّدت معظم مهام القائد ووظائفه وصلاحياته، باعتباره رأس الدولة، وهي إحدى عشرة وظيفة وصلاحية، ومن ضمنها: تعيينُ السياسات العامة لنظام الجمهورية، والقيادة العامة للقوات المسلّحة، ونصبُ وعزل فقهاء مجلس صيانة الدستور ورئيس الجمهورية وأعلى مسؤول في السلطة القضائية ورئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون والقائد العام لقوات حرس الثورة الإسلامية والقيادات العليا للقوات المسلّحة وقوى الأمن الداخلي، وإعلان الحرب والسلام والنفير العام، وإمضاء حُكم تنصيب رئيس الجمهورية بعد انتخابه، والعفو عن بعض العقوبات، وحلّ الخلافات التي تنشب بين السلطات الثلاث.
وقد أشار المشرّع الإيراني في مقدمة الدستور، إلى مسؤولية الدستور بإعداد الظروف المناسبة لتحقيق قيادة الفقيه جامع الشرائط، الذي يعترف به الناس قائدًا لهم، حتى لا يحدث انحراف في الوظائف الإسلامية للحكومة، لأن (مجاري الأمور بيد العلماء بالله الأمناء على حلاله وحرامه).
وتنص المادة الخامسة على أنه «في زمن غيبة الإمام (عجّل الله تعالى فرجه) تكون ولاية الأمر وإمامة الأمة في جمهورية إيران الإسلامية، بيد الفقيه العالي المتقّي، البصير بأمور العصر، الشجاع، القادر على الإدارة والتدبير». ولذلك، فإنّ «السلطات الحاكمة في جمهورية إيران الإسلامية هي: السلطة التشريعية والسلطة التنفيذية والسلطة القضائية، وتمارس صلاحياتها بإشراف ولي الأمر المطلق وإمام الأمة» (المادة 57).
أما بالنسبة «لصلاحية المرشحين لرئاسة الجمهورية، من حيث توفّر الشروط المعيّنة في الدستور فيهم، فيجب أن تنال قبل الانتخابات موافقة مجلس صيانة الدستور، وفي الدورة الأولى تنال موافقة القيادة» (المادة 110). ويُعتبر «رئيس الجمهورية أعلى سلطةٍ رسمية في البلاد، بعد مقام القيادة، وهو المسؤول عن تنفيذ الدستور، كما أنه يرأس السلطة التنفيذية، إلا في المجالات التي ترتبط مباشرةً بالقيادة» (المادة (113)، وهو «مسؤولٌ أمام الشعب والقائد ومجلس الشورى الإسلامي» (المادة 122). ويتولّى «رئيس الجمهورية والوزراء ممارسة السلطة التنفيذية، باستثناء الصلاحيات المخصصة للقائد مباشرة» (المادة 60). وفي حال «صوّتت أكثرية الثلثين من النواب على عدم كفاءة رئيس الجمهورية، فإن ذلك يُرفع إلى مقام القيادة، لإطلاعها عليه 175 (المادة 89). و«يقدّم رئيسُ الجمهورية استقالة إلى القائد، ويستمر في القيام بوظائفه، إلى أن تتمّ الموافقة على استقالته. وفي حال وفاة رئيس الجمهورية أو عزله أو استقالته.. ووفاة المعاون الأول لرئيس الجمهورية، تُعيّن القيادةُ شخصًا آخر مكانه» (المادة 130).
ويقرر الدستور تشكيل مجلسٍ باسم «مجلس صيانة الدستور» يتكّون من (12) عضوًا، «يختار القائدُ ستة أعضاء من الفقهاء العدول العارفين بمقتضيات العصر وقضايا الساعة» (المادة 91). أمّا القانون المتعلق بعدد أعضاء «مجلس الخبراء»، والشروط اللازم توفرها فيهم، وكيفية انتخابهم، والنظام الداخلي لجلساتهم، فيجب إعداده بواسطة الفقهاء الأعضاء في أول مجلسٍ لصيانة الدستور، ويصادق عليه بأكثرية أصواتهم، وفي النهاية يصادق قائدُ الثورة عليه» (المادة 108).
وكذلك يتمّ «تشكيل مجمع تشخيص مصلحة النظام بأمرٍ من القائد، لملاحظة مصلحة النظام في حال وقوع أي خلاف بين مجلس صيانة الدستور ومجلس الشورى الإسلامي، حول بعض القرارات التي قد تخالف موازين الشريعة أو الدستور، وكذلك للتشاور في الأمور التي يوكلها القائد إلى هذا المجمع. ويقوم القائد بتعيين الأعضاء الدائمين والمؤقّتين له. وكل القرارات التي يتخذها تُرفع إلى القائد، لتتمّ الموافقة عليها» (المادة 112).
ويتمّ تشكيل «مجلس الأمن القومي الأعلى» برئاسة رئيس الجمهورية. وأبرز مهامه «تعيين السياسات الدفاعية والأمنية للبلاد في إطار السياسات العامة التي يحددها القائد. وتكون قرارات هذا المجلس نافذة المفعول، بعد مصادقة القائد عليها، الذي يُعيّن مندوبين اثنين له في هذا المجلس» (المادة 176).
ويشير الدستور إلى أنه يمكن إعادة النظر في دستور جمهورية إيران الإسلامية في الحالات الضرورية على النحو التالي:
«يقوم القائد بعد التشاور مع مجمع تشخيص مصلحة النظام، باقتراح المواد التي يلزم إعادة النظر فيها أو تكميل الدستور بها، وبالدعوة إلى تشكيل مجلس إعادة النظر في الدستور. ويعيّن الولي الفقيه أو القائد عشرة أشخاص في هذا المجلس. وقرارات هذا المجلس يجب أن تطرح للاستفتاء العام بعد أن يتمّ تأييدها والمصادقة عليها من قبل القائد» (المادة 177).
وبهدف أداء مسؤوليات السلطة القضائية في جميع الأمور القضائية والإدارية والتنفيذية، «يُعيّن القائد شخصًا مجتهدًا وعادلاً ومطلّعًا على الأمور القضائية ومديرًا ومدبّرًا، لمدة خمس سنوات، باعتباره رئيسًا للسلطة القضائية، ويُعدّ أعلى مسؤول في السلطة القضائية» (المادة 157). ومن وظائف وصلاحيات رئيس السلطة القضائية الذي يعيّنه القائد: «توظيف القضاة العدول واللائقين، والبتّ في عزلهم وتنصيبهم ونقلهم وتحديد وظائفهم وترفيع درجاتهم وما شابهها من الأمور الإدارية (المادة 158). وهو يعيّن أيضًا رئيس المحكمة العليا والمدعي العام للبلاد الذين يجب أن يكونا مجتهدين وعادلين (المادة 161). وهو يشرف أيضًا على تشكيل «ديوان العدالة الإدارية» المكلّف بالتحقيق في شكاوى الناس على مؤسسات الدولة وموظفيها (المادة 173)، وعلى تشكيل «دائرة التفتيش العام» المتخصصة في الإشراف على التنفيذ الصحيح للقوانين في المؤسسات الإدارية (المادة 174). ويستطيع القائد أن يوكل شخصًا لأداء بعض وظائفه وصلاحياته في مسألة العفو أو التخفيف من عقوبات المحكوم عليهم، في إطار الموازين الإسلامية (المادة 110). وكذلك فإنّ من صلاحيات هذا القائد، «تعيين رئيس مؤسسة الإذاعة والتلفزيون في جمهورية إيران الإسلامية، وإقالته» (المادة 175).
وبالإضافة إلى كل هذه الصلاحيات الدستورية، وكي يتمكن القائد من القيام بمهامه، فإنه يقوم بتعيين «ممثّلين» له، ينتشرون في كافة مؤسسات الدولة وأجهزتها، وفي كل الوزارات والسفارات والمراكز الثقافية داخل إيران وخارجها، وفي محافظات إيران الثماني والعشرين. وهؤلاء هم «ممثّلو الإمام» المسؤولون أمامه شخصيًا، والذين يبلغ عددهم نحو ألفي ممثّل.
هذه هي صلاحيات القائد الفقيه الذي يتمتع بولايةٍ عامة وسلطةٍ مطلقة على شؤون البلاد والعباد، باعتباره ممثّل الإمام الغائب، والوصي على المقلَدين القاصرين في غيبة المهدي المنتظر، والمفّوض من السماء، والمزوّد بسلطاتٍ إلهيّة، والأمر الناهي، والمبتدأ والخبر. وتُعتبر هذه الصلاحيات المطلقة للفقيه، من المسائل الخلافية التي لا تحظى بإجماع الفقهاء الشيعة، لا قديمًا ولا حديثًا، والذين خصّوا الفقيه العادل بالولاية الخاصة وليس بالولاية العامة، وأكدوا عدم وجود دليل قطعي من آثار الأئمة المعصومين ومروياتهم على الولاية العامة، ذلك أن طاعة الفقيه المطلقة تؤدي إلى التسوية بينه وبين الإمام المعصوم نفسه، وترفع درجته إلى مقام الأئمة المعصومين، وهذا ما لا تؤيده حجة من عقل أو دين.
والواقع أن هذا التصور لمنصب القائد: صفاته ووظائفه وسلطاته وصلاحياته ومهامه وأدواره.. أتاح له بأن يقيم «دولة» داخل «الدولة»، وأن يكون فوق القانون وفوق إرادة الشعب، وجعله أقرب إلى مواصفات فراعنة مصر وملوك وأكاسرة فارس في الإمبراطوريات الشاهنشاهية، والمكرّسة في الثقافة السياسية الفارسية التي تعود إلى مئات السنين، منه إلى صورة وأدوار وصلاحيات «الحاكم» مقيّد الصلاحيات، المنصوص عليها في دساتير الدول الحديثة، والتي توصلت الشعوب والمجتمعات إلى رسمها وتكريسها، بعد تراث طويل من التفكير السياسي والتنظير الفلسفي والنضالات والثورات المجتمعية. بل إن هذه الصلاحيات تفوق بأبعادها الدينية وطابعها الفقهي والأسطوري، الصلاحيات التي كان يتمتع بها الشاه «محمد رضا بهلوي» الذي اندلعت الثورة ضده، والذي وصف الثوّار - وعلى رأسهم الخميني نفسه - نظامه بأنه نظام ملكي أبوي استبدادي متسلّط بطّاش، يتسم بتركيزٍ شديد للسلطة المطلقة بيد شخصٍ واحد هو الشاه. وإذا عرفنا أن الديمقراطية الإيرانية لا تسري مفاعيلها على منصب الولي الفقيه الذي يمتلك بمفرده كل هذه الصلاحيات، والذي يشغل منصبه طيلة حياته، يصبح من غير المفهوم لدينا، الإدانات والانتقادات المستمرة التي يكيلها أركان النظام الإيراني، لنظام الحُكم في المملكة العربية السعودية، بتهمة أنه نظام ملكي وراثي يطبّق الشريعة الإسلامية، وتتركّز كل الصلاحيات في يد الملك!!
قراءة في الدستور الإيراني الحلقة (3 - 3) : القوات المسلّحة ذراع النظام القمعية.. وضع خاص وميزانية ضخمة
قراءة  في الدستور الإيراني  الحلقة (2 - 3): سلطة مطلقة للولي الفقيه.. ومؤسسات دستورية تعمل وفق إشارته



مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
TT

مقتل جندي إسرائيلي في جنوب لبنان

جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)
جندي إسرائيلي يوجه دبابة قرب الحدود مع لبنان (رويترز)

أعلن الجيش الإسرائيلي، اليوم (الأحد)، مقتل أحد جنوده خلال اشتباكات في جنوب لبنان، حيث دخل وقف إطلاق النار المؤقت حيز التنفيذ هذا الأسبوع.

وأفاد بيان للجيش عن مقتل «ليدور بورات، البالغ 31 عاما، من أشدود، وهو جندي في الكتيبة 7106، اللواء 769، خلال اشتباكات في جنوب لبنان»، دون تقديم مزيد من التفاصيل.

وبحسب إحصاء لوكالة الصحافة الفرنسية استنادا إلى بيانات عسكرية، ارتفع إجمالي عدد قتلى الجيش الإسرائيلي في الحرب الدائرة منذ ستة أسابيع بين إسرائيل و«حزب الله» إلى 15.

وهذه هي المرة الثانية التي يعلن فيها الجيش عن مقتل أحد جنوده في جنوب لبنان منذ بدء الهدنة التي أعلنتها الولايات المتحدة لمدة عشرة أيام الجمعة، في إطار جهود أوسع لإنهاء الحرب في الشرق الأوسط بشكل دائم.

وكانت جولة القتال الأخيرة في لبنان قد بدأت في 2 مارس (آذار) عندما شن «حزب الله، المدعوم من طهران، هجمات صاروخية على إسرائيل ردا على مقتل المرشد في إيران علي خامنئي خلال الموجة الأولى من الضربات الإسرائيلية الأميركية.

وردت إسرائيل بشن ضربات قالت إنها تستهدف «حزب الله» في بيروت والمناطق الجنوبية من البلاد حيث أطلقت أيضا عملية برية.


إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
TT

إغلاق «هرمز» مجدداً يعقّد المفاوضات


مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)
مروحيتان هجوميتان أميركيتان من طراز «إيه إتش-64 أباتشي» تحلّقان فوق مضيق هرمز (سنتكوم)

أعادت إيران، السبت، إغلاق مضيق هرمز بعد ساعات من فتحه بصورة محدودة، مطالبة بإنهاء الحصار الأميركي على موانئها، في خطوة زادت المفاوضات الجارية تعقيداً، وأعادت التوتر إلى الممر البحري الحيوي.

وجاء القرار بعدما أكدت واشنطن أن إعادة فتح المضيق لا تعني رفع الحصار البحري. وقال الجيش الأميركي إن 23 سفينة امتثلت لأوامره بالعودة إلى إيران منذ بدء تنفيذ الحصار البحري. وجاءت التطورات في حين كان يسود ترقب بشأن تحديد جولة ثالثة من المحادثات، بوساطة إسلام آباد.

ومع إغلاق المضيق، أطلق قاربان لبحرية «الحرس الثوري» النار على ناقلة شمال شرقي عُمان من دون تحذير لاسلكي، في حين نقلت «رويترز» عن ثلاثة مصادر في الأمن البحري والشحن أن سفينتين تجاريتين على الأقل تعرضتا لإطلاق نار أثناء محاولة العبور. وقالت الهيئة إن الناقلة وطاقمها بخير، في حين استدعت الهند سفير طهران بعد تعرض سفينة تحمل شحنة نفط خام لهجوم.

وفي واشنطن، قال الرئيس الأميركي دونالد ترمب إن المحادثات مع إيران «تسير على نحو جيد جداً»، لكنه اتهم طهران بمحاولة إعادة إغلاق المضيق، مضيفاً: «لا يمكنهم ابتزازنا». ولوّح بعدم تمديد الهدنة التي تنتهي الأربعاء إذا لم يتم التوصل إلى اتفاق طويل الأمد، مؤكداً استمرار الحصار، في حين أفادت «وول ستريت جورنال» بأن الجيش الأميركي يستعد للصعود على متن ناقلات مرتبطة بإيران، والاستيلاء على سفن تجارية في المياه الدولية، مع استعداد الجانبين لاحتمال استئناف القتال.

وفي طهران، لوّح محمد رضا عارف، النائب الأول للرئيس الإيراني، برفض تمديد الهدنة، قائلاً: إما أن يمنحونا حقوقنا على طاولة المفاوضات أو ندخل ساحة المعركة.

وقال قائد عمليات هيئة الأركان علي عبداللهي إن «هرمز» عاد إلى «الوضع السابق» تحت رقابة مشددة، في حين أن رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف اتهم ترمب بطرح «ادعاءات كاذبة».

وأفاد مجلس الأمن القومي بأن طهران تراجع مقترحات نقلها قائد الجيش الباكستاني عاصم منير، الذي أنهى مساء الجمعة زيارة إلى طهران استغرقت ثلاثة أيام.


«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
TT

«الأمن القومي» الإيراني يدخل على خط السجال حول المفاوضات

صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان
صورة نشرتها الخارجية الإيرانية تظهر رئيس البرلمان محمد باقر قاليباف وإلى جانبه كاظم غريب آبادي نائب وزير الخارجية وخلفهما يقف المتحدث إسماعيل بقائي والنائب أبو الفضل عمويي عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان

دخل مجلس الأمن القومي الإيراني على خط السجال الداخلي المتصاعد بشأن إدارة المفاوضات مع الولايات المتحدة، بعد موجة انتقادات طالت وزير الخارجية عباس عراقجي واتهامات للجهات الرسمية بالغموض وسوء إدارة المعلومات، خصوصاً بعد إعلانه فتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة.

وجاء تدخل المجلس في محاولة لتوضيح مسار محادثات إسلام آباد، وشروط الهدنة المؤقتة، وآلية فتح المضيق، في وقت كانت فيه منابر مقربة من «الحرس الثوري» تصعّد هجومها على وزارة الخارجية، وتطالب بتفسير ما جرى للرأي العام، بينما توزعت المواقف داخل مؤسسات الحكم بين الدعوة إلى الانضباط الإعلامي، والمطالبة بتشدد أكبر، والتشكيك في جدوى التفاوض نفسه.

وفي بيان مطول، قالت الأمانة العامة لمجلس الأمن القومي إن الرسائل والطلبات الأميركية لوقف إطلاق النار وبدء التفاوض بدأت منذ اليوم العاشر للحرب، بعد ما وصفته بـ«فشل الأعداء المعتدين» في الميدان العسكري.

وأضافت الأمانة العامة التي يترأسها القيادي في «الحرس الثوري»، محمد باقر ذو القدر، أن الجمهورية الإسلامية قبلت إجراء مفاوضات إسلام آباد في اليوم الأربعين للحرب، بعد إعلان رسمي من الرئيس الأميركي قبول الخطة الإيرانية المكونة من عشرة بنود إطاراً لمفاوضات إنهاء الحرب.

وأوضح البيان أن المحادثات استمرت 21 ساعة متواصلة، وأن الوفد الإيراني طرح مطالب الشعب الإيراني «بجدية وبروح مبادرة» رغم انعدام الثقة العميق بواشنطن، لكن الطرف المقابل عاد، بحسب البيان، وطرح مطالب جديدة ومبالغاً فيها خلال التفاوض، ما أدى إلى انتهاء الجولة من دون نتيجة محددة وتأجيل استئنافها إلى وقت لاحق.

وأوضح البيان أيضاً أن مقترحات أميركية جديدة طُرحت في الأيام الأخيرة عبر الوسيط الباكستاني، وأنها قيد المراجعة حالياً من دون أن تقدم رداً بعد. وشدد على أن الوفد الإيراني «لن يقدم أي تنازل أو تراجع» فيما وصفته بـ«المعركة السياسية» لتثبيت ما تحقق ميدانياً.

عاصم منير يتحدث إلى قاليباف على هامش لقائهما في مقر الوزارة الخارجية بطهران اليوم (البرلمان الإيراني)

كما أكد أن من الشروط الأساسية لقبول وقف إطلاق النار المؤقت وقف العمليات في جميع الجبهات، بما فيها لبنان. وقال إن إصرار طهران أفضى إلى وقف إطلاق نار في لبنان، على أن يُفتح مضيق هرمز بصورة مؤقتة ومشروطة حتى نهاية فترة الهدنة لعبور السفن التجارية فقط، وليس السفن الحربية أو غير العسكرية التابعة لـ«دول معادية»، وذلك تحت إشراف القوات المسلحة الإيرانية وبموجب مسارات محددة.

وأضاف أن اعتماد «القواعد الأميركية» في الخليج على الإمدادات عبر مضيق هرمز يمثل تهديداً للأمن القومي الإيراني، وأن طهران ستواصل فرض الرقابة والسيطرة على الملاحة حتى انتهاء الحرب بالكامل وتحقيق سلام مستدام في المنطقة. وأوضح أن تنظيم حركة العبور يتم عبر الحصول على معلومات كاملة عن السفن، وإصدار تصاريح وفق القواعد الإيرانية المعلنة، وفرض رسوم تتعلق بالأمن والسلامة وحماية البيئة. كما شدد على أن استمرار ما وصفه بمحاولات «العدو» لعرقلة الملاحة أو فرض حصار بحري سيُعد خرقاً لوقف إطلاق النار، وسيؤدي إلى منع أي فتح مشروط أو محدود للمضيق.

وينتهي بيان المجلس بدعوة تحض الإيرانيين على الحفاظ على اليقظة والتماسك الوطني، مع التأكيد على ضرورة نجاح المسار الدبلوماسي إلى جانب تثبيت نتائج الميدان.

وجاء هذا التوضيح بعدما صعّدت وكالتا «فارس» و«تسنيم»، التابعتان لـ«الحرس الثوري»، لهجتهما تجاه طريقة إدارة الملف. ودعت «فارس» المسؤولين إلى تفسير «الصمت» حيال التطورات الأخيرة، واعتبرت أن المجتمع الإيراني دخل في «هالة من الارتباك»، متسائلة: إذا كانت مصلحة البلاد تقتضي عدم نشر تفاصيل المفاوضات أو التطورات الأخيرة، فلماذا لا يُشرح للشعب سبب هذا النهج وضرورة تجنب الشفافية؟

أما «تسنيم» فذهبت أبعد في انتقادها، ووصفت تغريدة عراقجي بشأن المضيق بأنها «سيئة وناقصة» وتمثل «سوء تقدير كاملاً في إيصال المعلومات»، معتبرة أنها نُشرت من دون شروح كافية، وأثارت غموضاً واسعاً بشأن شروط العبور وآلياته وأدت إلى موجة انتقادات كان يمكن تفاديها.

وطالبت «تسنيم» وزارة الخارجية بإعادة النظر في طريقة إدارتها لهذا الملف، بل دعت إلى تدخل مجلس الأمن القومي لوضع آلية أكثر تماسكاً لضبط الرسائل الصادرة عن المؤسسات الرسمية، بما فيها الخارجية.

وقالت الوكالة إن ما ينشره المسؤولون على منصة «إكس»، حتى إن كان موجهاً إلى الخارج أو مكتوباً بالإنجليزية، ينعكس أيضاً على الداخل الإيراني، وإن أي رسالة تثير القلق أو الإحباط تُعد إخلالاً بالتماسك الداخلي.

وفي الساعات الأولى من نشر تغريدة عراقجي، سارعت «فارس» و«تسنيم» إلى نشر معلومات على لسان مصدر مطلع قريب من الأمن القومي بشأن تفاصيل الشروط المرتبطة بإعادة الفتح المؤقت للمضيق، مؤكدتين أن استمرار الحصار البحري سيُعد انتهاكاً لوقف إطلاق النار، وأن العبور يقتصر على السفن التجارية غير المرتبطة بدول معادية، وفق مسارات محددة وتنسيق مع القوات الإيرانية.

وسرعان ما امتدت ردود الفعل إلى شخصيات إعلامية وسياسية مقربة من «الحرس الثوري». فكتب نظام موسوي، المدير المسؤول السابق لصحيفة «جوان»، أن ثقة الناس بالمسؤولين المفاوضين «لا تعني تجاهل الرأي العام»، موجهاً رسالة مباشرة إلى المسؤولين: «قولوا شيئاً».

وذهب نشطاء آخرون، من بينهم علي قلهكي، إلى انتقاد ما وصفوه بـ«الوضع الإعلامي المتردي»، خصوصاً بعد تعارض مضمون تغريدة عراقجي مع توضيحات لاحقة صدرت عن مصدر عسكري عبر التلفزيون الإيراني.

وفي الاتجاه نفسه، دعا حسن عباسي، المنظّر الاستراتيجي المقرب من «الحرس الثوري»، أمين المجلس الأعلى للأمن القومي، علي أكبر ذو القدر، إلى تعيين متحدث «قدير ومتاح دائماً» للمجلس، مطالباً بإنهاء ما وصفه بـ«فتنة الإشاعات والغموض والحيرة» في أذهان الرأي العام.

وامتد السجال أيضاً إلى شخصيات برلمانية ومحلية. فقال النائب مرتضى محمودي إنه «لولا ظروف الحرب» لكان قد جرى استجواب عراقجي بسبب تغريدته، متهماً وزير الخارجية بأنه لعب مراراً دوراً مهدئاً لأسواق النفط والطاقة العالمية بتصريحات «غريبة وغير مناسبة» في لحظات حساسة.

وزير الخارجية عباس عراقجي خلال لقاء قاليباف ومنير في طهران اليوم (البرلمان الإيراني)

وقال عمدة طهران، المحافظ المتشدد علي رضا زاكاني، إن طاولة المفاوضات كان يفترض أن تكون امتداداً ومكملاً للميدان، وإن أي قرار أساسي يجب أن يظل منسجماً مع توجيهات المرشد الإيراني وبموافقته. كما اعتبر أن أي صحة في الرواية الأميركية بشأن استمرار الحصار تعني أن وقف إطلاق النار نُقض وأن إيران لا تزال «في وسط الحرب».

وفي المعسكر الأكثر تشدداً، صعّد عضو لجنة الأمن القومي والسياسة الخارجية في البرلمان، محمود نبويان، هجومه على مسار التفاوض، وقال إن المفاوضات مع الولايات المتحدة «لن تصل إلى نتيجة»، وإن إيران ستواصل الحرب حتى «الهزيمة الكاملة لترمب ونتنياهو». وأضاف أن مسؤولية السيطرة على مضيق هرمز تعود حصراً إلى بحرية «الحرس الثوري»، ولا يحق لأي جهة أخرى التدخل.

وكشف نبويان عن قرار داخل لجنة الأمن القومي يقضي بمنع عبور السفن العسكرية الأميركية من المضيق، ومنع سفن الدول التي «تمنح قواعد للعدو» من المرور أيضاً.

كما قال وزير الاقتصاد السابق، إحسان خاندوزي، إن المرور عبر مضيق هرمز يجب أن يكون فقط للدول غير المتخاصمة وبشرط تحصيل رسوم، محذراً من أن تُسوّق الولايات المتحدة رفع الحصار البحري كأنه امتياز لإيران، ومشدداً على أن باب الحوار يجب أن يُغلق ما دام الحصار قائماً.

في المقابل، صدرت دعوات إلى قدر من الانضباط الإعلامي من داخل الجهاز التنفيذي. فقد قال علي أحمدنيا، رئيس دائرة الإعلام الحكومي، إن ما وصفه بـ«العمليات النفسية وصناعة الإنجازات عبر التغريدات» يتطلب الحذر، مؤكداً ضرورة الحفاظ على الوحدة وعدم خدمة «مخطط العدو» من دون قصد.

وأضاف أن فريق الدبلوماسية يعمل في إطار استراتيجية «العزة والمصلحة والحكمة» للدفاع عن حقوق إيران في الإعلام وعلى طاولة المفاوضات. وقال وزير الثقافة السابق، محمد مهدي إسماعيلي، إن الاستراتيجية الأميركية في المفاوضات تقوم على «أخذ كل شيء من دون تقديم أي مقابل».

فيما دخلت مؤسسات أخرى على الخط، من بينها السلطة القضائية التي طالب رئيسها، غلام حسين محسني إجئي، بملاحقة الولايات المتحدة وإسرائيل قضائياً ودفعهما تعويضات عن الحرب.

تأتي هذه الخلافات في وقت تشير فيه تقديرات استخباراتية أميركية وغربية إلى أن الحرب الأميركية - الإسرائيلية أضعفت آلية صنع القرار داخل إيران، بعد مقتل عدد من كبار القادة وتضرر منظومة القيادة والسيطرة.

ووفق هذه التقديرات، باتت قنوات التواصل بين مراكز القرار أكثر تعقيداً، فيما يواجه المسؤولون صعوبات في التنسيق وعقد الاجتماعات، وسط مخاوف من الاستهداف.

كما تعزز نفوذ التيار المتشدد داخل «الحرس الثوري» على حساب مؤسسات أخرى، في ظل غموض يحيط بحدود سلطة المرشد الجديد مجتبى خامنئي، الذي لم يظهر علناً منذ توليه المنصب، فيما تعتقد أجهزة استخبارات أميركية وإسرائيلية أنه أصيب خلال الحرب.

ويرى مسؤولون أن هذا المشهد انعكس على أداء المفاوضين، الذين يعملون في بيئة تتسم بتعدد مراكز القرار وتباين الرسائل، ما يزيد صعوبة بلورة موقف تفاوضي موحد أو تقديم تنازلات واضحة.