بوتين في فيلم «النظام العالمي»: هل تدركون ما اقترفتم من آثام في الشرق الأوسط؟

أوروبا تنازلت عن بعض سيادتها لواشنطن وليس للناتو

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء تلفزيوني لخص أحداث عام 2015 («الشرق الأوسط»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء تلفزيوني لخص أحداث عام 2015 («الشرق الأوسط»)
TT

بوتين في فيلم «النظام العالمي»: هل تدركون ما اقترفتم من آثام في الشرق الأوسط؟

الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء تلفزيوني لخص أحداث عام 2015 («الشرق الأوسط»)
الرئيس الروسي فلاديمير بوتين في لقاء تلفزيوني لخص أحداث عام 2015 («الشرق الأوسط»)

فيما كان العالم يلملم شتات ما تناثر من آثام وكوارث حفل بها العام الذي اقترب من نهايته مع ما بقي من لحظات في عام 2015، أطل الرئيس فلاديمير بوتين على الملايين من مشاهديه في الداخل والخارج ليواجههم بما حمله ويحمله في جعبته من رؤى وتوقعات. طرح الرئيس الروسي في حواره مع فلاديمير سولوفيوف أحد أشهر الإعلاميين التلفزيونيين في روسيا اليوم، الكثير من الأحكام والرؤى التي حرص سولوفيوف أن يودعها صدارة أحداث فيلمه الوثائقي الذي اختار له عنوان «النظام العالمي».
في إطار أكبر نسبة من المشاهدة طالما حظيت بها مثل هذه الأعمال الإعلامية الجماهيرية التي تقدمها القنوات التلفزيونية الإخبارية الروسية، عرضت قناة «روسيا-1» الروسية الرسمية فيلم «النظام العالمي» الذي استعرض فيه الرئيس الروسي مع عدد من رموز السياسة العالمية أهم الأحداث السياسية التي قَضّت، ولا تزال، مضاجع الملايين من ضحاياها في مختلف بلدان العالم، وفي مقدمتها بلدان الشرق الأوسط وشمال أفريقيا. تناول بوتين قضايا ومشكلات هاتين المنطقتين من منظور رؤية شاملة تنطلق من سياساته الخارجية ومن واقع علاقاته ولقاءاته مع نظرائه من زعماء الكثير من بلدان العالم.
وقد حرص القائمون على إعداد وإنتاج هذا الفيلم الوثائقي على توفير الفرصة لبوتين وغيره من زعماء العالم لتوضيح رؤاهم وتقديراتهم لما جرى ويجري من تحولات وأحداث كثير منها يحدد ملامح المستقبل خلال الأيام والأشهر، بل والسنوات القليلة المقبلة، ومدى ارتباط ذلك بما لحق من ويلات وكوارث بالكثير من البلدان والشعوب. وفي هذا الصدد كانت صيحة بوتين: «هل تدركون ما اقترفتم من آثام في ليبيا والشرق الأوسط؟»، التي كانت في صدارة العناوين الرئيسية لكلمته التي ألقاها في الدورة الأخيرة للجمعية العامة للأمم المتحدة في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي. وقد تلقفت أجهزة الإعلام والصحف الروسية ما كشف عنه الرئيس بوتين من مواقف وتوجهات لتدفع بها إلى صدارة نشراتها الإخبارية، فيما أدارت حولها الكثير من حلقات النقاش والبرامج الحوارية. وكان بوتين حمل في حديثه على الكثيرين من الزعماء الغربيين الذين اتهمهم صراحة بالمسؤولية عما شهدته ليبيا وغيرها من بلدان المنطقة العربية والشرق الأوسط من كوارث ومآس لم تُفق بعد من ويلاتها. وأوضح بوتين في معرض حديثه مع سولوفيوف أنه قصد «ماذا فعلوا ببلدان الشرق الأوسط وخصوصا في العراق وليبيا». وفي معرض الحديث عما لحق بليبيا من كوارث وما اقترفه البعض من جرائم، استعاد الرئيس الروسي ما أسفر عنه قرار مجلس الأمن الدولي حول حظر الطيران في سماء ليبيا من نتائج مأساوية، زادت حدتها تحت وقع تفاقم ما أسفر عنه عدم التزام التحالف الغربي بهذا القرار.
وأعاد إلى الأذهان الغارات الجوية التي قامت بها طائرات «الأطلسي» فوق الأراضي الليبية، وأبعاد ما بذلته البلدان الغربية من جهود للإطاحة بالنظام في ليبيا. قال بوتين إنهم «أسقطوه وقتلوا القذافي السيئ الحظ بطريقة وحشية»، فيما تساءل: «وماذا بعد ذلك؟ هل حلت الديمقراطية محل النظام السابق؟»، ليخلص إلى قوله «إنه سرعان ما قُتل سفير الولايات المتحدة بطريقة وحشية بعد بضعة أشهر». وأضاف بوتين «إن الأميركيين القابعين وراء المحيط لا يفكرون في العواقب السلبية الممكنة، ويواصلون عملياتهم غير عابئين بالعمليات الفاشلة. ولكي تستمر زعامتهم يستخدمون القوة». على أن بوتين ورغما عن كل ذلك يظل يحمل بين جوانحه قدرا من التفاؤل كشف عنه في قوله «إنه لا يرى مع ذلك، أن العالم أصبح على شفير الكارثة»، وذلك لأن «المتعقلين موجودون في كل مكان، في أوروبا وفيما وراء المحيط وفي آسيا». وكان سولوفيوف استشهد أيضا في شريطه الوثائقي «النظام العالمي» بما قاله الناطق الرسمي باسم الكرملين ديمتري بيسكوف الذي أعرب بدوره عن قلق الكرملين تجاه ظهور مصطلح جديد في عالم التوصيف السياسي، وهو ما يسمى «آسيا الوسطى الكبرى» الذي قال إنه «يرمي إلى إعادة تسمية آسيا الوسطى وتصنيفها». وذكر بيسكوف أن هذه التسمية تعيد إلى الأذهان مصطلح «الشرق الأوسط الكبير» الذي تحولت البلدان المعنية به إلى ميدان لسلسلة مما يسمى «الثورات الملونة» وما تمخض عنها. وأضاف «عندما بدأ الحديث عن (الشرق الأوسط الكبير) في أواخر القرن الماضي، أخذ الخبراء يتداولونه، ومن ثم أصبح القادة والزعماء يتناقلونه عنهم، كما حمل هذا المصطلح طابعًا نظريًا في بادئ الأمر، إذ لم يكن يبدو أنه قابل للتطبيق عمليا». ومضى ليقول: «إننا نرجح أن تكون سلسلة (الثورات الملونة)، التي كان من المقرر لها ألا تخرج عن نطاق (الفوضى الموجهة)، اندلعت تحديدًا في إطار ما أطلق عليه الشرق الأوسط الكبير». وفي معرض التعليق على الأوضاع في سوريا وأوكرانيا، ذكر بيسكوف أن زعزعة الاستقرار في سوريا تمت وفقًا لنفس سيناريو «الثورة الملونة» في أوكرانيا، معتبرًا أن تقنية «الثورات الملونة» متطابقة، نظرًا لاستنساخها وإعادة استخدامها المتكرر في مناطق متعددة من العالم. وقال أيضا «إن كل ما شهدناه في أوكرانيا منذ عامين يحمل من حيث المضمون الكثير من الصفات لما يحدث في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا في الوقت الراهن.
ونعود ثانية إلى بوتين وما قاله في معرض تناوله لجوانب العلاقات الدولية المعاصرة على ضوء ما نجم عن سقوط أوروبا في شرك المخططات الأميركية. أوضح الرئيس الروسي فلاديمير بوتين أنه «كان من الأفضل لأوروبا أن تشارك في صياغة وتبني القرارات بدلا من الامتثال للتوجيهات الأميركية». وأضاف أن «مشكلة أوروبا تتمثل في كونها لا تنتهج سياسة خارجية مستقلة»، وأنها أي أوروبا وعلى حد اعتقاده، «سلّمت بعضا من سيادتها إلى حلف الناتو، وإلى الولايات المتحدة الأميركية بالدرجة الأولى». وأشار بوتين إلى أنه لا ينتظر من أوروبا أن تغير مسارها الشمال أطلسي، لكن من الصحيح أن لا تتبع أوروبا إملاءات الولايات المتحدة فقط، بل وأن تشارك في إيجاد الحلول». وأضاف «نحن لا ننتظر من شركائنا، أن يتخلوا عن توجههم الأوروأطلسي، لكننى أعتقد، أنه سيكون من الصواب لو أن شركاءنا في أوروبا، شاركوا على الأقل في إيجاد الحلول، بدلا من أن يتقبلوا في كل مرة، الأوامر الصادرة من وراء المحيط». وذلك يعيد إلى الأذهان ما سبق وقاله بوتين في معرض حديثه في الشريط الوثائقي المكرس لنجاح روسيا في إتمام عملية ضم القرم الذي بثه التلفزيون الروسي في وقت سابق من العام الماضي. وكان الرئيس الروسي أشار آنذاك إلى دهشته من استمرار تدخل الدوائر الغربية في شؤون بلاده والمناطق المجاورة بقوله: «أنتم على مسافة آلاف الكيلومترات من أراضينا.. ماذا تريدون؟ أما نحن.. فنعرف ماذا نريد!».
وفيما يتعلق بالأزمة السورية قال بوتين «إن القوات الروسية لم تستخدم في عمليتها في سوريا جميع إمكانياتها العسكرية»، مشيرا إلى أن هناك وسائل إضافية قد تستعملها موسكو في حال ما استدعت الضرورة ذلك. وأضاف «نحن نرى كيف أن الطيارين الروس ورجال الاستخبارات يعملون في سوريا بشكل فعال، وكيف أنهم ينجحون في تنسيق خطواتهم المشتركة»، فيما أكد أن جميع أفرع القوات الروسية بما فيها الجيش والقوات البحرية وسلاح الجو تستخدم أحدث أنواع الأسلحة. وأشار بوتين إلى أن «الوضع في العالم صعب جدا وأن التوتر يتزايد في منطقة الشرق الأوسط وفي مناطق أخرى وأن الإرهابيين قد بدأوا بالحرب علنا على المجتمع الدولي وأن خططهم وأعمالهم تشكل تهديدا مباشرا على روسيا». ولم يغفل بوتين بطبيعة الحال علاقات بلاده مع تركيا وموقفه الشخصي من رمزها الأول رجب طيب إردوغان. وبهذا الشأن حمل بوتين ضد القيادة التركية وأعاد إلى الأذهان اتهاماته لها بالخيانة وتوجية «طعنة في الظهر»، فيما استعرض موقفها وعلاقاتها مع الفصائل الإرهابية و«داعش» في المنطقة.



البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
TT

البث المباشر على المنصات أداة ربح تؤثر في الجودة

جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)
جانب من احد استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب.)

مع تزايد الاعتماد على منصّات التواصل مصدراً للمعلومات، وفي ظل دراسات تتحدث عن سعي الجمهور لمتابعة الأحداث بشكل لحظي، باتت تقنية «البث المباشر» إحدى الأدوات الرئيسة التي تعتمدها وسائل الإعلام العالمية والعربية لتحقيق الانتشار الجماهيري وزيادة العوائد المالية. وحقاً، «تشير دراسات عدة إلى أن خدمات البث المباشر توفر فرصة لتحقيق الربح، لا سيما في مجالات التغطية الإخبارية الحية والمقابلات والفعاليات»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس»، حيث «تسمح منصات مثل (يوتيوب) و(فيسبوك) للمؤسسات الإخبارية ببث الأحداث في وقتها الفعلي، وغالباً ما يكون ذلك مدعوماً بالرعايات أو تبرّعات المشاهدين». وأفادت «أسوشييتد برس» بأن «منصّات التواصل أصبحت قنوات حيوية لتوزيع الفيديو وتحقيق العائدات المادية؛ إذ يمكن للمؤسسات الإخبارية توليد أرباح من مشاركة محتوى فيديو على منصات مثل (تيك توك) و(إنستغرام) و(إكس)».

عربياً، تزايد اعتماد مؤسسات إعلامية وصحافية كبرى على خدمات «البث المباشر» لا سيما مع الأحداث الكبرى، ما عدّه خبراء وسيلة لتحقيق الانتشار وزيادة العوائد المالية، والتي تؤثر على جودة المحتوى ودقة المعلومات.

ولقد أكدت الدكتورة مي عبد الغني، أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي في ليبيا والباحثة في الإعلام الرقمي، خلال لقاء مع «الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر في الصحافة الرقمية العربية أصبح نموذجاً ربحياً متكاملاً وأداة للهيمنة الخوارزمية ضمن ما يُعرف باقتصاد التفاعل اللحظي». ولفتت إلى أن «البث المباشر وفّر مسارات ربحية بديلة للإعلانات التقليدية مع خفض النفقات التشغيلية بنسبة 60 في المائة خلال البث السحابي».

تقرير «معهد رويترز»

كذلك أوضحت عبد الغني أنه «على صعيد الانتشار، فإن البث المباشر يستمد قوته من الانحياز الخوارزمي للمنصات التي تمنحه أولوية الظهور العضوي». وفي هذا الصدد، أشارت إلى تقرير «معهد رويترز لدراسات الصحافة»، العام الماضي، وتقرير «الابتكار الإعلامي» لعام 2026 بشأن «دور الآنية في تعزيز الموثوقية والمكاسب الرأسمالية للمؤسسات الإعلامية». وأردفت أن «نماذج عربية تتصدر المشهد، إضافة إلى مواقع صحافية عدة على النطاق العربي تتبارى في استخدام البث المباشر لتحقيق مكاسب».

وتابعت عبد الغني أنه رغم مزايا «البث المباشر» وقدرته على «نقل الأحداث بشكل آني، وزيادة التفاعل مع الجمهور وتعزيز المصداقية، فإن البث المباشر يواجه تحديات جوهرية تبدأ بخطر انتشار المحتوى المضلل نتيجة تغليب سرعة النشر على حساب الدقة وعمليات التحقق». كذلك تطرّقت إلى أن «ثمة تبعات أخلاقية وقانونية أيضاً، حيث يتسبب البث المباشر في أزمات تتعلق بانتهاك الخصوصية، كما يزيد من الضغوط النفسية على الصحافيين، ويؤدي لتراجع العمق الصحافي وتآكل الاستقلالية التحريرية لصالح معايير الانتشار اللحظي».

من جهة ثانية، أطلقت منصة «فيسبوك» خدمة البث المباشر في أبريل (نيسان) عام 2016، وكانت الخدمة في البداية متوافرة لمجموعات معينة قبل أن تتيحها للجميع. ومنذ إطلاقها بدأت المواقع الصحافية والإعلامية على مستوى العالم استخدامها، وتزايد استخدام النطاق العربي مع «فيسبوك» نهاية عام 2020، عندما منحت عائدات مالية لناشري فيديوهات البث المباشر نظير بيعه إعلانات تظهر في أثناء البث.

وحول هذا الموضوع، تحدث مهران كيالي، الخبير في إدارة وتحليل بيانات «السوشيال ميديا» بدولة الإمارات العربية المتحدة، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، عن «صعود واضح للبث المباشر على وسائل التواصل الاجتماعي من قبل العديد من الوسائل الإعلامية... وهذا الصعود طبيعي بسبب اعتماد معظم الناس حالياً على استقاء المعلومات من منصات التواصل».

وفي حين أكّد كيالي مزايا البث المباشر، فإنه أشار إلى «مشكلة أساسية وهي أن بعض البلدان لا تمتلك سرعات إنترنت كافية تسمح بمتابعة البث المباشر دون تقطيع، ما يؤثر على تجربة المشاهدة بشكل كبير».

شعار "غوغل" (رويترز)

أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات

أما الصحافي المصري المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي، محمد فتحي، فذكر أن «البث المباشر عبر المنصات لم يعد مجرد خيار تحريري، بل أصبح أداة رئيسة في استراتيجيات المؤسسات الإعلامية، بسبب تغيّر سلوك الجمهور من شاشات التلفزيون إلى الهواتف الذكية». وأضاف: «البث المباشر يسهّل الوصول للجمهور ويحقّق عوائد مادية مباشرة من خلال الإعلانات المدمجة، والرّعايات وميزات الدعم المباشر من المتابعين مثل نظام النجوم في (فيسبوك)، أو الهدايا في (تيك توك)».

ولفت فتحي، في لقاء مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الإحصائيات تشير إلى أن المستخدمين يمضون وقتاً أطول بـ3 أضعاف في مشاهدة الفيديوهات المباشرة مقارنة بالفيديوهات المسجلة»، غير أن هذه الميزة «تكتنفها عيوب وتحديات، على رأسها غياب السيطرة التحريرية، والاعتماد المفرط على التقنيات الذكية، بالإضافة إلى خطر نشر الشائعات على حساب الدقة والتحقق الكافي، والوقوع تحت رهن الخوارزميات الخاصة بالمنصات، ما قد يتسبب في تغيير السياسات التحريرية والمهنية».

من جهته، أوضح الصحافي اللبناني محمود غزيل، المدرّب في مجال التحقق من المعلومات، لـ«الشرق الأوسط»، أن «البث المباشر بات أداة قوية لسرعة الوصول للمستخدمين، وإحدى أبرز الأدوات التي أعادت تشكيل العلاقة بين المؤسسات الإعلامية والجمهور»، مضيفاً أن «معظم المؤسسات الإعلامية تعتمد بشكل متزايد على البث المباشر عبر منصّاتها الرقمية، إلى جانب البث التلفزيوني».

وأرجع غزيل ذلك إلى «تنبّه تلك المؤسسات إلى أن المشاهد لم يعُد جالساً أمام شاشة، كما كانت العادة في السابق، كما أن الجمهور العربي بات أكثر انتقائية؛ إذ يبحث عن المواد التي يراها أكثر قرباً من تطلعاته، ويرغب في متابعة الأحداث لحظة بلحظة وحتى أحياناً التفاعل معها».

ووفق غزيل، يحقق البث المباشر مزايا عدّة، لخصها بـ«إتاحة التواصل الفوري مع الجمهور، وإيصال المعلومة إلى جمهور عالمي من دون قيود جغرافية»، ولكن في الوقت نفسه «يحدّ من قدرة المؤسسات على مراجعة أو تعديل المحتوى، ما يزيد من مخاطر الأخطاء، كما أنه يتأثر بقوة الإنترنت، ويعرض المؤسسة لتبعات قانونية حال انتهاك الخصوصية».

وبحسب غزيل، «البث المباشر، هو أحد أهم محركات التحول في الإعلام العربي، وأداة لا غنى عنها لتعزيز التفاعل، والمصداقية، والابتكار، بشرط أن يُدار بمهنية، ومسؤولية، ووعي بالتحديات والفرص التي يفرضها العصر الرقمي».

وراهناً، يقدّر حجم سوق البث المباشر العالمي، وفق ما نشره موقع «غراند فيو ريسيرش»، بنحو 87.55 مليار دولار أميركي في عام 2023. ومن المتوقع أن يصل إلى345.13 مليار دولار أميركي بحلول عام 2030، مسجلاً معدل نمو سنوي مركب قدره 23.0 في المائة خلال الفترة من 2024 إلى 2030.


كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)
TT

كيف تضاعف المؤسسات الإعلامية أرباحها من «فيسبوك»؟

شعار "فيسبوك" (د ب أ)
شعار "فيسبوك" (د ب أ)

أصدرت شركة «ميتا»، مالكة منصة «فيسبوك»، تحديثات جديدة «تهدف إلى مساعدة منشئي المحتوى لتعميق استفادتهم من أدوات تحقيق الربح المتطورة على المنصة»، وذلك بالتزامن مع سعي الشركة إلى «زيادة معدلات التفاعل داخل التطبيق في خضم المنافسة المحتدمة مع منصات أخرى».

هذا الأمر، أثار تساؤلات حول كيفية استغلال المؤسسات الإعلامية للنموذج الربحي الجديد من المنصة لتعزيز عوائد مستدامة. وللعلم، كانت «ميتا» قد أكدت نهاية مارس (آذار) الماضي أنها «تهدف إلى دعم صُناَّع المحتوى من خلال تحقيق مزيد من الأرباح، كما تسعى لمكافأة المحتوى الأصلي، عبر تخصيص عوائد متدفقة تشمل أنماطاً متعددة من المحتوى، مثل الفيديو القصير، والصور، وكذلك المنشورات النصية وحتى القصص التي لها إطار زمني».

الشركة قدَّمت توصيات عدة، عدّتها شروطاً لتعزيز عوائد مستدامة لصناع المحتوى، إذ أوصت بتجربة أنواع مختلفة من المنشورات، بما في ذلك الصور والنصوص والقصص، لفهم ما يفضِّله الجمهور. إلا أنَّها وضعت الفيديو القصير «الريلز» في صدارة الاهتمامات. وأشارت أيضاً، إلى أنَّ «أصالة المحتوى» عامل مهم لتحقيق أرباح. وفي المقابل، حذَّرت في إرشاداتها من محاولات الوصول التي تعتمد على التلاعب بالخوارزميات، مثل الجمل التحفيزية على شاكلة «شاهد حتى النهاية»، ما لم يكن المحتوى يُقدِّم قيمةً حقيقيةً وملموسةً للمشاهد.

«ميتا» تفيد بأنَّ مقاطع «الريلز» هي المُحرِّك الأساسي للأرباح في الوقت الراهن، فمن بين نحو 3 مليارات دولار دفعها موقع «فيسبوك» لمنشئي المحتوى في عام 2025، استحوذت مقاطع «الريلز» وحدها على 60 في المائة من إجمالي هذه المدفوعات.

محمد الفياض، الباحث في الإعلام الرقمي، أوضح لـ«الشرق الأوسط» أنَّ التحوُّل الأساسي هو الانتقال من «اقتصاد الإحالة» إلى «اقتصاد المنصة». وأردف: «غرف الأخبار لم تعد تُصمِّم محتواها ليدفع المستخدم للنقر ومغادرة فيسبوك نحو موقعها؛ بل صارت تعيد هيكلة فرقها لإنتاج محتوى أصيل يُستهلك بالكامل داخل المنصة، وتحديداً عبر الفيديو القصير».

وشدَّد الفياض على أنَّ «المعايير الآن أصبحت تقنية وإحصائية أكثر منها صحافية تقليدية لتحقيق الربح. إذ يجب أن يتجاوز المحتوى عتبة القيمة المضافة، أي أنَّ مجرد نقل الخبر لم يعد كافياً، بل يجب أن يتضمَّن رؤية أو تحليلاً خاصاً بالمؤسسة». وتابع إن «الخوارزمية الآن تقيس الجودة من خلال معدل الإكمال، أي عدد مشاهدة الفيديو، والتفاعل النوعي - أو النقاشات في التعليقات -، ببساطة، الجودة التي تدرّ مالاً هي التي تبقي المستخدم أطول فترة ممكنة داخل التطبيق».

وعن جدّية المنصة في دعم المحتوى الأصلي، قال الفياض: «تاريخياً تحرّكت فيسبوك وفق البراغماتية الاقتصادية»، واهتمامها الحالي بالمحتوى الأصلي «يندرج تحت بند التنافسية الاستراتيجية للبقاء في سوق المنصات أمام المنافسين، وهو قرار يرتبط بجدوى الأعمال ومسار السوق».

من جهة ثانية، قال عبد الله جمعة، الباحث في التسويق الرقمي، لـ«الشرق الأوسط» إنَّ «فيسبوك» تنتهج مساراً جديداً فيما يتعلق بتعزيز الأرباح منذ أواخر العام الماضي. وأوضح أن هذا المسار ظهر من خلال دعم أشكال الفيديو، حيث منحت المنصة الأولوية للفيديوهات القصيرة (الريلز) من خلال تمديد الإطار الزمني. وهكذا لم تعد مقيدة بعدد دقائق، كما اتجهت لتحويل أنماط الفيديو الأخرى لنمط الريلز، مستفيدة من النجاح الكبير الذي حققه هذا النوع خلال السنوات الماضية، في ظلِّ المنافسة مع باقي المنصات.

وأضاف جمعة: «هذا التغيير أتاح لصالات الأخبار ميزةً مهمةً، وهي عدم التقيُّد بمدة محددة، ما منح الفيديوهات الأطول فرصةً أكبر لظهور الإعلانات، وبالتالي تحقيق أرباح أعلى». واستطرد شارحاً أن دعم «فيسبوك» لهذا البرنامج غيَّر خريطة الأرباح إلى حد ما، و«زادت عوائد الصور بشكل ملحوظ، بينما تراجعت أرباح الفيديو مقارنة بالسابق، في إطار تنويع مصادر الدخل داخل المنصة».

وبحسب جمعة «تعمل فيسبوك حالياً على وضع قيود كبيرة على المحتوى السطحي أو المعاد، في مقابل دعم المحتوى الأصلي غير المكرَّر الذي يقدِّم قيمةً حقيقيةً مثل التحليل أو المعلومات، مع الحفاظ على تفاعل الجمهور ومدة مشاهدة جيدة».

ثم أشار إلى سبيل آخر يمكن للمؤسسات أن تحقِّق من خلاله أرباحاً مستدامة اعتماداً على المسار المستحدث لمنصة «فيسبوك»، قائلاً: «المنصة تتجه حالياً لخلق مسارات جديدة لتحقيق الأرباح، من بينها دعم المعجبين والاشتراكات، التي بوشر بتطبيقها في بعض الدول الأوروبية بوصفها تجربةً قبل التعميم». وأضاف: «بالنسبة للعالم العربي، فإنه يمكن للمؤسسات تحقيق أرباح ثابتة من هذا المسار، لكن بشروط واضحة، أهمها، تقديم محتوى بنّاء، والاعتماد على شخصيات موثوقة ومحببة للجمهور، وتقديم مزايا حقيقية للمشتركين. وفي هذه الحالة يتحوَّل الجمهور من مجرد متابع إلى داعم حقيقي».


استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
TT

استهداف إسرائيلي لكادر «الإخبارية السورية» أثناء تغطية سقوط مسيرة إيرانية

تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)
تغطية إعلاميين سوريين في القنيطرة لتجمع الأهالي احتجاجاً على السياسات الإسرائيلية (مركز القنيطرة الإعلامي)

استهدفت قوات الاحتلال الإسرائيلي كادر «الإخبارية السورية» وعدداً من الإعلاميين بشكل مباشر أثناء تغطيتهم سقوط مسيرة إيرانية بفعل الدفاعات الجوية، دون تسجيل إصابات.

وأوضح مراسل القناة، أنه نجا بأعجوبة من القصف الإسرائيلي بعد سقوط القذيفة المدفعية بجانبه وما ألحقته من تناثر الشظايا في المكان، إضافة لنجاة بقية الإعلاميين الذين كانوا موجودين في المنطقة المستهدفة.

وأضاف المراسل أن الجيش الإسرائيلي أطلق قذائف هاون بين قرية الصمدانية الغربية وسدّ المنطرة في ريف القنيطرة الأوسط، دون ورود معلومات عن إصابات إضافية.

وفي 11 نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، توغلت قوات الاحتلال الإسرائيلي عند أطراف مدخل قرية الصمدانية الشرقية، ضمن سلسلة انتهاكات مستمرة جنوب البلاد. وأقامت القوات وفق ما أفاد مراسل «الإخبارية» حاجزاً عند مفرق الصمدانية - العجرف مؤلفاً من ثلاث آليات عسكرية.

وتستمر قوات الاحتلال في اعتداءاتها وتوغلاتها داخل الأراضي السورية، ولا سيما في ريفي القنيطرة ودرعا، وتنفذ اعتداءات بحق المدنيين واعتقالات وتخريب.

الباحث السوري نوار شعبان، وصف ما جرى في القنيطرة بأنه لا يمكن التعامل معه بوصفه حادثة عابرة، بل يمثل تطوراً خطيراً، لأنه لا يتعلق فقط باعتداء عسكري، بل باستهداف مباشر لعمل إعلامي وصحافي.

وأضاف في تغريدة على منصة «إكس»، أن الإعلاميين كانوا يقومون بعملهم الطبيعي في نقل ما يجري على الأرض، وهو عمل يفترض أن يكون محمياً وفق القوانين الدولية التي تحمي الصحافيين أثناء النزاعات. مشدداً على أن استهدافهم بهذا الشكل يفتح سؤالاً كبيراً حول سلامة العمل الإعلامي في الجنوب السوري، خاصة في ظل تكرار القصف والتوغلات الإسرائيلية في ريف القنيطرة خلال الفترة الأخيرة.

صورة للقصف الإسرائيلي على موقع تجمع الصحافيين السوريين في القنيطرة (متداولة)

وطالب شعيب وزارة الخارجية السورية بإصدار بيان رسمي واضح يدين هذا الاعتداء ويستنكره، ويضعه في إطاره الصحيح كونه استهدافاً لحرية العمل الإعلامي وسيادة الأراضي السورية، معتبراً أن ترك مثل هذه الحوادث دون موقف رسمي يعني تحويلها إلى أمر اعتيادي.

عناصر من قوات الأمم المتحدة تتفقد بقايا الصاروخ في قرية الحيران بريف القنيطرة (سانا)

وكانت قوات الاحتلال الإسرائيلي قد توغلت، الثلاثاء، على الطريق الواصل بين قرية نبع الفوار في ريف القنيطرة الشمالي، وقرية حرفا في ريف دمشق الغربي.

وذكر مراسل «سانا» في القنيطرة، أن قوة للاحتلال مؤلفة من عدة آليات عسكرية توغلت على الطريق الواصل بين القريتين، ونصبت حاجزاً مؤقتاً في المنطقة، وعمدت إلى تفتيش المارة، دون ورود أنباء عن أي حالات اعتقال.

ويواصل جيش الاحتلال الإسرائيلي اعتداءاته وخرقه اتفاق فض الاشتباك لعام 1974 عبر التوغلات المتكررة في جنوب سوريا، والاعتداء على المواطنين بالمداهمات والاعتقالات التعسفية والتهجير القسري وتدمير الممتلكات وتجريف الأراضي الزراعية.