شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

من غرداية وجربة.. إلى جبل نفوسة

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب
TT

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

شمال أفريقيا.. محاولات إيرانية للتفريق بين الأمازيغ والعرب

ظلت العلاقة بين العرب والأمازيغ في دول شمال أفريقيا تسير على ما يرام، مئات السنين. وبتفجر ما يعرف بثورات الربيع العربي وضعف السلطات المركزية في بلدان مثل ليبيا وتونس، أخذت المناوشات بين الجانبين تطفو على السطح، خاصة في ما يتعلق بإعادة صياغة الأسس التي ينبغي أن تدار عليها كل دولة في المرحلة الجديدة. وزاد من المصاعب مشكلات اقتصادية جمة. وتتهم أطراف عربية جماعات من الأمازيغ بالنزعة الانفصالية والانغلاق على الذات بعيدًا عن الدولة القومية، لكنَّ قادة للأمازيغ يقولون إن العرب، أو بالأصح «العروبيين»، يرفضون الاعتراف بالمكونات الوطنية غير العربية. وعلى خلاف الوضع في بلدان مثل العراق وسوريا، لم تعرف غالبية الدول العربية في شمال أفريقيا «الصراع الطائفي». واتخذت معظم الحركات طابعًا قبليًا أو سياسيًا أو ثقافيًا. لكن ظهرت موجات من العنف والتحفز بين الأمازيغ والعرب في العامين الأخيرين، بالتزامن مع تسريبات استخباراتية عن نشاط إيراني وحركات تبشيرية شيعية في شمال القارة السمراء، بعد عقود من العمل الإيراني في دول وسط القارة.

تكرّرت خلال الصيف الماضي أحداث عنف دامية في منطقة المزاب الجزائرية - التي تضم مدينة غرداية وبضع بلدات محيطة بها - (600 كيلومتر جنوب الجزائر العاصمة) بين الأمازيغ الذين يتبعون المذهب الإباضي، والعرب من السُنُّة المالكيين. وأدى ذلك إلى مقتل 22 شخصا وجرح نحو 700 آخرين. وتجدر الإشارة إلى أن السكان الأمازيغ في غرداية (وبلدات المزاب) في الجزائر الجزائرية وجزيرة جربة في تونس وجبل نفوسة في ليبيا، يتبعون المذهب الإباضي، الذي يختلف، إلى حد ما، عن المذهبين السني والشيعي.
وتقع الخلافات بين الطرفين العربي والأمازيغي عادة بسبب التنافس على الوظائف وملكية الأراضي والمنازل. لكنَّ مصادر أمنية تقول إن الإيرانيين حاولوا، طوال العامين الماضيين، استغلال اللغة الأمازيغية والمذهب الإباضي لتوسيع شقة الخلافات بين مكوّنات الدولة الواحدة كان آخرها في ليبيا. ووفقًا لتحقيقات تجريها الاستخبارات الليبية، يعتقد أنه في حال فشل تشكيل حكومة توافق وطني تحت رعاية الأمم المتحدة، فإن البلاد ستكون مرشحة للتقسيم إلى أربع دويلات وليس ثلاثا.
وكما سبق لـ«الشرق الأوسط» أن أشارت في تقرير لها بهذا المعنى، إلى أنه في السابق كانت الاحتمالات تقول إن ليبيا يمكن أن تتجزأ إلى ثلاث دويلات مبنية على الأقاليم القديمة، وهي إقليم برقة في الشرق وإقليم طرابلس في الغرب وإقليم فزّان في الجنوب. بيد أن التحقيقات تشير إلى أن إيران ربما كانت تعمل، على تشجيع الأمازيغ على الانفصال في دولة رابعة مستقلة، مستقبلا، في منطقة الجبل، غرب طرابلس وجنوبها، إلا أن هشام أحمادي، عضو المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا، نفى في رده على أسئلة «الشرق الأوسط» أن يكون هناك أي نشاط إيراني في جبل نفوسة، وقال إن مقاطعة الأمازيغ للبرلمان وهيئة صياغة الدستور يرجع لمعاداة من وصفهم بـ«العروبيين الليبيين» في السلطة للمكوّن الثقافي الأمازيغي.
وخلال جولة في ليبيا هذا الأسبوع، اطلعت «الشرق الأوسط» على معلومات من تحقيقات استخباراتية ومن قادة في جمعيات دعوية سنّية، تشير إلى أن إيران، تحاول التفريق بين العرب والأمازيغ ضمن خطة تهدف إلى بسط نفوذها في شمال أفريقيا. لكن أحمادي، أضاف تعليقا على التسريبات التي خرجت حول هذا الموضع: «لقد فوجئنا بمثل هذا الكلام». وتابع «لو أردنا أن نتعامل مع الأجنبي لتعاملنا مع أميركا أو روسيا، وليس إيران».
ومع ذلك يدّعي محققون ودعاة سُنَّة في شمال أفريقيا، ومنها ليبيا، أن خطر النشاط الإيراني تزايد في الفترة الأخيرة داخل الأوساط الشبابية. وتحدث مصدر أمني في طرابلس عن أن مساعي إيران تعرّضت لضربة في العاصمة الليبية منذ وقت مبكر في مرحلة ما بعد معمر القذافي، خاصة حين أطلق مفتي ليبيا، الشيخ صادق الغرياني، صيحات تحذير مما وصفه بمحاولة الإيرانيين التدخل في الشأن الليبي، من خلال محاولتها نشر التشيع في البلاد. وجرى بعد ذلك حرق مبنى السفارة الإيرانية في طرابلس وحرق منزل السفير المواجه لها.
ولاحقًا، جرى التحقيق مع خمسة شبان على الأقل من طرابلس بعدما أعلنوا موالاتهم لمذهب آيات طهران. ووقف السُنُّة، الذين يمثلون الأغلبية في عموم البلاد، ضد محاولا التشيع، وضد مساعي بعض القيادات الجديدة التي كانت تريد فتح قنوات رسمية مع إيران. وأحرق متظاهرون مكتبة لرجل ليبي يدعى المحمودي، من أصل عراقي في الضاحية الغربية من العاصمة بعدما خصصها لترويج كتب مذهبية شيعية قيل إنها تقدح في رموز السُنُّة. وذكرت المصادر الأمنية أن فشل محاولات إيران في نشر التشيع في مناطق السنّة، ربما كان سببا رئيسيا في توجهها لاستهداف شبان وقادة محليين في منطقة جبل نفوسة ذي الأغلبية التي تتبع المذهب الإباضي.
المفتي الغرياني، دعا الأسر الليبية وأبناءها للتصدي لما وصفه بـ«الألاعيب الإيرانية»، بيد أن المصادر الأمنية تقول إن أصابع إيران ظهرت بشكل فج، بعد ذلك، في أوساط أمازيغية في الغرب، وكذلك بين مهرّبي أسلحة ومتشددين في الجنوب والشرق المتاخم للحدود المصرية. وأشارت إلى أن السلطات الليبية، وهي سلطات ما زالت ضعيفة، تجري تحقيقات حول مزاعم بشأن تحويل جهات إيرانية مبالغ مالية تصل إلى أكثر من خمسين مليون دولار لأتباع من المذهب الإباضي، بغرض تأسيس مراكز ومكتبات دينية وجمعيات خيرية.
ومن جانبه تحدث القيادي الأمازيغي، أحمادي وهو من جبل نفوسة - بثقة، عن أن ليبيا «لا يوجد فيها شيعة.. لا عائلة، ولا شخص ليبي شيعي. لا يوجد أي أثر للشيعة هنا». ويعتقد أحمادي أن من يروّج لمثل هذا الحديث «دول عربية بعينها لها عداء مع الأمازيغ في شمال أفريقيا، وتدعم العروبيين في ليبيا وفي المغرب وفي الجزائر.. هذه المعلومات موجودة لدى الاستخبارات الخاصة بنا»، كما يقول.
ما يستحق الذكر أنه منذ انتهاء نظام القذافي أصبح لدى الأمازيغ في ليبيا، مثل كثير من المناطق في هذا البلد، ما يشبه الأجهزة الأمنية الخاصة، ومجالس عسكرية لكل مدينة، وكتائب كان لها تحالف مع «قوات فجر ليبيا»، وهي تعمل الآن في طرابلس لحماية المصالح الاقتصادية للأمازيغ والعائلات النازحة هربًا من الاقتتال في بعض المناطق الغربية. ووفقا لمصادر في العاصمة الليبية فقد دخل على الخط نشاط أوروبي وفرنسي على وجه الخصوص، مع أطراف في جبل نفوسة، من خلال محاولات لرأب الصدع بين قبائل عربية وأخرى أمازيغية. وعقدت لقاءات بهذا الشأن في تونس خلال العام الماضي. بيد أن أحمادي يرفض أيضًا الإشارة إلى أي وجود فرنسي، قائلا: «للعلم.. الفرنسيون أكبر أعداء للأمازيغ تاريخيًا.. بالعكس، الفرنسيون تعاملوا مع العرب ومع الماليين، وتحالفوا ضد الطوارق الذين هم أمازيغ. الصراع قائم بين الفرنسيين والأمازيغ تاريخيا. من قام بمقاومة الاستعمار الفرنسي في الجزائر هم قبائل الأمازيغ والريفيين».
في المقابل، يقول مصدر أمني إن الوساطة الأوروبية بين قبائل أمازيغية ليبية وأخرى عربية، كانت برعاية شخصيات فرنسية، وجرت وقائعها في اجتماعات عقدت في جزيرة جربة التونسية في مارس (آذار) الماضي، إلا أن المشكلة ليست في الأوروبيين الذين يسعون لتأمين أنابيب تصدير النفط عبر البحر المتوسط من الأراضي الليبية الواقعة تحت سلطة تلك القبائل، وفقا للمصدر نفسه، بل أن المشكلة - كما يقول - تكمن في «محاولات إيران التسلل إلى داخل النسيج الليبي».
يتكون جبل نفوسة الذي يقع جنوب غربي طرابلس، ويطلق عليه الليبيون أيضًا اسم «الجبل الغربي»، من سلسلة مرتفعات صخرية تبلغ أعلى قمة فيه نحو 968 مترا، وتنبسط حول الجبل وديان تكتسي باللون الأخضر في الربيع. ومن أشهر البلدات الواقعة هناك غريان ونالوت ويفرن وجادو والقلعة والرجبان، وغيرها. ويربو إجمالي عدد سكان الجبل على 300 ألف، أغلبيتهم من الأمازيغ الذين يعتنقون المذهب الإباضي. ولأمازيغ منطقة الجبل امتداد يصل حتى البحر المتوسط من خلال مدينة زوارة الساحلية، غرب طرابلس بنحو 120 كيلومترا، وشرق الحدود التونسية بنحو 60 كيلومترا.
أيضًا، للأمازيغ أماكن أخرى في الجغرافيا الليبية خاصة في مدينة غدامس الحدودية في غرب البلاد، وفي الجنوب الغربي، حيث توجد قبائل الطوارق الشهيرة التي لها فروع في دول أفريقية عدة، منها الجزائر ومالي والنيجر، إضافة إلى انتشار فروع للطوارق في الجنوب الشرقي لليبيا، أي في بلدتي جالو وأوجلة. ولقد أدت وسائل التواصل الحديثة عبر الهواتف الجوالة والإنترنت إلى ظهور الحس القومي العابر للحدود لدى الأمازيغ. وراهنًا يرفع الأمازيغ في شمال أفريقيا علمًا موحدًا، ويوضع عادة بجوار العلم الرسمي للدولة التي يوجدون فيها. ويتكون العلم الأمازيغي من ثلاثة خطوط أفقية بالألوان الأزرق والأخضر والأصفر. وفي الوسط يوجد رمز باللون الأحمر عبارة عن عمود على طرفيه طبقان، أحدهما وجهه لأعلى والثاني وجه لأسفل. وتعكس الألوان الثلاثة الأساسية جغرافيًا الدولة الأمازيغية المفترضة، حيث إن اللون الأزرق يمثل البحر الأبيض المتوسط والمحيط الأطلسي، والأخضر يرمز للطبيعة والجبال الخضراء الواقعة في الشمال، والأصفر يمثل رمال الصحراء الكبرى في الجنوب.
وإلى جانب علم الدولة الليبية، وضع متحدث باسم المجلس الأعلى لأمازيغ ليبيا علم الشعب الأمازيغي، وهو يصف يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) حوار الصخيرات الذي توصل لحكومة توافق وطني، برعاية الأمم المتحدة، بأنه «حوار إقصائي». وقال: «المجلس لا يؤيد ولا يعارض حوار الصخيرات، ولا أي حوارات أخرى موازية ما لم يشارك فيها».
واقعة حرق مكتبة المحمودي، بما فيها من كتب شيعية في طرابلس، من الصعب أن يحدث مثلها في أوساط أتباع المذهب الإباضي في شمال أفريقيا، كما يقول الباحث الليبي محمد بو إسماعيل، وذلك «لأسباب تعود بالأساس إلى عدم وجود حساسية تذكر لدى غالبيتهم تجاه المذاهب الأخرى». ويشير بو إسماعيل إلى «تحذير دعاة من ليبيا ومن المغرب وغيرهما، من خطورة العادة الإيرانية القديمة التي تتسلل بها لاستقطاب الشباب عن طريق التشيع ثم تحويلهم إلى (ميليشيات) كما حدث في لبنان واليمن». أو كما يقول الداعية المغربي الشيخ المصطفى لقصير، في أحد محاضراته: «بمجرد التشيّع تتحول إلى عسكر».
يعتنق المحمودي المذهب الشيعي وكان قد وفد إلى ليبيا، وحصل على جنسيتها بعد سنتين من إعلان القذافي عن توجّهاته الداعية لاستعادة بناء الدولة الفاطمية الشيعية في شمال أفريقيا. وبعد سقوط نظام القذافي، ظهر أن عدد من حصلوا على الجنسية الليبية، ممن يعتنقون مذاهب شيعية وغيرها، يبلغ عدة آلاف، وينتشرون في مناطق مختلفة، خاصة في غرب العاصمة. ويعتقد مسؤولون محليون أن العدد ربما كان أكبر من ذلك بكثير.
ولم يظهر أن المحمودي متعصب لتوجهاته الغريبة على المجتمع الليبي ذي الأغلبية السنّية، إلا بعد الثورة التي أطاحت بحكم القذافي. وفي 2012 سافر مع مجموعة من النشطاء الليبيين إلى إيران، وذلك بالتزامن مع انفتاح حكام ليبيا الجدد على طهران، وتنظيم «المجلس الانتقالي» في ذلك الوقت رحلة إلى المدن الإيرانية. وبعد عودته افتتح المحمودي مكتبة لبيع الكتب والصحف في غرب العاصمة، وبدأ في التواصل مع مجموعات جديدة من الشبان الليبيين.
ويضيف الباحث بو إسماعيل أنه تلاحظ أن الكثير من ذوي الأصول العراقية واللبنانية والسورية، ممن تجنّسوا بالجنسية الليبية وتزوجوا وأسسوا أُسرا في ليبيا خلال السنوات العشر الأخيرة، انخرط عدد منهم في أنشطة لترويج كتب شيعية بعد «ثورة فبراير» تحت اسم «التقريب بين المذاهب». ثم يقول إن الفوضى التي ضربت البلاد عقب مقتل القذافي، فتحت الباب على مصراعيه لمنح الجنسية الليبية لدفعات جديدة من العرب ممن ظهر في ما بعد أنهم يعتنقون مذاهب مختلفة منها الشيعي والبهائي والعلوي.
وحتى النصف الأول من عام 2014 كان يجري منح الجنسية لمثل هؤلاء مقابل 1500 دولار. وفي تجمّعات يكثر فيها ذوي الأصول العراقية، في عدة مناطق في غرب ليبيا، حيث إنهم يعملون في التعليم والهندسة والمستشفيات، ظهرت مصطلحات من قبيل «المذهب المظلوم» و«المستبصر» أي الذي دخل المذهب الشيعي. وراجت لعدة أشهر من العام قبل الماضي مناقشات خافتة في تلك التجمعات، وأغلبها في مدينتي طرابلس ومصراتة، تدعو إلى بناء مساجد شيعية والكشف عن مصير الإمام الشيعي موسى الصدر الذي اختفى أثناء زيارته لليبيا عام 1978.
وتعد ليبيا من الدول المهمة لإيران طوال عهد القذافي الذي اعترف بثورة الخميني عام 1979، ووقف مع إيران في حربها مع العراق من سنة 1980 إلى سنة 1988. وهنأ القذافي محمود أحمدي نجاد عند فوزه في انتخابات الرئاسة عام 2009، وفي 2010 زار وزير الخارجية الإيراني ليبيا من أجل بحث التعاون الاقتصادي خاصة في مجال مشاريع النفط والغاز. ولكن ظلت المشكلة الوحيدة بين البلدين تتعلق باختفاء الصدر.
بعدها، بدأ دعاة من الليبيين السُنُّة في التصدي لمحاولات تغيير الهوية المذهبية في طرابلس وعدة مدن في الشرق. وأخذ مشروع الترويج للمذهب الشيعي في التراجع، ضمن موجة عداء لإيران وقول المفتي الليبي إن أطرافا موالية لطهران تنشر المذهب الشيعي في البلاد، وتشجع على تسفير الشبان للدراسة المجانية في المدارس الدينية الإيرانية. بينما هاجم الداعية الليبي الشيخ سالم بن عمار ما وصفه بـ«المشروع الشيعي الذي يريد موطئًا لأقدامه في ليبيا». وأضاف: «هذا هو أخطر ما يواجه ليبيا بعد سنوات من الثورة على القذافي». وجرى منع الزوار العرب الذين سبق لهم زيارة إيران من دخول ليبيا، والتدقيق في خلفيات الأجانب ممن يطلبون الزواج من ليبيات.
وفي المقابل، ظهر نشاط مماثل في بلدات في الجبل الغربي، مثل دعاوى «التقريب بين المذاهب»، وكتيبات منها «إني اهتديت» للشيعي التونسي محمد السماوي. وشجع على ذلك، كما يقول مصدر أمني ليبي، زيارة لمناطق الأمازيغ كان قد قام بها مسؤول من إحدى الدول الصديقة لإيران، وتتبنى في نفس الوقت المذهب الإباضي. ويضيف أنه توجد مراكز في جزيرة جربة التونسية لنشر المذهب الشيعي يتردد عليها ليبيون وجزائريون ومغاربة.. «ومن جربة يجري أيضًا تنظيم سفريات لشبان معظمهم من الإباضيين إلى الحوزات الشيعية في لبنان للدراسة».
وتسبب النشاط الإيراني في ليبيا في تبادل الملاسنات المذهبية والعرقية بين مواقع وقنوات تلفزيونية ليبية وأخرى محسوبة على إيران. فبينما عرضت قناة «ليبيا 1» مقابلات مع شبان ليبيين يبدون الندم بعد أن تشيعوا على أيدي أسرهم ذات الأصول العراقية، ردّت قناة «أهل البيت» بإذاعة اتصالات مزعومة ممن أطلقت عليهم «ليبيون شيعة». كما حرصت «قناة العالم» الإيرانية على التركيز على مطالب الأمازيغ في شمال أفريقيا، بينما أطلق أحد المعلقين الليبيين ما سماه «صيحة للإباضية المخدوعين بشيعة طهران». وقال الباحث بو إسماعيل، إن «مثل هذا الضجيج المذهبي لم يكن معروفا في المنطقة من قبل».
وفي محاضرة له يقول الشيخ المغربي، لقصير، محذرًا من النشاط الإيراني في الدول المغاربية، إن إيران لم تعد تدرب الشيعة في داخلها، ولكن تدربهم في معسكرات سرية في بلد آخر.. وبالتالي حين يتردد الشبان على مثل هذه المعسكرات لا يمكن أن تجد في جوازات سفرهم ختم الدخول لدولة إيران.



الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
TT

الصين والحرب على إيران: دبلوماسية التوازن... في لحظة الانفجار الإقليمي

من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)
من قمة آسيان - مجلس التعاون الخليجي - الصين في العام الفائت (تشاينا دايلي)

تضع الحرب الدائرة على إيران الشرق الأوسط مجدداً في قلب التحولات الكبرى في النظام الدولي، لكنها في الوقت نفسه تضع الصين أمام اختبار دقيق لقدرتها على إدارة شبكة معقدة من العلاقات في المنطقة. فبكين، التي تحوّلت خلال العقدين الأخيرين إلى أحد أبرز الفاعلين الاقتصاديين في الشرق الأوسط، تجد نفسها اليوم أمام معادلة شديدة الحساسية: فمن جهة كيف تحافظ على شراكتها الاستراتيجية مع إيران، ومن جهة أخرى، وفي الوقت ذاته، كيف تصون علاقاتها العميقة مع دول الخليج، وتتجنب الإضرار بعلاقاتها الاقتصادية والتكنولوجية مع إسرائيل.

معادلات الشرق الأوسط ليست سهلة. فهذه المنطقة بالنسبة للصين ليست مجرد مساحة جغرافية بعيدة، بل منطقة حيوية تتقاطع فيها ثلاثة عناصر أساسية في الاستراتيجية الصينية: أمن الطاقة، واستقرار طرق التجارة، وتوسّع «مبادرة الحزام والطريق». ولذا؛ فإن أي حرب واسعة في المنطقة لا تشكّل تهديداً سياسياً فحسب، بل تمسّ مباشرة مصالح الصين الاقتصادية والاستراتيجية.

من هذا المنطلق، يمكن فهم الموقف الصيني من الحرب على إيران بوصفه محاولة واعية للحفاظ على سياسة التوازن الدقيق بين أطراف متعارضة، دون الانخراط في الصراع أو التحول إلى طرف فيه.

إيران وموقعها في الاستراتيجية الصينية

تحتل إيران موقعاً مهماً في الرؤية الجيوسياسية الصينية، ليس فقط بسبب مواردها الطاقوية الكبيرة، بل أيضاً بسبب موقعها الجغرافي الذي يربط آسيا الوسطى بالشرق الأوسط وأوروبا. وقد تعزّز هذا الموقع مع توقيع «اتفاقية التعاون الاستراتيجي الشامل» لمدة 25 سنة بين الصين وإيران في عام 2021، وهي الاتفاقية التي فتحت الباب أمام تعاون واسع في مجالات الطاقة والبنية التحتية والنقل والاستثمار.

بالنسبة لبكين، تمثل إيران عقدة مهمة في مشروع «مبادرة الحزام والطريق»؛ ذلك أنها تشكل ممراً جغرافياً رئيساً يربط الصين بالأسواق الغربية عبر آسيا الوسطى والشرق الأوسط. ثم أن إيران، بحكم استقلالية قرارها السياسي عن الغرب، تُعد شريكاً بإمكان الصين التعامل معه خارج منظومة الضغوط والعقوبات الغربية، وهو ما يفسر استمرار التعاون الاقتصادي بين البلدين رغم القيود الدولية.

لكن في الوقت ذاته، لا تنظر الصين إلى علاقتها مع إيران بوصفها تحالفاً عسكرياً أو سياسياً موجّهاً ضد طرف آخر. إذ إن بكين تدرك أن الانحياز الكامل إلى طهران سيعرّض مصالحها الواسعة في المنطقة للخطر. ولذلك؛ تحرص دائماً على إبقاء العلاقة في إطار الشراكة الاقتصادية والاستراتيجية من دون أن تتحول إلى اصطفاف جيوسياسي حاد.

وزير الخارجية السعودي الأميرفيصل بن فرحان مع نظيره الصيني وانغ يي (وزارة الخارجية الصينية)

الخليج: شريان الطاقة للصين

من جانب آخر، إذا كانت إيران شريكاً مهماً للصين، فإن دول مجلس التعاون الخليجي الخليج تمثل بالنسبة للقيادة الصينية الركيزة الأساسية لأمن الطاقة.

فالصين اليوم هي أكبر مستورد للنفط في العالم، ويأتي جزء كبير من وارداتها النفطية من دول الخليج، وعلى رأسها المملكة العربية السعودية، ودولة الإمارات العربية المتحدة، وقطر والكويت.

وهذا الاعتماد الكبير على الطاقة الخليجية جعل بكين تعمل خلال السنوات الماضية على تطوير علاقاتها الاقتصادية والسياسية مع دول المنطقة بشكل غير مسبوق. وبالفعل، شهدت العلاقات الصينية الخليجية توسعاً كبيراً في مجالات الاستثمار والطاقة المتجددة والتكنولوجيا والبنية التحتية.

ثم أن التعاون بين الصين ودول مجلس التعاون الخليجي لم يعد مقتصراً على النفط، بل امتد إلى مشاريع كبرى في مجالات المواني واللوجيستيات والاقتصاد الرقمي والذكاء الاصطناعي؛ وهو ما يعكس تحوّل العلاقة إلى شراكة استراتيجية متعددة الأبعاد.

في هذا السياق، تدرك القيادة في بكين أن أي حرب واسعة النطاق في المنطقة قد تهدّد استقرار أسواق الطاقة العالمية، وتؤدي بالتالي إلى اضطرابات في إمدادات النفط والغاز؛ وهو ما قد ينعكس سلباً على الاقتصاد الصيني. وبناءً عليه؛ ترى بكين اليوم في الاستقرار الإقليمي شرطاً أساسياً لحماية مصالحها الاقتصادية.

ولقد ظهر هذا التوجه بوضوح في الدور الذي لعبته بكين في رعاية الاتفاق التاريخي لاستئناف العلاقات بين السعودية وإيران في عام 2023، وهو اتفاق اعتبره كثيرون مؤشراً على صعود الدور الدبلوماسي الصيني في الشرق الأوسط.

العلاقة «المعقدة» مع إسرائيل

في الوقت عينه، طوّرت الصين خلال العقود الماضية علاقات اقتصادية وتكنولوجية مهمة مع إسرائيل. فقد أصبحت إسرائيل أحد الشركاء البارزين للصين في مجالات الابتكار والتكنولوجيا المتقدّمة، كما شاركت الشركات الصينية في تنفيذ مشاريع بنية تحتية مهمة داخل إسرائيل، بما في ذلك تطوير بعض المواني ومشاريع النقل.

هذه العلاقة تعكس اهتمام الصين بالاستفادة من القدرات التكنولوجية الإسرائيلية، خصوصاً في مجالات التكنولوجيا المتقدمة والذكاء الاصطناعي والأمن السيبراني.

لكن في ظل التصعيد العسكري في المنطقة، حرصت سلطات بكين على التأكيد أن الحل لا يمكن أن يكون عسكرياً. وفي هذا السياق، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي اتصالات مع الأطراف المعنية، شدّد خلالها على «ضرورة وقف العمليات العسكرية وتجنب توسيع رقعة الحرب، والعمل على إعادة فتح المسارات الدبلوماسية، بما في ذلك تواصل مع الجانب الإسرائيلي ضمن مساعي التهدئة».

غير أن هذه العلاقة شهدت خلال السنوات الأخيرة بعض التعقيدات، خصوصاً في ظل الضغوط الأميركية على إسرائيل لتقليص تعاونها التكنولوجي مع الصين. كما أن التصعيد العسكري المتكرّر في المنطقة وضع بكين أمام تحدٍ إضافي في إدارة علاقاتها مع إسرائيل دون أن تبدو منحازة في الصراعات الإقليمية.

موقف الصين من الحرب

انطلاقاً من هذه الشبكة المعقدة من العلاقات، جاء الموقف الصيني من الحرب على إيران منسجماً مع نهج بكين التقليدي في السياسة الخارجية، لكنه في ضوء التطورات الأخيرة بات أكثر حذراً وواقعية.

ذلك أن التصعيد الذي شهدته المنطقة خلال الأيام الماضية، من ضربات واسعة واستهدافات مباشرة وردود متبادلة طالت مصالح وقواعد، وضع الصين أمام مشهد يتجاوز الحسابات التقليدية. والقصد هنا أن الحرب لم تعد مجرد احتمال، بل صارت مساراً قائماً يتّسع تدريجياً.

في هذا السياق، كثّفت بكين تحركاتها الدبلوماسية بشكل لافت، فأرسلت مبعوثها الخاص إلى الشرق الأوسط، حيث أجرى لقاءات مع عدد من المسؤولين، أبرزها مع وزير الخارجية السعودي الأمير فيصل بن فرحان، في خطوة تعكس إدراك الصين لأهمية التنسيق مع القوى المحوَرية في استقرار المنطقة. وبالتوازي، أجرى وزير الخارجية الصيني وانغ يي سلسلة اتصالات مع أطراف إقليمية ودولية، شملت أيضاً تواصلاً مع الجانب الإسرائيلي، ركّز خلالها على ضرورة الوقف الفوري لإطلاق النار، ورفض توسيع دائرة الحرب، والدفع نحو إعادة فتح المسارات السياسية.

أيضاً شددت القيادة الصينية على أهمية «احترام سيادة الدول ووحدة أراضيها»، ورفضت أي سياسات تقوم على تغيير الأنظمة بالقوة أو فرض الوقائع العسكرية خارج إطار الشرعية الدولية.

غير أن ما يلفت في الموقف الصيني هو إدراكه أن هذه الحرب، إذا ما استمرت، لن تبقى محصورة في حدود إيران، بل ستصبح مرشحة لإعادة رسم توازنات المنطقة بأكملها، بما في ذلك الخليج وشرق المتوسط. وهذا الأمر، بالذات، يفسّر الحذر الشديد في الخطاب السياسي الصيني إزاء الحرب الراهنة، فهو من جهة يتجنب الانحياز العلني، لكنه من جهة ثانية - وفي الوقت ذاته - يرفض منطق الحسم العسكري.

بكين ترى أن هذه الحرب - إذا استمرت - لن تبقى محصورة في حدود إيران... بل ربما تؤدي لرسم توازنات المنطقة بأكملها

قراءات الصين بين الاستفادة والحذر

وسط هذا المشهد، يُطرح سؤال يتكرر في الأوساط السياسية: هل تُعدّ الصين الرابح من تعثر الولايات المتحدة في إدارة الحرب؟

الواقع أن الإجابة ليست بهذه البساطة.

إذ بكين تراقب، من دون أدنى شك، كيف تواجه واشنطن صعوبات في تحقيق حسم سريع، وما قد يرافق ذلك من «تآكل في صورة» القوة القادرة على فرض نتائجها. وبالطبع، هذا ربما يمنح الصين هامشاً سياسياً أوسع لتعزيز خطابها حول عالم متعدد الأقطاب، وإعادة طرح تساؤلات حول فاعلية السياسات القائمة على القوة العسكرية.

ولكن في المقابل، لا تنظر الصين إلى هذا التعثر بوصفه «نصراً» لها بقدر ما تراه مؤشراً على بيئة دولية أكثر اضطراباً وخطورة. ذلك أن «الحروب المفتوحة» في منطقة الشرق الأوسط لا تخدم المصالح الصينية، بل، بالعكس، تهدد مباشرة أمن الطاقة واستقرار طرق التجارة وسلاسل الإمداد التي يقوم عليها صعودها الاقتصادي.

لذلك؛ يمكن القول إن الصين ليست رابحاً مباشراً في هذه الحرب، بل فاعل حذر يستفيد من أخطاء الآخرين دون أن يتمنى استمرارها... ويدرك أن أي انفلات واسع في المنطقة قد يتجاوز الجميع ويعيد رسم قواعد اللعبة الدولية بشكل لا يمكن التحكم به.

الشرق الأوسط في الرؤية الصينية

خلال السنوات الأخيرة، بدأت الصين تنظر إلى الشرق الأوسط من منظور أوسع يتجاوز البُعد الاقتصادي وحده. فالمنطقة أصبحت ساحة مهمة في التنافس الدولي، لكنها - وفقاً للمسؤولين الصينيين - تمثّل في الوقت نفسه فرصة لبكين لتعزيز دورها كقوة دولية كبيرة تسعى إلى دعم الاستقرار والتنمية.

وفي هذا السياق، طرحت الصين مجموعة من المبادرات الدولية التي تهدف إلى إعادة صياغة آليات التعاون الدولي، من أبرزها: «مبادرة التنمية العالمية»، و«مبادرة الأمن العالمي»، و«مبادرة الحوكمة العالمية» التي تركز على إصلاح منظومة الحوكمة الدولية وتعزيز التعددية واحترام سيادة الدول.

وفق مسؤولين في بكين، تنسجم هذه المبادرات مع رؤية الرئيس الصيني شي جينبينغ، الذي يؤمن بأن العالم يحتاج إلى نظام دولي «أكثر توازناً وعدالة»، يقوم على «التعاون المتكافئ بين الدول واحترام خصوصياتها التنموية والثقافية».

«دبلوماسية التوازن»

في ضوء كل ما سبق، يمكن القول إن السياسة الصينية في الشرق الأوسط تقوم راهناً على ما يمكن تسميته «دبلوماسية التوازن». إذ إن الصين تحاول الحفاظ على علاقات جيدة مع جميع الأطراف الإقليمية، من دون الانحياز إلى محور ضد آخر. وهذه الدبلوماسية تقوم على ثلاث معادلات أساسية:

- الحفاظ على الشراكة مع إيران

- ضمان أمن الطاقة عبر الخليج

- الاستمرار في التعاون مع إسرائيل.

لكن مع اتساع رقعة التصعيد، لم يعُد هذا التوازن مجرّد خيار دبلوماسي مريح، بل تحوّل ضرورة استراتيجية معقدة، تتطلّب إدارة دقيقة لتفادي الانزلاق إلى مواقف قد تضرّ بمصالح الصين أو تقيّد حركتها في المنطقة.

وفي لحظة تتقدّم فيها لغة القوة على ما عداها، تحاول سلطات بكين أن تطرح رؤيتها كصوت مختلف، لا يملك أدوات الحسم العسكري، لكن لديه رؤية تقوم على منع الانهيار الشامل بدل من الاكتفاء بإدارة نتائجه. أخيراً، مع اتساع رقعة المواجهة في المنطقة، سيبقى اختبار بكين الحقيقي ليس فقط قدرتها على الحفاظ على توازن علاقاتها، بل في مدى نجاحها في تحويل هذا التوازن دوراً فاعلاً يمنع الانزلاق نحو حرب أكبر.

وبخاصة، أنه في شرق أوسط يشتعل على أكثر من جبهة، لم يعد التوازن خياراً دبلوماسياً فحسب، بل ضرورة استراتيجية... للصين وللعالم.

 

* رئيس معهد طريق الحرير للدراسات والأبحاث ورئيس الرابطة العربية الصينيةللحوار والتواصل


ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
TT

ماركواين مَلين... «رجل ترمب المقاتل» لوزارة الأمن الداخلي

خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين
خلفيته تجعله جذاباً داخل الحزب الجمهوري... وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين

حين اختار الرئيس الأميركي دونالد ترمب السيناتور الجمهوري ماركواين مَلين لقيادة وزارة الأمن الداخلي خلفاً لكريستي نويم، لم يكن يبحث فقط عن بديل إداري لوزيرة أُنهكت بالفضائح والاحتجاجات وسوء التواصل مع الكونغرس، بل عن شخصية تعكس، بأسلوبها وطباعها، المرحلة نفسها: صدامية، وهجومية، ومشدودة بالكامل إلى أولوية الهجرة والأمن الحدودي قبل انتخابات التجديد النصفي في نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. فمَلين لا يأتي من مدرسة الأمن القومي التقليدية، ولا من أجهزة إنفاذ القانون أو الاستخبارات، بل من عالم الأعمال العائلية والرياضة القتالية والسياسة الشعبوية. لذا يبدو ترشيحه، في جوهره، رسالة سياسية أكثر منه تعييناً تكنوقراطياً. ترمب يريد وزيراً قادراً على الدفاع عن نهجه، وامتصاص غضب الجمهوريين من فوضى نويم، ومواجهة الديمقراطيين الذين يربطون تمويل الوزارة بإصلاحات تحدّ من أساليب وكالة الهجرة والجمارك (آيس)، وهيئة الجمارك وحماية الحدود (سي بي بي). لكن هذا الاختيار نفسه يفتح أسئلة ثقيلة منها: هل تصلح شخصية قتالية لإدارة جهاز ضخم يضم أكثر من 20 وكالة ومئات آلاف الموظفين؟ وهل يستطيع مَلين أن يكون رجل ضبط مؤسسي، لا مجرد رأس حربة سياسي؟

ماركواين مَلين، المولود في مدينة تولسا، ثاني كبرى مدن ولاية أوكلاهوما، عام 1977، هو أصغر الأبناء السبعة لجيم مارتن مولين وبريندا غايل موريس مَلين، وابن بيئة ريفية محافظة في أوكلاهوما، نشأ في مزرعة العائلة ببلدة وستفيل. وبصفته عضواً في «أمة الشيروكي»، أكبر قبيلة من شعوب أميركا الأصلية (الهنود الحُمر)، يُعد أول سيناتور من السكان الأصليين منذ تقاعد السيناتور بن نايتهورس كامبل عام 2005. كما أنه ثاني مواطن من «الشيروكي» يُنتخب لعضوية مجلس الشيوخ منذ عام 1925.

خلفية ريفية

خلال الفترة من 2013 إلى 2023، شغل مَلين منصب الممثل الأميركي عن الدائرة الانتخابية الثانية لولاية أوكلاهوما. وكان قد تخرج في مدرسة ستيلويل الثانوية بمدينة ستيلويل بأوكلاهوما، والتحق بكلية ميسوري فالي، إلا أنه تركها مؤقتاً في سن العشرين بعدما مرض والده، ليتولّى مع زوجته كريستي إنقاذ شركة العائلة «مَلين لأعمال السباكة»، ثم توسيعها إلى شبكة أعمال شملت مجالات أخرى.

ولاحقاً، تابع دراسته الجامعية في تكنولوجيا البناء بمعهد التكنولوجيا الملحق بجامعة ولاية أوكلاهوما، وبنى صورته السياسية على أنه «رجل من خارج المؤسسة» يعرف الاقتصاد الحقيقي والأعمال الصغيرة أكثر مما يعرف «بيروقراطية» واشنطن.

خلفيته هذه هي التي جعلته جذاباً داخل الحزب الجمهوري، وخصوصاً في موجته الشعبوية المناهضة للنخب والمثقفين؛ فهو رجل ناجح، ريفي، متديّن، قريب من المزاج المحافظ في أوكلاهوما (أكثر ولايات أميركا محافظةً)، ويمكن تسويقه بسهولة بوصفه نموذجاً لـ«الأميركي المنتج» لا السياسي المحترف.

هذه السيرة الشخصية تحمل أيضاً عنصراً رمزياً مهماً: مَلين سيكون، إذا ثُبّت، من أبرز الشخصيات المنتمية إلى «أمة الشيروكي» في أعلى هرم السلطة الفيدرالية الأمنية.

غير أن هذا البُعد الرمزي لا يكفي وحده لرد الانتقادات؛ فخصومه لا ينازعونه في قصة الصعود الاجتماعي، بل في صلتها الفعلية بالمنصب الجديد. ومَن انتقل من السباكة والأعمال إلى مجلس النواب، ثم مجلس الشيوخ، لم يمرّ عبر مسار مهني تقليدي في الأمن الداخلي، أو إدارة الحدود، أو الاستجابة للكوارث... وهذه ملفات تمثل عصب الوزارة التي سيقودها. ولهذا فإن ما يُحسب له انتخابياً بوصفه «قريباً من الناس»، قد يُحسب عليه إدارياً بوصفه نقصاً في الخبرة النوعية.

«المقاتل الخشن»

ما ميّز مَلين في واشنطن ليس فقط خطه المحافظ، بل أسلوبه الشخصي؛ فهو مقاتل فنون قتالية مختلطة سابق، وسيرته الرسمية تذكر سجلّه الاحترافي غير المهزوم، كذلك بُني حضوره العام طويلاً على صورة الرجل القوي، السريع الغضب، المستعد للمواجهة المباشرة.

هذه الصورة بلغت ذروتها في نوفمبر (تشرين الثاني) 2023 حين تحدّى شون أوبراين، رئيس النقابة الدولية لعمال النقل (التيمسترز)، إلى عراك داخل جلسة استماع في مجلس الشيوخ، في مشهد تحوّل إلى اختصار رمزي لشخصيته السياسية: هجومية، واستعراضية، وغير معنية كثيراً بخطوط الوقار المؤسسي التقليدية.

حتى جلسة تثبيته نفسها لم تخلُ من هذا الإرث؛ إذ افتتحها رئيس لجنة الأمن الداخلي والشؤون الحكومية في مجلس الشيوخ السيناتور الجمهوري راند بول، بمواجهة شخصية قاسية، مذكّراً بخلافاتهما السابقة، وباللغة التي استخدمها مَلين بحقه، ما جعل الجلسة منذ بدايتها اختباراً للمزاج والطباع بقدر ما كانت اختباراً للسياسات.

هنا تكمن المعضلة الأساسية؛ فترمب يرى في «الصلابة» ميزة، وكثيرون من الجمهوريين يؤمنون بأن وزارة الأمن الداخلي، بعد شهور من الفوضى والارتباك، تحتاج إلى شخص «يمسكها بقبضة قوية». لكن ما يراه البيت الأبيض حزماً، يراه الديمقراطيون وبعض الجمهوريين اندفاعاً قد يزيد تأزيم وكالة تعمل أصلاً تحت ضغط سياسي ومالي وشعبي غير مسبوق.

«غموض» السيرة الأمنية

لكن أخطر ما يلاحق مَلين راهناً ليس افتقاره إلى الخبرة الإدارية فحسب، بل أيضاً الغموض الذي أحاط به شخصياً حول ما وصفه مراراً بأنه خبرات أو «مهمات خاصة» خارج وزارة الدفاع وفي الخارج؛ إذ تكلّم في مناسبات مختلفة عن وجوده في «بيئات حرب»، وعن «رائحة الحرب». وأشار بعد اقتحام «الكابيتول» يوم 6 يناير (كانون الثاني) 2021 إلى أنه «دافع عن المبنى»؛ لأنه أدرك سريعاً خطورة الموقف؛ لأنه «كان في مثل هذه الظروف في الخارج» من قبل، بيد أنه أحجم مراراً عن تقديم تفاصيل. وعندما سُئل، عاد لمكتبه هذا الأسبوع ليقول إن الأمر يتعلق بأعمال تبشيرية ودعم معنوي للجنود الأميركيين العائدين، إضافة إلى رحلات وفود برلمانية اعتيادية. هذه الفجوة بين الإيحاء الأمني والتفسير المتأخر هي ما جعل منتقديه يتكلمون عن محاولة لصناعة «رصيد بطولة ضمني» لا تدعمه سيرة معلنة أو خدمة عسكرية فعلية.

تتصل بهذه النقطة أيضاً «حكاية أفغانستان» في صيف 2021، حين حاول مَلين - وكان آنذاك نائباً في مجلس النواب - الوصول إلى المنطقة للمساعدة في إجلاء أميركيين وحلفاء بعد الانسحاب الأميركي الفوضوي.

بالنسبة لمؤيديه، كانت تلك الحلقة دليلاً على نزعة فعلية للمبادرة والمخاطرة... ولكن بالنسبة لمنتقديه جسّدت ميلاً إلى الأداء الفردي الملتبس عند تقاطع الأمن والسياسة والاستعراض.

هذا السجال مهمٌّ؛ لأن المنصب المطروح اليوم ليس منصب «رسول أزمة»، بل رئاسة مؤسسة عملاقة تحتاج إلى وضوح في التسلسل القيادي، وتحديد قانوني دقيق للمهام، وانضباط في الخطاب العام.

6 يناير... والولاء لترمب

في السياسة، يُقرأ مَلين أولاً كحليف شديد الوفاء لترمب. صحيح أنه حاول بعد هجوم «الكابيتول» أن يقدّم نفسه كأحد الذين استشعروا الخطر وساعدوا شرطة «الكابيتول». والمشكلة ليست في تلك اللحظة وحدها، ولكن عندما لم يتحوّل بعد 6 يناير إلى جمهوري ناقد لترمب، بل بقي داخل الدائرة المخلصة له سياسياً.

هذا الولاء هو بالضبط ما يطمئن البيت الأبيض اليوم، ويجعل كثيراً من الديمقراطيين مقتنعين بأن تغيير الاسم على باب الوزارة لن يعني تغييراً حقيقياً في سياساتها. فمَلين، في ملفات الهجرة خاصة، كان في حالة تطابق شبه كامل مع خط الإدارة، ودافع عن عناصر «آيس» حتى بعد حوادث القتل التي فاقمت الغضب العام.

وهنا تأتي المفارقة: الرجل يُسوَّق جمهورياً على أنه بديل عن كيرستي نويم، لكنه يُفهم ديمقراطياً على أنه استمرار أكثر انضباطاً لنهجها، لا قطيعة معه، ثم إن الديمقراطيين لا يرون أن مشكلتهم كانت مع شخصية نويم وحدها، بل مع بنية القرار نفسها داخل البيت الأبيض، حيث لا يزال ستيفن ميلر، مستشار ترمب ونائب كبير موظفي البيت الأبيض، صاحب التأثير الأكبر في ملف الأمن الداخلي والهجرة. وإذا كان الأمر كذلك، فإن مَلين قد ينجح في تحسين العلاقة مع الكونغرس، أو في إعادة شيء من الانضباط الإداري، لكنه لن يكون حراً في قلب فلسفة الوزارة، أو تخفيف القبضة على إنفاذ الهجرة.

ما الذي يرثه مَلين بعد نويم؟

خروج كيرستي نويم لم يكن مجرد تبديل روتيني؛ فبحسب «رويترز» ووسائل أميركية عدة، جاء بعد تراكم أزمات: مقتل مواطنين أميركيين في مينيابوليس خلال عمليات مرتبطة بإنفاذ الهجرة، وغضب من الوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما)، وتأخر المساعدات، ومأزق إعلان حكومي ضخم بقيمة تفوق 200 مليون دولار ارتبط باسمها، وأثار امتعاض ترمب نفسه حين قال إنه لم يوافق عليه.

كذلك اشتكى جمهوريون من ضعف التواصل بين الوزارة والكونغرس، وهذه نقطة تكرّرت بقوة خلال الأيام التي سبقت جلسة مَلين. وبهذا المعنى، أُخرجت نويم بوصفها «كبش فداء» جزئياً، لكن أيضاً بوصفها عنواناً لفشل سياسي وإداري صار مكلفاً انتخابياً.

بالتالي، ما يرثه مَلين ليس جهازاً متماسكاً، بل وزارة مأزومة: نزاع أدى إلى تعطل تمويل بعض أنشطة الوزارة، وضغط ديمقراطي لفرض قيود على سلوك عناصر الهجرة، وتراجع في الرأي العام تجاه أساليب «آيس»، واستنزاف معنوي داخل أجهزة مثل إدارة أمن النقل (تي إس إيه) و«فيما». ففي استطلاع «رويترز - إبسوس» في يناير الماضي، قال 58 في المائة إن حملة «آيس» قد «ذهبت بعيداً»، في حين هبطت شعبية ترمب بموضوع الهجرة إلى 39 في المائة، رغم بقاء الجمهوريين متقدمين نسبياً على الديمقراطيين في ثقة الناخبين بهذه القضية.

هذه الأرقام تفسر سبب حاجة ترمب إلى شخصية قادرة على الجمع بين أمرين متناقضين ظاهرياً؛ أي مواصلة التشدد، لكن من دون إعادة إنتاج الفوضى البصرية والسياسية التي التصقت بنويم.

انتخابات نوفمبر

على الأرجح، لن يُقاس نجاح مَلين خلال الأشهر القليلة المقبلة بمعيار الإصلاح المؤسسي العميق، بل بثلاثة اختبارات أكثر مباشرة:

الأول، هل يستطيع تهدئة الجبهة الجمهورية الداخلية عبر تحسين إدارة «فيما»، والرد على شكاوى أعضاء الكونغرس من انقطاع التواصل؟

الثاني، هل ينجح في تمرير تمويل الوزارة، أو على الأقل تخفيف تكلفة الاشتباك مع الديمقراطيين حوله؟

والثالث، هل سيستطيع مواصلة حملة ترمب على الهجرة بطريقة أقل فوضى وأقل تكلفة دعائية؟

لكن حدود نجاحه واضحة أيضاً؛ فالديمقراطيون سيواصلون استخدامه منصة لإبراز ما يعتبرونه «قانونية منفلتة» داخل «آيس»، وهيئة الجمارك وحماية الحدود «سي بي بي»، لا سيما بعد حوادث مينيابوليس، ثم إن افتقاره إلى الخبرة المباشرة في ملفات الأمن الداخلي يمنح خصومه مادة جاهزة للتشكيك في قدرته على إدارة وزارة بهذا التعقيد. وإضافة إلى ذلك، فإن أي محاولة منه لتقديم نفسه مصلحاً معتدلاً ستصطدم بولائه السياسي لترمب، وأي انحياز كامل إلى خط البيت الأبيض سيعني تثبيت الانطباع بأنه مجرد منفذ سياسي لسياسات صاغها آخرون.

لذا يُرجَّح أن يكون مَلين «وزير احتواء» أكثر منه «وزير إعادة تأسيس»؛ أي رجل مهمته تنظيم الفوضى لا تغيير الاتجاه، وترميم صورة التشدد لا التخلي عنه.

في المحصلة، يختصر ماركواين مَلين مفارقة «الترمبية» في ولايتها الثانية: شخصيات من خارج الاختصاص تُدفع إلى مواقع سيادية؛ لأنها تتقن لغة الصدام السياسي والولاء الشخصي أكثر مما تتقن البيروقراطية الحكومية... قوته الحقيقية لا تكمن في خبرة أمنية مثبتة، بل في قدرته على تمثيل مزاج ترمب أمام الكونغرس والشاشات والقاعدة الجمهورية.


وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
TT

وزارة الأمن الداخلي... مظلة تنسيق حماية أمن الولايات المتحدة

كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)
كيرستي نويم، الوزيرة السابقة للأمن الداخلي (أ ب)

تُعد وزارة الأمن الداخلي الأميركية من أهم وزارات الحكومة الفيدرالية؛ لأنها تُمثل المظلة التي تنسق حماية الولايات المتحدة من طيف واسع من التهديدات؛ من الإرهاب والهجمات العابرة للحدود، إلى الهجرة غير النظامية، والكوارث الطبيعية، والهجمات السيبرانية.

لقد أُنشئت الوزارة بعد هجمات 11 سبتمبر (أيلول) 2001 بهدف توحيد عمل أجهزة أمنية كانت موزّعة على عدة مؤسسات، بحيث تغدو الاستجابة أسرع، ويغدو التنسيق أقوى بين الأمن الحدودي، والاستخبارات، وإدارة الطوارئ، وحماية البنية التحتية. وحقاً تقول الوزارة إن مهمتها الأساسية هي «حماية الشعب الأميركي والوطن والقيم الأميركية»، وهذه مهمة تتجاوز المعنى التقليدي للأمن، لتشمل أيضاً ضمان استمرارية السفر والتجارة الشرعيين وحماية المؤسسات الحيوية.

تكمن أهمية الوزارة أيضاً في أنها لا تتعامل فقط مع الأخطار الخارجية، بل أيضاً مع التهديدات الداخلية التي قد تمسّ الحياة اليومية مباشرة، مثل أمن المطارات، وحماية الحدود البرية والبحرية، والاستجابة للأعاصير والفيضانات، وتأمين الانتخابات والبنية التحتية الرقمية، ومكافحة تهريب البشر والمخدرات، وحماية كبار المسؤولين. ولهذا فهي من أكثر الوزارات تشعّباً وحساسية سياسياً، إذ إنها تضم أكثر من 260 ألف موظف، وتعمل عند تقاطع الأمن، والهجرة، والحريات المدنية، وإدارة الأزمات.

أما أبرز أجهزة الوزارة ومكوّناتها الأمنية والتنفيذية فهي: هيئة الجمارك وحماية الحدود (سي ب بي) وهي المسؤولة عن المعابر والحدود، ووكالة الهجرة والجمارك (آيس) التي تتولى التحقيقات وعمليات الترحيل، وإدارة أمن النقل (تي إس إيه) المكلفة بأمن المطارات ووسائل النقل، وخفر السواحل الأميركي والخدمة السرية والوكالة الفيدرالية لإدارة الطوارئ (فيما) ووكالة الأمن السيبراني وأمن البنية التحتية، بالإضافة إلى خدمات المواطنة والهجرة، ومكتب الاستخبارات والتحليل. وبذلك تُعد الوزارة مركزاً جامعاً للأمن الحدودي، والأمن الداخلي، وإدارة الكوارث، والدفاع عن البنية التحتية الحيوية في آنٍ واحد.