معارك يبرود تحرم السوريين من «المتة»

مشروب أهل الريف وموالي النظام مفقود في السوق

معارك يبرود تحرم السوريين من «المتة»
TT

معارك يبرود تحرم السوريين من «المتة»

معارك يبرود تحرم السوريين من «المتة»

مع بدء المعارك في مدينة يبرود - القلمون بريف دمشق، افتقد السوريون «المتة»، المشروب العشبي الشعبي المفضل في القلمون وريف حمص والساحل السوري. وتعد هذه الأزمة الثانية منذ اندلاع الأحداث في سوريا في مارس (آذار) 2011. فمنذ عامين انقطعت المتة بسبب انقطاع الطرقات، وارتفع سعر العلبة (300 غرام) من 35 ليرة إلى 150 ليرة تقريبا (الدولار يساوي 155 ليرة)، ثم راحت ترتفع تدريجيا لتتجاوز الـ200 ليرة. ومع بدء المعارك في يبرود ارتفع السعر إلى 300 ليرة، قبل أن تختفي تماما من السوق، وذلك لأن يبرود هي المدينة السورية الوحيدة التي تتمركز فيها معامل تعبئة مادة المتة المستوردة من الأرجنتين.
يشار إلى أن المتة مشروب أرجنتيني أدخله إلى سوريا أهالي يبرود من المغتربين في أميركا اللاتينية بداية القرن العشرين، ولاقى رواجا كبيرا في الأوساط الريفية لا سيما وسط البلاد وغربها، في حين لا يقبل عليها سكان المدن الرئيسة وبالأخص دمشق وحلب وحمص، وذلك لطقوسه التي تتطلب جلسات دردشة طويلة غير متاحة في مجتمعات المدن.
والمتة عشب ينقع في كأس ماء ساخنة ويشرب المنقوع بمصاصات خاصة، واشتهرت بصناعتها يبرود، كما اشتهرت بصناعة كؤوسها الخاصة من اليقطين بعد حفره وتجفيفه وكيه بجمر الفحم. وقد تمتد جلسات المتة لعدة ساعات، ويستعين أهالي القرى بهذا المشروب على وقت الفراغ فيقتلونه بجلسات شربه والدردشة.
وعدا فوائده الهضمية يلائم هذا المشروب مع نمط الحياة الريفية، حيث لا يوجد عمل حقيقي خارج المواسم الزراعية. ومع أن شرب المتة غير مرتبط بطائفة دينية معينة فإنه في العقود الأخيرة ارتبط بالموظفين العلويين من أبناء الساحل الذين كان لهم السبق في إدخال هذا المشروب إلى الدوائر والمؤسسات الرسمية، إذ بينما كان يسمح بمشروبات القهوة والشاي وما شابهها في أماكن العمل، انتشرت المتة وعلى نحو منفر لما يعنيه ذلك من هدر لساعات العمل لا يتجرأ عليه إلا من كان مدعوما من أبناء الحكومة. وتقول نادية، وهي طبيبة دمشقية، إن «أسوأ منظر تقع عليه عيني في المشفى هو تجمع عدد من كادر التمريض حول صينية المتة». وتتابع أنه «منظر مقرف يشير إلى عدم مبالاة هؤلاء بحياة المرضى والانصراف إلى اللهو التسلية في المشفى». ومع أنها لا تكره هذا المشروب وأحيانا تشارك به جيرانها، فإن نادية تعده مشروبا «لا يصلح احتساؤه سوى في المنزل خاصة من قبل من يتشاركون الشراب بكأس واحدة».
وتختلف عادات شرب المتة، فهناك مجتمعات يتشاركون فيها الشرب بكأس واحدة ومصاصة واحدة تنتقل من فم إلى فم بعد غسل فوهتها بقطرات من الماء الساخن، وهناك مجتمعات أخرى تكون لكل شخص فيها مصاصة خاصة إما يحملها في جيبه أو يقدمها المضيف، وفي جميع الأحوال «هو مشروب خاص وله طابع حميمي لا يصلح للأماكن العامة ولا يقدم في المقاهي»، كما تقول نادية.
ومع اندلاع الأحداث ارتبطت المتة بـ«الشبيحة» وصار أبناء المناطق المتمردة على النظام من محبي هذا المشروب يميزون أنفسهم عن محبي المتة من الموالين بأنهم يشربون ماركة ببورين (الناعمة) بينما يشرب الموالين ماركة الخارطة (الخشنة). ويقول رامي دمشقي، ويسكن في حي الروضة بدمشق، إنه تعرف على هذا المشروب أثناء دراسته في القلمون «معقل المتة»، حسب تعبيره. ويقول «في البداية لم أحبه ولكن لاحقا بات رفيقي في جلسات الأصدقاء ووقت الدراسة.. إنه مسل جدا فيمكنك طيلة الليل أن تشرب المتة من دون ملل». ويستغرب رامي ارتباطه بالعلويين فجميع رفاقه ممن يشربون المتة مسيحيون ومسلمون من أبناء القلمون، ويقول «من الصعب جدا أن تجد قلمونيا واحدا لا يدمن هذا المشروب السحري». أما في دمشق فقد عانى رامي من عدم وجود المتة في المحال القريبة من بيته في حي الروضة «فهم ينظرون بازدراء لمن يشربه ولكن بعد انتشار الحواجز صار متوفرا».
وبات من الطبيعي جدا رؤية كؤوس المتة وأباريق الماء الساخن تتربع إلى جانب الجنود على الحواجز. والطريف أن الدمشقيين، لا سيما في الأحياء الدمشقية العريقة والراقية، يكرهون هذا المشروب، ولا يتوافر في أسواقهم، ولكن بعد انتشار الحواجز باتت المتة توجد وبكثرة في أسواق «الشعلان»، و«أبو رمانة»، و«الروضة»، و«العفيف»، و«المهاجرين»، وذلك لتلبية طلبات الجنود المنتشرين على الحواجز في المربع الأمني وسط المدينة.
ومع ظهور النزعات الطائفية انتشرت صورة ساخرة كناية عن الوحدة الوطنية تجمع كأس مشروب كحولي يرمز إلى المسيحيين وكأس شاي يرمز إلى المسلمين إلى جانب كأس متة ويشير إلى العلويين. ومع تكرار أزمة شح المتة التي يشربها سكان الساحل انتشرت نكتة تقول «إن باخرة محملة بالمتة غرقت بالبحر على شواطئ سوريا فهرع (الشبيحة) حاملين المصاصات لشفط ماء البحر بعد نقع المتة».
بعد اختفاء المتة من أسواق دمشق منذ نحو ثلاثة أسابيع، ظهرت في الأسواق المتة «الفلش» أو «الفرط» غير المعبئة في عبوات خاصة.. لكن شاربي المتة أقبلوا عليها وسط مخاوف كثيرة بسبب الشائعات التي انتشرت حولها من قبيل أن مزارعها مرتع للخنازير، ومستودعاتها مأوى للفئران والجرذان، وأنها تحوي إشعاعات نووية، أو فيها مواد تستهدف الموالين للنظام من أهالي الساحل.
لكن الذي أدمن شرب المتة لا بد أن يشتري من المتوافر حتى لو لم يكن لذيذ الطعم مثل الذي يأتي من معامل يبرود. ويقول أحمد، من ريف حمص نزح إلى ريف دمشق، إن «الليل بلا متة ممل، والمتة الفلش المتوافرة بلا طعم، لكني مضطر، فقد تعودت شرب المتة يوميا بعد وجبتي الغداء والعشاء، فهي مهضمة وملطفة وتمنح الشعور بالاسترخاء»
أما ربا، التي تعودت حمل علبة المتة في حقيبتها إلى العمل، فلم تستسغ طعم المتة المتوافرة في السوق وراحت توصي صديقاتها بأن يأتين لها بالمتة من السوق الحرة خلال سفرهن إلى لبنان.
ومع أن السوق الحرة التي يملكها رامي مخلوف، ابن خال الرئيس بشار الأسد، لم تكن تعرض بين بضائعها المتة، فقد راحت في السنتين الماضيتين تخصص لها حيزا واسعا في صالاتها. تقول ربا «إنها متة مستوردة لكن ليس لها طعم متة خارطة». وتضيف «أنا مستعدة لأن أدفع ألف ليرة ثمن علبة عيار 300 غرام».
بدوره لفت صاحب سوبر ماركت إلى أن خوف الناس من فقدان بعض المواد التموينية الأساسية جعلهم يتهافتون على شرائها بكميات كبيرة، وقبل انقطاع المتة «كان هناك من يشتريها بكميات كبيرة أدت إلى نفاد الكمية التي كانت مطروحة في السوق».
أما علي، وهو موظف حكومي، فيرى أن «أزمة المتة مفتعلة وبين فترة وأخرى يتلاعب التجار بالسوق لرفع الأسعار». ويضيف أنه اشترى علبة متة منذ أسبوع بـ700 ليرة «وهو رقم خيالي لأن المتة أساسا هي مشروب الفقراء».
وكان وزير التجارة الداخلية وحماية المستهلك، سمير قاضي أمين، قد كشف في وقت سابق عن نية الحكومة عقد اتفاق مع مستوردي مادة المتة، لتحضير عبوات مخصصة لبيعها في صالات «المؤسسة الاستهلاكية» بسعر مخفض عن سعرها في السوق، مشيرا إلى أنها ستكون ذات علامة مميزة كي لا يجري بيعها خارج هذه الصالات ولا يستفيد منها أحد في المضاربة. ولفت الوزير إلى أن الإجراء يأتي كون مادة المتة أصبحت سلعة يومية تهم شريحة واسعة من المواطنين السوريين، مؤكدا أن سعر هذه المادة من المنشأ في الأرجنتين عانى من ارتفاعات بلغت 6 أضعاف أسعارها السابقة، الأمر الذي أدى إلى ارتفاع أسعارها في جميع دول العالم إلا أنها بقيت في سوريا أرخص من جميع الدول المستهلكة لها.



الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
TT

الصبيحي يدعو إلى التهدئة والتزام الحوار الجنوبي المرتقب

الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)
الصبيحي دعا إلى وحدة الصف الجنوبي وللحوار المرتقب برعاية سعودية (سبأ)

في وقت تشهد فيه المناطق اليمنية المحررة حراكاً مستمراً على خلفية تجدد الخطاب المرتبط بـ«القضية الجنوبية»، برزت دعوات رئاسية إلى تغليب التهدئة والحوار، بالتوازي مع تحذيرات أمنية من أي تحركات قد تؤدي إلى زعزعة الاستقرار، وسط مؤشرات على سعي موالين لـ«المجلس الانتقالي الجنوبي»، الذي تم حلّه، إلى إعادة التموضع السياسي والشعبي.

وفي هذا السياق، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني، الفريق الركن محمود الصبيحي، على أن وحدة الصف بين مختلف القوى الوطنية تمثل المدخل الأساسي لعبور المرحلة الراهنة، مؤكداً أن تعزيز حضور مؤسسات الدولة، وإنهاء مظاهر الانقسام، وتحسين الخدمات الأساسية، ومكافحة الفساد، تمثل أولويات لا تقل أهمية عن المسارات السياسية المرتبطة بمستقبل التسوية الشاملة في البلاد.

وقال الصبيحي، في تصريحات رسمية، إن «القضية الجنوبية ستظل أولوية وطنية»، غير أنه ربط معالجتها بانتهاج «مسار يقوم على الحوار البنّاء، وتعزيز التعددية السياسية، وترسيخ ثقافة القبول بالآخر، وبناء مؤسسات دولة قوية وفاعلة قادرة على تلبية تطلعات المواطنين وتحقيق العدالة وسيادة النظام».

وبدا لافتاً أن الصبيحي أعاد التأكيد على خيار «الحوار الجنوبي - الجنوبي الشامل» بوصفه مدخلاً للوصول إلى حل عادل ومستدام، مشيراً إلى أن «هذا المسار ينبغي أن يتم برعاية سعودية، وبما يضمن مشاركة مختلف المكونات الجنوبية»، في صيغة تعكس توجهاً رسمياً نحو احتواء أي محاولات لفرض تمثيل أحادي للقضية الجنوبية أو احتكار الحديث باسم الجنوب.

تحذير من توظيف الشارع

في موازاة هذا الخطاب السياسي، حملت تصريحات الصبيحي رسائل واضحة بشأن طبيعة الحراك المتوقع في الشارع الجنوبي؛ إذ أكد الصبيحي التزام الدولة حماية حق التظاهر السلمي وتأمين المتظاهرين، بوصفه حقاً مشروعاً تكفله القوانين والقيم الوطنية، لكنه شدد في الوقت ذاته على ضرورة ممارسة هذا الحق في إطار من المسؤولية واحترام النظام العام، بما يحافظ على الأمن والاستقرار.

وتعكس هذه الرسائل، وفق مراقبين، مخاوف متنامية لدى السلطات اليمنية من محاولة استغلال حالة السخط الشعبي الناجمة عن تدهور الخدمات الأساسية، خصوصاً الكهرباء والمياه، والانهيار المستمر في قيمة العملة المحلية، لإعادة إنتاج اصطفافات سياسية سابقة، أو الدفع باتجاه مواجهات داخلية في المحافظات المحررة.

عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني محمود الصبيحي (إكس)

ويذهب تقدير سياسي في عدن إلى أن «أي تصعيد ميداني خارج الأطر السلمية سيضاعف من هشاشة الوضع القائم، ويمنح خصوم الحكومة الشرعية فرصة إضافية للاستفادة من الانقسامات الداخلية، في وقت يُفترض أن تتجه فيه الجهود نحو توحيد الجبهة الداخلية في مواجهة التحديات الاقتصادية وتهديد الجماعة الحوثية».

تأهب في حضرموت

وفي حضرموت (شرق اليمن)، بدت السلطات المحلية أوضح في رسم حدود التعامل مع أي تحركات شعبية أو سياسية؛ إذ أكدت «اللجنة الأمنية» في المحافظة أن حرية التعبير عن الرأي حق أصيل يكفله الدستور والقوانين والمواثيق الدولية، وأن السلطة المحلية تنظر إلى هذا الحق بوصفه إحدى ركائز المشاركة المجتمعية.

لكن «اللجنة» شددت، في المقابل، على أن الحفاظ على الأمن والاستقرار والسلم الأهلي يمثل «خطاً أحمر لا تهاون فيه»، مؤكدة أنها لن تسمح «تحت أي مبرر بأي أعمال من شأنها المساس بأمن المواطنين أو تعطيل مصالحهم أو الإخلال بالنظام العام أو الاعتداء على الممتلكات العامة والخاصة».

وأوضحت «اللجنة» أن ممارسة حرية التعبير تظل مرتبطة بالتزام القانون، وعدم الإضرار بالسلم الاجتماعي، أو استغلال التجمعات لأهداف تتجاوز إطار التعبير السلمي المسؤول، مؤكدة أنها ستتعامل بحزم مع أي محاولات للعبث بأمن المحافظة أو ترويع السكان.


اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
TT

اغتيال مسؤول تنموي بارز يهزُّ عدن

عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)
عناصر من قوات الأمن في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن (إعلام محلي)

في جريمة أثارت صدمة واسعة في الأوساط الرسمية والتنموية والحقوقية، هزَّ اغتيال مسؤول تنموي بارز العاصمة اليمنية المؤقتة عدن، في حادثة أعادت إلى الواجهة التحديات الأمنية المعقدة التي تواجهها الحكومة، وأثارت تساؤلات حول تداعيات استهداف الكفاءات الوطنية العاملة في المجالات الإنسانية والتنموية، في وقت تسعى فيه السلطات إلى تثبيت الاستقرار، واستعادة ثقة المانحين الدوليين ببيئة العمل في المناطق الخاضعة لسيطرتها.

وأعلنت الحكومة اليمنية تحركاً عاجلاً على المستويين الأمني والعسكري، عقب اختطاف واغتيال القائم بأعمال المدير التنفيذي للصندوق الاجتماعي للتنمية، وسام قائد، في حادثة وصفتها الأوساط الرسمية بأنها «جريمة غادرة وجبانة» تستهدف مؤسسات الدولة وجهود التنمية، وتستوجب ملاحقة سريعة وحاسمة للمتورطين فيها، وكشف كل ملابساتها أمام الرأي العام.

رئيس مجلس الوزراء اليمني شائع الزنداني (سبأ)

وشهدت الساعات التي أعقبت الإعلان عن العثور على جثة المسؤول اليمني تصعيداً رسمياً؛ إذ تابع رئيس الوزراء وزير الخارجية وشؤون المغتربين شائع الزنداني تطورات القضية، واطَّلع من الأجهزة الأمنية على تقارير أولية بشأن ظروف الحادثة، موجهاً برفع مستوى الجاهزية الأمنية، وتعزيز التنسيق المشترك بين مختلف الوحدات المختصة لتعقب الجناة وضبطهم دون تأخير.

وأكد الزنداني أن الجريمة تمثل اعتداءً مباشراً على مؤسسات الدولة والجهود التنموية والإنسانية التي تُبذل في البلاد، مشدداً على أن الحكومة لن تتهاون مع أي محاولات لزعزعة الأمن أو استهداف الكوادر الوطنية، وأن العدالة ستطول كل من خطط أو نفَّذ أو ساهم في هذه العملية.

كما وجَّه رئيس الحكومة اليمنية بتسخير الإمكانات كافة لدعم جهود التحقيق والرصد والمتابعة، مع الالتزام بإعلان نتائج التحقيقات للرأي العام بشفافية.

تعبئة أمنية واسعة

بالتوازي مع تحركات رئاسة الحكومة، أصدر وزير الداخلية إبراهيم حيدان توجيهات عاجلة إلى القيادات الأمنية في محافظات عدن ولحج وأبين وتعز، تقضي برفع الجاهزية إلى أعلى مستوياتها، وتكثيف العمليات الميدانية لتعقب العناصر المتورطة، مع توسيع نطاق التنسيق بين الأجهزة الأمنية في المحافظات المجاورة لمنع فرار المشتبه بهم أو انتقالهم إلى مناطق أخرى.

واطَّلع وزير الداخلية من مدير شرطة عدن على تفاصيل أولية بشأن واقعة الاختطاف والاغتيال، والإجراءات التي بدأت فور تلقي البلاغ، مؤكداً أن الأجهزة الأمنية لن تدَّخر جهداً في ملاحقة «العناصر الإجرامية» وردع أي محاولات للمساس بأمن واستقرار البلاد، في إشارة تعكس جدية رسمية في التعامل مع القضية، بوصفها اختباراً لقدرة الدولة على فرض القانون.

مجهولون في عدن قاموا باختطاف المسؤول التنموي اليمني وسام قائد واغتياله (إكس)

وحسب معلومات أولية، فقد تعرَّض وسام قائد للاختطاف من جوار منزله في مدينة إنماء، بعد دقائق من وصوله إلى المنزل بسيارته؛ حيث أقدم مسلحون مجهولون كانوا يستقلون سيارة زرقاء على اعتراضه تحت تهديد السلاح، واقتياده بالقوة، بينما تولى أحد المسلحين قيادة سيارته الخاصة. وبعد ساعات، عثرت الأجهزة الأمنية على جثته داخل مركبته في منطقة الحسوة غرب عدن.

وأظهر تسجيل مصوَّر متداول لحظة تنفيذ عملية الاختطاف، في مشهد أثار موجة غضب واستياء واسعين، وسط مطالبات بتسريع التحقيقات، والكشف عن هوية المنفِّذين والجهة التي تقف خلف العملية؛ خصوصاً أن الضحية لم يكن شخصية سياسية ولا أمنية؛ بل كان أحد أبرز الوجوه المرتبطة بمشروعات التنمية والتمويل المجتمعي في اليمن.

خسارة ثقيلة

ويمثل اغتيال وسام قائد خسارة كبيرة لقطاع التنمية في اليمن؛ إذ يُعد من أبرز الكفاءات الوطنية التي كرَّست مسيرتها لدعم المشروعات الصغيرة والمتوسطة، وتمكين المجتمعات المحلية اقتصادياً. وكان قد أسس عام 2005 وكالة تنمية المنشآت الصغيرة والأصغر، التي تحولت لاحقاً إلى واحدة من أبرز المؤسسات التنموية الداعمة لعشرات الآلاف من رواد الأعمال وأصحاب المشاريع الصغيرة في مختلف المحافظات اليمنية.

صورة يظهر فيها الضحية وسام قائد إلى جوار مسؤولة أممية (إكس)

وفي عام 2019، عُيِّن نائباً للمدير العام للصندوق الاجتماعي للتنمية، ثم تولى لاحقاً مهام القائم بأعمال المدير التنفيذي؛ حيث أشرف على برامج تنموية ممولة من مانحين دوليين، تستهدف تعزيز التماسك المجتمعي ودعم سبل العيش والخدمات الأساسية، في بلد أنهكته الحرب والانهيار الاقتصادي.

كما عُرف الضحية -وفقاً للمصادر اليمنية- بعلاقاته المهنية الواسعة مع المؤسسات الدولية، وبخبرته الأكاديمية؛ إذ حصل على درجة الماجستير في الصراع والأمن والتنمية من جامعة برمنغهام البريطانية.


استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
TT

استنفار مصري لمواجهة «نظام الطيبات» مع رواجه

اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)
اجتماع سابق للمجلس الأعلى لتنظيم الإعلام في مصر (الصفحة الرسمية للمجلس)

استنفار رسمي وإعلامي في مصر لمواجهة رواج بدا لافتاً لما يُعرف بـ«نظام الطيبات» الغذائي المثير للجدل، الذي يقوم على رفض العلاج من الأمراض بالأدوية التقليدية، واستبدالها بواسطة نظام غذائي غير علمي، وذلك رغم وفاة صاحبه الطبيب المصري ضياء العوضي في الإمارات قبل نحو أسبوعين.

وفي خطوة لاحتواء «الظاهرة»، التي حذّرت منها وزارة الصحة المصرية، قرر المجلس الأعلى لتنظيم الإعلام (حكومي)، الأحد، إصدار قرار بحظر نشر أو بث أو تداول أي مواد مصورة أو مسموعة أو مكتوبة للطبيب الراحل، مؤكداً أن محتواها قد يضر بالصحة العامة، ويمثل تهديداً مباشراً لحياة المواطنين. كما ألزم القرار جميع الوسائل الإعلامية والمنصات الرقمية بعدم إعادة نشر أو تداول تلك المواد.

وقرّر المجلس رصد المخالفات تمهيداً لاتخاذ الإجراءات القانونية اللازمة، مع إحالة الروابط المخالفة إلى الجهاز القومي لتنظيم الاتصالات لإزالتها، إلى جانب التنسيق مع وزارة الصحة ونقابة الأطباء لإصدار لائحة تنظم الظهور الإعلامي للأطباء خلال الشهر الحالي.

سبق القرار الرسمي حملة انتقادات واسعة قادها إعلاميون مصريون ضد نظام العوضي. وطالب الإعلامي عمرو أديب النائب العام باتخاذ إجراءات ضد من يروجون لهذا النظام عبر مواقع التواصل الاجتماعي، قائلاً خلال برنامجه على قناة «إم بي سي مصر» إن «أي شخص يروج لنظام الطيبات مجرم».

كما دعا الإعلامي أحمد موسى الجهات المعنية إلى حذف جميع الفيديوهات المرتبطة بالنظام الغذائي من القنوات التلفزيونية ومنصات التواصل الاجتماعي، عادّاً أنها تُشكّل خطراً على المواطنين، ومتهماً العوضي بالترويج لنظام غذائي يؤدي إلى تفاقم الأمراض والتسبب في وفاة بعض المرضى، خصوصاً المصابين بالسكري، وذلك خلال برنامجه التلفزيوني.

الطبيب المصري الراحل ضياء العوضي (صفحته على فيسبوك)

وكان العوضي، وهو استشاري تخدير وعناية مركزة، ممنوعاً من ممارسة المهنة قبل وفاته، وفق ما أعلنته نقابة الأطباء المصرية، التي شطبت عضويته من جداولها بعد اتهامه بنشر معلومات طبية مضللة وغير مدعومة علمياً عبر وسائل التواصل الاجتماعي.

ويقوم «نظام الطيبات» الذي روّج له العوضي على تصنيف الأطعمة إلى «طيبات» مناسبة للجسم، وأخرى «غير ملائمة» يجب الامتناع عنها. ومن بين الممارسات التي دعا إليها شرب الماء فقط عند الشعور بالعطش، دون الإكثار منه.

كما أثار الجدل بعد تحذيره من تناول الدواجن، وزعمه أن منتجات الألبان تحتوي على مواد خطيرة، إلى جانب تفضيله الإفطار بـ«النوتيلا» بدلاً من الأطعمة التقليدية مثل الفول، والدعوة إلى استهلاك كميات كبيرة من السكر يومياً، والتحذير من تناول الخضراوات رغم قيمتها الغذائية المعروفة.

ورغم وفاة العوضي، فإن الانقسام المجتمعي حول نظامه الغذائي لا يزال متصاعداً، إذ يواصل بعض مؤيديه الترويج له بشكل جماعي، بينما يعده آخرون «خرافة» و«دجلاً».

وازدادت مؤشرات القلق الرسمي مع ارتفاع معدلات تداول المقاطع المصورة التي تروج للنظام الغذائي عبر مواقع التواصل الاجتماعي، والدفاع المستميت من مؤيديه عن هذا النظام.

وكشف صاحب أحد المخابز المتخصصة في إنتاج خبز الشعير والحبة الكاملة عن زيادة ملحوظة في الإقبال على هذا النوع من الخبز (الذي روج له العوضي لفوائده) في تصريحات تداولتها وسائل إعلام محلية، حيث أكد أن الطلب امتد إلى محافظات عدة بينها سوهاج والإسكندرية وأسيوط والمنيا، وأن بعض الزبائن يشترون كميات تصل إلى 35 و40 كيلوغراماً لتوزيعها على أسرهم.

تحذير الصحة

وسارع المتحدث باسم وزارة الصحة حسام عبد الغفار إلى التحذير من إعادة تقديم الأفكار أو الممارسات التي سُحبت مشروعيتها رسمياً، بوصفها محل جدل أو اختلاف، لما تمثله من خطورة على المجتمع، حسب منشور عبر صفحته الرسمية على «فيسبوك»، السبت.

ومن دون الإشارة المباشرة إلى العوضي، أكد عبد الغفار أن سحب ترخيص مزاولة المهنة من أي طبيب «يمثل إعلاناً واضحاً بأن استمرار مثل هذه الممارسات يُشكّل خطراً حقيقياً لا يمكن التغاضي عنه، ويستوجب تدخلاً حاسماً لحماية الصحة العامة».

البرلمان

ولم يغب البرلمان المصري عن موجة التحرك ضد انتشار هذه الظاهرة، إذ كشفت لجنة الصحة بمجلس النواب عن إعداد تعديلات تشريعية تستهدف تغليظ العقوبات بحق مروجي المعلومات الطبية غير المثبتة علمياً، أو من يدفعون المرضى إلى التخلي عن العلاجات المعتمدة.

في المقابل، رأى الدكتور مجدي مرشد، وكيل اللجنة، أن التشريعات المنظمة لمواجهة التصريحات والوصفات الطبية العشوائية موجودة بالفعل، مشدداً على أن الأزمة الأساسية تكمن في ضعف تطبيق القوانين على أرض الواقع.

بدورها، أكدت عضوة لجنة الصحة بمجلس النواب، النائبة إليزابيث شاكر لـ«الشرق الأوسط» أن صحة المواطنين «لا تقبل المساومة»، محذرة من مخاطر الترويج لأنظمة غذائية غير معتمدة علمياً. وقالت البرلمانية المصرية إن أي نظام غذائي لا يستند إلى أبحاث ودراسات موثقة ومعترف بها عالمياً من مراكز بحثية ذات مصداقية قد يشكّل تهديداً مباشراً للصحة العامة، خصوصاً مع الانتشار الواسع للمحتوى الغذائي والطبي عبر مواقع التواصل الاجتماعي من دون رقابة كافية.

وأيدت بدء تحرك تشريعي عاجل لتنظيم كل من المحتوى الطبي والغذائي، ومحاسبة مروجي المعلومات المضللة، إلى جانب إطلاق حملات توعية موسعة لتعريف المواطنين بمخاطر اتباع الأنظمة الغذائية غير الموثوقة، مع التأكيد على أهمية الرجوع إلى الأطباء والمتخصصين قبل تبني أي نظام علاجي أو غذائي متداول عبر الإنترنت.

نقيب الأطباء

وسط هذه التحركات يذهب نقيب الأطباء المصريين أسامة عبد الحي إلى الاعتقاد بأن التحركات الحكومية لمواجهة ما وصفه بـ«ظواهر الدجل الطبي» كان ينبغي أن تبدأ مبكراً، محذراً من خطورة الترويج لأنظمة علاجية أو غذائية غير معتمدة علمياً، خصوصاً في القرى والأرياف التي تنتشر فيها بعض أساليب العلاج الشعبي والاعتماد على مواد غذائية بوصفها بديلاً للعلاج الطبي.

وأكد عبد الحي لـ«الشرق الأوسط» أن هذه الممارسات قد تتسبب في أضرار صحية «مدمرة» للمواطنين، مشيراً إلى أن نقابة الأطباء تحركت مبكراً ضد الطبيب الراحل في مارس (آذار) الماضي.

وسط هذا الاستنفار، تبقى التحركات الأمنية مهمة وتأتي من منظور الخبير الأمني اللواء إيهاب يوسف، لملاحقة هذه الظواهر، إلى جانب تضافر جهود وزارة الصحة ونقابة الأطباء والتوعية المجتمعية لتجفيف المنابع، حسبما قال لـ«الشرق الأوسط».