مجموعة «علي بابا» تسعى لتحسين صورة الصين بعد شراء صحيفة «هونغ كونغ»

«ساوث تشاينا مورنينغ بوست» ستعيد تشكيل التغطية الصحافية للبلاد

مجموعة «علي بابا» تسعى لتحسين صورة الصين بعد شراء صحيفة «هونغ كونغ»
TT

مجموعة «علي بابا» تسعى لتحسين صورة الصين بعد شراء صحيفة «هونغ كونغ»

مجموعة «علي بابا» تسعى لتحسين صورة الصين بعد شراء صحيفة «هونغ كونغ»

يقول السيد تشيباو في مؤتمر عقد في يناير (كانون الثاني): لدينا كثير من العلامات التجارية البارزة، والأفراد الموالين لنا، ومعهم كثير من قصص النجاح التي يحب الناس الاستماع إليها. وعلي بابا وغيرها من قصص النجاح الكبيرة، ينبغي النظر إليها بوصفها: بطاقات الدعاية الناصعة التي تصور الصين المعاصرة».
تتجه مجموعة علي بابا، وحفنة من رقباء الدعاية بالحزب الحاكم، إلى الانتقال بتلك الخطوة لمسافة أبعد، إلى ما بعد استخدام قصة إحدى أكثر الشركات الصينية تحقيقا للأرباح من أجل تحسين السمعة الصينية في الخارج، وبدلا من ذلك عن طريق استخدام الأموال والمهارات الرقمية في الدعاية. أعلنت الشركة يوم الجمعة الماضي أنها سوف تحاول إعادة تشكيل التغطية الإخبارية العالمية بشكل مباشر حول الصين، وهي الصورة السلبية للغاية كما تقول الشركة، وذلك عن طريق شراء الأصول الإعلامية لدى مجموعة (إس سي إم بي)، بما في ذلك صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، ذات القطع الكبير والناطقة باللغة الإنجليزية في هونغ كونغ.
وفي بكين، اغتبط أولئك القلقون على سمعة الصين بتولي مجموعة علي بابا السيطرة على الصحيفة البارزة التي تواجه أياما عصيبة، والتعهد باستخدامها في تعزيز صورة الصين في الخارج.
يقول وانغ وين، وهو باحث لدى جامعة رينمين في بكين والمحرر السابق لدى صحيفة «غلوبال تايمز»، وهي من الصحف الشعبية الصينية التي غالبا ما تنتقد وسائل الإعلام الغربية: «هذا أمر جيد. إنها محاولة من قبل القوة الاجتماعية للدولة لتغيير صورة البلاد خارجيا»، مشيرا إلى المؤسسات الخاصة وغيرها التي تقع خارج السيطرة المباشرة للحكومة.
ووافقت مجموعة علي بابا على دفع مبلغ 266 مليون دولار لإتمام الصفقة، وهو مبلغ ضئيل بالنسبة للمجموعة العملاقة التي تبلغ عائداتها السنوية 12 مليار دولار. ولكن ردود الفعل السياسية قد تتجاوز ما هو أبعد من مجرد مقدار سعر البيع. والسؤال يدور حول مقدار الضغوط التي سوف تمارسها الحكومة الصينية على مجموعة علي بابا لمواصلة مساعي الحزب الحاكم طويلة الأجل وراء التغطيات الأكثر تعاطفا مع الصين في الخارج، وكيف ستواجه مجموعة علي بابا تلك الضغوط، وما الذي ستحصل عليه المجموعة في المقابل.
إن تأمين عدد كبير للغاية من القراء على الإنترنت بالنسبة لصحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» سوف يستلزم جذب مزيد من القراء من خلال كثير من التغطيات الصحافية، وحماية مصداقية الصحيفة بأن تكون أكثر من مجرد وسيلة لتعزيز العلاقات العامة المباركة من قبل الحكومة، كما يقول كثير من المطلعين على صناعة الأخبار في الصين. ولكن رقباء الحزب الحاكم تحت قيادة الرئيس شي جين بينغ لم يكونوا على ذلك القدر من التسامح حيال التقارير التي توجه الانتقادات بشكل متزايد إلى الحكومة في وسائل الإعلام المحلية.
يقول مارك سايمون، المدير التنفيذي لدى مجموعة نيكست ميديا في هونغ كونغ، التي تصدر صحيفة «آبل ديلي» الصينية واسعة الانتشار، والتي تلقى ازدراء متزايدا من قبل مسؤولي الحزب الحاكم: «إذا كانوا ينظرون إليها من مواقع أنها لسان حالهم، فلن تصبح الصحيفة التي سوف يرغب الناس في قراءتها مجددا». تقول مجموعة علي بابا إنها ترغب من خلال الاستحواذ الأخير لديها في تقديم تقارير صحافية منصفة ودقيقة تعمل على تحسين التفهم العالمي للصين. وإن ذلك، كما تقول المجموعة، من شأنه أن يجلب قيمة وزخما للمستثمرين في المجموعة، بسبب أن التقارير السلبية حول الصين في وسائل الإعلام الغربية تضر بأسهم المجموعة كثيرا، والمدرجة على بورصة نيويورك الأميركية.
ولكن الأعمال العملاقة مثل مجموعة علي بابا التي تلقي بقوتها المالية لدعم الرسالة الحكومية يمكنها كذلك اكتساب بعض النقاط مع صناع السياسة، كما يقول تشين بينغ، وهو مستثمر إعلامي من مواليد البر الصيني الرئيسي وأحد رجال الأعمال في هونغ كونغ، الذي أضاف «تلك الطريقة تؤدي إلى تحسين موقفه في عيون الحزب الشيوعي الحاكم» مشيرا إلى جاك ما، الرجل الداهية الذي أسس مجموعة علي بابا ورئيس مجلس إدارتها الحالي.
كانت الحكومة الصينية قلقة ولفترة طويلة من صورتها في الغرب. وفي الأعوام الأخيرة، حاولت الحكومة الصينية التأثير على التغطيات الصحافية من خلال منع المواقع الإلكترونية وتقييد إصدار التأشيرات للصحافيين من وكالات الأنباء التي تعتبرها ذات رؤية سلبية للصين، وكذلك عن طريق الإنفاق الكبير على التوسع الدولي للمؤسسات الصحافية المملوكة للدولة مثل تلفزيون الصين المركزي وصحيفة «تشاينا ديلي».
تقول ماريكي أولبرغ، وهي باحثة حول السياسات الدعائية الصينية في هايدلبرغ بألمانيا إن آخر التكتيكات المستخدمة من جانب الحكومة الصينية كانت حشد دعم ومساندة المؤسسات الصينية. وبالمثل، فإن الشركات الصينية التي تستثمر بقوة في الخارج تسعى لتوفير تغطية صحافية جيدة للصين في الوقت الذي تعمل فيه على التغلب على العقبات التنظيمية التي يعتبرونها متأصلة في التحيز في التقارير الصحافية حول الصين والشكوك حول صعود نفوذها الاقتصادي عالميا. يأتي استحواذ مجموعة علي بابا في الوقت الذي راهنت الحكومة الصينية على مواقف أكثر طموحا لها في الخارج، من استضافة اجتماع قمة العشرين لأكبر اقتصادات العالم في العام المقبل، إلى تأسيس بنك دولي جديد للتنمية، إلى توسيع قوتها العسكرية، وكل الموضوعات والمجالات التي تتوق الحكومة الصينية لإثبات توجهاتها الإيجابية عالميا.
وقال مؤيدو الحكومة الصينية إن السيد جاك ما يمكنه جذب القراء الأجانب عن طريق تقديم خدمات موازنة لوسائل الإعلام الأجنبية. وتخطط مجموعة علي بابا إلى إيقاف خدمة الإنترنت المدفوعة مقدما مما يسمح للقراء بمتابعة التقارير الصحافية مجانا.
وعلى خلاف كثير من وسائل الإعلام الغربية، سوف تقدم الصحيفة الأخبار من داخل الصين تلك التي لم تكتب من وجهة النظر الآيديولوجية لما ينبغي أن تكون عليه الصين، كما يقول جورج يو، المدير التنفيذي لدى روبرت كووك الملياردير الماليزي الذي باع الصحيفة المذكورة إلى مجموعة علي بابا.
لا تزال صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» تحمل طابع هونغ كونغ، حيث ظلت ولفترة طويلة الصحيفة الأولى المحلية الصادرة باللغة الإنجليزية. وهي الصحيفة المفضلة لدى المستثمرين بالمدينة من ذوي الاهتمامات بالصين، ولقد خرجت بتغطيات صحافية تعالج الفساد والتحولات السياسية في البلاد.
ولكن الصحيفة تعتبر مؤسسة صحافية متوترة مع غرفة فقيرة للأخبار وميل نحو فقر الدم الإعلامي، وبعض المواد غير المثيرة للجدل حول الصين. خلال النصف الأول من عام 2015، كان متوسط المبيعات يبلغ 102 ألف عدد مع النسخ الرقمية، وفقا لمكتب مراجعة التوزيع الصحافي في هونغ كونغ، كما انخفض عدد الزيارات للموقع الإلكتروني، مما يبتعد بالصحيفة بعيدا عن هدف الوصول إلى 30 مليون زيارة لصفحاتها في الشهر، كما يقول المحرر السابق في الجريدة مفضلا عدم ذكر اسمه لحماية علاقاته في مجال صناعة الإعلام.
شبه بعض المعلقين الصينيين السيد جاك ما بالمدير التنفيذي لشركة أمازون جيف بيزوس، الذي اشترى صحيفة «واشنطن بوست» في عام 2013، ويرجع إليه الفضل بشكل كبير في تنشيط الصحيفة من خلال منح الصحافيين مزيدا من الموارد والحرية الصحافية الكبيرة.
*«نيويورك تايمز»
قد يكون السيد جاك ما قادرا على منح صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست» مزيدا من الموارد، ولكن المشككين يقولون إنه من المرجح أن يمنحهم حرية صحافية واسعة.
يقول كين دكتور، وهو أحد المحللين الأميركيين في صناعة الأخبار: «يقول جاك ما: إننا بصدد تلاوة القصة الصينية بطريقة إيجابية، والأخبار التي لا نراها هي الجديرة بالأهمية، أي الأخبار التي تعالج سياسات الحكومة، وتبحث في النخبة الحاكمة، وتبحث كذلك في الأعمال والشركات في هونغ كونغ»، مضيفا أنه من غير الواضح ما إذا كان جاك ما يتفهم أن قوة الوسائل الإعلامية تتمركز في غرفة الأخبار.
قالت مجموعة علي بابا إنها سوف تضمن السلامة الصحافية للجريدة وتنأى بنفسها عن التدخل في عمليات الجريدة اليومية. وحتى من دون التدخل في دقائق الأمور الإدارية، يمكن للسيد جاك ما وزملائه ممارسة النفوذ الكبير على توجهات صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، كما يقول ديفيد شليزنجر، وهو كبير المحررين السابق في وكالة «رويترز» الإخبارية، ويدير حاليا شركة ترايبود الاستشارية، مقرها في هونغ كونغ وتوفر المشورة بشأن القضايا الخاصة بوسائل الإعلام، ويضيف قائلا: «يعتمد ذلك على نوعية الموظفين، ونوعية التعليمات الموجهة، وكيفية وطريقة التمويل، وما سوف يحدث للصحافيين الذين يريدون كتابة قصة إخبارية مما تعتبر غير مريحة شخصيا أو سياسيا للسيد جاك ما».
منذ عودة هونغ كونغ للسيادة الصينية في عام 1997، احتفظت بنظامها القانوني الخاص وحرية التعبير التي تعتبر غير واردة تماما في البر الصيني الرئيسي. ولكن كثيرا من الصحافيين يقولون إن ممارسة تلك الحريات يتعرض للخطر على نحو متزايد، من جانب الرقابة الذاتية في كثير من الأحيان.
يقول أحد الصحافيين لدى صحيفة «ساوث تشاينا مورنينغ بوست»، والذي فضل عدم ذكر اسمه خشية تعرضه للعقاب للحديث إلى وسائل الإعلام، إنه حتى قبل بيع الصحيفة إلى مجموعة علي بابا كان هناك نمط من المحررين في الصحيفة يعمدون إلى رفض، أو اجتزاء، أو التهوين من شأن القصص الصحافية التي قد تثير غضب بكين. وأضاف: «أعتقد أن تلك هي القشة الأخيرة على ظهر البعير»، مشيرا إلى بيع الصحيفة إلى مجموعة علي بابا، واستطرد قائلا: «من ناحية، يريدون الحصول على تلك الواجهة العملاقة ذات المصداقية للصحيفة المستقلة، ولكن من ناحية أخرى، لديهم تلك الأجندة من استرضاء الحزب الشيوعي الحاكم. والمساران جدا مختلفان ولا يمكن الجمع بينهما بحال».



هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
TT

هل يخسر التلفزيون المنافسة لصالح المنصات؟

ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)
ستيفن غراهام وجائزة أفضل ممثل عن مسلسل Adolescence خلال جوائز «إيمي» الشهر الماضي (إ.ب.أ)

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات. وعدّ باحثون الأمر مؤشراً على «استمرار خسارة التلفزيون لهيمنته»، لكنهم أكدوا أن «الفرصة لا تزال قائمة لاستعادة الدور من خلال استغلال ميزة البث المجاني».

وأعلنت جوائز «إيمي» أخيراً نقل بث حفلها السنوي إلى منصة «برايم فيديو» بدءاً من العام المقبل (2027)، وذلك بموجب اتفاقية مدتها ست سنوات أبرمتها «أمازون»، و«أكاديمية التلفزيون». وينعى هذا الإعلان «مسيرة استمرت سبعة عقود من قيام شبكات البث التلفزيوني ببث الحفل الذي يكرّم أفضل الأعمال التلفزيونية سنوياً».

وقال رئيس «أكاديمية التلفزيون» كريس أبريجو إن «الاستمرارية جزء كبير مما نبحث عنه. ومع شريك واحد على مدى ست سنوات، يمكننا حقاً التعلم معاً، والبناء من عام إلى آخر معاً»، بحسب وكالة «أسوشييتد برس».

ونقلت «أسوشييتد برس» عن رئيس «برايم فيديو» واستوديوهات «أمازون إم جي إم» مايك هوبكنز، قوله: «نحن في سباق مع الزمن، وعلينا البدء في العمل».

ومنذ عام 1955 يتم بث حفل جوائز «إيمي» سنوياً بالتناوب بين أربع محطات تلفزيونية رئيسة. وكانت «إن بي سي» أول من بثه على المستوى الوطني، وآخر من استضافه الشهر الماضي. وعلى مدى العقود الثلاثة الماضية، كان الحفل يتم تدوير بثه سنوياً بين «إيه بي سي»، و«سي بي إس»، و«فوكس»، و«إن بي سي»، فيما كان يعرف بـ«صفقة العجلة».

وترى أستاذة الإعلام بجامعة بنغازي بليبيا، الباحثة في الإعلام الرقمي مي عبد الغني، أن «انتقال بث جوائز (إيمي) إلى (برايم فيديو) يمثل تحولاً بنيوياً ذا دلالة رمزية يعيد بها تعريف ماهية الوسيط التلفزيوني عبر نقل الاحتفاء بالصناعة إلى بيئتها الرقمية الحاضنة». وتقول لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا الانتقال يحقق عولمة مباشرة للحدث بالوصول المجاني المتزامن إلى أكثر من 240 دولة ومنطقة، وهو ما يعالج التآكل الديموغرافي لجمهور البث الخطي عبر استقطاب الأجيال الرقمية الشابة، في خطوة تفكك مفهوم (الحدث الإعلامي) الكلاسيكي، والطقس الجمعي الموحد لحساب استهلاك فردي مجزأ، وتكرس، في الوقت ذاته، هيمنة عمالقة التكنولوجيا على الفعاليات الحية الكبرى واقتصادات إعلانات التلفزيون المتصل».

استوديوهات القنوات التلفزيونية التقليدية (أ.ف.ب)

وتؤكد الباحثة مي عبد الغني أن «التلفزيون التقليدي خسر هيمنته التاريخية على صناعة الدراما الفاخرة، والترفيه عالي التكلفة لصالح المنصات الرقمية التي استقطبت الميزانيات الضخمة، والجوائز الكبرى، مما حوّل الشاشات الكلاسيكية إلى مساحات لإعادة العرض والبرامج منخفضة التكلفة»، وتلفت إلى أن ذلك «تزامن مع تآكل ديموغرافي حاد، وتراجع الاشتراكات، وظاهرة (قطع الكابل) نتيجة تحوّل الأجيال الشابة شبه الكامل نحو البث الرقمي، الأمر الذي أفقد التلفزيون الحصة الكبرى من زمن الشاشة اليومي، ومكانته كحاضن أوحد للثقافة الجماهيرية».

في المقابل، ترى مي عبد الغني أن «بقاء التلفزيون يرتكز على تفوقه البنيوي في نقل الفعاليات الرياضية الحية، والتغطيات الإخبارية اللحظية دون مخاطر الاختناق التقني لشبكات الإنترنت، فضلاً عن تجذره في تقديم الخدمة العامة والمحلية التي تعجز عنها المنصات العالمية».

كما تشير إلى أن «التلفزيون يشهد انبعاثاً وظيفياً عبر نموذج القنوات المجانية المدعومة بالإعلانات لحل معضلة (إرهاق الاختيار) بالتوازي مع أزمة المنصات الرقمية الناتجة عن (إرهاق الاشتراكات)، وتشبّع السوق». وتقول إن «المنصات ذاتها لجأت لاستعارة آليات التلفزيون التاريخية، كالإعلانات، والجدولة الدورية، ما يؤكد استمرار التلفزيون كوسيط تكميلي متكيّف في بيئة إعلامية مختلطة».

وفي ظل المنافسة المحتدمة بين المنصات والتلفزيون، تقترح الباحثة في الإعلام الرقمي أن يعيد التلفزيون صياغة نموذج عمله عبر عدّة ركائز هي: «الاحتكار الهندسي والتشغيلي للبث المتزامن الفوري للفعاليات الرياضية، والأخبار العاجلة دون اختناق تقني، واستنساخ التجربة الخطية رقمياً عبر قنوات البث التدفقي المجاني المدعومة بالإعلانات، والتحول إلى مُجمِّع رقمي يقدم باقات موحدة تدمج المنصات المتنافسة والإنترنت لحل أزمة تشتت الفواتير، وإرهاق الاشتراكات».

وتضيف أنه على التلفزيون أيضاً «ترسيخ قربه العضوي من المجتمعات المحلية عبر تغطيات الخدمة العامة والطوارئ التي تعجز الخوارزميات المعولمة عن تعويضها، وأخيراً تبني نماذج هجينة تجمع بين منصات البث والجدولة الذكية القائمة على النشر الأسبوعي، للحفاظ على الزخم الجماهيري، واستدامة العوائد الإعلانية».

وتأتي خطوة جوائز «إيمي» بعد شهور من إعلان «جوائز الأوسكار» في ديسمبر (كانون الأول) الماضي نقل حفلها عبر «يوتيوب» بدءاً من عام 2029.

فريق مسلسل The Studio الفائز الأكبر في حفل جوائز «إيمي» الشهر الماضي (أ.ب)

ويقول عضو مجلس نقابة الصحافيين الأردنيين خالد القضاة إن التطورات الأخيرة «تشكل خطراً حقيقياً على المؤسسات الإعلامية الكبرى، وخاصة التلفزيونات الكبرى، لأنها لم تعد وحدها من يحتكر البث». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «فضاء الإنترنت أتاح للمؤسسات ذاتها أن تنشئ منصات، وتمولها، وتخاطب مباشرة الجمهور بما تريده، دون وساطة، أو رقابة، أو شروط رئاسة التحرير، أو سياسات تلك المؤسسات في البث».

ويشدد على ضرورة أن «تتخلى المؤسسات الإعلامية عن التاج الذي وضعته على رأسها، وتنزل إلى هموم الناس، وتبث مواد وأفكاراً قادرة على تحقيق التواصل مع الجمهور، والإجابة عن أسئلتهم».

كما يقول إن «المؤسسات الإعلامية الكبرى، والتلفزيونات العالمية، ما زالت لديها الفرصة، شريطة أن تعيد إنتاج نفسها بما يحقق رغبات الجمهور، وأن تستغل الميزات التي وضعتها المنصات الإلكترونية».

ويضيف: «تبقى التلفزيونات هي ملاذ الملايين، لأن الإنترنت يُمكن أن يكون متاحاً في دول، ومكلفاً في أخرى، وساعات البث الطويلة هي استنزاف لحزم الإنترنت، ما يشكل عبئاً على المواطنين». ويشير إلى أن «فكرة البث المجاني تُعد فرصة للتلفزيونات»، وإن «ظلت التحديات حقيقية في ظل اشتداد المنافسة مع المنصات»، على حد تعبيره.

وشهدت جميع عروض الجوائز تقريباً انخفاضات حادة في نسبة المشاهدة، وظلت جوائز «إيمي» تتخلف باستمرار عن «الأوسكار» و«غرامي» و«غولدن غلوب» حتى مع نمو الإشادة بالعروض التي تكرمها، حيث استقطب حفل الجوائز في ذروته أكثر من 20 مليون مشاهد، بينما يستقر الآن حول 7 ملايين مشاهد، وفق مراقبين.

ويشير الباحث المتخصص في شؤون الإعلام الرقمي محمد فتحي إلى أن قرار انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة رقمية بعد عقود طويلة من البث التلفزيوني «يفتح نقاشاً مهماً حول مستقبل الإعلام، لكنه لا يعني بالضرورة نهاية التلفزيون، بقدر ما يعكس تغيراً في طريقة وصول الجمهور إلى المحتوى، وفي طبيعة المنافسة على حقوق البث، والإعلانات، والمشاهدين».

ويقول فتحي لـ«الشرق الأوسط» إن «هذا التحول ليس مجرد تغيير للقناة الناقلة، إنما مؤشر على أن المنصات الرقمية أصبحت قادرة على استضافة أحداث كانت مرتبطة تاريخياً بالتلفزيون التقليدي». ويشدد على «ضرورة التمييز بين انتقال حفل واحد أو حتى مجموعة من الأحداث إلى منصة رقمية، وبين اختفاء التلفزيون بوصفه وسيلة إعلامية»، مؤكداً أن «لكل منهما نموذجاً مختلفاً للوصول إلى الجمهور، وتحقيق الإيرادات».

ويرى أن «المسألة لا تتعلق باختفاء التلفزيون، وإنما بفقدانه احتكار الوصول إلى الجمهور، والأحداث الكبرى؛ فلا يزال التلفزيون يمتلك عناصر قوة، منها الانتشار الواسع، والأخبار المحلية، والتغطية الميدانية، والقدرة على الوصول إلى جمهور لا يعتمد بالضرورة على الإنترنت، أو الاشتراكات الرقمية». ويقول: «قد يخسر التلفزيون بعض جمهوره وإيراداته؛ لكن هذا لا يعني أن خسارته حتمية، أو أن المنصات ستستحوذ على كل أشكال المشاهدة».

كما يوضح فتحي أن «الحل لا يكمن في محاولة هزيمة المنصات بأدوات التلفزيون القديمة، بل في إعادة تعريف دور التلفزيون، وتطوير نموذج عمله؛ عبر الاستثمار في المحتوى الذي يصعب استبداله، مثل الأخبار الموثوقة، والتحقيقات الاستقصائية، والتغطيات الميدانية، والبرامج التي تقدم تحليلاً»، إضافة إلى «التحوّل إلى مؤسسة إعلامية متعددة المنصات، وفهم الجمهور، وتنويع مصادر الإيرادات بعيداً عن الشكل التقليدي للإعلانات التلفزيونية».

أثار إعلان انتقال بث حفل جوائز «إيمي» إلى منصة «برايم فيديو» جدلاً بشأن احتدام المنافسة بين التلفزيون والمنصات


تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
TT

تصاعُد المخاوف بسبب خاصية تقييد روابط النشر على «فيسبوك»

شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)
شعار «فيسبوك» (د.ب.أ)

في خطوة نحو مزيد من «التقييد»، تختبر شركة «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر.

ورغم أن الناشرين الإخباريين مستثنون من التجربة حتى الآن، غير أن خبراء أعربوا عن قلقهم من هذه الخاصية، وحذروا من أن «الاستثناء قد يكون مؤقتاً»، وأنه على الناشرين الاستعداد من الآن لمرحلة جديدة من «تضييق الخناق على الوصول للجمهور».

كانت شركة «ميتا» المالكة لـ«فيسبوك» قد أعلنت في سبتمبر (أيلول) الماضي عن توفر خدمة «ميتا ون» للاشتراك، التي تتضمن مزايا مثل شارات التوثيق وتحليلات أوسع للجمهور وأدوات أكثر لجدولة المحتوى.

لكن أبرز ما في هذه الخاصية هو استخدامها عملياً لفرض مقابل مالي على حق نشر الروابط الخارجية، إذ تختبر «ميتا» حداً شهرياً لعدد الروابط على صفحات «فيسبوك» و«إنستغرام» التجارية. ومن دون اشتراك، قد تصطدم الصفحة بسقف يبلغ رابطين فقط شهرياً على «فيسبوك».

وحسبما نشرت صحيفة «بريس غازيت» البريطانية، أخيراً، يُطبق القيد حتى الآن على صفحات مختارة فقط، تشمل حسابات الأنشطة التجارية وبعض صُناع المحتوى ممن فعّلوا «الوضع الاحترافي»، بينما يواصل آخرون النشر بلا قيود.

ووفق الصحيفة، فإن «الناشرين الإخباريين مستثنون من القيود، دون أن توضح (ميتا) كيف تعرّفهم»، مشيرةً إلى أن ناشرين صغاراً «أُبلغوا ببلوغ الحد المجاني». واللافت أن القيود لا تقتصر على الروابط في المنشور، بل تمتد إلى حيلة «الرابط في التعليقات» أيضاً. وأفاد مستخدمون في التجربة بأن «روابطهم تظهر كنص عادي غير قابل للنقر بعد بلوغ الحد».

ويرى مدير جامعة أبو ظبي - فرع دبي، أستاذ الأعمال الرقمية المشارك أنس النجداوي، أن «قرار (ميتا) الجديد بمنزلة تحوّل جوهري في النموذج الاقتصادي لمنصات التواصل الاجتماعي، وليس مجرد فرض رسوم على نشر الروابط الخارجية». ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن «(فيسبوك» الذي استفاد لسنوات من المحتوى الإخباري لجذب المستخدمين، أصبح يسعى إلى تعظيم عوائده من خلال التحكم في حركة الجمهور وإبقائه داخل المنصة لأطول فترة ممكنة. وهذا يعكس تحوّل العلاقة مع المؤسسات الإعلامية من شراكة في توزيع الأخبار إلى علاقة تجارية تتحكم فيها المنصة بشروط الوصول إلى الجمهور».

وفي تقدير النجداوي، «قد يستمر استثناء المؤسسات الإخبارية مرحلياً لتجنب الضغوط الإعلامية والتنظيمية، لكنه ليس ضمانة دائمة، خصوصاً إذا أثبت نموذج الاشتراكات جدواه الاقتصادية». ويشير إلى أن «الأهم أن المؤسسات الإخبارية قد تتأثر حتى مع استمرار استثنائها، نتيجة تراجع قدرة المستخدمين والصفحات الأخرى على مشاركة روابط أخبارها».

وعن الآثار المتوقعة لهذا القرار على الناشرين، يقول النجداوي إن «الخطر الحقيقي لا يقتصر على تراجع زيارات المواقع الإخبارية وخسارة العوائد الإعلانية، بل يمتد إلى جودة المعلومات ومصداقيتها، إذ قد يكتفي المستخدم بالعناوين والمقتطفات المتداولة دون الرجوع إلى المصدر الأصلي والتحقق من التفاصيل والسياق».

تختبر «ميتا» فرض قيود جديدة على عدد الروابط الخارجية التي يُمكن لصفحات «فيسبوك» نشرها مجاناً كل شهر


كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
TT

كلود هندي: أظن أنني أحدثت تغييراً في عقلية الناس

على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)
على الأرض مع الناس (كلود أبو ناضر هندي)

قد تختلف الإعلامية كلود أبو ناضر هندي عن غيرها في ممارسة مهنتها؛ فهي إعلامية ملتزمة ومهنية، ترى نفسها باحثة عن الحقيقة مهما كانت صعبة، ومناضلة من أجل قضايا بيئية واقتصادية، واجتماعية وطبية وغيرها.

كذلك، فهي تقول إنها تأبى إلا أن «تكشف المستور» وتقدّمه على الشاشة، ولم تتطلّع يوماً إلى بريق الأضواء من باب الشهرة. فالكاميرا بالنسبة إليها وسيلة تعكس هموم الناس وأوجاعهم، أما أهدافها فبسيطة وواضحة، تصبّ في مصلحة البلد وأهله، من دون أن تعبأ بتهديدات تتلقاها أحياناً من هنا وهناك.

برنامج «تحقيق»

البرنامج التوثيقي «تحقيق»، الذي تعدّه أبو ناضر هندي على شاشة تلفزيون «إم تي في»، هو الأحدث في مسيرة إعلامية تنقّلت خلالها بين الصحافة المكتوبة والإذاعة والتلفزيون. وللعلم، منذ انطلاق أولى حلقات البرنامج عام 1987، كانت تُدرك أن مهمتها لن تكون سهلة. وبعد إقفال «إم تي في» عام 2001 بقرار صادر عن مجلس الوزراء يومها، توقّف البرنامج، ثم ما لبثت أن أعادت إطلاقه عام 2009، لتفتح من خلاله ملفات ترتبط مباشرة بحياة اللبناني ويومياته حتى الساعة.

ومن ملفات تزوير الدواء والاتجار بالأعضاء والمخدِّرات، وصولاً إلى قضايا التلوّث البيئي، وأخرى تتعلق بحروب العراق وسوريا وجنوب لبنان، استطاعت أبو ناضر أن تترك بصمة إعلامية خاصة في لبنان والعالم العربي.

وعلى مدى نحو 50 دقيقة، كانت حلقات برنامجها توثّق من خلال عمل استقصائي حثيث، المشكلات بالصوت والصورة. فكانت الأرض «ملعبها» ومركز تحقيقاتها، مُستبعِدة الأسلوب الإعلامي الذي يدور في أروقة الاستوديوهات.

برنامج من هذا النوع يشكّل نموذجاً في الإعلام المرئي الاحترافي المنبثق من العمل الوثائقي. فأبو ناضر كانت سبّاقة في اعتماده، أسوةً بما كانت تقدّمه قنوات فرنسية وأوروبية، قبل أن يصبح هذا النوع من البرامج مادة أساسية في عدد من القنوات الفضائية العربية.

كلود أبو ناضر هندي... هدفها فتح ملفات حياتية (كلود أبو ناضر هندي)

يناسب مختلف الشرائح

تعلّق أبو ناضر في لقاء مع «الشرق الأوسط» على برنامجها فتقول: «كنت الوحيدة في الشرق الأوسط عندما أطلقت فكرة البرنامج الوثائقي. وقمت بلبننته ليناسب بمضمونه مختلف الشرائح الاجتماعية. ولوّنته بمواضيع متنوعة؛ حتى لا تقتصر متابعته على فئة معينة».

والواقع، لم تلجأ أبو ناضر إلى استضافة سياسيين وزعماء أحزاب أو فعاليات رسمية للترويج لبرنامجها وزيادة نسبة مشاهدته، بل خصّصته لمعاناة الناس وأفراحهم وهمومهم في آن، وأرادته مرآة للحقيقة، لا مساحة لتلميع صورة هذا السياسي أو ذاك.

كان نضالها الأبرز - كما توضح - مُنصبّاً على «البيئة»؛ إذ لديها قناعة بأن هناك مافيا تعمل على تدميرها بشكل ممنهج وعن سابق تصوّر وتصميم... و«لذا؛ فتحتُ ملفات كثيرة في هذا المجال، بدءاً من تلوث نهر الليطاني، مروراً بمشكلة الكسّارات والمرامل، ووصولاً إلى أزمة النفايات».

وعمّا إذا كانت قد استطاعت تسجيل أهداف في شِباك أعداء الطبيعة، تردّ: «تسجيل الهدف تلو الآخر كان الإيقاع الذي ألتزم به وأرغب في تحقيقه. ولكن، مع الأسف، اكتشفت أن هذه الأهداف لا تؤلم المافيات التي تقف وراءها، حتى لو سمّيتها بأسمائها. الفساد المستشري في منظومة تحكمنا منذ أكثر من 40 سنة، ولا يهمّها سوى جمع مبالغ طائلة لتعبئة جيوبها، ولو على حساب الناس».

ومن ثم، تواصل كلامها فتقول إن الخبرة التي حصدتها في مشوارها الإعلامي المتنوع وظّفتها في برنامجها التلفزيوني، «أنا أتطلّع دائماً إلى تطوير نفسي من خلال متابعتي لبرامج وثائقية أجنبية. وحتى أثناء مشاهدتي فيلماً سينمائياً، أستعير منه أفكاراً موسيقية وبصرية لأخزّنها في ذاكرتي. إن شغفي بمهنتي كبير، وهو ما حضّني على رفض الاستسلام أو الشعور بالإحباط طوال سنوات العمل».

بحثاً عن الحقيقة

وسألناها: «هل فوجئتِ بواقع لبنان عندما غصتِ في زواريبه بحثاً عن الحقيقة؟»، فأجابت: «ما فاجأني بالفعل اللبنانيون أنفسهم. فعندما زرت إحدى المناطق الريفية القصية ووقفت على مشاكل أهاليها، سألتهم لماذا لا يزالون ينتخبون الأشخاص أنفسهم، في ظل التقصير بتقديم أي خدمات اجتماعية ولوجستية؟ فكان جوابهم صريحاً بشكل صادم؛ إذ قالوا لي إن زعماءهم يشترونهم بأثاث منزل أو أدوات كهربائية وحفنة من الدولارات، وهم راضون بواقعهم هذا. وهكذا، عندما تكون المحاسبة غائبة عن أجندة لبنان الرسمية، تصبح الخيارات مفتوحة على عناصر تسهم في تخلّف الشعب وزيادة نسبة الفقر».

بالتوازي، ذكرت أبو ناضر أنها لم تملك يوماً توقعات كبيرة من أداء السياسيين في لبنان... «جلّهم جزء من منظومة عميقة تتدخّل في كل شاردة وواردة، ويمارسون فيها الفساد كي يبقوا شعبهم خاضعاً. فلماذا أتوقّع منهم المختلف؟».

وعمّا إذا استطاعت، من خلال برنامجها «تحقيق»، إحداث تغيير على أرض الواقع، ردّت: «ربما استطعت أن أغيّر في عقلية الناس وطريقة تفكيرهم، بعدما عرّفتهم إلى الحقائق الصادمة. وكلمة الشكر التي يستقبلونني بها تكفيني وتروي عطشي من أجل بناء مجتمع أفضل».

ثم قالت إنها، رغم الصدمات التي واجهتها على أرض الواقع، ترفض الاستسلام. وإنها تشبه مهمتها بالطبيب الذي يستمر في معالجة مريضه من دون أن يفقد الأمل.

داخل الاستوديو (كلود أبو ناضر هندي)

العلاقة بلبنان الوطن

لذا؛ عندما تتكلّم عن علاقتها بلبنان، تلمس ارتباطها الوثيق به. وتضيف: «كلّما تعرّفت إليه عن قرب، ازداد تعلّقي به. لقد جُلت في جميع المناطق من دون استثناء، وتعرّفت إلى أهلها من الشمال إلى الجنوب. وجميعهم شعب طيب ومضياف. أعتبر وطني من أجمل بلدان العالم، ليس من باب التبجّح والتعالي، بل لأنه خُلق بمناخات وطبيعة تزخر بالتنوّع لا نجدها في أي بقعة أخرى على الأرض. وأي موضوع أقاربه يخص لبنان، أتناوله بحماسة كبيرة. أفرح مرات وأحزن مرات أخرى، لكنه يبقى وطني وشغفي الأكبر وملهمي. فجميع حواسي ومشاعري تتأجّج عندما أزور أي منطقة فيه، من شدة حبّي له».

لا تفكير بالانتقال إلى مجال السياسة

بالتوازي، لا تفكّر أبو ناضر هندي في دخول العمل السياسي بتاتاً، رغم أن فرصاً كثيرة عُرضت عليها. وتعلّق: «لا شك في أن بعض حلقات برنامجي كانت تشكّل خطراً على منظومة فاسدة. نعم، تلقيت تهديدات وإنذارات، خصوصاً في مواضيع تناولت الكسارات والمرامل، لكنها لم تستطع إيقافي عن مواجهة المنظومة بالحقائق المطلوبة».

وسألناها عمّا إذا كان برنامجها قد تأثر بوسائل التواصل الاجتماعي، فأجابت: «لا أبداً؛ لأن المعلومات والحقائق التي تُنشر عبرها ليست موثّقة وموضّبة ومشرّحة كما أقدّمها أنا. فالعمل الوثائقي لا يضاهيه أهمية أيّ عمل إعلامي آخر. فهو يشبه سيارة فارهة لا يستطيع أي شخص قيادتها وامتلاكها... ومواضيعي تأتي ضمن حلقات متكاملة، بمحتوى غني بالصوت والصورة».

وبالفعل، حصلت كلود أبو ناضر هندي على أكثر من جائزة أكاديمية وثقافية، واختيرت واحدة من أفضل الشخصيات الإعلامية لعام 2014 من قِبل «إم سي إنترناشونال» MC International. كما نالت لقب «شخصية العام 2011»؛ تقديراً لإنجازاتها المتميزة، من «المنظمة العربية للتنمية الإدارية» التابعة لجامعة الدول العربية وأكاديمية تتويج للتميز والجودة.

وختاماً، رداً على سؤالنا عن الملف الذي ترغب في فتحه من جديد، قالت: «قد أعيد فتح ملفات عدة بمقاربة جديدة، وفي مقدّمها موضوعا تلوث البيئة والفساد. فأي موضوع يتّصل بالإنسان يمكن أن نتناوله أكثر من مرة ومن نواحٍ مختلفة».

خصّصت كلود أبو ناضر هندي برنامجها لمعاناة الناس وأفراحهم