صفحات سوداء في تاريخ إيران الحقوقي

العام الماضي شهد إعدام 1000 مواطن واعتقال 65 صحافيًا

شرطي ايراني يضع حبل المشنقة حول رقبة شاب قبيل إعدامه في طهران (غيتي)
شرطي ايراني يضع حبل المشنقة حول رقبة شاب قبيل إعدامه في طهران (غيتي)
TT

صفحات سوداء في تاريخ إيران الحقوقي

شرطي ايراني يضع حبل المشنقة حول رقبة شاب قبيل إعدامه في طهران (غيتي)
شرطي ايراني يضع حبل المشنقة حول رقبة شاب قبيل إعدامه في طهران (غيتي)

منذ اندلاع الثورة الإيرانية عام 1979 ويحظى التاريخ الإيراني بصفحات سوداء لانتهاكات حقوق الإنسان، أبرزها الإعدامات بحق سجناء الرأي والعقيدة، ما جعلها تتربع على عرش الدول الأكثر إعداما لمواطنيها خلال الأعوام الماضية، بينما زاد عدد سجناء الرأي منذ تولي الرئيس الإيراني حسن روحاني الحكم عام 2013 عن 65 صحافيا.
ويرى مراقبون أن سيطرة التيار المحافظ المتشدد التابع للمرشد علي خامنئي على الأجهزة الأمنية والقضائية يزيد من حالات الإعدام والاعتقالات داخل البلاد، بينما لا يتمتع روحاني بالصلاحيات الكافية للتقليل من حدة الأحكام الصادرة، وهو ما يفسر عدم تنفيذ وعوده بالإفراج عن المعتقلين السياسيين وعلى رأسهم زعيم الحركة الخضراء مير حسين موسوي ومهدي كروبي حتى الآن.
ولعل أبرز حالات الإعدام التي قوبلت بانتقاد عربي ودولي منذ تولي روحاني، إعدام الفتاة الإيرانية ريحانة جباري (26 عاما)، التي أدينت بقتل مسؤول سابق في الاستخبارات الإيرانية أكدت أنه اعتدى عليها جنسيا، وعلقت والدتها على الحكم في تصريحات صحافية قائلة: «قلنا الحقيقة والحكم ذبحنا»، في إشارة إلى عدم وجود العدالة في القضاء الإيراني.
الأمر لا يقتصر على الدفاع عن رجال الثورة الإيرانية ورجالها، خلال عام 2014 أصدر القضاء الإيراني الحكم بإعدام 27 داعية سنيا في منطقة الأحواز (جنوب غرب)، بحسب مصادر أحوازية لـ«الشرق الأوسط».
وقالت منظمة الأمم المتحدة إن حالات الإعدام في إيران بلغت في نهاية 2015 أكثر من 1000 حالة، ما يفوق عدد حالات الإعدام التي نفّذتها السلطات الإيرانية في عام 2014 بأكمله، بحسب تقرير أصدرته في نوفمبر (تشرين الثاني)، اعترفت إيران رسميا بتنفيذ 246 منها فقط، بينما في 2014 أعدمت إيران 753 شخصا بتهم الخيانة ومعارضة نظام الجمهورية الإسلامية.
وارتفعت أحكام الإعدام في إيران، خلال عام 2015، وبلغت 3 حالات يوميًا، بحسب ما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية في مايو (أيار) 2015، بينما وثقت منظمات حقوقية منتصف العام الماضي مظاهرات احتجاجية عندما شهدت مدينة مهاباد الإيرانية ذات الأغلبية الكردية، محاولة موظف حكومي إيراني الاعتداء جنسيًا على فتاة كردية انتحرت هربًا منه.
وأوضح مقرر الأمم المتحدة الخاص لحقوق الإنسان في إيران أحمد شهيد أنه تم تنفيذ حكم الإعدام بالفعل في نحو 700 شخص في إيران في العام الحالي، حتى منتصف العام، ومن المحتمل أن تكون الجمهورية الإيرانية «في طريقها إلى تجاوز الألف بحلول نهاية العام».
ونشرت منظمة «مراسلون بلا حدود» تقريرا لها حول وضع الصحافيين والمدونين المسجونين في إيران بعد مرور عام على تولي حسن روحاني رئاسة إيران، وذكرت المنظمة في تقريرها أن هناك ما يزيد على 65 صحافيا ومدونا يقبعون في السجون، من بينهم 10 صحافيات و3 صحافيين أميركيين، وبهذا سجلت إيران رقما قياسيا في ارتفاع عدد الصحافيين المسجونين خلال العام الماضي، حيث تعد الدولة الخامسة على مستوى العالم في اعتقال الصحافيين. ومنذ الانتخابات الرئاسية في عام 2009 تم اعتقال ما يقرب من 300 صحافي، أجبر كثير منهم على العيش في المنفى. وتفيد تقارير إيرانية معارضة بأن ثلاثة سجناء في العنابر 5 و6 و7 في السجن المركزي لزاهدان لقوا مصرعهم أيام الأحد والاثنين والثلاثاء 27 و28 و29 ديسمبر (كانون الأول) الماضي إثر التعذيب الوحشي.
وناشدت المقاومة الإيرانية في بيان لها إنقاذ حياة افشين بايماني وارجنك داودي (62 عاما)، وهما من السجناء السياسيين في سجن كوهردشت بمدينة كرج، بعد أن أضربا عن الطعام داخل السجون، بينما يقضي السجين السني عمر فقيه بور الحبس في سجن كوهردشت منذ 15 عاما دون إجازة ولقاء حضوري. وفي الوقت الذي تشهد إيران زيادة ملحوظة في معدل الاتجار بالأطفال، ورغم الانتقادات الغربية لتلك الظاهرة وتفشيها في البلاد، وهجوم الإعلام الإيراني على الحكومة للحد منها، إلا أن نظام روحاني يقف مكتوف الأيدي دون رادع.وتعترف الحكومة الإيرانية بتفشي تلك الظاهرة في البلاد نتيجة سوء الأوضاع الاقتصادية وانتشار الفقر والفساد الاجتماعي في البلاد، بينما يرى مراقبون أن العصابات في إيران يستفيدون من وراء هذه الأطفال في مجالات عدة، أبرزها التسول وتجارة المخدرات.
وقالت رئيس اللجنة الاجتماعية بالبرلمان الإيراني عن مدينة طهران، فاطمة دانشور، في تصريحات لها: «للأسف التقارير تشير إلى أن فتيات الليل وبائعات الهوى بعد عملية الولادة في بعض المستشفيات في الجنوب ومركز المدينة يبيعون الطفل بمقابل 200 ألف تومان (6.69 دولار)»، إلا أنها أضافت: «الأطفال مصابون بالإيدز، وشراؤهم وبيعهم ليس مسؤولية مسؤولي المستشفيات».
وانتقدت صحيفة «شرق» تفشي تلك الظاهرة وسط صمت الحكومة الإيرانية، ووصفت الصحيفة في تقرير لها الشهر الماضي عملية الشراء والبيع بالأسرع، حيث لا يستغرق شراء طفل سوى 5 دقائق.
ويقع أكثر من 30 مليون إيراني تحت خط الفقر من إجمالي 80 مليونا، بينما نفى نائب الشؤون السياسية والاجتماعية لمحافظ طهران، سيد شهاب الدين جاوشي، انتشار تلك الظاهرة، إلا أنه عاد وحمل مسؤوليتها للأجهزة المعنية، بحسب ما نقلته صحيفة «شرق» الإصلاحية.
وجاء في تقرير وزارة الخارجية الأميركية السنوي حول الاتجار بالبشر في العالم وجود زيادة ملحوظة شهدتها إيران خلال السنوات الأخيرة في حالات الاتجار بالبشر، والعمالة القسرية، والدعارة، خلال عام 2015.
وكانت صحيفة «اعتماد» الإيرانية نشرت العام الماضي تقريرا حول ظاهرة الاتجار بالأطفال في البلاد، والتقت الصحيفة بعائلة في حي «دوازده غار» شرق العاصمة طهران. ويشير التقرير إلى أن سعر الطفل يتراوح بين 120 دولارا تدفع للأبوين فقط إلى 2425 دولارا يحصل عليها السمسار.
ووفقا لتقرير الخارجية الأميركية فإن جماعات الجريمة المنظمة تقوم باستغلال النساء والفتيات والفتيان الإيرانيين في تجارة الجنس داخل إيران وخارجها، والاتجار بأطفالهم واستخدامهم في حالات التسول والسرقة والعمل في ورش عمل صغيرة.
وأضاف التقرير أن الحكومة الإيرانية لا تلتزم بشكل كامل بالحد الأدنى من معايير القضاء على الاتجار بالبشر، ولا تبذل مجهودًا كبيرًا لفعل ذلك، ولا تنشر معلومات عن جهودها لمكافحة تلك التجارة، ولا تعمل على تطوير الشفافية في ما يتعلق بسياساتها وفعالياتها المتعلقة بمكافحة الاتجار بالبشر.



ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
TT

ترمب يربك وساطة إيران... هل يفتح تراجع ورقة هرمز باب التسوية أم التصعيد؟

الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)
الرئيس الأميركي دونالد ترمب يسير على منصة في قاعة أندرو دبليو ميلون بواشنطن الثلاثاء (أ.ب)

أعاد نفي الرئيس الأميركي دونالد ترمب استعداده لتخفيف العقوبات عن إيران مقابل تنازلات نووية الغموض إلى وساطات تبحث عن أرضية مشتركة بين واشنطن وطهران. وبين إشارات أميركية عن مرونة تفاوضية، وتمسك إيراني برفع الحصار واستعادة العائدات النفطية، يتجاوز الخلاف مضمون التسوية إلى ترتيب تنفيذها: من يقدم التنازل أولاً؟ وبأي ضمانات؟

ويتزامن هذا التعثر مع تحسن تدفقات النفط من المنطقة واستعادة مسارات تتجاوز مضيق هرمز، بما يمنح واشنطن هامشاً لمواصلة الضغط.

لكن التهديد الإيراني باستهداف البنية التحتية يضع حدوداً لهذا الرهان، ويثير سؤالاً موازياً: هل يؤدي إضعاف ورقة الملاحة إلى تسهيل الاتفاق، أم يدفع المواجهة نحو منشآت الإنتاج والتصدير؟

إيرانيون على دراجات نارية يمرون أمام صواريخ وصور للمرشد الإيراني مجتبى خامنئي وقادة عسكريين وعلماء نوويين قُتلوا في ضربات أميركية وإسرائيلية بطهران الاثنين (أ.ب)

نفي يضاعف الغموض

بعدما نقل موقع «أكسيوس» عن مسؤولين أميركيين استعداد ترمب لتخفيف العقوبات والإفراج عن أموال إيرانية مجمدة مقابل خطوات ملموسة في الملف النووي، نفى الرئيس هذه التقارير وعدّها غير صحيحة.

وجاء التناقض بينما كان وسطاء قطريون وباكستانيون يحاولون تقريب المواقف عبر اتصالات مع وزير الخارجية الإيراني عباس عراقجي ومسؤولي الإدارة الأميركية.

وعدّ مسؤول أميركي المحادثات غير المباشرة بأنها إيجابية وبناءة، مشيراً إلى مرونة إيرانية حيال القضايا النووية، لكنه شدد على استحالة الاتفاق دون معالجتها.

وفي السياق نفسه، نقلت مجلة «بوليتيكو» عن مسؤول إيراني أن عدم استقرار موقف ترمب يصعب تحديد ما يمكن لواشنطن قبوله وتحويل النقاشات إلى ترتيب عملي.

عناصر من «الباسيج» يحملون نماذج لصواريخ خلال مسيرة عسكرية في طهران 18 سبتمبر 2026 (رويترز)

ولا يثبت النفي وحده انهيار الاتصالات أو إغلاق باب تخفيف العقوبات مستقبلاً، لكنه يترك الوسطاء أمام فجوة بين ما ينقله المسؤولون وما يعلنه ترمب، ويصعب تثبيت المقابل الاقتصادي الذي تطلبه طهران.

ويصف برايان كاتوليس الباحث في معهد الشرق الأوسط، تصريحات ترمب، بأنها «من دون معنى تقريباً»، عادّاً أن محاولة تحليل كل موقف آني لا تفيد كثيراً، لأن قليلاً مما قاله منذ اندلاع الحرب يرتبط بالواقع، وفق تقديره.

ويرى في حديث مع «الشرق الأوسط» أن البلدين ما زالا في مواجهة واختبار إرادات، يظهر ذلك في التصريحات، بينما يجسدهما التحرك الميداني ومساعي التوصل إلى اتفاق.

التفاهم وعقدة التنفيذ

تتقاطع المقترحات عند الحاجة إلى خفض التصعيد وإعادة انتظام الملاحة وإبقاء المسار التفاوضي مفتوحاً، لكنها تختلف في نقطة الانطلاق. فطهران تريد أولوية لرفع الحصار وتخفيف العقوبات والإفراج عن الأصول، بينما تتمسك واشنطن بخطوات نووية ملموسة، وترفض تقديم مكاسب اقتصادية كبيرة مقابل وعد باستئناف التفاوض.

وتتحدث مصادر دبلوماسية عن أن الوسطاء يعملون على إحياء إطار «تفاهم إسلام آباد»، الذي تناول وقف العمليات العسكرية، والملاحة، والملف النووي، والعقوبات. وأعقبته محادثات في سويسرا أفضت إلى لجنة سياسية ومجموعات عمل وآليات للمراقبة وتسوية النزاعات وخط اتصال لتجنب سوء التفاهم.

وتستند أهمية العودة إلى هذا الإطار إلى وجود بنية تفاوضية سابقة، لكن تجدد المواجهة كشف أن إنشاء اللجان لا يضمن احترام الالتزامات. ويتهم مسؤول أميركي نقل عنه «أكسيوس» إيران بخرق التفاهم السابق عبر إطلاق النار على سفن تجارية في يوليو (تموز)، وهو اتهام يزيد تشدد واشنطن بشأن الضمانات.

أما المقترح الإيراني الأخير فيربط إعادة فتح مضيق هرمز بوقف القتال لمدة 7 أيام وتلبية مطالب اقتصادية وأمنية، بينها إنهاء الحصار. وتخشى الإدارة الأميركية أن تقدم تنازلات مسبقة بينما تحتفظ طهران عملياً بقدرة على التحكم بالممر.

لذلك، تبدو المعضلة متعلقة بالتزامن والتحقق بقدر تعلقها بالأهداف: كيف تربط كل خطوة اقتصادية بإجراء أمني أو نووي قابل للفحص؟ وهذه حاجة تحليلية تفرضها الخلافات، وليست آلية متفقاً عليها.

ويخلص الباحث كاتوليس في هذه النقطة للقول إن غياب الثقة يجعل تصور اتفاق قريب أمراً صعباً.

النفط يغير الحسابات

في موازاة التفاوض، قد يبدل تحسن الصادرات النفطية عبر المسارات البديلة حسابات الاستعجال. وأوردت بيانات أولية لشركة «كبلر» أن صادرات كبار منتجي الشرق الأوسط في سبتمبر (أيلول) قدرت بنحو 16.328 مليون برميل يومياً، بينها 9.719 مليون عبر هرمز. والفصل بين الرقمين ضروري: تعافي إجمالي الصادرات لا يعني عودة المضيق إلى وضعه الطبيعي، ولا زوال أخطار الإمدادات.

أشخاص يقودون مركباتهم قرب جدارية مناهضة للولايات المتحدة في طهران 23 سبتمبر 2026 (رويترز)

ويرى فرزين نديمي كبير الباحثين في الشأن الإيراني في معهد واشنطن، أن هذه المسارات تقلّص ورقة هرمز بدرجة كبيرة، لكنها لا تحسمها. ويشير في حديث مع «الشرق الأوسط» إلى أن خطوط الأنابيب السعودية والإماراتية تنقل بالفعل حصة كبيرة من نفط البلدين بعيداً عن المضيق، وأن توسعات مقررة خلال 2027 - 2029 قد تتيح تجاوز هرمز لكميات تعادل نحو 60 في المائة من تدفقاته النفطية المعتادة، وفق تقديره.

ويضيف أن الأسواق تكيفت، فلم يعد الإغلاق يحدث الصدمة العالمية التي تسعى إليها طهران. لكن صادرات الكويت والغاز الطبيعي المسال القطري ومعظم الصادرات العراقية تبقى معرضة للخطر، فضلاً عن قابلية استهداف البنية التحتية البديلة؛ ولذلك تراجعت الورقة الإيرانية ولم تختفِ.

ويؤكد نديمي أن العقوبات والحصار البحري لم يكفيا بعد لفرض تنازلات نووية حقيقية ودائمة. فالضغط المالي فعلي، لكن النظام تحمّله حتى الآن، وإن كان اشتداده قد يغيّر ذلك. وتحدّ القدرة المتبقية على التعطيل والتصعيد وتحمل الألم الاقتصادي من فاعلية الاستراتيجية، بما يضيّق خيارات طهران على المديين القصير والمتوسط دون إجبارها وحده على التنازل.

ضغط من دون حسم

جاء تحذير رئيس البرلمان الإيراني محمد باقر قاليباف، الثلاثاء، ليكشف هذا الجانب من المواجهة. فقد ربط أمن البنية التحتية الإقليمية بضمان أمن إيران، مهدداً بأن منعها من بيع النفط سيمنع الآخرين أيضاً. ويشير التهديد إلى أن تراجع فاعلية تعطيل الملاحة قد يقابله توسيع نطاق الأهداف المحتملة.

وفي هذا السياق، يرى باراك بارفي الباحث في مؤسسة «نيو أميركا» في حديث مع «الشرق الأوسط»، أن ترمب يبدو مسلّماً بتعذر التوصل إلى اتفاق في الظروف الراهنة، ويتجه نحو استئناف القصف بعد الانتخابات النصفية، حين تتراجع الضغوط الداخلية عليه.

ويعد أن الإيرانيين توصلوا إلى الخلاصة نفسها من موقع معاكس: فتعطيل هرمز فقد فاعليته، في تقديره، بينما يزيد الحصار الأميركي الضغط على طهران. ولذلك، يرجّح أن الطرفين باتا يدركان أن استئناف الأعمال القتالية هو الاحتمال الأقرب حالياً، لا إنهاء القتال.

لكن في المقابل، لا يعني التلويح الإيراني برفع التكلفة على دول الجوار أنه لن يعرضها لرد أوسع نطاقاً، وقد يوسع دائرة الدول المعارضة والمستعدة للتصدي لهذا التصعيد. وبدلاً من تخويف دول المنطقة قد يدفها ذلك إلى الرد وتصعيد المواجهة. ومع ذلك، لا تعني زيادة الضغوط الاقتصادية تلقائياً استعداد النظام الإيراني لتنازلات نووية أو اقترابه من الانهيار.

ويرى ماثيو غولد الدبلوماسي البريطاني السابق في مقالة رأي في «واشنطن بوست»، أن تغيير النظام يتطلب، إلى جانب الاحتجاجات المستمرة، تصدع الأجهزة الأمنية والنخبة الحاكمة، وأن القصف والتشجيع الأميركي وحدهما لا يكفيان.

وتبقى مهمة الوسطاء تحويل الضغط إلى التزامات متبادلة قابلة للتنفيذ، قبل أن يصبح تحسن تدفق النفط سبباً لإطالة المواجهة، وتتحول التهديدات إلى جولة تصعيد جديدة.


تركيا: أوزيل يطالب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات مبكرة

زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل طالب الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات بعد تورط قيادات في حزبه في أزمة صناديق الاستثمار (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل طالب الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات بعد تورط قيادات في حزبه في أزمة صناديق الاستثمار (حساب الحزب في إكس)
TT

تركيا: أوزيل يطالب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات مبكرة

زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل طالب الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات بعد تورط قيادات في حزبه في أزمة صناديق الاستثمار (حساب الحزب في إكس)
زعيم المعارضة التركية رئيس «الحزب الجديد» أوزغور أوزيل طالب الرئيس رجب طيب إردوغان بالاستقالة أو إجراء انتخابات بعد تورط قيادات في حزبه في أزمة صناديق الاستثمار (حساب الحزب في إكس)

تحولت أزمة التلاعب بصناديق الاستثمار في تركيا إلى محور سجال حاد بين الحكومة والمعارضة. ووجه زعيم المعارضة رئيس «الحزب الجديد»، أوزغور أوزيل، انتقادات حادة إلى الرئيس رجب طيب إردوغان، على خلفية تصريحاته بشأن الأزمة التي أدلى بها ليل الاثنين - الثلاثاء عقب ترؤسه اجتماع حكومته، مضيفاً أن أمامه أحد خيارين إما الاستقالة وإما الدعوة إلى إجراء الانتخابات، بعدما تم الكشف عن تورط قيادات في حزب «العدالة والتنمية» الحاكم في فضيحة مالية مرتبطة بالأزمة.

وتعليقاً على التصريحات، دعا أوزيل الرئيس إردوغان إلى «عدم المراوغة»، مشيراً إلى تورط نائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية»، فاطمة بتول صايان كايا، التي تولت من قبل منصب وزيرة الأسرة والسياسات الاجتماعية، وزوجها إلياس كايا، في تحصيل مكاسب ضخمة، بلغت أكثر من ملياري ليرة تركية، من أسهم إحدى الشركات عبر التلاعب في صناديق الاستثمار.

الاستقالة أو الانتخابات

وقال أوزيل عبر حسابه في «إكس»: «يا إردوغان، لا تُراوغ... لقد انكشف أمرك، لقد دققت في حسابات زملائي الذين دافعت عنهم (في إشارة إلى رئيس بلدية إسطنبول المحتجز أكرم إمام أوغلو في تحقيقات تتعلق باتهامات بالفساد والرشوة، وعدد آخر من رؤساء بلديات المعارضة) ولم تجد أي دليل ضدهم، لكن وزيرتك ونائبة رئيس حزبك اختلست ملياري ليرة من الدولة».

وتساءل: «هل كنت على علم بهذه الاحتيالات؟... إن كنت كذلك، فهذا يعني أنك كنت وراء هذه المؤامرة، وعليك أن تستقيل، وإن لم تكن، فهذا يعني أنك فقدت أهليتك لحكم الدولة وعليك أن تجري انتخابات وتُسلّم زمام الأمور إلى الشخص الذي يستحق».

واستقالت نائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» للسياسات الاجتماعية، فاطمة بتول صايان كايا، من جميع مناصبها في الحزب الذي يرأسه إردوغان، ليل السبت - الأحد، بعدما كشف «الحزب الجديد» عن تحقيقها وزوجها، إلياس كايا، أرباحاً ضخمة من تداول أسهم في شركة «أوزاتا دنيزجيليك» لبناء السفن، حيث استثمرا نحو 163 مليون ليرة (3.3 مليون دولار) في 8 أبريل (نيسان) الماضي، معظمها في أسهم تلك الشركة، وحققا نحو 2.17 مليار ليرة (44 مليون دولار) من بيعها وسحب الأموال قبل أيام من كشف وقائع التلاعب في الأسهم في شكوى تقدمت بها هيئة أسواق المال في 16 سبتمبر (أيلول) الحالي. وقررت الهيئة تصفية 131 صندوقاً استثمارياً، يبلغ رأسمالها 18 مليار دولار تسبب التلاعب فيها في أضرار لأكثر من 455 ألف مستثمر.

إردوغان ومحاسبة المتورطين

وشدد إردوغان، في تصريحاته عقب اجتماع حكومته، على أن أسواق رأس المال في بلاده متينة وأساساتها قوية، مشيراً إلى أن المشكلة الحالية في سوق الصناديق الاستثمارية «محدودة» ولا تشكل خطراً على النظام المالي، وأن تصفية الصناديق تسير بدقة، وسيحاسب أمام القانون كل من يثبت تورطه في ممارسات تزعزع استقرار السوق.

إردوغان أكد في تصريحات عقب اجتماع حكومته أن أزمة صناديق الاستثمار محدودة وأن النظام المالي في تركيا قوي (الرئاسة التركية)

وعقد إردوغان اجتماعاً مع الفريق الاقتصادي بالحكومة لبحث تداعيات الأزمة وتنظيم أسواق رأس المال ومنع تكرار مثل هذه المشكلات. ووصف أوزيل، الذي شكل «خلية أزمة» في حزبه عقدت اجتماعاً برئاسته الثلاثاء، أزمة صناديق الاستثمار الجارية بأنها «عملية احتيال القرن»، لافتاً إلى أن حزبه أعد مشروع قانون من 15 مادة لتقديمه إلى البرلمان فور بدء دورته الجديدة في أول أكتوبر (تشرين الأول).

وشبه الأزمة الحالية في تركيا بـ«أزمة مادوف»، وهي أكبر عملية احتيال مالي جرت في أميركا عبر «مخطط بونزي» بقيمة تجاوزت 50 مليار دولار، دبرها المستثمر ورئيس بورصة ناسداك، برنارد مادوف، واستمرت لعقود قبل أن تنهار عام 2008.

أطاحت أزمة صناديق الاستثمار بنائبة رئيس حزب «العدالة والتنمية» الحاكمة فاطمة بتول صايان كايا (من حسابها في إكس)

ويقدر حزب أوزيل أن تركيا تواجه عملية سطو لا تقل قيمتها عن 20 مليار دولار، ويطالب بالكشف عما إذا كان تم فتح تحقيق ضد فاطمة بتول صايان كايا وزوجها.

هجوم على أوزيل

وتعليقاً على ما كتبه أوزيل على حسابه في «إكس»، وانتقاداته لإردوغان، قال نائب رئيس حزب «العدالة والتنمية» المتحدث باسمه، عمر تشيليك،: «إن جهل السيد أوزغور أوزيل بأبسط مبادئ المسؤولية السياسية واضحٌ وجليّ، إنه وزملاؤه لا يظهرون بتصريحاتهم الخالية من أي مبادئ أو مسؤولية، سوى إرهاقهم السياسي، ويبدو أنهم جعلوا من انعدام المبادئ السياسية برنامجاً حزبياً».

وأضاف تشيليك، عبر حسابه «في إكس»، أن «الكلمات الموجهة إلى رئيسنا ورئيس حزبنا (إردوغان) ليست إلا جهلاً وافتراءً سياسياً، لا ينبغي لأحد أن يشك في أننا سنتصدى لها بأوضح طريقة ممكنة... مبدأ رئيسنا وحزبنا واضح منذ البداية، وهو أن كل من يسيء استخدام سلطته، أو ينتهك القانون، أو يتعدى على حقوق الأمة، بغض النظر عن منصبه أو هويته، سيُحاسب».

وتابع أن «الفهم السياسي لإدارة السيد أوزغور أوزيل يتمثل في التستر الأعمى على الفضائح في الساحات العامة، والدفاع عن المخالفات رغم وجود الوثائق والاعترافات، هذه العقلية القائمة على انعدام المبادئ، التي يُدار بها هذا الحزب، لا تملك دروساً أخلاقية تعلمها لأمتنا، وهم يهاجمون مؤسسات الدولة ومسؤوليها للتستر على الفساد في صفوفهم».


فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
TT

فيلم وثائقي يكشف تفاصيل جديدة عن سرية عملية «البيجر» الإسرائيلية

مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)
مواطنون وعناصر إسعاف أمام السيارة التي استُهدفت بغارة إسرائيلية في زبدين في جنوب لبنان وأدت إلى مقتل مصاب بتفجيرات «البيجر» وزوجته (أ.ف.ب)

يكشف فيلم وثائقي جديد تفاصيل لم تكن معروفة من قبل عن العملية الإسرائيلية التي أدت إلى تفجير آلاف أجهزة «البيجر» التي كان يستخدمها عناصر «حزب الله» في لبنان، مسلطاً الضوء على السباق الذي خاضته إسرائيل للحفاظ على سرية العملية بعدما بدأت تظهر داخل التنظيم شكوك بشأن الأجهزة.

ووفقاً لمواقع عبرية، يحمل الفيلم، الذي أخرجه جاستن بولك، اسم «Paging Hezbollah»، ويتناول مراحل الإعداد للعملية التي استغرقت سنوات، وصولاً إلى تفجير أجهزة «البيجر» في سبتمبر (أيلول) 2024. ويضم مقابلات مع رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو، ورئيس الموساد السابق دافيد برنياع، والقائد السابق للمنطقة الشمالية في الجيش الإسرائيلي أوري غوردين، إلى جانب إفادات من مسؤولين إسرائيليين سابقين.

ومن بين أبرز التفاصيل التي ظهرت بالتزامن مع الفيلم رواية وزير الدفاع الإسرائيلي السابق يوآف غالانت عن الأيام التي سبقت تنفيذ العملية، عندما بدأت إسرائيل تخشى أن يكون «حزب الله» قد اقترب من اكتشاف حقيقة الأجهزة التي جرى العبث بها وزرع متفجرات داخلها.

وقال غالانت إن إسرائيل علمت خلال الأسبوع الأول من أغسطس (آب) 2024 بأن أحد عناصر «حزب الله» بدأ يشك في أجهزة «البيجر»، ويحاول معرفة ما إذا كانت قد تعرضت للتلاعب.

وفي مقابلة أجراها بعد إقالته من الحكومة، ولم تسمح الرقابة العسكرية بنشر أجزاء منها في حينه، قال إن إسرائيل تمكنت من تحديد هوية الشخص الذي أثارت الأجهزة شكوكه و«تخلصت منه»، في محاولة لمنع انتشار الشكوك داخل التنظيم.

عنصر أمن في «حزب الله» يحمل جهاز «وكي توكي» بعد إزالة البطارية في أثناء تشييع عناصر بالحزب قُتلوا خلال تفجيرات «البيجر» (أ.ف.ب)

لكن الشك لم يكن الخطر الوحيد الذي واجه العملية، فقد اكتشفت إسرائيل أن «حزب الله» بدأ يفحص بعض أجهزة «البيجر»، وأن معدات متخصصة كانت في طريقها إلى لبنان للمساعدة في تحديد ما إذا كانت الأجهزة قد تحتوي على متفجرات.

وبحسب الرواية الإسرائيلية، كانت إيران قد أرسلت جهازاً للأشعة لفحص أجهزة «البيجر». وقال غالانت إن إسرائيل قررت تدمير معدات الفحص، إلى جانب أهداف أخرى، حتى لا يدرك «حزب الله» أن الضربات مرتبطة مباشرة بالعملية السرية.

وأصبح الوقت عاملاً حاسماً. فمع ظهور مؤشرات على أن الأجهزة قد تخضع لفحص أكثر دقة، كان أمام إسرائيل، وفق رواية غالانت، خيار تنفيذ العملية قبل أن تنكشف أو المخاطرة بأن يؤدي استمرار الانتظار إلى كشفها بالكامل.

وكان نتنياهو قد كشف في وقت سابق جانباً من هذه التفاصيل، قائلاً إن إسرائيل علمت في الأسبوع الثالث من سبتمبر بأن «حزب الله» أرسل ثلاثة أجهزة «بيجر» إلى إيران لفحصها. وأضاف أن إسرائيل قصفت قبل ذلك جهاز فحص كان التنظيم يستعد لإدخاله، كما قتلت الشخص الذي كان سيشغله.

وفي 17 سبتمبر 2024، بدأت العملية بانفجار آلاف أجهزة «البيجر» في أنحاء مختلفة من لبنان، قبل أن تتبعها في اليوم التالي تفجيرات استهدفت أجهزة اتصال لاسلكية. ووفق أرقام أوردتها مصادر إسرائيلية، أدت العمليتان إلى مقتل 39 شخصاً وإصابة أكثر من 3400.

ووصف غالانت العملية بأنها أُعدت على مدى نحو عقد، وقال إن تفجير أجهزة «البيجر» أدى إلى إصابات واسعة بين عناصر «حزب الله»، خصوصاً في الأصابع والعينين والفخذين.

أما أجهزة الاتصال اللاسلكية التي فُجرت في اليوم التالي، فكانت أكبر حجماً وتحتوي على كميات أكبر من المتفجرات، بحسب غالانت. لكن معظمها كان موجوداً داخل مستودعات عند تفجيرها، ما حدّ من تأثير العملية مقارنة بالمرحلة الأولى.

ويقدم الفيلم الوثائقي، إلى جانب إفادات المسؤولين الإسرائيليين، صورة عن الطريقة التي حاولت بها إسرائيل إبقاء العملية مخفية حتى اللحظة الأخيرة. فلم تكن المسألة، وفق الرواية الإسرائيلية، مجرد زرع متفجرات داخل أجهزة اتصال وإدخالها إلى صفوف «حزب الله»، وإنما الحفاظ على سرية الخطة بعدما بدأت داخل التنظيم محاولات للتحقق من سلامة الأجهزة.

وبحسب غالانت، جرى التعامل مع الأحداث على أنها سلسلة من الضربات المنفصلة، بدلاً من الكشف عن وجود عملية واحدة مترابطة. وكان الهدف من ذلك منع «حزب الله» من جمع الخيوط وفهم الصورة كاملة قبل أن يحين موعد تفجير الأجهزة.

ومع عرض «Paging Hezbollah»، تعود عملية «البيجر» إلى الواجهة من زاوية مختلفة: ليس فقط باعتبارها هجوماً واسعاً استهدف وسائل اتصال «حزب الله»، وإنما أيضاً باعتبارها عملية سرية دخلت في أيامها الأخيرة سباقاً بين الحفاظ على الخطة وإمكانية اكتشافها من داخل التنظيم نفسه.