د. آمنة نصير لـ {الشرق الأوسط}: لا يمكن أن نقول لـ«الإخوان» عفا الله عما سلف

أول امرأة ترأس البرلمان المصري اعتبرت أنها جاءت «قدرًا» وأن دعم السيسي هو لـ«أمن مصر»

د. آمنة نصير
د. آمنة نصير
TT

د. آمنة نصير لـ {الشرق الأوسط}: لا يمكن أن نقول لـ«الإخوان» عفا الله عما سلف

د. آمنة نصير
د. آمنة نصير

تعتقد الدكتورة آمنة نصير، عضوة مجلس النواب المصري، أن أمام المرأة المصرية وقتا طويلا لكي تنتخب رئيسة للبرلمان، في ظل «انتشار الفقه المتجمد الذي نقله متطرفون من الخارج، يدعون أنفسهم سلفيين، أثر بشكل كبير على البناء الفكري للمرأة، وأرجعها 50 عاما للوراء».
وسوف تترأس نصير، وهي أستاذة للفلسفة الإسلامية بجامعة الأزهر، الجلسة الافتتاحية لمجلس النواب، باعتبارها أكبر الأعضاء سنا (76 عاما)، وفقا لقانون المجلس، ولحين انتخاب رئيس. وقالت نصير في حوار خاص مع «الشرق الأوسط» أمس إن «هذا الشرف جاء وفقا لمسألة قدرية بروتوكولية». كاشفة عن نيتها الترشح لرئاسة لجنة التعليم.
ومصر بلا برلمان منذ 2012، ومن المزمع أن يدعو الرئيس عبد الفتاح السيسي المجلس للانعقاد يوم 28 ديسمبر (كانون الأول) الحالي. ورجحت نصير أن يكون رئيس مجلس النواب المقبل «شخصية قانونية».
وانضمت نصير لائتلاف «دعم مصر» داخل المجلس، الذي يتكون معظمه من المستقلين ويشكل أغلبية المجلس حتى الآن، كما يعد من أبرز القوى المؤيدة للرئيس عبد الفتاح السيسي. وقالت نصير «دعمنا للسيسي هو لأمن على مصر، ولدينا من دول الجوار ما فيه عبرة وموعظة».
وأبدت الداعية الدينية الشهيرة ذات الحجاب «المعتدل»، اعتراضها على أن يتبنى البرلمان مبادرة مصالحة مع جماعة الإخوان المسلمين، وقالت إن «الجرح ما زال غائرا.. ولا بد أن يقتص منهم بالقانون.. لا يمكن أن نقول لهم عفا الله عما سلف».
ورفضت دعوات التظاهر في 25 يناير (كانون الثاني) المقبل. وقالت إن «شبابنا أصابتهم حالة من الشطط.. ولا بد من قوانين تضبط هذا الشطط». في تعليقها على الجدل حول قانون تنظيم التظاهر.
وحول إمكانية موافقة البرلمان على إرسال قوات مصرية للخارج للمشاركة في الحرب ضد تنظيم داعش. قالت نصير إنها «ستقف أمام مثل هذا الأمر بكل قوة.. كفانا ما يناله أولادنا في سيناء». وفيما يلي أهم ما جاء بالحوار:
* هل تعتقدين أنه لولا كونك أكبر النواب سنا ما وصلت امرأة إلى موقع رئاسة البرلمان؟
- نعم، وصولي لهذا الشرف جاء في الحقيقة مسألة قدرية بروتوكولية. وأنا أهدي رئاسة الجلسة الأولى تلك إلى كل امرأة مصرية مكافحة. ولا أعتقد أن تنتخب امرأة لرئاسة البرلمان في الفترة الراهنة، فإننا نحتاج لوقت طويل قبل أن تتولى امرأة هذا المنصب رسميا، في ظل انتشار الفقه المتجمد الذي جاء به المتطرفون إلينا من الخارج، وأثر في البناء الفكري والبرنامج التنويري للمرأة، وأرجع المرأة المصرية خمسين عاما إلى الوراء. ذلك الفقه الذي جاء به مجموعة ممن سموا أنفسهم أنهم السلف وهم ليسوا سلفا ولم يعرفوا حقيقة السلف الصالح، بل توارثوا هذا المصطلح دون أن يعرفوا معناه وحقيقته.
* بالتأكيد ستكون مواجهة تلك الأفكار المتجمدة ضمن أجندتك التشريعية داخل البرلمان؟
- باليقين لن أهمله. سأعمل على إرجاع عدل الشريعة الإسلامية للمرأة المصرية مرة أخرى، هذا العدل والمنهج هو الذي سارت عليه الصحابيات في العصر الأول للإسلام، وشاركن عن طريقه في الغزوات وتطبيب الجرحى أثناء القتال، وشاركن في كل القرارات المصيرية مثلهن مثل الرجل.
* من هذا المنطلق هل تعتزمين ترشيح نفسك لأي مناصب قيادية داخل المجلس، مثل رئاسة اللجان النوعية؟
- أعتزم الترشح لرئاسة لجنة التعليم، فإن أتيحت لي فخير، وإن لم تتح فلن أغضب. كفاني شقاء ومناصب، فقد تقلدت في مسيرتي العملية الكثير من المناصب. فقط أود أن أعمل من أجل التغيير للأفضل، ولدي مشروعات كثيرة متعلقة بالتعليم وتطويره، بعد أن تراجع كثيرا في مصر، منها ضرورة تقنين مجانية التعليم.
* بالاطلاع على الكلمة الافتتاحية التي تعتزمين تلاوتها خلال الجلسة الأولى، والتي ذكرت مقتطفات منها في وسائل إعلامية، نجد تركيزك منصبا على مناشدة النواب التضامن والبعد عن التلاسن والمشاحنات. فهل تتوقعين نشوب صراعات سياسية ساخنة داخل المجلس؟
- لا يخلو أي مجتمع من هذه الصراعات، وبالنظر إلى مجلس النواب الجديد، نجد أن تركيبته مختلفة عن الكثير من المجالس السابقة، فأعضاؤه لم يأتوا من حزب واحد، أو تنظيم موحد. كما أن هذه التشكيلة جاءت في أعقاب ثورتين، ومن الوارد جدا حدوث مثل تلك المشاحنات. هناك ألوان مختلفة وجذور متباينة، لسنا في مدينة أفلاطون الفاضلة.
* شهدت الجلسة الأولى لآخر برلمان مصري عام 2012 قيام بعض النواب بمواقف جدلية، مثل إضافة عبارات زائدة لليمين الدستورية متعلقة بالشريعة الإسلامية أو الولاء للثورة.. وما إلى ذلك. هل من المتوقع مشاهدة تلك المواقف مرة أخرى؟
- بالتأكيد في البداية سيكون هناك شو (عرض) من بعض النواب أصحاب الصوت العالي، هناك أشخاص يحبون الظهور من خلال اللقطة الأولى، ثم بعد ذلك تهدأ الأمور. لكن إذا وجدت داخل البرلمان من يحاول تعطيل الجلسة الافتتاحية أو يخالف القانون، فإنني سأقوم بوقف الجلسة الإجرائية فورًا وطرده، فأنا أستاذة جامعية وترأست مؤتمرات دولية على أعلى مستوى، ولا أتخوف من ترؤسي أول جلسة في البرلمان.
* انتخبت نائبة ضمن قائمة «في حب مصر»، التي فازت بجميع مقاعد القوائم على مستوى الجمهورية، ثم تحولت لائتلاف «دعم مصر» داخل المجلس. البعض شبه الائتلاف بـ«الحزب الوطني المنحل»، ووجهت له اتهامات حول طبيعة تكوينه، والدعم الحكومي المقدم له، وأن تشكيله هدفه تمرير قرارات الرئيس عبد الفتاح السيسي؟
- هذا نوع من السفسطة الكلامية التي انتشرت بين الشعب المصري، طوال الوقت ننتقد ونظهر أننا عالمون ببواطن الأمور. نحن لسنا قائمة أمنية، بل نحن مجموعة جمعنا في البداية حب مصر والخوف عليها باعتبار أنها تحتاج إلى الدعم. أما حقيقة دعمنا للرئيس السيسي وقراراته. فلا بد على كل الشعب المصري أن يدعم الرئيس، لأنه هو حصن الأمن على مصر، ولدينا من دول الجوار ما فيه عبرة وموعظة.
* هل هناك ضغوط «أمنية» على النواب، كما يروج البعض، من أجل الانضمام للائتلاف حتى يحقق الأغلبية؟
- هذا نوع من الهراء. فأي شخص وصل إلى عضوية البرلمان له شخصية مستقلة ولا يصح أن يقال له مثل هذا الأمر. هذا تقليل من شأن من ينسب إليه، نحن لسنا أطفالا أو مراهقين. نفترض أي شخص أغراه أمر ما، هو حر، هو من اختار، وهناك فروق فردية لا حصر لها بين الجميع.
* هل تم الاستقرار على مرشح الائتلاف لرئاسة مجلس النواب؟
- تم الاتفاق داخل الائتلاف على انتظار أسماء المعينين من قبل رئيس الجمهورية، حتى تتم المفاضلة من بين جميع الأعضاء بموضوعية.
* هل هناك تفضيلات أو سمات معينة لرئيس البرلمان؟
- أنا شخصيا أود وأرجح أن يكون رئيس المجلس شخصية قانونية رصينة الطبع واسعة الفكر، تعرف القانون بروحه وظاهره وحذافيره، لديه رصيد من المعرفة، التي تستوعب ما يقرأ على البرلمان، وأن يكون واسع الصدر لتحمل ما يطرح من النواب. وبالتالي لا فرق إن كان شخصا معينا أو منتخبا. يجب أن يستطيع تحمل هذه المسؤولية الجبارة وأن يخاطب نحو 600 عضو كل واحد منهم يمتلك خصوصية عن الآخر. الأمر ليس غنيمة ولا سهلا.
* متى سيتم عقد البرلمان؟
- الشائع حتى الآن أنه يوم 28 ديسمبر الحالي.. لكن هل هذا هو القول الأخير أم هناك تعديل؟ نحن ننتظر.
* إحدى الإشكاليات التي تواجه المجلس هي مراجعة نحو 500 قانون تم إصدارها في غياب البرلمان، كيف تعتزمون القيام بذلك؟
- سأطالب بأن نقسم داخل المجلس إلى مجاميع في تخصصات دقيقة. وأن يتم تصنيف القوانين إلى مجالات تخصصية، بحيث يمكن توزيعها على تلك المجاميع وتأخذ الوقت الكافي لتنتهي إلى النتائج المرجوة بالتعاون مع الجميع.
* هل تضعين قانون «تنظيم التظاهر»، الذي يواجه بانتقادات حقوقية، ضمن أوليات القوانين التي تحتاج للمراجعة؟
- في البداية يجب أن نعلم أن شبابنا أصابتهم حالة من الشطط والشطح. ولذلك لا بد من قوانين تضبط هذا الشطط، لكن أيضا يجب أن تتم في عدالة كاملة وناجزة. أنا لا أريد أن أمنع المظاهرات، علينا فقط أن ننظمها كما يوجد لدى دول الغربية. وبالتالي ستتم مراجعة بعض النصوص في القانون لتحقق الاستقرار والعدالة في نفس الوقت.
* كيف ترين دعوات التظاهر مجددا في 25 يناير المقبل احتجاجا على الأوضاع الحالية؟
- أرفض ذلك بالطبع. فالبلد تحتاج إلى الاستقرار ونحن الآن في استكمال هذا الطريق، طريق الاستقرار والديمقراطية، طريق مصر حتى يشتد عودها وتستأنف الحياة الطبيعية.
* البعض يصنف أعضاء مجلس النواب إلى تيار 25 يناير وآخرين ضده، كيف ترين هذا التصنيف؟
- هذا تفكير غير قويم، يجب أن ينتهي تماما ونكف عن هذا الفكر. ثورة 25 يناير أزالت طواغيت، لكنها سرقت من بعض اللصوص، ثم جاءت 30 يونيو فأعادت الأمور إلى نصابها المستقيم.
* هل من الممكن أن يتبنى البرلمان مبادرة مصالحة عامة تشمل جماعة الإخوان المسلمين؟
- إطلاقا، لا بد أن يأخذ القانون مجراه إلى آخر مدى في التعامل مع هؤلاء، وما ينتهي إليه يضرب له تعظيم سلام. نحن أوذينا كثيرا، ترملت نساؤنا وتيتم شبابنا وأولادنا، مصر تم إيذاؤها من كل خبثاء القوم، فالجرح ما زال غائرا. أنا سيدة مسلمة كنت أتمنى أن يكونوا (الإخوان) خير صورة للإسلام أثناء حكمهم، لكنهم خذلونا ووضعونا في أوضاع ما كنت أحلم بها. فلا بد أن يقتص منهم القانون وبعدالة. لا يمكن أن نقول لهم عفا الله عما سلف.



العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
TT

العراق يعيد فتح معبر «ربيعة» الحدودي مع سوريا بعد إغلاقه نحو 13 عاماً

أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)
أحد المعابر على الحدود السورية - العراقية (أرشيفية - أ.ف.ب)

أعاد العراق، الاثنين، فتح معبر حيوي حدودي مع سوريا، وفق ما أفاد به مراسل لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، بعد أكثر من عقد على إغلاقه أمام التجارة عقب بروز تنظيم «داعش».

ومن أمام معبر «ربيعة»، الواقع في محافظة نينوى شمال غربي العراق والمعروف باسم «اليعربية» في سوريا، أعلن رئيس «هيئة المنافذ الحدودية»، عمر الوائلي، لصحافيين، إعادة فتح المعبر بعد نحو «13 سنة من الإغلاق»، وفقاً لما ذكرته «وكالة الصحافة الفرنسية».

ويتشارك العراق مع سوريا، التي تحدّه من الغرب بما يزيد على 600 كيلومتر من الحدود، معبرَين آخرين هما: «القائم (المعروف بالبوكمال في سوريا)»، و«الوليد (التَّنَف)».

ومع إعادة فتح «ربيعة»، الاثنين، تصبح كل المعابر الحدودية بين البلدَين مفتوحة.

وترى السلطات العراقية في معبر «ربيعة» أهمية استراتيجية؛ إذ يربط العراق بسوريا الحدودية مع تركيا، في إطار مشروع «طريق التنمية»، وهو ممر بطول 1200 كيلومتر قيد الإنشاء يتألّف من طرق سريعة وسكك حديدية، ويربط دول الخليج في الجنوب بتركيا في الشمال مروراً بالعراق.

وقال عضو مجلس محافظة نينوى، محمد هريس، لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، إن إعادة فتح هذا المعبر «ستسهم في تشجيع الحركة التجارية وحركة المواطنين والاستثمار، وستعظّم الواردات».

وأُغلق معبر «ربيعة» في عام 2014 عقب بروز تنظيم «داعش» الذي سيطر على مساحات واسعة من العراق وسوريا.

وعلى الرغم من دحر التنظيم من العراق عام 2017، ومن سوريا في 2019، فإن المعبر بقي مغلقاً أمام التجارة، واستُخدم فقط لفترات محدودة لتمرير مساعدات الأمم المتحدة إلى سوريا خلال سنوات الحرب في عهد بشار الأسد.

وفي الجانب السوري من الحدود، كانت «قوات سوريا الديموقراطية (قسد)» تسيطر على المعبر، إلى أن سلّمت، مطلع العام الحالي، إدارته إلى السلطات السورية الجديدة التي أطاحت الأسد في أواخر عام 2024.


تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
TT

تعثّر الحوثيين في تشكيل حكومتهم يرسّخ قبضة سلطتهم الخفيّة

عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)
عنصر حوثي يرفع بندقية خلال حشد في صنعاء للتضامن مع إيران و«حزب الله» اللبناني (رويترز)

على الرغم من مرور نحو 8 أشهر على مقتل رئيس الحكومة الانقلابية التابعة لجماعة الحوثيين وعدد من وزرائه في غارة إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم، لا تزال الجماعة عاجزة عن تشكيل حكومة بديلة، في مشهد يعكس، وفق تقديرات سياسية، عمق الارتباك داخل بنية الجماعة، ويعزز في الوقت ذاته قناعة متنامية لدى السكان بأن السلطة الفعلية لا ترتبط بالأطر الشكلية المعلنة؛ بل تدار عبر جهاز خفي موازٍ.

وكانت الجماعة قد أعلنت، عقب الضربة، نيتها تشكيل «حكومة كفاءات» ضمن ما وصفته بمسار «الإصلاح والتغيير الجذري»، غير أن هذه الوعود سرعان ما تلاشت، دون أي خطوات عملية، ما فتح الباب أمام تفسيرات تربط التعثر بتركيبة الحكم ذاتها، القائمة على ازدواجية بين مؤسسات شكلية وأخرى فعلية غير معلنة.

ووفق مصادر سياسية في صنعاء، فإن الجماعة كرّست، على مدى سنوات سيطرتها، نموذجاً للحكم يعتمد على شبكة من «المشرفين» المرتبطين مباشرة بمكتب زعيمها، يتوزعون داخل الوزارات والمؤسسات والمحافظات، ويمارسون صلاحيات تتجاوز بكثير صلاحيات المسؤولين الرسميين.

القيادي الحوثي محمد مفتاح يدير بشكل متخفٍّ حكومة بلا صلاحيات (إعلام محلي)

وتشير هذه المصادر إلى أن هذا النمط تعزز بشكل لافت بعد مقتل الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح في أواخر 2017، حيث أُعيد ترتيب مراكز النفوذ داخل الجماعة، ما أتاح توسيع دور الجهاز الموازي، وتراجع دور الهياكل الحكومية التقليدية إلى حدودها الدنيا.

ومع مرور الوقت، ترسخت لدى السكان قناعة بأن الوزراء والمحافظين في حكومة الانقلاب ليسوا سوى واجهة إدارية، تُستخدم لإضفاء طابع رسمي على قرارات تُتخذ في دوائر ضيقة، ما جعل غياب الحكومة، أو حتى انهيارها، لا ينعكس بشكل مباشر على إدارة الحياة اليومية، التي باتت خاضعة لشبكات النفوذ غير الرسمية.

تعيينات مؤقتة

وعقب مقتل رئيس الحكومة الحوثية وعدد من أعضائها، لجأت الجماعة إلى تكليف نائب رئيس الوزراء محمد مفتاح، بتسيير الأعمال، إلى جانب تعيين قائمين بالأعمال بدلاً من الوزراء القتلى، دون المضي في تشكيل حكومة جديدة.

وترى مصادر مطلعة أن هذا التوجه يعكس إقراراً ضمنياً بعدم جدوى إعادة تشكيل الحكومة، في ظل محدودية تأثيرها، مرجحة أن تتجه الجماعة إلى تثبيت التشكيلة الحالية، بدلاً من خوض عملية تغيير لن تُحدث فارقاً حقيقياً في موازين السلطة.

زيارة سرية لمحمد مفتاح إلى إب تكشف مخاوف الجماعة (إعلام محلي)

كما تشير التقديرات إلى أن الاعتبارات السياسية التي كانت تحكم اختيار بعض المناصب؛ مثل الحرص على تمثيل جغرافي معين، لم تعد تحظى بالأولوية، بعدما باتت القناعة السائدة، حتى داخل الأوساط الموالية، أن القرار النهائي لا يصدر عن الحكومة؛ بل عن مراكز قوة أخرى.

وفي هذا السياق، يُنظر إلى القائم بأعمال رئيس الحكومة بوصفه مديراً إدارياً أكثر من كونه صاحب قرار، في حين تُنسب السلطة الفعلية إلى الدوائر المرتبطة مباشرة بقيادة الجماعة وأجهزتها الأمنية والعسكرية.

إدارة سرية وتدابير مشددة

وتفيد مصادر محلية بأن أعضاء الحكومة الحوثية الحالية لا يمارسون مهامهم من مقرات رسمية؛ بل يديرون أعمالهم من مواقع غير معلنة، وسط إجراءات أمنية مشددة، فرضتها الأجهزة الاستخباراتية التابعة للجماعة، عقب الاختراق الذي أدى إلى استهداف الاجتماع الحكومي في 28 أغسطس (آب) الماضي.

ووفق هذه المصادر، فإن التواصل بين الوزارات يتم بطرق غير تقليدية، تشمل الاعتماد على وسطاء وأقارب لنقل المعاملات، قبل اتخاذ القرارات في أماكن سرية، ثم إعادتها إلى المؤسسات لتنفيذها، وهو ما يعكس حجم المخاوف الأمنية، ويكرّس في الوقت ذاته الطابع غير المؤسسي لآلية الحكم.

اعتقالات حوثية واسعة استهدفت مدنيين وموظفين أمميين (إعلام محلي)

كما أخضع جهاز «الأمن الوقائي» الحوثي الطاقم الحكومي لإجراءات رقابية صارمة، بدعوى منع تكرار الاختراقات، ما حدّ من قدرة المسؤولين على الحركة والعمل العلني، وزاد من عزلتهم عن الواقع الميداني.

وفي سياق متصل، أثارت زيارة خاطفة وسرية قام بها القائم بأعمال رئيس الحكومة الحوثية إلى محافظة إب، انتقادات من مسؤولين محليين، اعتبروا أنها تفتقر إلى الشفافية، ولم تسفر عن نتائج ملموسة، في حين وُصفت التصريحات الرسمية المصاحبة لها بأنها بعيدة عن الواقع الخدمي والمعيشي.

وكانت الجماعة قد أعلنت، في أغسطس 2025، مقتل رئيس حكومتها وعدد من الوزراء في غارات إسرائيلية استهدفت اجتماعاً سرياً لهم في صنعاء، قبل أن تعلن لاحقاً مقتل رئيس هيئة الأركان متأثراً بجراح أصيب بها في ضربة مماثلة.

وشكلت هذه الضربات تحولاً لافتاً في طبيعة الاستهداف؛ إذ طالت للمرة الأولى هذا المستوى من القيادات الحكومية، ما دفع الجماعة إلى تشديد إجراءاتها الأمنية، وتقليص ظهور مسؤوليها، وهو ما انعكس على أداء المؤسسات، وزاد من حالة الغموض التي تحيط بآليات اتخاذ القرار.

عزوف شعبي

على المستوى الشعبي، لا يبدو أن مسألة تشكيل حكومة حوثية جديدة تحظى باهتمام يُذكر؛ إذ يؤكد سكان في صنعاء أن أولوياتهم تتركز على الأوضاع المعيشية المتدهورة، واستمرار انقطاع رواتب الموظفين منذ سنوات.

ويقول موظف حكومي إن الحديث عن تعيين وزراء أو تغيير حكومة «لم يعد يعني الناس»، لأن «القرارات الحقيقية لا تصدر من هذه الجهات»، مشيراً إلى أن ما يهم الموظفين هو انتظام صرف الرواتب، أو حتى صرف جزء منها، في ظل ظروف اقتصادية بالغة الصعوبة.

أزمة غذاء تتفاقم في مناطق سيطرة الحوثيين وسط إنفاق عسكري (إعلام محلي)

ويضيف أن قرار وقف صرف نصف الرواتب خلال فترات معينة، دون توضيحات كافية، زاد من حالة الاستياء، خصوصاً في أوساط المعلمين، الذين فوجئوا بتعليق مستحقاتهم خلال العطلة الصيفية، بحجة توقف العملية التعليمية.

بدوره، يرى عامل في القطاع التجاري أن تشكيل حكومة جديدة «لن يغير شيئاً»؛ بل قد يضيف أعباء مالية إضافية، في وقت يعاني فيه السكان من تراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، مؤكداً أن السؤال الأبرز لدى الشارع يتمحور حول فرص السلام، وإمكانية استعادة الحد الأدنى من الاستقرار الاقتصادي.


الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
TT

الحوثيون يضاعفون أعباء المياه على سكان صنعاء

الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)
الصهاريج باتت أهم مصدر يلجأ إليه اليمنيون لمواجهة أزمات المياه (الشرق الأوسط)

ارتفعت أسعار المياه المعدنية ومياه الشرب في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء والمحافظات الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية خلال الأيام الماضية بنسبة تجاوزت 50 في المائة، في حين يلجأ السكان إلى خيارات أخرى مكلفة وغير آمنة صحياً، ما تسبب في مضاعفة الضغوط المعيشية في ظل تردي خدمات قطاع المياه والصرف الصحي.

وتزامنت هذه الزيادة السعرية مع انقطاع واسع لشبكات نقل المياه عن أحياء صنعاء، لإلزام السكان بسداد ما تسميه الجماعة «الديون المستحقة» لقطاع المياه والصرف الصحي الذي تسيطر عليه، رغم سوء ورداءة خدماته، وشح وندرة المياه التي يجري توزيعها، في ظل تراجع القدرة الشرائية وتوقف الرواتب واتساع البطالة.

ولجأ الكثير من العائلات في صنعاء إلى شراء المياه من محطات خاصة مملوكة لأفراد يحفرون آباراً عشوائية لإنتاج المياه وبيعها عبر الصهاريج التي تعرف محلياً بـ«الوايتات»، والتي ارتفعت أسعارها أيضاً خلال الفترة الماضية بنسبة وصلت إلى 100 في المائة.

شح المياه في صنعاء ومناطق سيطرة الحوثيين دفع السكان إلى خيارات معقدة (غيتي)

وتقول مصادر محلية مطلعة لـ«الشرق الأوسط» إن الإقدام على قطع المياه عن المنازل يهدف إلى تحقيق إيرادات غير قانونية بطريقة مزدوجة، فمن جهة يتم إلزام السكان بدفع مبالغ كبيرة تحت اسم مديونيات وهمية، ومن جهة أخرى يجري إجبارهم على شراء المزيد من المياه من المحطات التي تُفرض عليها جبايات مرتفعة أيضاً.

وطبقاً للمصادر، فإنه، وعند كل مرة يجري فيها قطع المياه عن المنازل، تفرض جبايات جديدة على بيع صهاريج المياه التي ترتفع أسعارها بالمقابل.

الماء كرفاهية

ويشتري غالبية سكان مناطق سيطرة الجماعة الحوثية المياه المستخدمة للأغراض المنزلية من مصادر لا تتوفر فيها أي معايير صحية، ولا تخضع لأي رقابة أو إجراءات تضمن صلاحيتها للاستهلاك الآدمي.

في غضون ذلك، كشفت مصادر تجارية مطلعة أن الزيادة في أسعار المياه المعدنية جاءت بسبب الأعباء الكبيرة والجبايات المفروضة على شركات ومصانع المياه والمشروبات الغازية، وممارسات تتسبب في ارتفاع كلفة الإنتاج.

أحد معامل تعبئة المياه المعدنية التي يستهدفها الحوثيون بالجبايات (فيسبوك)

ويبين مصدر في رابطة نقابية لمصانع المياه والمشروبات لـ«الشرق الأوسط» أن الجماعة الحوثية تبدأ بابتزاز ملاك المصانع والشركات منذ لحظة وصول المواد الأولية والخام إلى المنافذ الجمركية التي استحدثتها الجماعة على مداخل مناطق سيطرتها، وإيقاف الأرقام الضريبية والجمركية عبر مصلحتَي الضرائب والجمارك.

وأضاف المصدر أن الجماعة أقرت زيادة غير معلنة في جباياتها المفروضة على منتجات مصانع المياه والعصائر خلال الشهر الحالي، وأبلغت ملاك المصانع بدفع مبالغ إضافية دون أن تحدد اسماً لها، محذرة إياهم من الرفض أو محاولة إثارة هذه الزيادة إعلامياً.

وبينما يقول مراقبون للشأن الاقتصادي في اليمن أن الزيادة الأخيرة جاءت بسبب تبعات الحرب الأميركية-الإسرائيلية على إيران، وهجمات الأخيرة على دول المنطقة وإغلاقها مضيق هرمز، تنوه المصادر بأن هذا التأثير يفترض أن يطول إنتاج المياه المعدنية فقط.

الكثير من اليمنيين يحصلون على المياه من أنشطة خيرية بعد انقطاع الشبكات الرسمية (إ.ب.أ)

وجاءت هذه الزيادات في ظل شح التوزيع عبر شبكات المياه التي تسيطر عليها الجماعة الحوثية، والرسوم والجبايات المكلفة التي تفرضها على المشتركين، رغم تردي الخدمات.

ويقول محمد الدبعي، وهو عامل في محل ملابس، إنه وعائلته يستهلكون يومياً للشرب والطهي 8 عبوات سعة لتر ونصف اللتر، وكان سعرها يزيد قليلاً على دولارين (1200 ريال يمني حيث تفرض الجماعة سعراً ثابتاً للدولار يساوي 535 ريالاً)، قبل الزيادة الأخيرة التي رفعت سعرها إلى 1800 ريال (نحو 3 دولارات ونصف الدولار).

ووصل سعر عبوة المياه المعدنية سعة 750 مليلتر، وهي أصغر عبوة مياه معدنية، إلى 150 ريالاً يمنياً الأسبوع الماضي، مرتفعاً من 100 ريال في السابق.

غالبية مصادر المياه التي يحصل عليها اليمنيون غير آمنة صحياً (رويترز)

وبسبب هذه الزيادة السعرية، يبين الدبعي لـ«الشرق الأوسط» أن عائلته ستضطر إلى التوقف عن استخدام هذه المياه في الطهي، رغم عدم ثقتهم بصلاحية أي مصدر آخر للمياه للاستعمال الآدمي، وسيكتفون باستهلاكها للشرب فقط.

البحث عن الأرخص

وتكتفي غالبية السكان بشراء المياه من الصهاريج المحمولة على الشاحنات، وهي ما تعرف محلياً بـ«الوايتات»، التي ارتفعت أسعارها بدورها بنسبة 100 في المائة، حيث أصبح الصهريج (الوايت) يباع في صنعاء بنحو 30 دولاراً (15 ألف ريال)، بعد أن كان يباع خلال الأشهر الماضية بـ7500 ريال يمني.

ويبدي نجيب الخديري، وهو عامل بناء بالأجر اليومي، حسرته بسبب اضطراره لدفع ضعف المبلغ المخصص لشراء المياه لعائلته، بعد ارتفاع الأسعار، رغم أنه، وبسبب قدرته الشرائية الضعيفة، يضطر لشراء مياه للشرب من محطات غير موثوقة بسبب ارتفاع أسعار المياه المعدنية، ويتم اللجوء لغليها قبل استخدامها للحصول على أبسط شروط السلامة.

طفلة يمنية قرب مخيم للنازحين تسحب عبوات بلاستيكية بعد أن عبأتها بالمياه (غيتي)

وبحسب روايته لـ«الشرق الأوسط»، فإنه يشتري أسبوعياً، أو كل 10 أيام، صهريجاً للاستخدامات المنزلية الأخرى، وهو ما كان يرهقه مادياً قبل ارتفاع الأسعار، أما الآن، فسيضطر لإلزام عائلته بخفض استهلاكها إلى أقصى حدّ ممكن.

ورغم إعلان الجماعة الحوثية عدم رفع أسعار عبوات المياه المعدنية، فإن المستهلكين أكدوا أن الأسعار لم تتراجع سوى بنسب ضئيلة.

وذكر أحد المستهلكين لـ«الشرق الأوسط» أنه دفع منذ أيام ثمن عدة صناديق بالسعر القديم، بعد أن أبلغه مالك المتجر الذي يشتري منه المياه بأن سعرها سيزيد بعد أن ينتهي تصريف الكميات الموجودة في السوق بسبب وجود تسعيرة جديدة.