تحولات دبلوماسية وعسكرية في إقليم كردستان.. واستمرار الأزمة مع بغداد

استقبال خادم الحرمين الشريفين لبارزاني كان من أبرز تطورات العام

الحديقة الرئيسية وسط أربيل كما تبدو من قلعتها ({الشرق الأوسط})
الحديقة الرئيسية وسط أربيل كما تبدو من قلعتها ({الشرق الأوسط})
TT

تحولات دبلوماسية وعسكرية في إقليم كردستان.. واستمرار الأزمة مع بغداد

الحديقة الرئيسية وسط أربيل كما تبدو من قلعتها ({الشرق الأوسط})
الحديقة الرئيسية وسط أربيل كما تبدو من قلعتها ({الشرق الأوسط})

كان عام 2015 بالنسبة إلى إقليم كردستان حافلا بكثير من الأحداث السياسية والعسكرية، وشهد الإقليم خلاله عدة تطورات على كل المحافل، أبرزها الانتصارات التي أحرزتها قوات البيشمركة على مسلحي تنظيم داعش على كل جبهات القتال التي يصل طولها إلى أكثر من ألف ومائة كيلومتر، بينما احتل الجانب السياسي والدبلوماسي جزءا كبيرا من هذه التطورات.
سياسيا ودبلوماسيا، دخلت العلاقات السعودية - الكردية مرحلة جديدة في بداية العام بعد قرار الرياض فتح قنصلية عامة في أربيل. واستقبل رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني وفدا من وزارة الخارجية السعودية برئاسة السفير عبد الرحمن الشهري، الذي وصل إلى الإقليم للتحضير لفتح القنصلية في عاصمة إقليم كردستان. وفي إطار الزيارة التقى الوفد رئيس الحكومة نيجيرفان بارزاني وتم بحث سبل تعزيز العلاقات الثنائية بين أربيل والرياض.
وشهد أواخر العام تطورا بالغ الأهمية على صعيد العلاقات بين السعودية وإقليم كردستان، فقد استقبل خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، في الرياض، مسعود بارزاني رئيس الإقليم، وبحث الجانبان خلال اللقاء آفاق التعاون الثنائي بين السعودية وإقليم كردستان، والمواضيع ذات الاهتمام المشترك، والحرب ضد الإرهاب.
وفي سياق العلاقات الدبلوماسية بين الإقليم ودول العالم، بدأ رئيس الإقليم في 5 مايو (أيار) زيارة رسمية إلى واشنطن استهلها بلقاء مع رئيس الولايات المتحدة الأميركية باراك أوباما، وبحث الجانبان عددا من القضايا المهمة المتعلقة بإقليم كردستان والعراق والمنطقة.
واحتضنت مدينة السليمانية خلال 2015 عددا كبيرا من سياسيي الخط الأول في العراق والإقليم إلى جانب عدد كبير من الخبراء والسفراء الأجانب في العراق، الذين اجتمعوا في ملتقى السليمانية السنوي الثالث الذي تنظمه الجامعة الأميركية في المدينة، وبحث الملتقى عددا من القضايا الاستراتيجية المهمة، كالعلاقات بين أربيل وبغداد، والخلاف النفطي بينهما، والحرب ضد تنظيم داعش، إلى جانب عملية السلام بين الأكراد والحكومة التركية.
وفي إطار الأحداث السياسية في الإقليم، زار رئيس الوزراء العراقي حيدر العبادي مدينة أربيل والتقى بارزاني، وبحث الجانبان آخر المستجدات السياسية والأمنية في العراق والمنطقة، وناقشا عددا من الملفات المهمة وعلى رأسها عملية تحرير الموصل من تنظيم داعش.
عسكريا، تمكنت قوات البيشمركة في بداية العام، وبعد معارك ضارية، من السيطرة على مستشفى سنجار العام الذي يقع غرب المدينة، وكان يتحصن فيه عشرات المسلحين. وكان التنظيم قد أفرغ المستشفى من جرحاه وحوّله إلى موقع عسكري كان يهاجم منه البيشمركة بالأسلحة الثقيلة والمتوسطة. وقُتل خلال عملية السيطرة عليه العشرات من المسلحين الذين كان غالبيتهم من المسلحين الأجانب.
ولأول مرة في منتصف مارس (آذار) لجأ «داعش» إلى استخدام السلاح الكيماوي ضد البيشمركة. وأكد بيان لمجلس أمن الإقليم أن قوات البيشمركة جمعت عينات من التربة والملابس بعد هجوم بسيارة مفخخة نفذه التنظيم على مواقعها في تقاطع الموصل – سوريا – الكسك، وتم تحليلها في مختبر معتمد من قبل إحدى دول التحالف، واتضح أن العينات تحتوي على مادة الكلور التي استخدمها التنظيم في صناعة أسلحته.
وشهدت مدينة أربيل في 18 أبريل (نيسان) انفجار سيارة مفخخة قرب مقر القنصلية الأميركية في بلدة عينكاوا في إقليم كردستان، وذكر مسؤولون أكراد أن الانفجار أسفر عن مقتل ثلاثة أشخاص وإصابة خمسة آخرين.
من جانبها واصلت قوات البيشمركة تحرير المناطق الكردستانية من «داعش»، وأعلنت في 9 يونيو (حزيران) تحرير 95 في المائة من الأراضي التي سيطر عليها تنظيم داعش بعد احتلاله لمدينة الموصل في يونيو 2014.
وفي السياق العسكري أصدر رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني قرارا ينص على تشكيل فرقة عسكرية من المتطوعين الإيزيديين في سنجار تابعة لوزارة البيشمركة، وذكر قائد الفرقة، قاسم ششو، أن الفرقة تتكون من 5000 آلاف متطوع سيبدأون بعد إنهائهم التدريبات العسكرية بحماية مناطقهم من «داعش» والمشاركة في العماليات العسكرية مع قوات البيشمركة.
ومن أبرز النجاحات التي حققتها قوات الأمن الكردية كانت العملية الخاصة التي نفذتها قوات مكافحة الإرهاب التابعة لمجلس أمن الإقليم بالتعاون مع قوة من التحالف الدولي في 23 أكتوبر (تشرين الأول)، وتمكنت خلال العملية من تحرير 69 رهينة من سجن لتنظيم داعش في قضاء الحويجة جنوب غربي كركوك.
أما تحرير مدينة سنجار بشكل كامل من «داعش» فكان هو الآخر من أبرز الأحداث العسكرية في 2015، فقد أعلن رئيس إقليم كردستان مسعود بارزاني في 13 نوفمبر (تشرين الثاني) عن تحرير مدينة سنجار بالكامل من تنظيم داعش، واعتبر أن لهذا النصر أهمية كبيرة، وسيؤثر إلى حد بعيد في عملية تحرير الموصل لاحقا، كما سيؤثر على المعارك في المناطق الأخرى. وشاركت في عملية تحرير سنجار التي نفذت خلال 24 ساعة 7500 مقاتل من قوات البيشمركة بإسناد جوي من طيران التحالف الدولي.
مدينة حلبجة التي تعرضت في ثمانينات القرن الماضي لهجوم كيماوي من قبل الحكومة العراقية، سجلت هذه المدينة خلال 2015 اسمها فعليا كرابع محافظة في إقليم كردستان، وتم في مراسم رسمية افتتاح مبنى المحافظة، لتبدأ بذلك عملها بشكل رسمي بعد تعيين محافظ لها في الأول من نفس الشهر.
وخلال العام استعرت معركة رئاسة الإقليم، ودعا بارزاني في أغسطس (آب)، مع انتهاء ولايته، إلى انتخابات مبكرة في غياب توافق حول رئاسة الإقليم كردستان، واقترح أن يحسم الشعب هذا الموضوع وأن يستفتى شعب كردستان على آلية انتخاب الرئيس، وطالب الأطراف السياسية بالعمل وبسرعة من أجل التوصل إلى اتفاق على أساس مبدأ التوافق والتوصل إلى نتيجة تهم المصلحة العامة. وفي السياق ذاته قرر مجلس الشورى في إقليم كردستان استمرار بارزاني في أداء مهامه رئيسا للإقليم لعامين آخرين، أي حتى نهاية الدورة البرلمانية الحالية في عام 2017، وهو ما أغضب منافسي حزبه «الديمقراطي الكردستاني».
ومن أبرز الأحداث الأخرى التي شهدتها الساحة في إقليم كردستان كانت عودة كنيسة المشرق الآشورية إلى أربيل بعد 82 عاما من انتقالها إلى مدينة شيكاغو الأميركية، ونظمت مراسم رسمية بهذا الخصوص في بلدة عينكاوة ذات الغالبية المسيحية التابعة لمدينة أربيل حضرها رئيس حكومة الإقليم نيجيرفان بارزاني.
وكان شهر أكتوبر ساخنا بالنسبة إلى الإقليم، إذ اندلعت مظاهرات واسعة في عدد من مدنه احتجاجا على قطع الحكومة العراقية لرواتب موظفي الإقليم، لكن المظاهرات أخذت منحى عنيفا وتحولت إلى أعمال شغب، بعد أن هاجم عدد من الفتيان مقرات الحزب الديمقراطي الكردستاني في مدن السليمانية وقلعة دزة وكلار وحلبجة وأشعلوا فيها النيران، بينما كشف مسؤولون أكراد أن إيران تقف وراء تأجيج الشارع الكردي وإثارة أعمال الشغب لتخريب الإقليم.
اقتصاديا، ومع بداية 2015، بدأت أربيل وبغداد بالعمل بالاتفاقية النفطية المبرمة بينهما، التي تقضي تصدير الإقليم 250 ألف برميل من نفطه عبر ميناء جيهان، بالإضافة إلى 300 ألف برميل من النفط من آبار كركوك، مقابل التزام الحكومة العراقية بإرسال حصة الإقليم من الميزانية الاتحادية، إلا أن الاتفاقية لم تستمر طويلا لأن بغداد واصلت فرض الحصار الاقتصادي على الإقليم ومنعته من حصته من الميزانية الاتحادية، مما تسبب في تدهور العلاقات بين الجانبين، واستمرار الأزمة الاقتصادية في الإقليم التي أثرت على كل مفاصل الحياة. وفي أعقاب ذلك بدأت حكومة إقليم كردستان بتصدير النفط بشكل مستقل خلال الصيف الماضي من أجل توفير رواتب موظفيه والخروج من الأزمة.



أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
TT

أموال الزكاة والأوقاف تؤجج الصراع بين القادة الحوثيين

عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون بأحد شوارع صنعاء يحملون رشاشات خفيفة (إ.ب.أ)

شهدت العاصمة اليمنية المختطَفة صنعاء ومدن أخرى خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية، خلال الأيام الأخيرة، حالة من الصراع الداخلي المُتصاعد؛ على خلفية اتهامات متبادلة بين قادة نافذين ومشرفين ميدانيين بالاستحواذ على أموال خُصصت لأنشطة دينية وميدانية، وفق ما أفادت به مصادر مطلعة، لـ«الشرق الأوسط».

وبعيداً عن معاناة ملايين السكان، خصصت ما تُسمى «هيئة الأوقاف» الحوثية، عبر مكاتبها في خمس محافظات وهي: صنعاء وريفها والحديدة وذمار وإب، نحو 250 مليون ريال يمني، (الدولار يساوي 530 ريالاً) لتحشيد السكان بتلك المناطق من أجل تنفيذ زيارات جماعية إلى مقابر القتلى، وتجهيز قوافل متنوعة لمقاتليهم في الجبهات، تنفيذاً لتعليمات صادرة من زعيم الجماعة.

ووفق مصادر مقرَّبة من دائرة حكم الجماعة في صنعاء، فإن الخلافات تفجّرت، خلال اليومين الماضيين، عقب الكشف عن شُبهات فساد طالت آلية توزيع تلك المُخصصات التي رُصدت لتنظيم الزيارات الجماعية إلى مقابر القتلى، وهي فعاليات تحرص الجماعة على تنظيمها كل فترة لتعزيز التعبئة المعنوية لأنصارها.

مبنى هيئة الأوقاف التابع للجماعة الحوثية بالعاصمة صنعاء (فيسبوك)

كما شملت الاتهامات عمليات نهب وسرقة لمبالغ أخرى خُصصت لتجهيز قوافل دعم متنوعة للمقاتلين في الجبهات، بما في ذلك مواد غذائية ومستلزمات أخرى.

وأكدت المصادر أن قيادات حوثية، يتصدرها القيادي عبد المجيد الحوثي المعيَّن رئيساً لما تُسمى «هيئة الأوقاف»، تتهم مسؤولين إداريين في مكاتب تتبع «الهيئة» بالتواطؤ مع مشرفين ميدانيين والقيام بسرقة جزء كبير من تلك المخصصات لمصلحتهم، في حين ردّ الطرف الآخر بشن موجة انتقاد لاذعة، وفق المصادر، متهمين قيادة الهيئة الحوثية المستحدَثة بالفساد وسوء إدارة موارد الأوقاف، في ظل صراع نفوذ مُتزايد داخل هياكل الجماعة.

سياق أوسع

أتت هذه التطورات في سياق أوسع من التوتر المتصاعد في أوساط الأجنحة الحوثية، وسط اتهامات متبادلة ومُستمرة بالاستحواذ على مزيد من الموارد والنفوذ، ما يعزز المخاوف بشأن تفاقم الفساد وتأثيره على الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية بمناطق سيطرة الجماعة.

كما يتزامن ذلك مع ظروف معيشية صعبة يكابدها ملايين اليمنيين، وسط تدهور اقتصادي حاد وارتفاع مستمر في أسعار السلع الأساسية، إلى جانب تراجع فرص العمل وانقطاع رواتب شريحة واسعة من الموظفين.

ويرى مراقبون أن هذه التحركات تعكس مدى حجم التحديات التي لا تزال تواجهها الجماعة في الحفاظ على تماسكها التنظيمي، في وقتٍ تعتمد فيه، بشكل كبير، على هذه الأنشطة لتعزيز الولاء والاستمرار في الحشد.

قافلة حوثية زعمت الجماعة أنها تبرعات من سكان مديرية السبعين بصنعاء (فيسبوك)

ويعتقد هؤلاء أن هذه الخلافات الأخيرة وما سبقها تشير إلى وجود حالة من التنافس الحوثي الحاد على أهم الموارد، ولا سيما في ظل تراجع مصادر التمويل وازدياد الضغوط الاقتصادية، ما يفاقم حِدة الانقسامات الداخلية داخل أروقة الجماعة.

في غضون ذلك، يشير عاملون إغاثيون في صنعاء إلى أن تصاعد الخلافات الحوثية الداخلية واتهامات نهب الأموال المُخصصة للأنشطة ذات الطابع التعبوي، يأتي في وقتٍ يعاني فيه السكان بمناطق سيطرة الجماعة ضغوطاً اقتصادية ومعيشية غير مسبوقة.

ويتهم الناشطون قادة حوثيين يديرون شؤون «هيئة الأوقاف» بمواصلة مزيد من العبث بالأموال العامة وتوجيهها نحو أنشطة ذات طابع تعبوي وعسكري، بدلاً من توظيفها في مجالات خِدمية أو إنسانية أكثر إلحاحاً.

خطر الجوع

على وقْع هذه التطورات، تؤكد «الأمم المتحدة» أن أكثر من 18 مليون شخص في اليمن معرَّضون لخطر الجوع، خلال العام الحالي، في حال عدم توفر التمويلات اللازمة لمنع تفاقم الأزمة الغذائية المنتشرة على نطاق واسع في البلاد.

وأوضح مكتب الأمم المتحدة لتنسيق الشؤون الإنسانية «أوتشا»، في تقرير له، أن الأزمة الغذائية لا تزال عند مستويات مثيرة للقلق، حيث يشير أحدث تحليل للتصنيف المرحلي المتكامل لانعدام الأمن الغذائي إلى مزيد من التدهور، بما في ذلك انزلاق بعض المناطق من مستوى الأزمة (المرحلة الثالثة) إلى الطوارئ (المرحلة الرابعة) وما فوق».

جانب من زيارات جماعية موَّلها الحوثيون لزيارة مقابر قتلاهم (إكس)

وأكد «أوتشا» وجود نحو 41 ألف يمني يعانون مستويات كارثية (المرحلة الخامسة من التصنيف)، ومع استمرار تفاقم انعدام الأمن الغذائي، من المتوقع «ظهور بُؤر إضافية تواجه ظروفاً شبيهة بالمجاعة في بعض المجتمعات الأكثر هشاشة داخل البلاد».

وبيَّن التقرير أن أزمة التغذية في اليمن تُعد من بين الأسوأ عالمياً، حيث يحتاج 2.2 مليون طفل، دون الخامسة، إلى علاج لسوء التغذية الحاد، ودون ذلك سيعانون أضراراً جسدية ومعرفية دائمة لا رجعة فيها، مما سيؤدي إلى ارتفاع حاد بمعدلات التقزم والوفيات التي يمكن الوقاية منها، بينما ستواجه 1.3 مليون امرأة حامل ومرضعة مضاعفات خطيرة تُهدد حياتهن مع تفاقم سوء التغذية وتراجع خدمات الصحة الإنجابية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended


الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يرهن التدخل عسكرياً إلى جانب إيران بـ«تطورات المعركة»

عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)
عناصر حوثيون في صنعاء خلال حشد دعا إليه زعيمهم (إ.ب.أ)

في ثالث ظهور متلفز له منذ اندلاع الحرب الأميركية - الإسرائيلية على إيران، جدد زعيم الجماعة الحوثية عبد الملك الحوثي تأكيد موقف جماعته، القائم على الدعم الخطابي والآيديولوجي لطهران، مقابل تأجيل الانخراط العسكري وربطه بما وصفه بـ«تطورات المعركة»، في إشارة إلى أن قرار التدخل لا يزال خاضعاً لحسابات ميدانية لم يكشف عن طبيعتها.

ويعكس الخطاب الحوثي استمرار النهج الذي تبنته الجماعة منذ بداية المواجهة أواخر فبراير (شباط) الماضي، حيث حافظت على مستوى مرتفع من التصعيد الخطابي، دون أن تترجم ذلك إلى خطوات عسكرية مباشرة كما فعل «حزب الله» اللبناني والفصائل العراقية الموالية لإيران.

تظاهرة في صنعاء نظمها الحوثيون للتضامن مع إيران (أ.ف.ب)

وعلى الرغم من أن زعيم «الحوثية» أشاد بما وصفه بـ«الفاعلية العالية» للأداء الإيراني في المعركة، مدعياً قدرته على اختراق أنظمة الدفاع المتعددة وتحقيق أهداف داخل مواقع أميركية وإسرائيلية، فإنه أبقى على صيغة مشروطة بشأن تدخل جماعته، مؤكداً أن أي تحرك عسكري سيأتي فقط إذا فرضته التطورات، دون أن يحدد ماهية هذه التطورات.

ويتناغم حديث الحوثي مع مواقف الجماعة السابقة خلال الأسابيع الماضية، التي أكدت فيها أنها «لن تقف مكتوفة الأيدي»، لكنها في الوقت ذاته تجنبت إعلان الانخراط المباشر في الحرب، مكتفية ببيانات تحذيرية وتصعيدية، مع التشديد على الجاهزية لجميع السيناريوهات.

حسابات معقدة

تشير تقديرات مراقبين يمنيين إلى أن إحجام الحوثيين عن التدخل العسكري المباشر يرتبط بحسابات معقدة، في مقدمتها الخشية من استدراج ضربات أميركية وإسرائيلية واسعة قد تستهدف البنية التحتية للجماعة ومواقعها العسكرية، خصوصاً في ظل الأهمية الحيوية للمناطق التي تسيطر عليها، بما في ذلك السواحل المطلة على البحر الأحمر ومضيق باب المندب، أحد أهم الممرات التجارية العالمية.

الحوثيون اكتفوا بالدعم السياسي والخطابي لإيران دون مساندتها عسكرياً (أ.ف.ب)

كما أن الجماعة، التي نفذت خلال العامين الماضيين مئات الهجمات باستخدام الصواريخ والطائرات المسيّرة والزوارق المفخخة تحت شعار دعم الفلسطينيين في غزة، تدرك أن أي تصعيد جديد قد يعيد فتح جبهة مكلفة، بعد أن تعرضت بالفعل لضربات أميركية وبريطانية وإسرائيلية استهدفت موانئ ومطارات ومنشآت حيوية، وأدت إلى خسائر في قياداتها.

ويبدو من كل ذلك، أن الحوثيين يفضلون الاحتفاظ بورقة التصعيد العسكري كورقة ضغط مؤجلة، يمكن استخدامها في توقيت أكثر ملاءمة، سواء لخدمة الأجندة الإيرانية أو لتعزيز موقعهم التفاوضي إقليمياً.

الارتباط بطهران

الجديد في خطاب الحوثي الأخير تمثل في تأكيده على مبدأ «الوفاء بالوفاء» تجاه إيران، التي قال إنها كانت «المتضامن الوحيد» مع جماعته خلال سنوات الحرب التي كانت أشعلتها جماعته بالانقلاب على التوافق الوطني والمسار الانتقالي اليمني.

ويمثل هذا الطرح إقراراً صريحاً بعمق العلاقة بين الطرفين، ويعزز التقديرات التي ترى أن القرار الحوثي يظل جزءاً من حسابات أوسع ضمن ما يُعرف بـ«محور المقاومة» الذي تقوده إيران.

مسلح حوثي في صنعاء يحمل صورة خامنئي بعد مقتله في ضربة إسرائيلية (أ.ف.ب)

في الوقت ذاته، واصل الحوثي توظيف الخطاب التعبوي داخلياً، داعياً إلى خروج جماهيري واسع في مناطق سيطرة الجماعة، تأكيداً على دعم إيران والقضية الفلسطينية. وربط هذا الحشد الشعبي بما وصفه بـ«مواجهة المشروع الصهيوني»، متهماً إسرائيل بمواصلة انتهاكاتها في غزة وعدم الالتزام بالاتفاقات.

كما حرص زعيم الحوثيين على التأكيد على أن جماعته «ليست على الحياد»، وأنها جزء من معركة أوسع ضد الولايات المتحدة وإسرائيل، مع التشديد في الوقت نفسه على أنها لا تحمل «نوايا عدوانية» تجاه الدول الإسلامية.

وتظهر القراءة العامة للخطاب الحوثي وجود ثلاثة أهداف رئيسية وهي الحفاظ على التحالف الاستراتيجي مع إيران، وتجنب الانزلاق إلى مواجهة عسكرية مباشرة قد تكون مكلفة، وكذا تعزيز الحضور السياسي والإعلامي للجماعة داخلياً واستغلال ذلك للتعبئة والحشد.


مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
TT

مصر وسوريا تعززان تقاربهما من بوابة إعادة الإعمار والتعاون الاقتصادي

وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)
وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي مع نظيره السوري أسعد الشيباني خلال لقاء بنيويورك في سبتمبر الماضي (الخارجية المصرية)

تسعى مصر وسوريا إلى البناء على خطوات التقارب بينهما، وذلك بتعزيز التعاون الثنائي، وتوسيع الشراكات الاقتصادية والتجارية بينهما، وذلك بعد زيارات ولقاءات على مستويات مختلفة جرت خلال الأسابيع الماضية.

وأكد وزير الخارجية المصري، بدر عبد العاطي «حرص بلاده للمساهمة الفاعلة في دعم جهود إعادة الإعمار في سوريا»، وأشار خلال اتصال هاتفي مع نظيره السوري، أسعد الشيباني، إلى «أهمية البناء على نتائج الزيارة التي قام بها الوفد الاقتصادي المصري إلى دمشق قبل عدة أسابيع، ومتابعة تنفيذ مخرجاتها بما يحقق مصالح البلدين»، وفق بيان لـ«الخارجية» المصرية الخميس.

واستضافت دمشق في شهر يناير (كانون الثاني) الماضي، أول «ملتقى اقتصادي واستثماري» مصري - سوري، بمشاركة 26 من قيادت الغرف التجارية المصرية والمال والأعمال، بهدف بناء شراكات فاعلة بين الغرف التجارية للبلدين، واستكشاف آفاق التعاون في مجالات التجارة والصناعة والخدمات والبنية التحتية وإعادة الإعمار.

وقال اتحاد الغرف التجارية بمصر، وقتها، إن «الملتقى يهدف إلى خلق تحالفات سورية مصرية أوروبية، من خلال اتحاد غرف البحر الأبيض وتنمية الصادرات السورية إلى أفريقيا من خلال اتحاد الغرف الأفريقية».

وناقش وزير الخارجية المصري، مع نظيره السوري، «سبل دفع وتطوير العلاقات في مختلف المجالات، لا سيما على الصعيدين الاقتصادي والتجاري»، حسب الخارجية المصرية.

وبموازاة ذلك، بحث وزير الاقتصاد والصناعة نضال الشعار، مع القائم بأعمال السفير المصري في دمشق السفير أسامة خضر، الأربعاء، «سبل تطوير العلاقات والشراكات الاقتصادية»، وحسب وكالة الأنباء السورية، «تناول الطرفان فرص توسيع الشراكات الاقتصادية، وتعزيز التبادل التجاري»، إلى جانب «تطوير التعاون في مختلف القطاعات».

وأكد الشعار «أهمية تعزيز العلاقات الاقتصادية بين سوريا ومصر، والعمل على تفعيل مجالات التعاون بما يخدم المصالح المشتركة، ويدعم حركة الأسواق بين البلدين».

الملتقى الاقتصادي السوري - المصري بدمشق خلال شهر يناير الماضي (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

ويرى مساعد وزير الخارجية المصري الأسبق السفير يوسف الشرقاوي، أن «التقارب المصري السوري تحكمه جوانب اقتصادية بالأساس خلال الفترة الحالية»، وأشار إلى أن «هناك اتفاقيات تجارية بين البلدين في حاجة إلى التفعيل من أجل تعزيز التعاون»، وأكد على أن «القاهرة لم تتوقف عن دعم دمشق سياسياً واقتصادياً».

وأضاف في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، أن «التعاون الاقتصادي يشكل نافذة لدعم التقارب بين مصر وسوريا، وتحسين التفاهم السياسي»، وقال إن «الأوضاع في المنطقة العربية تفرض التواصل والتنسيق المستمر مع جميع الأطراف»، مشيراً إلى أن «القاهرة حريصة على دعم استقرار وسيادة سوريا ودول الجوار لها، خصوصاً لبنان».

وحسب بيان «الخارجية» المصرية، تناول اتصال عبد العاطي والشيباني، الأوضاع بالغة الخطورة بسبب التصعيد العسكري الذي تشهده المنطقة، وأشار وزير الخارجية المصري، إلى «الجهود المصرية والإقليمية المبذولة لاحتواء التوتر وخفض التصعيد المتعلق بالتطورات الأخيرة المرتبطة بإيران».

وهناك تقدم في التعاون الاقتصادي والتجاري بين مصر وسوريا، وفق رئيس الغرف التجارية بالقاهرة، أيمن العشري، منوهاً بأن «الحكومة السورية تقدم تسهيلات كثيرة للمستثمرين المصريين».

وأشار العشري - كان ضمن الوفد التجاري الذي زار دمشق في يناير الماضي - في تصريحات لـ«الشرق الأوسط»، إلى أن «الغرف التجارية السورية بدأت في استيراد منتجات مصرية، خصوصاً في مواد البناء»، وقال إن «هناك تعويلاً من الجانب السوري على الخبرات والشركات المصرية في جهود إعادة الإعمار». وأشار إلى أن «هناك طلباً على المنتجات الغذائية المصرية، وتعمل الغرف التجارية على تلبية احتياجات السوق السورية».

مصر وسوريا نحو البناء على خطوات التقارب عبر تعزيز التعاون الاقتصادي وتطوير العلاقات (اتحاد الغرف التجارية بمصر)

وكان الرئيس السوري أحمد الشرع التقى وفد رجال الأعمال المصريين خلال زيارتهم إلى دمشق في يناير الماضي، وتحدث بإيجابية عن العلاقات المصرية السورية، ووجه الشكر للقاهرة «على الاستقبال الحافل للاجئين السوريين خلال فترة الحرب»، وقال إن «هذا ليس غريباً على طباع إخوتنا المصريين».

وفي ذلك الحين، وجّه الشرع دعوة إلى مجتمع الأعمال والشركات المصرية للانخراط في مشاريع إعادة إعمار سوريا، وفي قطاعات اقتصادية أخرى مثل الزراعة والطاقة.

وأكد الرئيس السوري في ذلك الحين، أن الشركات المصرية هي «الأولى للمساهمة في إعادة إعمار سوريا»، عادّاً أن سوريا تحتاج «إلى الاستفادة من الخبرات الكبيرة والعظيمة الموجودة داخل مصر، حتى تعود إلى مواكبة التطور الذي حصل خلال السنوات الماضية، لأن سوريا كانت غائبة قليلاً عن مشهد التطور والنمو الاقتصادي بسبب الحرب».

وقدّر «البنك الدولي» تكلفة إعادة الإعمار في سوريا بنحو 216 مليار دولار، وتشمل التكلفة التقديرية 75 مليار دولار للمباني السكنية، و59 مليار دولار للمنشآت غير السكنية، و82 مليار دولار للبنية التحتية.