التوكسيدو.. رفيقة الرجل في المساء

بدلات من البروكار.. سترات من المخمل.. تصاميم رشيقة.. ألوان متنوعة

التوكسيدو.. رفيقة الرجل في المساء
TT

التوكسيدو.. رفيقة الرجل في المساء

التوكسيدو.. رفيقة الرجل في المساء

في معظم الأفلام الرومانسية، أو التجارية، يطل علينا البطل عادة وهو في كامل أناقته: شعره مصفف بعناية، ذقنه حليق، وإكسسواراته تشي بالأناقة والقوة، مع ابتسامة خفيفة وواثقة، ترتسم على محياه، وكأنه يعرف مدى تأثير هذه الإطلالة على المشاهدين. تُعجب بهذه الإطلالة، وتشعر في قرارة نفسك بأن العملية لم تأخذ منه دقائق معدودات، كما يريد أن يوحي إليك، بل قضى، أو بالأحرى الخبراء، وقتا طويلا في اختيار أزيائه وإكسسواراته وتلميع صورته. وهذا بالضبط ما هو متوقع منك في الحفلات والمناسبات الكبيرة: ألا تتسرع، وألا تترك أي تفصيل من دون أن تستغله لصالحك.
فالاحتفالات بنهاية السنة وحضور المناسبات الكبيرة ليس حقا تحتكره المرأة، والرجل بدوره يحتفل بالمناسبة، وربما أكثر، كما تكون له نفس الآمال والطموحات والرغبة في استقبال عام جديد بأحسن حلة.
جايني تميم، مصممة أزياء فيلم «جيمس بوند»، أفضل من لخص مفهوم الأناقة الرجالية عندما قالت: «يجب أن يبدو الرجل أنيقا في كل الأوقات»، لكنها لم تنكر أن مناسبات المساء تتطلب جهدا أكبر ونظرة مختلفة، وهو ما طبقته في فيلم «سبيكتر» الأخير، من خلال «التوكسيدو»، القطعة التي شكلت جزءا مهما من مظهر كل أبطال السلسلة من شون كونري إلى دانييل كريغ مرورا بروجيه مور وبيرس بروسنان وغيرهم، ولم يكن الفيلم سيكتمل من دونها. فرغم سمعة أفلام «جيمس بوند» الجيدة في مجال الأناقة، لم تكن كل إطلالات أبطالها موفقة. جاكيت السفاري الذي ظهر به روجيه مور، مثلا، لم يفتقد للأناقة، فهو من جهة يستحضر المصمم إيف سان لوران وأجواء السفاري، ومن جهة ثانية يستحضر صورة رجل مغامر ومستكشف، ومع ذلك لم ينتشر تجاريا، كذلك ملابس السباحة التي ظهر بها شون كونري، على العكس من التوكسيدو التي يمكن القول إنها القطعة التي ارتبطت بشخصية جيمس بوند أكثر من غيرها، ومنذ بداية السلسلة إلى اليوم أطلت علينا 28 بدلة توكسيدو، بألوان وأقمشة مختلفة تعكس تطور الموضة، مع اعتماد التصاميم على الأسس نفسها، التي تجمع الكلاسيكية بالعصرية. وربما هذا ما على الرجل أن يتبناه في مناسبات المساء والسهرة هذا الشهر، حيث تكثر الاحتفالات ما بين دعوات زملاء المكتب أو زبائن وعملاء أو الأهل والأصدقاء. قد يصيب الأمر الرجل بالحيرة، لكن ما يجب أن يضعه نصب عينيه أن يعكس المظهر طبيعة الدعوة والمناسبة: هل هي حميمة، رسمية، أم سهرة كبيرة؟
* في كل الحالات، حاول أن تتجنب بدلة باللون الرمادي أو الكحلي مع قميص أبيض وربطة عنق بلون غامق، لأنها مغرقة في الرسمية حتى وإن كانت الدعوة من عملاء. فهم يريدون التخلص من ضغوط العمل ولا يريدون ما يذكرهم بها وبقيودها. لتحقيق ذلك، تخلص إما من القميص الأبيض أو من ربطة العنق، واستعض عن واحد منهما بقطعة شبابية أو اختر القميص بلون مختلف أو بنقشات خفيفة جدا.
* يمكنك أيضا التخفيف من الرسمية باستعمال قطع منفصلة مختلفة، كأن تنسق مثلا بنطلونا باللون الرمادي مع سترة بدرجة مختلفة منه، أو حتى بلون مختلف تماما مثل الأزرق الغامق. أكثر من أتقن هذا المظهر، المتباين بين العملي الرسمي والمريح الأنيق، هم الإيطاليون، من أمثال «جيورجيو أرماني» و«زينيا» و«برونيللو كوتشينيللي». البداية تكون بسترة «بلايزر» بأكتاف ناعمة وخصر غير محدد، يميل إلى بعض الاتساع، مع بنطلون مستقيم بدرجة لون يلعب على لون السترة أو بلون مختلف تماما، على أن تُوحد بينهما ألوان الإكسسوارات. المصمم توم فورد أكثر من يروج لهذا المظهر، باختياره دائما سترة بلون مختلف تماما عن لون البنطلون وربطة عنق منمقة يكون لها تأثير درامي لافت.
* إذا لم تكن تريد التخفيف من أناقتك، وتريد أن تعبر عن ذوقك الخاص وميلك للعب بالموضة الكلاسيكية، فعليك بسترة مزدوجة بصفي أزرار مع بنطلون بطية واحدة عند منطقة الحزام. فهذا من شأنه أن يخلق تناقضا متناغما بين الكلاسيكي والعصري.
* الأناقة والراحة وجهان لعملة واحدة خصوصا في هذه المناسبات، لأنك بعد ساعة أو ساعتين على الأكثر ستشعر بارتفاع حرارة المكان، ما قد يؤدي بك إلى التعرق، لهذا عند اختيار قميصك وقماش البدلة يجب أن تأخذ بعين الاعتبار هذه النقطة.
* بالنسبة للقصات، فإن خياطي «سافيل رو» وأمثالهم لن يخذلونك أبدا في ما يتعلق بالتفصيل الكلاسيكي. المشكلة أنهم يتقيدون بتقاليد معينة لا يحيدون عنها حتى عندما يجتهدون ويُجددون، نذكر منهم «أندرسون آند شيبرد» الذي اعترف بأنه لم يقم بتغييرات جذرية في ما يتعلق ببدلات المساء منذ نحو ثلاثة عقود تقريبا. ما يشفع لها أنها ستبقى معك طويلا ولن تتأثر بفعل الزمن، كما يمكنك أن تغير من شخصيتها بواسطة الإكسسوارات.
* في الجهة المقابلة للخياطين، هناك مصممو الأزياء، الذين لا يتركون جزءا من البدلة أو «التوكسيدو» من دون أن يجتهدوا في تغييره وتجديده، والنتيجة أن بدلة من «برادا» مثلا ستمنحك إطلالة لا تقل أناقة وتفصيلا مع ابتعادها التام عن الرسمية. المصمم توم براون، بدوره، نجح في إقناع رجال الأعمال الشباب ببدلات مكونة من بنطلونات ترتفع بنسبة 3 إنشات عما كانت عليه. ورغم أن أسعار هذه البدلات تتراوح ما بين 4.100 و5.900 دولار أميركي، فإنها تعتبر «صيدا ثمينا» بالنسبة للبعض ممن عانقوها بلهفة. ويكمن سر إقبالهم عليها في تفاصيلها المبتكرة التي تخلق توازنا لمس وترا حساسا بداخل الشباب تحديدا. بالنسبة لتوم براون، فإن «التوكسيدو» قطعة مرغوب فيها ويجب اللعب عليها، لما تمنحه من تفاصيل مثيرة، مضيفا أنها «رسمية لكن يمكنها أن تكون أيضا خفيفة ومرحة» ملمحا لألوانها وقصاتها.
* لكن مهما خضعت التوكسيدو للتجديد، فإن المصممين لم يصلوا بعد لجرأة ألوانها في الخمسينات حين كان الرجل يلبسها بالأزرق الفاتح والوردي. لحسن الحظ أن هذه الألوان اكتسبت مع الوقت دفئا وعمقا، رغم أن توم فورد حاول في السنوات الأخيرة أن يدخل ألوانا جريئة مثل الأحمر الغامق، الذي بقي حكرا على شريحة قليلة من الرجال. اللون الوحيد، إلى جانب الأسود والكحلي، الذي أكد أنه مقبول وناجح هو الأزرق.
* في ما يتعلق بالتصميم، فإن أغلب المصممين الشباب الذين ظهروا في التسعينات من القرن الماضي، وهي الفترة التي بدأت تشهد انتعاش قطاع الأزياء الرجالية، اجتهدوا في أن يضفوا عليه رشاقة، بدءا من راف سيمونز إلى هادي سليمان، في الفترة التي قضاها في دار «ديور» وحاليا في «سان لوران». حتى كريستوفر بايلي، المدير الفني بدار «بيربري»، قدمه هذا الموسم مفصلا على الجسم وبصوف الموهير باللون الأسود أو الأزرق الداكن، كذلك ريكاردو تيشي، مصمم دار «جيفنشي»، الذي اقترحه بأكتاف قوية وياقات كبيرة.



في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
TT

في أسبوع لندن لخريف 2026... بول كوستيلو يُفصِّل جلباب أبيه على مقاسه

وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)
وليام كوستيلو يُحيي الضيوف بعد انتهاء عرضه الأول (بول كوستيلو)

في اليوم الأول لأسبوع الموضة في لندن لخريف وشتاء 2026، أكد عرض «بول كوستيلو» أن من «خلَّف ما مات». كان هذا أول عرض لويليام كوستيلو، الابن الذي تسلم المشعل بعد وفاة والده بول العام الماضي لقيادة القسم الإبداعي في الدار.

كان العرض «بداية جديدة» للدار بكل المقاييس. والأهم من هذا، كان اختباراً لابن ورث اسماً ظل لأربعة عقود جزءاً لا يتجزأ من الموضة البريطانية عموماً، وأسبوع لندن خصوصاً.

احترم الابن إرث والده من حيث الأقمشة لكنه قدمها بنبرة جديدة تشير إلى بداية عهد جديد (بول كوستيلو)

نجح الابن في هذه التجربة الأولى، وحقّق المعادلة بأن جعل الإرث خفيفاً على النظر رغم التفاصيل المبالغ في أحجامها ونسبها. فقد ترجم حمولته العاطفية من خلال أحجام شفع بناؤها المتقن لجرأتها المبالغ فيها، وهو ما تؤكده المعاطف والكورسيهات المشدودة والبنطلونات الواسعة ذات الطيات المبتكرة. يبدو أنه تعمَّد أن يأخذ رموز الدار وأيقوناتها، وضخّمها بدلاً من تخفيفها.

تشعر منذ أول إطلالة بأن ويليام كان مدركاً أن عليه خلق توازن بين الماضي والحاضر، أي بينه وبين والده. والنتيجة أنه لم يلغِ أو يُفرط في إرث والده. بالعكس تماماً استعان به بوصفه أساساً لبناء عهده الجديد، وهو ما أكده بعد العرض قائلاً: «سيبقى والدي مصدر إلهامي دائماً، وسأحرص على إرثه لأنه غني ومذهل.. فقد كانت له رؤية واضحة وهذه الرؤية هي ما أحمله معي اليوم». لحسن حظِّه أن التفاصيل المُبالغ فيها لم تُفقد أي تصميم قوة تأثيره، بما في ذلك حقائب اليد، للنهار أو المساء، التي جاءت بأحجام تنافس حقائب السفر.

بلوزات بفيونكات وكورسيهات وحقائب ضخمة استلهمها من الثمانينات (بول كوستيلو)

بين الأب والابن

احترام الابن لإرث الأب تجلى في العديد من العناصر، مثلاً أبقى على مكان العرض وهو فندق وولدورف هيلتون، وسط لندن ولم يُغيّره إلى وجهة أخرى. ركَّز أيضاً على الأقمشة المنسوجة في آيرلندا، مثل تويد تُنتجه دار «ماجي 1866» وهو القماش ذاته الذي اختاره الأب في مجموعته لخريف العام الماضي لارتباطه الوثيق بجذوره، إضافة إلى أنه نسيج صوفي عالي الجودة ومتين يستلهم ألوانه من الطبيعة الآيرلندية. لكنه في المقابل استعاض عن الموسيقى الآيرلندية التقليدية بموسيقى شبابية، وركز على الأزهار بأن جعلها تتفتح أكبر وأكثر في إشارة رمزية إلى بداية عهد جديد. هذه اللمسات وفق قوله تُعبِر عن «انطلاقة متجددة لعلامة بول كوستيلو» مع عودة إلى حقبة مهمة من تاريخ الدار، لأنها شهدت انطلاقتها.

تأثير الثمانينات كان واضحاً في التفصيل والأكتاف والكثير من التفاصيل الأخرى (بول كوستيلو)

تأثير الثمانينات

أغلب التصاميم، إن لم نقل كلها، وعددها 44 تصميماً، تحمل روح الثمانينات، الحقبة التي شهد فيها والده بزوغ نجمه، ودخلت تصاميمه خزانة الأميرة الراحلة ديانا: أكتاف عريضة منحوتة بعناية، بلوزات بفيونكات، سترات مزدوجة الأزرار مفصلة بإحكام مع خصر «بيبلوم» يحدد القوام بجرأة أنيقة، وقفازات أوبرا تغطي كامل الذراع أحياناً فتغني عن الأكمام. أما التفاصيل مثل الطيات والياقات المبتكرة فحدث ولا حرج. بالنسبة للألوان، اكتفى ويليام بعدد محدود، أغلبه من درجات الرمادي والرملي والبني الغامق والموكا والأسود والأبيض. هذه الدرجات كان لها مفعول السحر في منح التصاميم رُقياً خفّف إلى حد ما من جرأة القصات والمبالغة فيها، وأضفى عليها عصرية. حتى الإيحاءات التاريخية التي تضمنتها تخففت من حمولتها التاريخية بفضلها.

التصاميم الموجهة لمناسبات السهرة والمساء تباينت بين المفصل والمنسدل (بول كوستيلو)

لمناسبات السهرة والمساء، قدّم تصاميم بقصات تلعب على الإبهار والتاريخ في الوقت ذاته. جاء بعضها مزدانا برسوم الراحل بول كوستيلو التوضيحية الشهيرة، في محاولة من ويليام لتخليد والده من خلالها، وبعضها الآخر يحمل بصمته الخاصة، ويهمس بنبرة جديدة سواء كانت بدلات التوكسيدو المرصعة بترتر خفيف وأزرار من أحجار لامعة أو فساتين من الجاكار الأسود والفضي تنساب برشاقة أو فساتين من التويد بطيات وثنيات مبتكرة.

والنتيجة أن التشكيلة تضمنت الكثير من القطع التي تناسب كل الأوقات، لأن الفكرة منها وفق رؤية ويليام كوستيلو أن تخاطب كل النساء، بأن «تثير الحلم بداخلهن وبالتالي يرتدينها بفخر ومحبة».


الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
TT

الحصان… من التعقيد الميكانيكي إلى تطويع الجلود

تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)
تعكس الأشكال المنحوتة والجلود الملموسة والتفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وقوة (أختين)

إذا كانت دور الساعات والمجوهرات السويسرية قد احتفت بعام الحصان من خلال إصدارات محدودة تستلهم الرمز الفلكي، فإن علامة «أختين» أعادت قراءة الرمز ذاته من زاوية الهوية العربية الحية.

أطلقت حديثاً مجموعة أطلقت عليها «The Fifth Wind (الريح الخامس) من خلال تجربة فروسية حية هي الأولى من نوعها في مصر. فبينما احتفت عواصم الموضة العالمة بهذا الرمز بطرقها الخاصة، اختارت دار «أختين» أن تعيد تقديمه من منبعه الأول: الفروسية العربية نفسها في عرض غير تقليدي دعت فيه ضيوفها لخوض تجربة ميدانية.

استعاضت الأختان موناز وآية عن منصة تقليدية لتقديم ما يوصف بـ«باليه خيول» (أختين)

فالمؤسستان، موناز وآية عبد الرؤوف لم تتعاملا في هذه المجموعة، مع الحصان بوصفه عنصراً زخرفياً أو مجرد استعارة جمالية، بل بوصفه كائناً يحمل في حركته ومرونته معنى الصمود، وفي رشاقته فلسفة ضبط النفس، وفي حضوره امتداداً للذاكرة الثقافية. على هذا علَقت المصممتان: «يمثل الحصان العربي في مخيلتنا معاني كثيرة مثل التحمل، والحدس، والقوة الهادئة. وهي صفات تتناغم بعمق مع أسلوبنا في التصميم ورؤيتنا للمرأة العربية المعاصرة، وبالتالي جاء احتفالنا بالإطلاق من خلال تجربة الفروسية وسيلة حية لتجسيد هذه الرؤية على أرض الواقع».

دعت المصممتان موناز وآية عبد الرؤوف ضيوفهما لدخول تجربة غامرة مع الخيول والموضة (أختين)

أما كيف ترجمت مناز وآية هذه الرؤية، فبطرح حقائب مبتكرة طبعاً، وبطريقة لا تقل ابتكاراً. فقد كشفتا الستار عنها من خلال تجربة ممتعة تلاقت فيها الموضة مع فن استعراض الخيول العربية، أو ما يوصف بـ«باليه الخيول»؛ لأنه يمثل أرقى مستويات فن الفروسية من حيث التناسق والتحكم بدل السرعة.

تشير المواد المختارة من جلود ومعادن إلى قوة الحصان وسلاسته في الحركة (أختين)

ضمن هذه التجربة، ظهرت الحقائب بوصفها مقاربةً تنطلق من الداخل الثقافي، وليس مجرد محاولة لتوظيف الحصان عنصراً بصرياً، استُبدلت فيه بمنصة العرض التقليدية أداءً يعكس مهارة فارسات وأصالة خيول وهي ترقص على موسيقى عربية ذات طابع كلاسيكي معاصر. شرحت الأختان أن طريقة عرض المجموعة قراءة معاصرة لتلك العلاقة الوطيدة بالفروسية في المنطقة، ليس من منظور فولكلوري استعراضي، بل بصفتها علاقة قائمة على الانضباط والثقة والتحكم.

تعكس التفاصيل المضفرة والقطع المعدنية المصقولة براعة وفنون اللجام والأحزمة تُرجم فيها التراث من خلال الحرفية (أختين)

كلها قيم تجسَّدت في حقائب بُنيت على مرجعيات واضحة من فنون الفروسية العربية، سواء في البناء الهيكلي أو في التفاصيل المضفرة المستوحاة من اللجام والأحزمة، أو في اختيار المواد المعدنية المصقولة التي تعكس الصلابة والمرونة في آن واحد. والنتيجة، أن مجموعة «The Fifth Wind»، لم تعد مجرد إكسسوارات موسمية، بل أصبحت مثالاً على كيفية توظيف التراث الحي في صياغة منتجات معاصرة تحمل قصصاً من التراث كما يراه الجيل الجديد. ما فهمته موناز وآية أن الموضة حالياً تسعى لتعريف الفخامة والتفرد من خلال سرديات خاصة ومرجعيات ثقافية راسخة، وهذا ما نجحتا في تقديمه.


الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
TT

الكحال… هالة صالح ودرس في كيف تُحوِل السجاد المصري إلى عمل فني عالمي

مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)
مرحلة التكوين والتشكيل صياغة حديثة من خلال إعادة قراءة التراث (الكحال 1871)

ليس من السهل الارتقاء بالسجاد من وظيفته التقليدية باعتبار أنه عنصر عملي، أو تزييني في المنزل إلى مساحة فنية قائمة بذاتها. لكن هذا ما نجحت مجموعة Becoming You في تحقيقه من خلال قطع سجاد محدودة لا تتعدى الست. بخطوط انسيابية تستحضر حركة النيل، وألوانا دافئة قريبة من تدرجات الصحراء المصرية، وعناصر أخرى مستمدة من الطبيعة وكائناتها الحية، تؤكد المجموعة أن النسيج اليدوي يمكن أن يتجاوز وظيفته المباشرة، ويتحول فعلاً إلى لوحات. كل هذا بفضل تعاون بين دار «الكحال 1871» إحدى أعرق دور صناعة السجاد في مصر، ومهندسة الديكور المنزلي المعروفة هالة صالح.

محمد الكحال من الجيل الخامس للعائلة (الكحال 1871)

محمد الكحال، محرك هذا التعاون، ينتمي إلى الجيل الخامس من العائلة، ويحمل على عاتقه مسؤولية تطوير ما ورثه عن أسلافه بما يتناسب مع روح العصر. يقول: «خمسة أجيال تعاقبت على الشركة، وواجهت تحديات مختلفة فرضتها ظروف، إما سياسية، أو ثقافية، أو اقتصادية. ومع ذلك كان كلما تسلم جيل المشعل من سابقه، يجتهد في كتابة فصل جديد يعكس زمنه وتحولاته». ويتابع: «لم تتوقف عملية التطوير في أي مرحلة من تاريخنا، لأن الكل يعرف أن الاستكانة للماضي والاكتفاء بما تم تحقيقه من نجاح غير واردين، وهذا سر استمراريتنا، وتصدرنا مشهد صناعة السجاد الفاخر إلى اليوم».

صورة تعبر عن مرحلة الإدراك كما تم تصورها (الكحال 1871)

مراجعة الأرشيف تكشف بوضوح اختلاف الأساليب بين مرحلة وأخرى، مع ثبات المعايير التقنية والجمالية التي أرساها المؤسسون. وحتى عندما تم إطلاق «الكحال 1871» باعتبار أنها خط معاصر، حرصت الدار على جذورها، بأن وضعت الحرفة المصرية في سياق عالمي يؤكد أن التراث يمكن أن يكون قاعدة صلبة للانطلاق نحو المستقبل.

تزامن هذا التعاون أيضاً -بكل ما يحمله من تجديد ورغبة في التطوير- له ما يُبرره. فمحمد الكحال يمر بمرحلة شخصية مهمة في حياته بعد أن أصبح أباً. هذه الولادة عزَّزت اهتمامه بفكرة الاستمرارية، وما يمكن أن يتركه بما أنه يمثل الجيل الحالي لمن يأتي بعده. هذا بالإضافة إلى أسئلة أخرى كثيرة بدأت تُلح عليه عن النمو، والتطور، والتحول. أخذ كل هذه الأسئلة وناقشها مع هالة. أنصتت هذه الأخيرة له، وفهمته، وكانت ثمرات النقاش قطعاً تتضمن مفهوم التطور بلغة معاصرة.

المصممة هالة صالح (الكحال 1871)

اختيار هالة صالح لتصميم المجموعة أيضاً لم يكن صدفة. بل كان مدروساً. فإلى جانب مكانتها في مجال التصميم في مصر، يتقاطع أسلوبها مع توجه الدار نحو تقديم منتج معاصر يتكئ على مرجعية ثقافية واضحة. تاريخ هالة -مهندسة الديكور- يشير إلى أنها ترى أن السجاد عنصر أساسي في تشكيل المساحات الداخلية، وتحديد العلاقة بين الأثاث والفراغات. فهو بالنسبة لها ليس فقط للزينة، بل رابط إنساني يعكس شخصية من اختاره ونسَقها ومن شأنه أن يفتح نقاشات فنية مثيرة.

سجادة تجسد مرحلة النمو (الكحال 1871)

في هذه المجموعة يتضاعف هذا الرابط لما يتيحه من حوار مفتوح بين الإنسان، وهويته، وثقافته، والطبيعة المحيطة به. تقول هالة: «في عالم التصميم حالياً نلاحظ أن الطريق إلى الحداثة يبدأ من الماضي. كثيراً ما نطرح السؤال عن كيف يمكن أن نُزاوج القديم بالحديث مثلاً؟». الجواب يكون غالباً بمزج العناصر التقليدية بالخطوط المعاصرة، وخلق علاقة عضوية بين محيط الإنسان وثقافته، وبالتالي لم يعد الأمر مجرد خيار لتجميل المكان، بل أصبح أسلوباً يعكس الرغبة في الحفاظ على الهوية.

مرحلة الظهور ويبدو فيها الطائر قبل تحليقه (الكحال 1871)

بيد أن هالة صالح ورغم أن عدد القطع التي ساهمت في إبداعها لا تتعدى الست، فإنها لا تُخفي أن تنفيذها شكَّل تحدياً كبيراً. هذا التحدي حفّز أيضاً مخيلتها. تقول: «استندت في مقاربتي على الطبيعة من خلال رحلة طائر، منذ لحظات ولادته إلى أن استكمل نموه وبدأ يستعد للتحليق». أما كيف ترجمت هذه الصورة، فعبر ست مراحل مترابطة: التشكل، الظهور، التفاعل، النمو، الإدراك، ثم الاكتمال. قدمت هذه المراحل عبر ثلاثة تصاميم مزدوجة، أي ست سجادات، تعكس كل واحدة منها مرحلة محددة من مسار التحول، تظهر فيها أشكال مستمدة من الطبيعة، مثل تفرعات الأشجار، وتشابك الأغصان، وحركة الأجنحة، وما شابه من تفاصيل كلما تمعَّنت فيها زاد تأثيرها الجمالي، والفني.