كشف النقاب أخيرًا عن مزيد من المعلومات عن مصادر الدخل التي يستفيد منها تنظيم داعش المتطرف، وذلك في إطار الحرب الدولية المعلنة ضد شبكات تمويل الحركات والمنظمات الإرهابية والمتطرفة. كذلك تواصل العواصم الغربية، ومنها واشنطن، التضييق على كل المؤسسات والأفراد الذين يساهمون بتمويل هذه الحركات. ومن جهة أخرى أقيم أخيرًا في إسبانيا لقاء طاولة مستديرة في إسبانيا شاركت فيه «الشرق الأوسط»، وتمحور حول تفاقم مشكلة الاتجار غير المشروع بمنتجات التبغ، بما فيها السجائر المقلّدة وتهريب المنتجات الأصلية، ولا سيما أن المنظمات الإرهابية في طليعة المستفيدين من هذه التجارة غير المشروعة.
لم يتوقف تهريب المنظمات المتشدّدة الخطيرة حول العالم للسجائر، بغرض تمويل أنشطتها، بمقتل مختار بلمختار في يونيو (حزيران) الماضي إثر ضربة جوية أميركية في ليبيا، كما زعمت مصادر أميركية آنذاك. فالقيادي المتشدد الذي وصفته مواقع رصد المتشدّدين حول العالم بأنه «مستر مارلبورو»، اعتمد تهريب السجائر لتمويل أنشطته، واكتسب اللقب إثر تصدره قائمة المهربين في منطقة ساحل الصحراء الأفريقية.
والواقع أن هذا القطاع، يعدّ مصدر دخل إضافي بالنسبة للجماعات المسلحة المتشددة والإرهابية والانفصالية حول العالم، لتمويل أنشطتها، على ضوء العائدات المالية الكبرى التي تدخل خزينة تلك الجماعات. وأدخل «داعش» هذا القطاع إلى أجندته الاقتصادية، رغم أن التنظيم يزعم «تحريم» السجائر، ويمنع تدخينها في مناطق سيطرته، كما يقول ناشطون سوريون. لكنه، في الوقت نفسه، يعمل على تهريب السجائر المزوّرة، أو الأصناف الرخيصة منها، عبر المناطق الحدودية في مناطق سيطرته، لا سيما، في العراق وسوريا.
ويقول ناشطون في مدينة الرقّة السورية، إن التنظيم فتح ممرّات حدودية إلى تركيا، لتهريب أصناف كثيرة، بينها الأغنام والسجائر إلى جانب النفط، معتمدًا على «مجموعة من البغال التي تحمل الأصناف المهرّبة، وتسير بمفردها على الحدود». ويقول مطلعون إن تلك الحيوانات «تقود قوافل التهريب، وهي معتمدة في عدة مناطق حول العالم، وتحديدًا المناطق الجبلية والوعرة». ويشير هؤلاء إلى أن «البغل الدليل» يبلغ سعره نحو 6 آلاف يورو، و«يقود قوافل تصل إلى أربعين بغلاً بمفرده عبر الحدود».
وتغيب أي تقديرات دقيقة لحجم استفادة الجماعات المتشددة من تهريب السجائر، رغم أن حجم استهلاك الأصناف المزوّرة وغير الشرعية حول العالم، تعادل 12 في المائة من حصة السوق العالمية، كما ورد في تقرير أعدته شركة التبغ البريطانية الأميركية (بريتيش أميركان توباكو)، حمل عنوان «التجارة غير المشروعة بمنتجات التبغ: نظرة عالمية وإقليمية»، وقدمته خلال لقاء الطاولة المستديرة الذي نظم في إسبانيا وشاركت فيها «الشرق الأوسط»، وتمحور اللقاء حول تفاقم مشكلة الاتجار غير المشروع بمنتجات التبغ، بما فيها السجائر المقلّدة وتهريب المنتجات الأصلية.
تتجاوز عائدات المهربين، المليون دولار، لكل حاوية تحمل ألف صندوق من السجائر المهرّبة عبر الحدود وفقًا لبعض التقديرات. ووفق الإحصاءات، تبلغ حصة التهريب من أسواق الشرق الأوسط، نحو 30 في المائة من حصة الاستهلاك الإجمالي للسجائر، وبالتأكيد، يستفيد «داعش» من جزء منها، بالنظر إلى خطوطه المفتوحة من العراق وسوريا إلى تركيا، حيث يرتفع سعر علب السجائر، مقارنة بأسعارها في العراق وسوريا.
وبالأرقام، تحتل فلسطين النسبة الأكبر من حجم استهلاك الأصناف المهربة والمزورة بنسبة 57 في المائة، تليها سوريا بنسبة 53.4 في المائة، والعراق بنسبة 51.6 في المائة - حيث تعد بعض مدنه معقلاً لتنظيم داعش - بينما تحتل المراتب التالية اليمن بنسبة 30 في المائة، وإيران بنسبة 28.8. ولبنان بنسبة 18.6 في المائة من إجمالي استهلاك السوق للسجائر. وتشير تقديرات تحدث عنها خبراء شاركوا في لقاء الطاولة المستديرة، إلى أن التنظيم المتشدّد، يمتلك قدرة على الوصول إلى سوق السجائر المهرّبة، عبر تجّار وشبكات تهريب تنشط في منطقة الشرق الأوسط، وليس عبر مصادرها الأصلية، وبالتأكيد، ليس عبر الشركات القانونية.
ويصعب حصر عائدات «داعش» منها، نظرًا إلى أن منطقة الشرق الأوسط «تتضمن مهربين تقليديين موجودين قبل ظهور التنظيم»، كما أفاد خبراء، قائلين إن خطوط التهريب التقليدية أيضًا «ربما يستعملها التنظيم لتهريب التبغ، مستفيدًا من سيطرته على تلك المناطق».
هذا، وبينما تعتبر التجارة غير المشروعة هي الأكثر رواجا في بلدان الشرق الأوسط، باستثناء دول مجلس التعاون الخليجي، فإن المهرّبين «يستغلون الوضع السياسي القائم في بعض دول الشرق الأوسط ليس فقط لتهريب السجائر ولكن لتصنيع وإنتاج المنتجات المقلدة». وأفادت تقارير عرضها مشاركون عرب وإسبان في الطاولة المستديرة، بانتشار أكثر من مصنع في العراق يعملون على إنتاج الأصناف العالمية المزوّرة بتكلفة إنشاء عالية تصل إلى الملايين من الدولارات. وتعمل بعض المنظمات الأخرى على استغلال التسهيلات الممنوحة في المناطق الحرة لإنتاج أصناف رخيصة معدة للتصدير وتتفادى الضرائب والجمارك.
وإلى جانب مساهمة هذا القطاع في تمويل أنشطة جماعات متشددة حول العالم، فإنه يرتّب على الحكومات خسائر كبيرة من عائدات الضرائب. وتؤكد مصادر مطلعة في صناعة التبغ لـ«الشرق الأوسط»، أن أرباح المنظمات المتشددة نتيجة تهريب السجائر، ربما تقارب خسائر الحكومات من العائدات الضريبية التي تتقاضاها من الشركات القانونية، مشيرة إلى أن الكسب المادي الناتج عن تهريب التبغ «خلق نشاطات غير مشروعة بالتوازي مع التهريب».
ويوضح متابعون للشأن السوري أن تنظيم داعش «خلق سوقًا سوداء بدلاً من تهريب البترول الذي تعرض لضربات قاسية نتيجة ضربات التحالف الدولي لمحاربة الإرهاب»، لافتًا إلى تقارير تحدثت عن «نقطة تجميع له في منطقة دير الزور» وهي منطقة تتوسط سوريا والعراق اللتين تعدان أكبر سوق للتبغ المهرب في الشرق الأوسط، بعد فلسطين.
وتقدّر حاليًا قيمة خسائر حكومات الشرق الأوسط من عائدات الضرائب غير المدفوعة بنحو 940 مليون دولار أميركي بسبب زيادة حجم التجارة غير المشروعة التي تمثل 30 في المائة من إجمالي التداولات في أسواق التبغ.
ولا يقتصر تمويل الأنشطة تلك التنظيمات جراء عائدات تهريب السجائر، على تنظيم داعش في الفترة الأخيرة. فهذا القطاع، يعود إلى أكثر من عشر سنوات، بدليل تقرير نشرته صحيفة «واشنطن بوست» الأميركية، في عام 2004، تحدثت فيه عن أن المهرّبين المرتبطين بمنظمات إرهابية، مثل تنظيم «القاعدة»، يحققون أرباحًا تصل إلى ملايين الدولارات، كما قال مسؤولون في مكتب «إنفاذ القانون الاتحادي». وتحدث التقرير عن نحو 300 قضية، بينهم أشخاص مرتبطون بمنظمات إرهابية، وجرى اكتشافهم.
وفي أوروبا، جرى اكتشاف مجموعة انفصالية في إقليم آيرلندا الشمالية، كانت تعتمد على تهريب التبغ، لتمويل أنشطتها. وقال بابلو رينيبلاس، مفتش الضرائب السابق في إسبانيا، إن «المافيات الإجرامية عادة، تحاول الحصول على أموال سهلة لتمويل أعمالها الإرهابية»، موضحًا أن المافيات التي دأبت على تهريب المخدرات، «حولت أنشطتها إلى تهريب السجائر، بعد ازدياد الضرائب على الأصناف الشرعية، وذلك لأن الكسب المادي نتيجة تهريب السجائر أكبر، بينما عقوبة تهريبها أقل من عقوبة تهريب المخدرات».
وفي أفريقيا، تحدثت تقارير دولية عن أن «تنظيم القاعدة في المغرب الإسلامي» استفاد إلى حد كبير من تهريب التبغ، إلى جانب مختار بلمختار الملقب بـ«مستر مارلبورو». وقدّر مكتب الأمم المتحدة للمخدرات والجريمة في عام 2013، النسبة الإجمالية لتجارة التبغ المهرب في شمال أفريقيا، بنحو 60 مليار سيجارة، من أصل 400 مليار سيجارة يصار إلى استهلاكها في شمال أفريقيا سنويًا. وتقدر عائداتها بملايين الدولارات. هذا، ورجّح «الاتحاد الدولي للصحافيين الاستقصائيين» (ICIJ) في تقرير نشرته مجلة بريطانية في العام نفسه، أن يكون تهريب السجائر «وفّر الجزء الأكبر من تمويل تنظيم القاعدة في المغرب».
* التجربة الأوروبية: خسائر ضريبية وقطاع نشط
تشير الأرقام التي أفرزتها التجربة الأوروبية إثر ارتفاع الضرائب من غير ضبط مشدد لمعابر التهريب الحدودية، إلى انعكاسات سلبية على خزينة الدول، وقد أثبتت دراسة أعدتها شركة «كي بي إم جي» KPMG المالية المحاسبية عام 2014، أن خسائر الحكومات الأوروبية السنوية تقارب 10 مليارات يورو.
وأشارت دراسة أخرى إلى أن حصة السوق السوداء من منتجات التبغ في بريطانيا ارتفعت من 3 في المائة في عام 1996 إلى 20 في المائة في عام 2000، إثر ارتفاع الضرائب بنسبة حادة بين العامين 1995 و2000، وقدرت خسائر الحكومة بأكثر من 2.5 مليار جنيه إسترليني خلال هذه الفترة. أما في ألمانيا، فقد زادت حصة السوق السوداء 3 أضعاف بين العامين 2000 و2006، وصولاً إلى 21 في المائة من حصة السوق الإجمالية، قبل أن تتخذ الحكومة الألمانية إجراءات في العام 2007، تمثلت في زيادة تجريدية تماشيا مع معدلات التضخم، مما وفر ما يقارب 500 مليون يورو للدولة خلال 18 شهرًا.
* مليارات الدولارات عائدات التجارة غير المشروعة بالتبغ
لا تقتصر الاستفادة من تهريب التبغ، على الجماعات المتشددة حول العالم. فهذا القطاع النشط، انخرطت فيه مافيات كثيرة، وبات بديلاً عن تهريب المخدرات من مناطق أخرى، حتى إن عائدات التجارة غير المشروعة بمنتجات التبغ، تقدر بعشرات مليارات الدولارات، بحسب دراسة أصدرتها «مجموعة العمل المالي» العام الماضي. بينما ترتفع نسبة خسائر الحكومات حول العالم من العائدات الضريبية المترتبة على تهريب التبغ، أكثر من مليار دولار سنويا، وسط معلومات بأن السجائر هي من أكثر السلع المتاجر بها بصورة غير مشروعة على المستوى العالمي.
ويصل عدد السجائر غير المشروعة المدخنة سنويًا إلى ما يقارب 600 مليار سيجارة، وتعاني أوروبا من قدر كبير منها، نتيجة ارتفاع عائداتها الضريبية من استهلاك السجائر، وبالتالي ارتفاع سعر المادة الشرعية منها. وانتشرت في أوروبا مصانع، بينها مصانع في اليونان، وبعضها لا تدخل منتجاتها إلى الأسواق المحلية، كونها معدة للتصدير إلى بلدان أخرى.
