بعد مرور عام كامل على اعتدائي «شارلي إيبدو» والمتجر اليهودي في باريس، ما زالت فرنسا تعيش على وقع الإرهاب الذي ضرب مجددًا في شوارعها بعنف أكبر، ليلة 13 إلى 14 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي.
وما بين متابعة الجدل السياسي والقانوني بشأن التعديل الدستوري الذي تقترحه الحكومة، وعلى رأسه بنود نزع الجنسية عن الفرنسيين مزدوجي الجنسية الذي يرتكبون أعمالا إرهابية، وتطورات ملف التحقيقات الخاصة بالعمليات الإرهابية الأخيرة التي ما زالت بعض جوانبها غامضة، ينطلق عام 2016 والصور الدامية للعام الذي سبقه ما زالت راسخة في الأذهان.
طغى هذا الواقع حتى الآن على خطاب رئيس الجمهورية، فرنسوا هولاند، وسيعود إلى ذلك مجددا صباح اليوم بمناسبة الكلمة التي سيلقيها في باحة مديرية الشرطة في باريس، حيث من المنتظر أن يعود إلى الحديث عن العمليات الإرهابية التي كانت العاصمة باريس مسرحها الدامي. وإلى جانب توجيه الشكر إلى الأجهزة الأمنية التي يقع على عاتقها وعلى عاتق الوحدات العسكرية المكونة من 11 ألف رجل، المنوطة بها مهمة السهر على أمن المواطنين وأماكن العبادة والمواقع الحساسة، فإن الرئيس هولاند سيذكّر بالتدابير والإجراءات التي اتخذتها الحكومة على المستويات التشريعية والإجرائية والأمنية، بما في ذلك حالة الطوارئ من أجل تلافي تكرار تحول شوارع العاصمة إلى مسارح للرعب الإرهابي.
وفي الكلمة التي ألقاها مساء أول من أمس (الثلاثاء) أمام ممثلي الأديان في فرنسا، في قصر الإليزيه، وبحضور رئيس الحكومة مانويل فالس وعدد من الوزراء، عاد فرنسوا هولاند إلى التأكيد على أن فرنسا «تواجه تهديدا خطيرا اسمه الإرهاب الإسلامي». بيد أن هولاند سارع إلى التأكيد على أنه «رغم الظروف المأساوية فإنه كان من الضروري بشكل خاص تلافي أي خلط بين ديانة السلام التي يعتنقها المسلمون الفرنسيون، وبين استخدام القتلة الكريه الذين يأتمرون بأوامر داعش للإسلام»، مشيرا إلى إدانة المجلس الفرنسي للديانة الإسلامية بقوة العمليات الإرهابية، خصوصا الخطبة الموحدة التي ألقيت في المساجد يوم 20 نوفمبر، أي بعد أسبوع على العمليات الإرهابية التي أوقعت 130 قتيلا و350 جريحا. وجاء في الخطبة أن «الإسلام الحقيقي بعيد لسنوات ضوئية عن آيديولوجيا الحقد التي يعتنقها الإرهابيون المجرمون». كذلك أشار هولاند إلى تبني ممثلي المسلمين في فرنسا «بيان المواطنة»، الذي يؤكدون فيه تعلقهم وتمسكهم بالجمهورية وبقيمها.
وإزاء الواقع الفرنسي الحالي واستقواء شعور العنصرية ومعاداة الإسلام، كان من واجب الرئيس هولاند أن يضع الأمور في نصابها ويذكر بمجموعة من الحقائق. وأولى هذه الحقائق أن «الفرنسيين المسلمين، بفضل الدم الذي ذرفوه من أجل الدفاع عن وطننا وبفضل العمل الذي يقومون به لخدمته وبفضل مواهبهم، يشكلون جزءا لا يتجزأ من تاريخنا وأمتنا». واستطرد هولاند قائلا: «لن تسمح الجمهورية (الفرنسية) أبدا أن يتم استهدافهم في الحرب التي نقوم بها ضد الإرهاب». وبهذا الصدد، أشار هولاند إلى القرار الذي اتخذته الحكومة بتوفير الحماية لأماكن العبادة، بما فيها المساجد، وذلك منذ الهجوم الإرهابي الأول في شهر يناير (كانون الثاني) من العام الماضي. لكن هذه الإجراءات لم تكن كافية على ما يبدو، إذ إن الإحصائيات الرسمية وتلك التي تقدّمها الجالية المسلمة في فرنسا، تبين ارتفاعًا مقلقًا في الاعتداءات التي يتعرض لها المسلمون من كل جهة، سواء تعلقت بالمساجد، أو قاعات الصلاة، أو المتاجر، ناهيك بطفرة الشعور المعادي للمسلمين والعرب الذي قوي بعد الاعتداءات الإرهابية. ولذا، فإن الرئيس الفرنسي أشار إلى أن «الاعتداءات العنصرية وتلك المعادية للسامية لا تعني الضحايا أو أقرباءهم فقط، إنما تمس الأسرة الوطنية في كليتها».
ويعود الحديث، عند كل اعتداء ذي طابع ديني أو ألبس طابعا دينيا، في فرنسا عن العلمانية بوصفها قيمة عليا تتيح لكل فرد أن يمارس ديانته بحرية وتجعل الدولة حارسة لقواعد السلوك العامة. لكن هذا النقاش في العلمانية يستغل أحيانًا للتنديد بالديانات التي يقال عنها إنها «غير قابلة للتعايش» مع هذا المفهوم العام. ولذا، فإن هولاند حرص في كلمته على التنديد بـ«الاستغلال السيئ» للعلمانية التي يراد منها أحيانا منع بناء المساجد مثلا تحت حجج مختلفة.
في المقابل، فإن هذا الدفاع القوي عن التعايش وعن موقع الإسلام في المجتمع الفرنسي لا يمنع الرئيس هولاند من توجيه أصابع الاتهام للذين يقتلون باسم الدين، خصوصا منهم الذين ولدوا ونشأوا وترعرعوا على الأراضي الفرنسية. يقول هولاند: «هؤلاء الشبان الفرنسيون الذين يلتحقون بالمجموعات الإرهابية في العراق وسوريا، تربوا في مدارس الجمهورية، الأمر الذي يفرض علينا أن نبذل مزيدا من الجهود في عملية نقل القيم والتعليم، وأن نكون حذرين إزاء الاتجاه نحو التطرف، أكان ذلك عبر الإنترنت أو عبر الواعظين الحقودين».
10:17 دقيقه
الرئيس الفرنسي: مسلمو فرنسا جزء لا يتجزأ من تاريخنا وأمتنا
https://aawsat.com/home/article/538201/%D8%A7%D9%84%D8%B1%D8%A6%D9%8A%D8%B3-%D8%A7%D9%84%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D9%8A-%D9%85%D8%B3%D9%84%D9%85%D9%88-%D9%81%D8%B1%D9%86%D8%B3%D8%A7-%D8%AC%D8%B2%D8%A1-%D9%84%D8%A7-%D9%8A%D8%AA%D8%AC%D8%B2%D8%A3-%D9%85%D9%86-%D8%AA%D8%A7%D8%B1%D9%8A%D8%AE%D9%86%D8%A7-%D9%88%D8%A3%D9%85%D8%AA%D9%86%D8%A7
الرئيس الفرنسي: مسلمو فرنسا جزء لا يتجزأ من تاريخنا وأمتنا
فرنسوا هولاند يحذر مجددًا من الخلط بين الإسلام والإرهاب
- باريس: ميشال أبونجم
- باريس: ميشال أبونجم
الرئيس الفرنسي: مسلمو فرنسا جزء لا يتجزأ من تاريخنا وأمتنا
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
