إدوار الخراط.. العين الحكاءة

مهد الطريق للكتابة المغايرة واحتفى برموزها في فضاء الإبداع

إدوار الخراط
إدوار الخراط
TT

إدوار الخراط.. العين الحكاءة

إدوار الخراط
إدوار الخراط

نحو تسعين عاما من محبة الكتابة والحياة حملها إدوار الخراط على كاهله، رحل عن عالمنا في مستهل هذا الشهر، نافضا عباءة الشيخوخة وما يكمن تحت ظلالها من دفء فاتر لا يحرض العقل على معاودة الخيال والتفكير، أو يمنح الروح فرصة أخيرة للنظر في سقف الوجود، ولو على سبيل التحية والشكر ووداع من تحب.
قبل بضع سنوات زرته أنا وصديق مقرّب منه، كان الصمت يقبع في ملامح وجهه المتغضن، والكلام يغيب ويتعثر كأنه حجر ألقي من جبل شاهق. لم أندهش وهو يخلط بين اسمي واسم صاحبي، بل أحيانا كان يخاطبني أنا وصديقي باسم صديق آخر. أشفقت على صاحب رواية «الزمن الآخر» وهو يلملم بصعوبة شروده الذهني، ويتلمس من غبار الذكرى مشهد حياة، كم كانت مفتوحة أمامه، رغم ما اعتراها من مصاعب وعثرات، كان أقساها تجربة اعتقاله ثلاث مرات في مطلع شبابه بسبب نضاله السياسي الثوري.
حين غادرناه أوصتنا زوجته بأن تكون زيارتنا له في فترة الصباح، حيث يكون ذهنه حاضرا بشكل أصفى. لكن المشهد ظل يحاصرني بمسحة حارقة من المرارة والأسى، حتى أنني لم أستطع أن أكرر زيارته مرة أخرى، مكتفيا بالاطمئنان عليه عن طريق الأصدقاء.
أسئلة كثيرة دارت في نفسي حول الزمن والموت والكتابة، ورغم أن إيقاعها قديم، فإنها قفزت فجأة كمساحة صماء في لوحة مكتظة بالألوان والخطوط والدوائر، مساحة يختلط فيها الوضوح والغموض، الأبيض والأسود، الحضور والغياب.. هل فشلنا في إدراك المعنى الأبعد، الخفي المرمي وراء الأشياء وفي تجاويفها وشقوقها، في كتابات إدوار الخراط، وارتحنا لتفسيرات وتأويلات ارتجالية أولية، عن الهم الاجتماعي والصراع السياسي ومدى واقعيته وطزاجته في هذه الكتابات، باتساعها وتنوعها وغناها، وشططها وتمردها على كل ما هو جاهز ومصنف مسبقا، كيف لم ندرك خطى الزمن ومعاوله الخفية في رمزية «حيطان عالية»، المجموعة القصصية الأولى للخراط والتي وضعت أقدامه بقوة في طريق الكتابة المغايرة، منذ صدور طبعتها الأولى في عام 1959.. أليس هذا المشهد برمته الذي عشته معه أنا وصديقي، هو امتداد طبيعي لتلك الحيطان، أليس هو التنين، هذا الحيوان الخرافي الذي طارد حلم «رامة» وحبيبها «ميخائيل» بطل الخراط الأثير في روايته الشهيرة «رامة والتنين» وغيرها؟.. نحن لا نلتمس من الزمن شيئا خارجا عن طبيعتنا، كل ما نرجوه حين نعايشه أن يحتوينا بحب، أن تكون لنا بقعة من الضوء، لا لنهزم بها العتمة فحسب، وإنما لنؤكد أن لدينا ما يخصنا، ما يدل علينا، برضا وطمأنينة.
أدرك الخراط مبكرا هذا الحراك الخفي للزمن، الكامن في الطبيعة والبشر والعناصر والأشياء، فتعاطى الكتابة وكأنها سباق مع الموت، وهو ما يعني ضمنيا سباقا مع الزمن نفسه، كما تعامل من هذا المنظور مع الأسطورة، بكل روافدها وعناصرها الفرعونية واليونانية والقبطية والإسلامية وغيرها، حتى تحولت هذه العناصر الأسطورية في أعماله إلى مقوم فني له جاذبيته الخاصة، وطاقة حافزة على توسيع وتنويع مسارب السرد والحكي، فالأسطورة ليست مجرد شيء خارق للعادة والمألوف، وإنما هي ما فوق الزمن والموت معا، بل تكاد تشكل زمن الكتابة نفسه.
هذا الولع بالأسطورة والرغبة الدائمة في مزجها بما هو واقعي وحسي وشعري، وهذا الإدراك المستبصر لإشكالية الزمن وتقاطعاته الحادة المفاجئة، حفز الخراط على أن يكون بمثابة حفّار للغة، يعرف كيف ينوع اشتقاقاتها وضرباتها ووخزاتها في النص، منقبا في هوامشها ومتونها وطبقاتها، وألسنتها الشفهية والفصحى، لتصبح لصيقة بالجسد والروح، تفيض عن ما يفوران به من ظواهر وانفعالات ومشاعر وعواطف شتى، على مستويي الداخل والخارج معا.
وسّع هذا الحفر في اللغة من فضاء الخراط الروائي والقصصي، وجعله صاحب عين حكاءة، ذات قدرة مبهرة على التأمل والوصف والنفاذ فيما وراء الأشياء والوقائع، فالوصف الباذخ الشيق في أعماله، لا يقوم فقط بدور وسيط لتوثيق عناصر ومفردات الحياة وتحويلها إلى مقوِّم سردي، وإنما هو شكل من أشكال اللعب مع الزمن والتاريخ، فأنت تستطيع في كثير من هذه الأعمال، ومنها (ترابها زعفران - رامة والتنين - يقين العطش - السكة الحديد) أن تشم بروح الحاضر رائحة الماضي في أنماط كثيرة من وصفة لمحتويات المكان وعناصر البيئة وما تنطوي عليه من أعراف وعادات وطقوس اجتماعية ودينية، تومض وتفوح في النص، مكتسبة من خلاله حيوات جديدة.
لا يأتي هذا الحفر من فراغ، وإنما يرفده تراكم خبرة عميقة، وتقلبات في مشوار الحياة، ومعرفة حية بالأماكن، فقد عاش الخراط في 4 أماكن ذات طبيعة خاصة، حيث ولد بالإسكندرية لأب من مدينة أخميم بمحافظة سوهاج في جنوب مصر، وأم من محافظة البحيرة، غرب الدلتا، وعاش ومات في مدينة القاهرة، وسافر كثيرا وتجول في معظم مدن العالم، لكن تظل الأماكن الأربعة التي شكلت قوسي الميلاد والموت، محطات أساسية، تنقلت بينها أعماله في رحلة خصبة ومتجددة تناوب فيها الحلم والذاكرة الأدوار المركزية والهامشية، في البحث عن اللغة والمعنى والقيمة لعلاقات إنسانية خلاقة، بعيدا عن العطب والترهل، ومجانية الشائع والتكرار، كما انطبعت مناخات هذه المدن على ملامح شخوصه وصراعاتهم مع أنفسهم والحياة والوجود.
فمثلما التصقت اللغة بطوايا الروح والجسد في أعمال الخراط الروائية والقصصية، التصقت أيضا بالمكان، فلم يكن مجرد خلفية تزينية، أو خشبة مسرح يؤدي عليها الأبطال أدوارهم ويتبارون في مهارات التقمص من تحت القناع، لقد أصبح المكان بطلا، وصانع بطولة في الوقت نفسه، إنه جغرافيا ممزوجة بدم ولحم وطينة الشخوص، تحكمها دائما علاقة تأثير وتأثر حية، لها امتدادها الخصب في المكان والزمان.
وهكذا، يتراءى المكان دائما كمخزن للطفولة واللغة والحلم والتاريخ، وهو ما يوضحه الخراط بإيجاز مشع، في معرض حديثة عن الإسكندرية أيقونته المقدسة في روايته «إسكندريتي»، ناحتا لها مصطلحا جديدا على غرار الفن التشكيلي سماه «كولاج روائي» يقول الخراط: «لعلني لا أعرف كاتبا آخر في العربية تولّه بعشق هذا الموقع.. الحلم.. الواقع كما فعلت، ومهما كان من حفاوة كاتب مثل نجيب محفوظ بأزقة وحواري الجمالية، أو كاتب مثل عبد الرحمن الشرقاوي، وغيره من كتاب الريف، بقراهم، فقد كانت المدينة الأرض عندهم في نهاية الأمر، ديكورا خلفيا، أو في أحسن الأحوال موضوعا أو ساحة للفعل الروائي».
امتلك الخراط منظورا فلسفيا شكل حجر الأساس في رؤيته للعالم، وتبلورت من خلاله رؤيته لواقعة المصري بكل تقاطعاته وأبعاده السياسية والاجتماعية والثقافية والحضارية، وهو أن الحياة ثباتها يكمن في قدرتها على التغير، في لم شتات الضعف والقوة معا، ليس بدافع الهيمنة، وإنما بدافع الرغبة في التطلع إلى الأفضل، فالأشياء ليست مخلدة، وإنما تزول ليبقى الأثر شاهدا عليها.. لعل هذا ما عبر عنه في روايته «يقين العطش» حيث يستهلها بهذه الكلمات: «كان حسه بالفقدان الذي لا يعوض عميقا، قال: الحياة ذهبت، عادت إليه فجأة رائحة الفولكس القديمة، من أولى سنوات السبعينات، رائحة فيها آثار من اللبن الطازج، والبنزين، وعطر لافام الذي يعرفه من (رامة) رائحة الخصوبة، رائحة لن تعود أبدا».
كتابات الخراط تشبهه بروحها المصرية القبطية العربية، وتشبهنا بفضاء حكاياتها المنسوجة من سقف أحلامنا وكوابيسنا، ورغبتنا في أوطان عادلة وحرة، كما أنها تحرضنا على أن نكون نحن كما نحب ونشتهي، لا كما يريد لنا الآخرون. إنها كتابات تنفر من الثنائيات المغلقة والنمطية، تبحث عن حلول بديلة لها في فضاء السرد، وفي ظل حراك دائم التغير بين حريتين تتصارعان من أجل حرية واحدة، هي حرية الحب، الجسد، الروح، العقل الوطن، الفن.. حرية يتنفس فيها النص هواءه وغباره بمحبة خالصة، حيث تذوب كل الفواصل والعقد السميكة للزمن في العناصر والأشياء، في الكتابة وشطحات الرؤى والفكر والخيال.
هذا الهم لم ينفصل عن كتابات الخراط النقدية المتنوعة ما بين الفن التشكيلي والرواية والقصة القصيرة والترجمة والسينما والمسرح، والتي دشن من خلالها أهم مصطلحات الحداثة الأدبية والحساسية الجديدة، وهو مصطلح «الكتابة عبر النوعية»، محتضنا مظاهر الكتابة الجديدة الطليعية في فضاء الإبداع، في مصر والوطن العربي.
لقد تشبث صاحب «حريق الأخيلة» بإرادة الحياة والتصق بها بحميمية، وكان في كل كتاباته عينه مفتوحة على المستقبل.. كان عقلانيا بمحبة الروح، وروحانيا بمحبة العقل، نزقا حتى النخاع في البحث عن المعرفة، عن رؤى ومفاهيم جديدة، تتحصن بها الكتابة والذات، سواء في نشدانهما للتغيير والتجديد في دفتر الحياة، أو في نشدانهما للعشق والحب في دفتر القلب.



غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها
TT

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

غواية الورق... كتب نقتنيها لا تكفي أعمارنا لقراءتها

ليس كل كتاب نقتنيه موجهاً إلى القارئ الذي نحن عليه الآن، ولربما يمضي في طريقه إلى قارئ آخر نتخيله في داخلنا: أكثر معرفة، وأوسع فضولاً، وأكثر شبهاً بالشخص الذي تمنينا أن نصير إليه. وقد تنطوي رفوفنا الشخصية على مفارقة خفية، فنحن نستبق بالكتب زمناً لم نعشه بعد، ونراهن بها على مستقبل نأمل أن يمنحنا فرصة العودة إليها، ليصير شراء الكتاب ليس اقتناءً لنص فحسب، بل استثماراً رمزياً في ذات مؤجلة.

تمثل ظاهرة الهوس بشراء الكتب ومراكمتها قبل الوصول إلى قراءتها سلوكاً إنسانياً عابراً للجغرافيا، فتكتظ بها رفوف عشاق الورق في مدن العالم وبيوتاته. تبدو هذه العادة للوهلة الأولى نوعاً من الترف أو ضعفاً أمام إغراء العناوين والأغلفة، لكنها تخفي شبكة معقدة من الدوافع النفسية والجذور التاريخية، حيث يتقاطع فضول المعرفة مع الرغبة في امتلاكها بوصفها مصدراً للقوة، ويتجاور الرضا عن الذات مع إحساس بالانتماء إلى ذاكرة البشرية، في علاقة تتجاوز المنطق النفعي المباشر للكتاب.

قديماً اعتبر الملوك والأباطرة السيطرة على الفكر المكتوب ركيزة لتثبيت أركان الدولة واستعراض التفوق الحضاري أمام المنافسين. فأرسل آشوربانيبال رسله إلى أطراف الممالك المجاورة لجمع المعارف ونسخها وضمها إلى مكتبته في نينوى بالعراق القديم، التي احتوت آلاف الألواح الطينية المسمارية الموثقة للعلوم والسحر والمعتقدات الدينية، في تعبير واضح عن طموح السلطة إلى احتكار الحكمة والمعرفة والذاكرة الإنسانية. وفي العصر الهيلينستي ذاعت أخبار التنافس بين مكتبة الإسكندرية ومكتبة برغاموم على تجميع المخطوطات ولفائف البردي. وفي الحضارة الإسلامية اتسعت الظاهرة بفضل انتشار صناعة الورق، فتحول جمع الكتب إلى ممارسة مجتمعية وفردية واسعة، وتأسس «بيت الحكمة» في بغداد كصرح علمي ضخم، واشتهرت مجموعات خاصة كبرى، بينها مكتبة الفتح بن خاقان ومكتبات بعض أعيان قرطبة التي أدهشت الرحالة والمؤرخين. ويُروى عن الجاحظ أنه كان يستأجر دكاكين الوراقين للمبيت فيها وقضاء الليالي في مطالعة ما تيسر من كتبهم، كما ارتبطت وفاته في الرواية التراثية بسقوط مجلدات مكتبته عليه.

مكتبة أومبرتو إيكو ضمت عشرات آلاف المجلدات

أحدث اختراع يوهان غوتنبرغ للمطبعة في القرن الخامس عشر تحولاً جذرياً في تاريخ العلاقة بالكتاب، بعدما انتقل الأخير من تحفة نادرة محصورة في دوائر الملوك والمتنفذين والرهبان إلى مادة قابلة للاقتناء والتجميع الفردي على نطاق أوسع. وتطورت حينها فكرة جمع الطبعات الأولى، أو ما عُرف بـ«الإنكونابولا»، لتصبح هاجساً جديداً لدى الأثرياء والمثقفين. وفي مطلع القرن التاسع عشر، صاغ الطبيب الإنجليزي جون فيريار والمؤلف توماس ديبدين مصطلح «البيبلومانيا» لوصف الهوس القهري بجمع الكتب الذي اجتاح أوساطاً أرستقراطية في أوروبا، وشهدت تلك المرحلة مزادات صاخبة وتأسيس أندية متخصصة لهواة الكتب النادرة، من بينها «نادي روكسبيرغ» في بريطانيا.

تتداخل عوامل نفسية وفلسفية كثيرة في تفسير هذا السلوك القريب من الإدمان، ويأتي في مقدمتها مفهوم «المكتبة المضادة» الذي طرحه نسيم نيكولاس طالب متأملاً مكتبة الأديب الإيطالي أومبرتو إيكو، التي ضمت عشرات آلاف المجلدات. تقوم الفكرة على أن قيمة المكتبة تتجسد بدرجة كبيرة في الكتب التي تنتظر القراءة؛ لأنها تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه، وتدفعه إلى التواضع الفكري واستمرار التعلم. هكذا تتحول الرفوف الممتلئة إلى خريطة مرئية لما بقي خارج دائرة المعرفة الشخصية.

وطور اليابانيون مصطلحاً بالغ الدلالة هو «تسوندوكو»، اشتقاقاً من ثلاثة تعابير تضيف شراء المطبوعات إلى مراكمتها في المنزل وتأجيل قراءتها. ومن منظور علم السايكولوجيا، يمنح اقتناء الكتب صاحبه إحساساً بالراحة المرتبطة بمعرفة موعودة، فكأن شراء الكتاب يمثل خطوة أولى نحو امتلاك الأفكار والمفاهيم التي يحملها بين دفتيه. وقد يؤدي فعل الاختيار ذاته دوراً مهماً: التجول بين الرفوف، ولمس الأغلفة، ومقارنة الطبعات، ثم العودة إلى المنزل بكتاب جديد، كلها تفاصيل تصنع طقساً شخصياً يربط المعرفة بالمتعة والتوقع.

المكتبة تذكّر صاحبها باتساع المجهول أمامه وتدفعه إلى التواضع الفكري

على مستوى آخر، يتجاوز الكتاب كونه نصاً مجرداً ليصبح كائناً مادياً متكاملاً. فرائحة الورق القديم الناتجة عن تحلل مركبات كيميائية مثل «اللجنين» تستثير الذاكرة العاطفية، فيما تصنع رسوم الغلاف ونوعية التجليد والملاحظات المدونة على الهوامش تجربة بصرية ولمسية ذات طابع خاص. هنا ترتقي علاقة الإنسان به من تلقي المعلومات إلى التفاعل الجمالي والحميمي مع أثر مادي يرافق صاحبه عبر مراحل حياته. لذلك ينظر بعض مالكي المكتبات الشخصية إلى رفوفهم بوصفها سيرة ذاتية موازية، تعكس اهتماماتهم وانتماءاتهم الثقافية وتحولات ذائقتهم ورحلتهم المعرفية عبر الزمن، ويأخذ ترتيب الكتب وإعادة تنظيمها معنى قريباً من إعادة ترتيب الذاكرة والذات، كما تمنح مادته القارئ علاقة مختلفة أوثق بالمعرفة: ثمة صفحة طويت هنا، وهامش ترك هناك، وأثر يد أمسكت الكتاب مطولاً يبقى على الورق، ومجلد قد ينتقل من جيل إلى آخر حاملاً تاريخ قرائه السابقين.

يحمل هذا الشغف أيضاً وجهاً مظلماً حين يتحول الاقتناء إلى اندفاع مرضي يفضي إلى السرقة، وهو ما يُعرف بـ«الببليوكليبتومانيا». ومن أشهر الحالات حكاية ستيفن بلومبرغ الذي سرق أكثر من عشرين ألف كتاب نادر ومخطوطة من مئات المكتبات في الولايات المتحدة، وقدرت قيمة مجموعته بملايين الدولارات. وكشفت قضيته عن رغبة استحواذيّة محضة، فالمجلدات المسروقة كانت بالنسبة إليه كنوزاً يرغب في أن تحيط به في عالمه الخاص، أكثر من كونها سلعة قابلة للتداول.

تكتسب الحيازة المادية للكتب المطبوعة أبعاداً وجودية متجددة في ظل الهيمنة المتصاعدة لتقنيات الذكاء الاصطناعي والخوارزميات التوليدية؛ إذ قد تكون المكتبات الورقية ملاذاً حصيناً أخيراً لصون الفكر البشري في مواجهة سيل النصوص الفائقة السرعة والآلية التوليد. ويمثل الكتاب الورقي في هذا العصر الرقمي الشديد التسارع وثيقة تاريخية ثابتة تحفظ الأفكار البشرية في هيئتها الفيزيائية الملموسة محصنة أمام احتمالات التعديل البرمجي المستمر والتحوير الخوارزمي، معززة رغبة الإنسانية في التمسك برموز للأصالة والأثر الإنساني النقي. ولهذا قد يتحول الشغف باقتناء المجلدات وتكثيرها في عصر الشاشات من هواية جمالية محضة إلى فعل مقاومة ثقافية واعية تؤكد قيمة التواصل البشري المباشر مع المعرفة، صائنة طقوس القراءة البطيئة التي تمنح للعقل البشري فرصة الابتكار الحر والشعور بذاتيته المتفردة في عالم يغرق سريعاً في الأتمتة الشاملة.


«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً
TT

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

«خطٌّ متقطِّع »... التصالح مع الكتابة شعريّاً

عن الحياة ومفارقاتها والخوف من الحرب، والشعور بالوحدة والعزلة، يدور ديوان «خط متقطع» الصادر أخيراً عن دار النهضة العربية ببيروت للشاعرة اللبنانية ليندا نصار... تهدي الشاعرة ديوانها إلى «اللاأحد»، وتستحضر الخريف في دورة التحول من الجدب إلى الإثمار، ليصبح معادلاً رمزياً لمعاناتها مع الكتابة... تقول: «في كل لحظة كتبــتُ فيهــا بإنصــات، اختــارني الخريــف ليفــكّ عنّــي حبســة الكتابــة، فكنــتُ أراقــب الأشــياء المتســاقطة وأكتبها، كأنّهــا وحدهــا تعــرف كيــف تمنــح الكلــمات معناهــا. ولعــلّ الانقطاع، في بعــض الأحيــان، ليــس إلا الوســيلة الوحيــدة لاســتعادة الأنفــاس، والعــودة إلى الكتابــة».

بهذه المكاشفة تفتتح الشاعرة ديوانها، كاشفة عن مأزق وجودي استمر نحو ست سنوات من الإنصات، ومحاولة التصالح مع الكتابة والوحدة والواقع والعالم والأشياء من حولها. ولعلها بهذا الإنصات اختارت «الحياة في الظل»، ظل الوحدة، ظل الكتابة، ظل الأمل، والحب، فلا أحد يكسر أجواء هذه البقعة المريحة، التي يرتاح لها الكثير من الشعراء والفنانين، ربما لأنهم لا يستعجلون قطف الثمرة، حتى تأخذ دورتها في النمو، ويكتمل مذاقها بشكل طبيعي. وأيضاً لأنهم ينفرون من ضجر الحياة وإيقاعها الصاخب المربك، ويفضّلون الجلوس على مقربة من أنفسهم، يـتأملون ما يجري حولهم بعمق، ويصقلون وجدانهم بالمزيد من المعارف والخبرات والرؤى الخاصة. من هنا نفهم أن الإهداء إلى «اللاأحد»، ليس نفياً مطلقاً ـ إنما فعل إثبات لوجود معطل، يستعيد الحياة في مرايا الشعر والحياة، ويتصالح معها بروح وإيقاع جديدين.

يتناثر هذا الهم في قصائد الديوان الذي ينتمي إلى قصيدة النثر، ويقع في 60 صفحة من القطع الصغير، وتركز الشاعرة فيه على الإيقاع الخاطف، في بناء الصورة الشعرية واصطياد المعنى، من تراكمات اليومي المعيش، والمهمش النافر من سكونية المتن ورتابة الخيال... تقول في النص الذي وسم عنوان الديوان «خط متقطع»:

«أشياء كثيرة تُمحى،

كيف تنجو قليلاً،

ظل الوقت يترقب طيفاً لا يشبهني

زاوية مضاءة في الأربعين

حالفها حظ مؤقّت

لا يخطئ الحدسَ والعدَّ

ولا قوانين الترتيب

وأنا عالقة بين قرنين لم يكتملا.

في الجهة الأخرى كنت

طفلة تراقص أحلامها

محمولة على إيقاع «جاز»

محمولة بضفيرتين

الراقصة لا أعرفها تصرخ بلا صوت،

عجلات تدور مع مجرات العظام

المحنطة ورأس ثقيل بين يديّ».

يدور النص في فلك مشهد تبدو فيه الذات الشاعرة وكأنها تبحث عن حكمة ضالة، أو حقيقة هاربة، تواجه في مرآتها وعيها بذاتها وبالوجود. يتبدى ذلك من خلال المزج ما بين الخاص والعام، وكسر العلاقة الصلدة النمطية ما بين الأنا والموضوع؛ لإبراز يقين الذات المنهكة، والتي تتمسك به حتى الرمق الأخير، وتعلن عنه على نحو حاد ومتوتر أحياناً، فلا بأس من أن تصرح: «الحب جدار للعزلة»، «أختار موتي بالتقسيط»، «كأس للروح ووردة لقناص يتوارى خلف أروقة الحرب»، «يصيبني بالهلع».

يعزز هذا المشهد أن الحلم والذاكرة يتبادلان الأدوار في الكثير من قصائد الديوان؛ فالحلم باب للذاكرة، والعكس صحيح أيضاً. وكلاهما يتلامس مع الواقع، يصبّ فيه ويأخذ عنه، في محاولة لتجديد الوعي بالوجود والشعر والحياة، نرى ذلك في نص بعنوان «حلم البارحة»... تقول فيه:

«كان الليل طويلاً يتمدّد في الشوارع،

الوقت ضائعٌ بين رفوف الذاكرة

يضيق الفجرُ

نور أنفاسي متقطّعٌ

وحدها العجوز شبه نائمة

تحركها أغصانُ شجرةٍ

لم يتبقَّ منها سوى كرسيٍّ هزاز

ما أجمل بياضُ شَعرها الرمادي

الزمن عائم هنا

والذاكرة تعيش فوضاها، العجوز نائمة في حلمي

وطفلة تستيقظ من بعيد

تجري مع الريح».

ببدو الخريف وكأنه الملاذ الأخير للذات، لتتخلص من محنتها؛ لذلك تتكرر رمزيته في أكثر من قصيدة، منها،«خريف وشاعر» صفحة 32، «الخريف ممكن» صفحة 34.، وهذه الرمزية من العناصر الأساسية المغوية في الديوان؛ لارتباطها بالحلم، وتنوع دلالتها، وجمعها ما بين الشيء ونقيضه في الوقت نفسه؛ فالأوراق لا تتساقط من الشجرة في الخريف، لتعلن ضمورها وذبولها، إنما لتجدد نموها وتضح في شرايينها حياة جديدة.

أضف إلى ذلك، أن دلالة الحلم تبدو أكثر فاعلية، وقدرة على فك عقدة الحبل المشدود بين الإمكانية والاستحالة، التي تشكل أيضاً بتضادها المعرفي أحد المعاول الفنية في الديوان. وهو ما يطالعنا في قصيدة بعنوان «الحياة ممكنة» تقول فيها:

«تتمدد الشوارع

يضيق الوقت

برغبة تلفظ أنفاسها

عند فجر أبيض

لعجوز تجهز قهوتها

وغانية عائدة تنفض غبارَ رجل

عن فستانها، وطفلة تستقبل يوماً جديداً على هذا الكوكب.

وذاكرة المرايا

حروف ابتلعها طفل

يمارس النطق كما تمارس الأحلام.

الحياة ممكنة

الحب ممكن أيضاً

ما لم تكتمل الرسالة

وسط ضجيج العالم

النوم بهدوء

يحتاج إلى أحلام محترقة».

تنحو اللغة في الديوان نحو البساطة، وعدم التكلف، والوصول إلى الفكرة من أقرب الطرق المتاحة، تحافظ الذات على هذه الطرق، ولا تسعى للبحث عن طرق أخرى بديلة، قد تجعل الفكرة أكثر إثارة للدهشة والأسئلة؛ ما يضفي على الصورة الشعرية ملمحاً جمالياً مغايراً للسائد والمألوف. ومن ثم، من الصعب أن نتأمل نصوص الديوان، في إطار بنية خاصة، بعيداً عن المرجعيات المعروفة، بخاصة في العلاقة المتلازمة بين الدال والمدلول، أو بين الرمز ومرموزه، كما أن حضور النص يظل مرهوناً بها، رغم أنه في الكثير من النصوص يملك العناصر والخبرة التي تساعده على كسر هذا الإطار، ليكون حراً ومستقلاً، من أبرز هذه العناصر البراح الفني الذي توفره قصيدة النثر، واللعب على الخارج والداخل بروح من التجريب والمغامرة. ورغم ذلك، نحن أمام ديوان شيق يستحق التأمل من زوايا متعددة سواء على مستوى الرؤية، أو علاقة الشكل بالمضمون، التي يتعامل معها ككيان واحد، ينتصر للشعر في أبسط مفردات علاقته بالإنسان والواقع والحياة.


بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين
TT

بطل تشادي مثقل بالحنين

بطل تشادي مثقل بالحنين

في رواية «ثلاثية أنجمينا»، الصادرة أخيراً عن دار «ديوان» بالقاهرة، يرسم الكاتب التشادي روزي جدّي ملامح بطل عاش في الغرب ونهل من نهر التحضر الأوروبي، لكنه لم يشف بعد من داء الحنين فيقرر بعد سنوات من الإقامة في فرنسا أن يعود إلى بلاده، وتحديداً إلى العاصمة أنجمينا التي هرب منها ذات يوم، كأنه يعود إلى جرح قديم لم يندمل.

إنه أبكر بركاى الذي يستقبله صديقه جنكيز بين أزقة سوق دقيل ومقاهي شارع الثلاثين ورائحة حلوى «الفنقاسو» وأغاني أحمد بيكوس وغبار مدينة تعرف كيف تمنح أبناءها مزيجاً غريباً من الحنين والخيبة. تفتح الرواية أبواب عاصمة تشاد لنرى كيف يعيش أبناؤها في غبارها وأسواقها وعنفها وفي ذاكرتها الشعبية، حيث تتجلى أنجمينا كمدينة مثقلة بالحروب الأهلية والبطالة والموت المجاني لكنها لا تكف عن إغواء أبنائها حتى وهم يعرفون أن العودة إليها قد تكون بداية سقوط جديد.

قام البناء الفني للعمل على تقسيم الرواية إلى ثلاثة أقسام هي؛ الكتاب الأول: «الشتاء» والثاني: «الصيف» والثالث: «الخريف»، بحيث يتضمن كل باب عدداً من الفصول الداخلية تحمل أسماء عدد من الشخصيات الفاعلة في النص. تتميز لغة المؤلف بالصفاء والطابع الرائق، ويعكس النص حالة من المقارنة بين الشرق والغرب، ولكن عبر طرفي نقيض محددين هما باريس وأنجمينا، فالرفاهية الأوروبية يقابلها التوتر الأفريقي، لكن الشخصية الرئيسية تجد نفسها منجذبة إلى هذا التوتر برغم خطورته، بسبب ما تحمله من حنين وذكريات.

وروزي جدّي روائي تشادي يقيم في أنجمينا ويعمل في السلك القضائي، صدرت له أربع روايات وكتاب في أدب الرحلة. فازت روايته «زمن الملل» بجائزة غسان كنفاني كما نال جائزة التميز الأدبي عن روايته «ارتدادات الذاكرة»، وهي أرفع جائزة تمنحها وزارة الثقافة في تشاد. وفي عام 2016 تُوّج بجائزة «ابن بطوطة» لأدب الرحلة عن مخطوطته «فوق الأهرامات وتحت القباب: يوميات بين القاهرة وإسطنبول».

من أجواء الرواية نقرأ: «في ذلك الزمن البعيد قبل أن يغادر إلى فرنسا، كنا صغيرين ولم تكن السعادة أكثر من عشرة ريالات في الجيب لتشتري فنقاسو أو مارشميلو لنفسك ولصديقك وتتجولان في أزقة سوق دقيل بكل فخر، بل كنت سعيداً حتى حين صارت السعادة زجاجة «كوكا كولا»، أو العودة غانماً بعد ضرب أحد أبناء الطبقة الوسطى على قفاه وأخذ ماله، لكن الحياة تغيرت ولم تعد الأمور بسيطة كما كانت. لابد أن أعترف بأن صديقي قد تغير كثيراً، كان قصيراً ونحيفاً رغم أنه أكثر وسامة، لكنه عاد الآن رجلاً متوسط الطول وأضخم ولديه عضلات مفتولة كعضلات مرتادي (الجيم).

بعد الآن لن يشعر بالحرج وهو يمشي إلى جانبي كما فعل وقت كنا صغيرين، كنت طفلاً ضخماً وطويلاً وذا كرش عظيم. شكلي لم يتغير كثيراً عدا أنني صرت أطول».