السودان يشارك في «عاصفة الحزم»

السودان يشارك في «عاصفة الحزم»

2015 يشهد عودة الابن الضال من طهران
الثلاثاء - 25 شهر ربيع الأول 1437 هـ - 05 يناير 2016 مـ
الخرطوم: أحمد يونس
ظن كثير من المحللين أن القرارات التي اتخذتها الحكومة السودانية بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية في الخرطوم، والحسينيات التابعة في مدن البلاد كافة سبتمبر (أيلول) 2014، وطرد القائمين على أمرها، واتهامهم بنشر المذهب الشيعي في البلاد، وتهديد أمنها الثقافي، استجابة لضغوطات مجموعات سنية سودانية، ومجموعات داخل النظام.

ولم يكن أحد مهما اشتغل خيالاً، ليسوق القرار إلى تمهيد للانقلاب الكبير في السياسة الخارجية السودانية، ورغبتها في مغادرة الحلف القديم مع إيران، والعودة مجددًا للمجموعة العربية وبلدان الخليج العربي بقيادة السعودية، بل والاشتراك بقوات سودانية في العمليات الحربية التي يقودها التحالف العربي، والتي عرفت بـ«عاصفة الحزم» لإعادة الشرعية لليمن، ضد مجموعات الحوثي الموالية لإيران.

لكن الرئيس السوداني عمر البشير فاجأ العالم، وربما حتى بعض معاونيه حين أعلن أثناء زيارة قام بها للسعودية استقبل فيها بحفاوة، وأعلن من هناك دعمه لعملية «عاصفة الحزم» العسكرية التي شنها التحالف العربي بقيادة السعودية ضد المجموعات الحوثية الموالية لإيران، لإعادة سلطة الرئيس عبد ربه منصور هادي الشرعية، وإعلانه المشاركة بقوات جوية فورًا، وتوجيهه للجيش السودان للاستعداد للمشاركة في العمليات وفقًا لطلب قوات التحالف.

ودون الرئيس البشير بقراره هذا تحولاً تاريخيًا، يمكن عده أحد أهم أحداث عام 2015، بل أحد أهم أحداث نظام حكم الرئيس البشير. بدأ التمهيد لسيناريو العودة إلى الإطار العربي، بزيارتين قام بهما الرئيس البشير إلى كل من دولة الإمارات العربية المتحدة في فبراير (شباط) 2015، بعد انقطاع دام منذ عام 2008، وهي الزيارة التي قال عنها في ذلك الوقت وزير الخارجية علي كرتي إنها «أزالت الجمود في العلاقة بين البلدين»، وزيارة أخرى للسعودية في مارس (آذار) من العام نفسه، والتي أنهت القطيعة التي تعززت بمنع الطيران المدني السعودي لطائرته عبور الأجواء السعودية، للاشتراك في تنصيب الرئيس الإيراني حسن روحاني أغسطس (آب) 2013.

وفاجأ البشير المراقبين بإعلانه مشاركة الجيش السوداني في عملية «عاصفة الحزم» لإعادة الشرعية في اليمن والتحالف العربي المشارك فيها بقيادة السعودية، وهو ما أثار كثيرا من علامات الاستفهام الناتجة عن ما يمكن تسميته بـ«الانقلاب» في السياسة الخارجية السودانية. وفي تلك الزيارة، استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز الرئيس البشير خلال الزيارة بحفاوة لافتة، ثم اجتمع إلى ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان مطولاً، في لقاء وصفته وسائل الإعلام بأنه اتسم بالشفافية والصراحة، حول العلاقة السودانية العربية التي كانت في أسوأ مراحلها.

وبانتهاء الاجتماع فوجئ العالم بالتحول التاريخي غير المتوقع، وأعلن البشير مشاركة قواته في التحالف العربي، ووضع حدًا لعلاقته بإيران. وما زال ما دار في غرفة الاجتماع بين الرئيس البشير ولي ولي العهد الأمير محمد بن سلمان سرًا، لكن الثابت أن البشير اجتمع مع ضيفه وهو حليف لإيران، وخرج من الاجتماع حليفًا سعوديًا.

وما زالت الأسئلة تترى منذ تلك اللحظة دون إجابات، عما إذا كانت الدبلوماسية السعودية قد أفلحت في استعادة السودان، أم أن الرئيس السوداني أتاها مهيئًا، لكن الخلاصة أن الحكومة السودانية عادت بعد هذا الاجتماع إلى السعودية والعالم العربي، ووضعت حدًا للحلف الطويل والمثير للجدل بينها وبين إيران.

يقول المدير السابق لجامعة أفريقيا العالمية بروفسور حسن مكي، إن الجغرافية السياسية تحتم على السودان أن يكون ضمن مجموعة البحر الأحمر والخليج لعدة أسباب، من بينها العمالة السودانية الكبيرة الموجودة هناك، وارتباط السودان الثقافي والتاريخي بالمنطقة، فضلاً عن الارتباط الهيكلي والوظيفي لاقتصاده بهذه المجموعة.

ويوضح أن الحكومة السودانية وجدت نفسها مكرهة و(ليست بطلة) باللجوء للمعسكر الإيراني، لأن المنطقة كانت مغلقة بوجهها، بسبب موقفها من حرب الخليج، وزيادة عزلتها بعد فرض العقوبات الاقتصادية عليها، والضغوط على دول المنطقة لنسج مزيد من خيوط العزلة حولها. ويقول مكي إن الخرطوم لكسر عزلتها والبحث عن أصدقاء، لجأت إلى ثلاث دول هي الصين وقطر وإيران، فاحتلت إيران المركز الثالث بعد الصين وقطر من حيث قوة العلاقة ومتانتها، ثم حدث متغير دراماتيكي بعد مجيء حزب العدالة والتنمية للحكم في تركيا، في ترتيب أصدقاء السودان لتتراجع إيران إلى المركز الرابع بعد أن كانت في الثالث بعد الصين وقطر. ويضيف مكي: «أتاحت حرب اليمن للحكومة السودانية الفرصة للعودة للمعسكر السعودي، وبالتالي أصبحت السعودية هي الدولة الخامسة في العلاقة مع السودان، لكن لا يعرف حتى الآن ما ترتيب الدول».

ويقطع مكي بأن الصين تعد الداعم التنموي الأول للسودان، تليها دولة قطر التي توفر الدعم المالي والسياسي للسودان، في وقت كانت فيه إيران تقدم الدعم العسكري الذي كانت الخرطوم في أمس الحاجة له، ثم دخلت تركيا لتعمل في مجال البنية التحتية. لكن بعد عودة السودان للسعودية، تردد أن هناك دعمًا اقتصاديًا غير معلن يقدمه للخرطوم، ويقتصر الجزء المعلن منه في تمويل بناء الخزانات والسدود، وهي تواجه رفضًا ومقاومة شعبية كبيرة، وفقًا لمكي.

يقول مكي إن السودان ما زال يحتفظ بعلاقته الدبلوماسية بإيران، لكنه لا يستطيع الجزم باستمرار التعاون العسكري بين البلدين، بيد أنه تمسك بقوله إن العلاقة بين الخرطوم وطهران علاقة اضطرارية، باعتبار إيران خارج جغرافيا المنطقة. وإثر إعلان الرئيس البشير عن مشاركة قواته في «عاصفة الحزم»، قال الجيش السوداني، إن قوات منه بدأت التحرك صوب مواقع العمليات في السعودية للمشاركة في «عاصفة الحزم»، ضمن التحالف العربي للحد من سيطرة الحوثيين في اليمن، وبررت الخرطوم المشاركة بالدفاع عن أمن السعودية والسودان والمنطقة عمومًا والحرمين الشريفين.

وأعلن فورًا عن مشاركة السودان بثلاث طائرات حربية، وعن استعداد قوات برية للتوجه إلى مناطق العمليات، لتكون بإمرة قيادة العملية، وأعلن وزير الدفاع السوداني وقتها عبد الرحيم محمد حسين مشاركة جيشه بقوات برية، وقال عشية انضمام السودان للعملية: «بدأنا الحركة الميكانيكية لمواقع العمليات إلى جانب القوات السعودية، وأمن السعودية بالنسبة لنا خط أحمر».

وحول دوافع السودان للمشاركة في العملية العسكرية ضد الحوثيين في اليمن، تقول التحليلات إن علاقة الخرطوم بطهران أضرت بأوضاعها الاقتصادية، وأدت لخسارتها للدعم الخليجي، وأن الضغوط الاقتصادية الخليجية التي بلغت ذروتها بقرار البنوك السعودية إيقاف التعامل المصرفي مع البنوك السودانية لعبت دورًا هي الأخرى في الانقلاب المفاجئ للموقف السوداني.

وأدى تعثر علاقة التعاون العسكري بين طهران والخرطوم إثر تراجع السودان عن إقامة منصات دفاع إيرانية على ساحل البحر الأحمر، لمواجهة الانتهاكات الإسرائيلية المتكررة للأجواء السودانية، والتي بلغت ذروتها بقصف مصنع (اليرموك) للأسلحة، باعتبارها تهديدًا للسعودية، إلى خلخلة العلاقة التسليحية بين إيران والسودان. كما لعبت أجراس التحذير التي أطلقتها الجماعات الدينية السنية ضد محاولات إيران المحمومة لنشر ثقافة المذهب الشيعي في السودان، إلى توتر العلاقة بين البلدين، خاصة بعد قرار السودان بإغلاق المراكز الثقافية الإيرانية والحسينيات التابعة لها.

وقبل نهاية سنة 2015، أعلن وزير الدفاع السوداني الفريق أول ركن عوض محمد بن عوف في ديسمبر (كانون الأول)، أن كثيرا من قوات بلاده تشارك في عمليات التحالف العربي في اليمن، وقد بلغ حجم لواء من المشاة 1500 جندي، إضافة إلى عدد من الطيارين الحربيين، ومقاتلات سوخوي، وأن جيشه على أتم الاستعداد للدفع بمزيد من القوات؛ إنفاذا لتوجيهات الرئيس عمر البشير متى ما طلبت قيادة التحالف، مدشنًا بذلك أهم أحداث عام 2015 السودانية.

اختيارات المحرر

الوسائط المتعددة