واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

في سياق المعركة الموعودة ضد «داعش»

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة
TT

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

واشنطن تختبر ثقتها بالأكراد في استعادة الرقة

لعبت الميليشيات الكردية بتوجيه من «وحدات حماية الشعب» (YPG) دورا كبيرا في المعارك ضد تنظيم داعش في سوريا. ومع نهاية برنامج التدريب والتجهيز - الذي كان يهدف إلى تدريب المقاتلين العرب السوريين المعتدلين - يبدو أن الولايات المتحدة باتت تعوِّل على الأكراد لدفع التنظيم المتطرف خارج المناطق السورية التي يسيطر عليها. أضف إلى أنه في الشهر الماضي، أعلنت «القوات الديمقراطية السورية»، وهي فصيل كردي - عربي شُكِّل حديثا لمقاتلة «داعش» حصرا، عن بداية هجوم ضد التنظيم في جنوب محافظة الحسكة. وفي الوقت الذي قد يُنتج فيه الرهان الأميركي ثماره في المناطق الحدودية الكردية، يبدو أن تكراره لن يكون سهلا في معظم المناطق العربية، وتحديدا في مدينة الرقة، عاصمة المنظمة الإرهابية المتطرفة داخل أراضي سوريا.
كانت الولايات المتحدة قد أعلنت في أوائل شهر أكتوبر (تشرين الأول) الماضي عن نهاية برنامج التدريب والتجهيز البالغة قيمته 500 مليون دولار أميركي، والمخصّص لقوات «الجيش السوري الحر». وكان المفترض حسب البرنامج أن يتم تدريب نحو خمسة آلاف من المقاتلين، ولكن لم ينجح البرنامج إلا في تخريج حفنة صغيرة، كما أنه فقد مصداقيته بعدما سلم بعض عناصره أسلحتهم إلى «جبهة النصرة»، ذراع تنظيم «القاعدة» في سوريا.
بالتزامن مع ذلك، جرى الإعلان عن إنشاء الفصيل السوري الجديد المعروف بـ«القوات الديمقراطية السورية»، الأمر الذي قد يمهد الطريق لهجوم محتمل هذا الشتاء على مدينة الرقة، وفقا لمصادر عسكرية سورية. وزُعم أن الفصيل الجديد يهدف لإعادة تجميع صفوف المقاتلين الأكراد والعرب العاملين تحت تسمية «التحالف العربي السوري»، وأنه سوف يتلقى دعما عسكريا أميركيا وفق ما ورد على لسان بعض المسؤولين الأميركيين.
ووفقا لموقع «سوريا على طول» (Syria direct)، انضمت إلى «القوات الديمقراطية السورية» مجموعة تتكون من 15 فصيلا عسكريا في محافظتي إدلب وحلب بشمال سوريا في منتصف شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي. وكانت هذه الفصائل، التي ضمت مقاتلين من العرب وكتائب «الجيش السوري الحر» والميليشيا الكردية، قد أعلنت استعدادها الكامل للمحاربة في حلب وإدلب تحت لواء «القوات الديمقراطية السورية».
وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إعلان وزارة الدفاع الأميركية (البنتاغون) تسليم 50 طنا من الذخيرة لمسلحي المعارضة السورية من العرب الذين يشكلون الفصيل الجديد، والذين يتألفون وفقا لراشد صطوف - وهو عضو سابق في «بركان الفرات» وعضو في «التيار الوطني» (الذي تحدث مع «الشرق الأوسط» من تركيا) - من أعضاء في غرف عمليات «بركان الفرات» (الذي يضم أكرادا وعربا مثل لواء ثوار الرقة)، و«جيش الثوار» (الذي يضم قبائل منطقة تل الأبيض الحدودية بشمال محافظة الرقة)، وقوات «الصناديد» (التي تمثل قبائل شمّر)، وألوية الجزيرة في «الجيش السوري الحر»، فضلا عن عناصر من مختلف المناطق بما في ذلك محافظة دير الزور.

القيادة كردية.. مع مكوّن عربي

وفي هذا السياق، يقول فيصل عيتاني، الزميل المقيم في المجلس الأطلسي بالعاصمة الأميركية واشنطن، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إن استراتيجية الولايات المتحدة تسير في اتجاه تأليف قوة مضادة لـ«داعش» بقيادة كردية مع إدخال مكوّن عربي عليها، والتي ستستهدف أساسا مدينة الرقة وضواحيها الموجودة تحت قبضة «داعش».
وللعلم، تقع المناطق الكردية بشمال سوريا راهنا تحت سلطة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، الذي تأسس في عام 2003، وفق ما ورد في مذكرة صادرة عن «معهد واشنطن لسياسة الشرق الأدنى». وتعتبر هذه المجموعة الفرع السوري لحزب العمال الكردستاني التركي (PKK). وفي يونيو (حزيران) 2012، بدأت ميليشيا «وحدات حماية الشعب» (YPG)، وهي مجموعة شبه عسكرية تابعة لحزب الاتحاد الديمقراطي، بالسيطرة على أجزاء من شمال سوريا. وخلال الشهر التالي، سقطت أجزاء كبيرة من بلدات عين العرب (كوباني) وعفرين وعامودا والمالكية في شمال سوريا في تعاقب سريع بيد الأكراد خلال اشتباكات محدودة ضد قوات النظام، وفقا للتقرير نفسه.
ويعتبر فلاديمير فان ولغنبرغ، الخبير في مؤسسة «جيمس تاون»، في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، أن الأكراد «ما زالوا يشكلون الغالبية العظمى من (القوات الديمقراطية السورية)»، معلنا بناء على مقابلة أجراها أخيرا مع إدريس نيسان، وهو مسؤول كردي في شمال سوريا، عن وجود نحو 20 ألفا من المقاتلين الأكراد في هذا الفصيل، في حين يتراوح عدد المقاتلين العرب بين 3 و5 آلاف مقاتل.
ويضيف فان ولغنبرغ أنه «لا بد من التفريق بين العرب الملتحقين بحزب الاتحاد الديمقراطي (PYD)، والفصائل العربية المتحالفة مع هذا الأخير داخل (القوات الديمقراطية السورية)، بما أن المجموعة الأولى تخضع لتدريب جيد ومنظم». ويؤيد صطوف هذا الرأي، موضحا أنه من أصل بضعة آلاف من العرب الذين يحاربون خارج حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) إلى جانب «القوى الديمقراطية السورية»، مئات منهم فقط حصلوا على تدريب وتم تجهيزهم بشكل مواتٍ. ثم إن معظم الأسلحة المتوافرة بين أيدي «القوات الديمقراطية السورية» أسلحة روسية خفيفة قديمة الصنع من نوع «كلاشنيكوف»، بينما تقتصر الأسلحة الأميركية المتطوّرة على مستوى القادة، وهذه الأسلحة الأميركية الصنع إما اشتريت من السوق السوداء العراقية أو جرى الاستيلاء عليها من «داعش»، وفقا لفان ولغنبرغ.
أما الباحث سنان حتاحت، من مركز عمران للدراسات، فاعتبر خلال حديثه لـ«الشرق الأوسط» أن دور المجموعات الـ15 في محافظتي إدلب وحلب يبقى محدودا، وأعدادها ليست بكبيرة.
من ناحية ثانية، لا بد من الإشارة إلى المحاولات الكردية لتعزيز وجودها العسكري وأيضا إحكام سيطرتها على مناطقها. إذ أعلن الأكراد السوريون خلال أكتوبر الماضي «الحكم المستقل» في بلدة تل أبيض (العربية) الواقعة على الحدود مع تركيا. وأسهمت في تحقيق هذه المكاسب الميدانية الهجمات الكردية الناجحة ضد «داعش» التي أدت إلى دحر التنظيم المتطرف من أجزاء كبيرة من الأراضي.
من ناحية أخرى، وفقا لتقرير «معهد واشنطن لسياسات الشرق الأدنى»، يقدِّر قادة حزب الاتحاد الديمقراطي (PYD) أنهم يسيطرون على نحو 30 ألف كيلومتر مربع من الأراضي، وذلك بعدما تمكن الأكراد من استعادة ما يزيد على 17 ألف ميل مربع من «داعش»، وغالبيتها في أعقاب الغارات الجوية التي قادتها واشنطن. وحقا، يشير كريم بيطار، وهو زميل مقيم في «المعهد الفرنسي للعلاقات الاستراتيجية والدولية» في مقابلة مع «الشرق الأوسط»، إلى أن «الشراكة الكردية الأميركية تعود إلى ما قبل غزو العراق في عام 2003، كما أن قاعدة وكالة الاستخبارات المركزية (سي آي إيه) الموجودة في أربيل (عاصمة كردستان العراق) تجعل التحالف الكردي الأميركي تحالفا صلبا».
لكن، وعلى الرغم من أن الولايات المتحدة تعوِّل على تنسيق عربي - كردي وثيق للسيطرة على الرقة، يعتقد بيطار أن «الولايات المتحدة تميل إلى قراءة الوضع الإقليمي من خلال عدسة الدين والعرق التي قد لا تكون بالضرورة ناجحة في هذه القضية»، حتى في ظل التقدم الكردي الحالي في شمال سوريا.
وفي هذا السياق، يعتبر فان ولغنبرغ، الذي سافر أخيرا إلى المناطق الكردية في شمال سوريا، أن «القوات الديمقراطية السورية» شنت عملياتها الأولى في سوريا في مدينة الهول في 31 أكتوبر الماضي، وكان «الهدف منها استعادة هذه المدينة التي يستخدمها (داعش) كمركز عسكري لعملياته في محافظة الحسكة ضد الأكراد، والتي تعتبر منطقة شديدة الأهمية أيضا نظرا لمواردها النفطية».
بالإضافة إلى ذلك، ونقلا عن وكالة «آرا» للأنباء، استعادت «القوات الديمقراطية السورية» عدة قرى في محافظة الحسكة السورية الشمالية الشرقية بعد اشتباكات مع مقاتلين متشددين من «داعش» لا سيما في الريف الشرقي من المحافظة التي تتاخم العراق وتركيا. ونجحت قوات مشتركة عربية - كردية في استرداد قريتي سلالية ورجم الشرقي بجنوب الحسكة، بعد أن أرغمت عناصر «داعش» على الانسحاب تحت القصف الشديد، وفقا لوكالة «آرا». أما هدف الأكراد فهو «استعادة مدينة الهول وقطع الطريق الدولي بين الرقة والموصل»، كما يقول فان ولغنبرغ.
وفي شهر نوفمبر الماضي، شنت القوات الديمقراطية السورية عملية عسكرية واسعة النطاق في الريف الشرقي لمدينة الحسكة نفسها على مقربة من مدينة الهول الواقعة تحت قبضة «داعش» على الحدود العراقية. وتمكنت القوات من استعادة أكثر من 35 بلدة ومحطات الوقود خلال أسبوع من العمليات. كما صرح الكولونيل طلال علي سلو، الناطق الرسمي باسم «القوات الديمقراطية السورية» وقائد مجموعة «جيش الثوار» في الحسكة، بأن قواته تتعاون مع التحالف الدولي في عملياته العسكرية ضد المجموعة المتطرفة، وفق ما أوردت وكالة «آرا».
ويعتقد فان ولغنبرغ أنه في سوريا يمكن لوحدات حماية الشعب (YPG) تكرار المكاسب القديمة في مناطق تقع خارج حدودها الطبيعية «علما بأن وحدات حماية الشعب (YPG) كانت قد أثبتت فعاليتها خارج المناطق الكردية قبل إنشاء القوى الديمقراطية السورية، فتمكنت من السيطرة على عدة مناطق مثل تل براك وتل أبيض وغيرهما. ولذلك سوف تكون فعالة في العمليات المستقبلية أيضا، خصوصا إذا كانت مدعومة من الضربات الجوية للتحالف».
في المقابل، يبدي صطوف شكوكا في هذا الموضوع، مضيفا أن العديد من العقبات ستقف في وجه التعاون العسكري الكردي العربي، خاصة في المناطق ذات الأغلبية العربية، شارحا أن «الأكراد اتخذوا قرارات أحادية إزاء السيطرة والإمساك بالسلطة في مناطق مثل تل أبيض ذات الغالبية العربية»، ما يعزز انعدام الثقة بين المجموعتين.
وما يجدر ذكره أن «الخصومة» بين العرب والأكراد في هذه المنطقة تعود إلى بداية الثورة السورية. ففي أواخر عام 2012، اصطدمت ميليشيا «وحدات حماية الشعب» مع وحدات من التيار الرئيسي لـ«الجيش السوري الحر»، وكذلك مع جماعة «أحرار الشام» و«جبهة النصرة» التابعة لتنظيم القاعدة، التي رفضت قبول الطموحات الكردية في المنطقة، وفقا لتقرير معهد واشنطن.
وبالإضافة إلى ذلك، أظهر تقرير صدر أخيرا عن منظمة العفو الدولية بعنوان «نحن لم نجد مكانا آخر نذهب إليه»، أن ميليشيا «وحدات حماية الشعب» قد دمرت قرى بكاملها استولت عليها من «داعش» إما انتقاما من «التعاطف المفترض مع المجموعة المتطرفة أو كعقاب على الظلم السابق أو الخلافات (العرقية) القديمة».
غير أن الخلافات العرقية التي غذاها الرئيس السوري السابق حافظ الأسد، ليست سوى سبب واحد من أسباب العداء العربي الكردي. وبين الأسباب الأخرى ما يرتبط بالعداوة السياسية: فـ«الجيش السوري الحر» يطلب من «وحدات حماية الشعب» أن تتخذ موقفا واضحا تجاه النظام، وهي التي رفضت الانضمام إلى المعارضة السياسية السورية، وفق صطوف.
من ناحية أخرى، ينظر الأكراد إلى العرب بكثير من الريبة بسبب تغلغل «داعش» في مناطقهم داخل السكان المحليين. وقد أفاد ناشط محلي تحدث شرط التكتم على هويته بأن «داعش» استخدم النساء والأطفال في عمليات تفجير، أو لجمع المعلومات لصالح المنظمة الإرهابية المتطرفة. ولذا قد يكون غياب بل انعدام الثقة بين العرب والأكراد أحد العوامل التي تعوق أي هجوم عسكري مستقبلي في الرقة.
وهنا يقول فيصل عيتاني شارحا: «إن الأكراد ليسوا متحمسين للبدء في نشاط عسكري صعب ومكلف عليهم قد يطول ضد (داعش) في منطقة غير كردية (مثل الرقة). ولا بد من أن يتولى فريق ما الحكم بعد تحرير الأرض. لذلك يبدو أن الأكراد ليسوا متحمسين لتولي هذا الأمر، الذي قد يظهرهم كأنهم يقمعون السكان المحليين العرب»، وفق عيتاني. ويشاطر عيتاني في هذا الرأي بيطار الذي يرى أن تحرير المناطق التي يسيطر عليها تنظيم داعش غير ممكن إلا من خلال مساعدة المجموعة السنية العربية «الصحوات»، التي عرفت في ما مضى كحركة عراقية مناهضة لـ«القاعدة».
ملاحظة أخيرة لا بد منها هنا.. فحتى لو تحققت السيطرة على مدينة الرقة نتيجة تراجع قوة «داعش»، فهل سيتمكن الأكراد المسيطرون على الأرض من الصمود في وجه هجمات التنظيم المتطرف على المدى الطويل؟ وهل سيتمكنون من سد الثغرة مع السكان المحليين ويحصلون على ثقتهم وقبولهم كقوات أمنية؟
هذا الأمر يصعب جدا أن يتحقق من دون صلات عميقة ونقاط التقاء مصلحية قوية بين العرب والأكراد.



بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
TT

بإنهاء مهمة «يونيفيل»... لبنان يخسر مظلة أمنية واقتصادية

مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)
مركبات تابعة لليونيفيل في دورية قرب الحدود بجنوب لبنان (آ ف ب)

لم يعد مستقبل قوات الأمم المتحدة المؤقتة في لبنان (يونيفيل) مسألة مؤجّلة في منطقة الجنوب. فمع اقتراب 31 ديسمبر (كانون الأول) 2026، موعد انتهاء التفويض الحالي الذي وُصف بأنه «تمديد لمرة أخيرة»، ومع بدء مسار التقليص؛ تمهيداً لانسحاب كامل بحلول منتصف 2027، يدخل الجنوب اللبناني مرحلة العدّ العكسي لمهمة بدأت عام 1978 وتحوّلت، عبر العقود، عنصراً ثابتاً في المعادلة الأمنية والاقتصادية والاجتماعية. هذا الأسبوع، صعّدت إسرائيل انتقاداتها للقوة الدولية، معتبرة أنّ أداءها «ما عاد كافياً لضبط الواقع جنوب الليطاني بعد حرب 2024»، ولوّحت بضرورة إعادة تقييم مهمتها. في المقابل، يتمسّك لبنان رسمياً باستمرار وجودها إلى حين تثبيت الاستقرار الكامل، معتبراً أنّها تشكّل مظلة دولية داعمة للجيش اللبناني في تنفيذ القرار 1701. وفي موازاة التصعيد السياسي، دخل العامل المالي الأميركي في يوليو (تموز) الماضي، على خط النقاش؛ ما أعاد فتح ملف تمويل عمليات حفظ السلام واستدامتها، وربط مستقبل المهمة مباشرة بإرادة الدول الكبرى المموِّلة لها.

كان الرئيس الأميركي دونالد ترمب قد وقّع، يوم 24 يوليو (تموز) الماضي، قانون «الاقتطاعات لسنة 2025» الذي قضى بإلغاء نحو 203 ملايين دولار أميركي من مخصّصات عام 2024، و158 مليون دولار من مخصّصات عام 2025 الموجهة لدعم عمليات حفظ السلام، مبرراً القرار بأسباب عدة، منها قلة رضاه عن أداء القوات الدولية.

وفي خطوة لاحقة، صوّتت الولايات المتحدة ضد قرار الجمعية العامة للأمم المتحدة يوم 30 يوليو الماضي، بشأن ميزانية «يونيفيل»، في حين وافق على القرار باقي الأعضاء، باستثناء سيراليون والصومال اللتين امتنعتا عن التصويت.

هذا التطور لم يُقرأ في بيروت كإجراء مالي فحسب، بل كإشارة سياسية تُضاف إلى وصف التمديد الأخير بأنه «لمرة أخيرة»؛ ما يعزّز المسار المتّجه نحو تقليص تدريجي ثم انسحاب كامل.

القرار في نيويورك والأثر بجنوب لبنان

إذا كان النقاش يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي، فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً وفق الانعكاسات الاقتصادية السلبية على الداخل اللبناني. إذ قال مصدر لبناني مواكب لعمل قوات «يونيفيل» في جنوب لبنان لـ«الشرق الأوسط»: إنّ «وجود القوة الدولية يشكّل رافعة اقتصادية مباشرة وغير مباشرة للاقتصاد المحلي»، لافتاً إلى أنّ «(يونيفيل) تضخّ سنوياً أكثر من 25 مليون دولار في السوق اللبنانية من خلال المشتريات المحلية وحدها، فضلاً عن الرواتب والنفقات التشغيلية».

وأوضح المصدر أنّ «عدد الموظفين المحليين العاملين مع (يونيفيل) يتجاوز حالياً 500 موظف لبناني، إلى جانب ما بين 250 و300 موظف أجنبي مقيمين في لبنان، يستأجرون منازل، ويشترون سيارات، وينفقون يومياً في المتاجر والمطاعم والمدارس والجامعات؛ ما يحرّك دورة اقتصادية واسعة في الجنوب وخارجه».

وأضاف أنّ «القوة الدولية تضم أيضاً نحو 8 آلاف عسكري ينتشرون في الجنوب. وهؤلاء يشاركون بدورهم في تحريك السوق المحلية من خلال التسوق والخدمات، إلى جانب تنفيذ مشاريع إنمائية صغيرة تُعرف بمشاريع الأثر السريع Quick Impact Projects، تشمل دعم البلديات، وتركيب أنظمة طاقة شمسية، وإصلاح شبكات مياه، ومبادرات خدمية أخرى، بتمويل سنوي يقارب مليون دولار».

وفق المصدر «الأثر (السلبي) لا يقتصر على العاملين مباشرة مع (يونيفيل)، بل يمتد إلى عشرات الشركات اللبنانية المتعاقدة معها، من شركات تنظيف وصيانة ومورّدين؛ ما يخلق شبكة واسعة من فرص العمل غير المباشرة». وحذّر من أنّ «أي تقليص أو انسحاب لـ(يونيفيل) ستكون له انعكاسات اقتصادية واجتماعية قاسية، خصوصاً على مئات الموظفين اللبنانيين الذين لا يشملهم نظام التقاعد، ولا سيما ممن هم دون سن الـ55؛ ما يضعهم أمام خسارة مباشرة لمصدر دخلهم في ظل أوضاع معيشية شديدة الصعوبة».

بالتوازي، لفت المصدر إلى أنّ «(يونيفيل) تؤدي أيضاً دوراً اجتماعياً وإنسانياً بارزاً، من خلال الأيام الطبية المجانية، والعيادات المتنقلة، ودعم المستشفيات والمستوصفات بالأدوية والمعدات، وتنظيم أنشطة رياضية وثقافية للأطفال، والمساعدة إبّان الأزمات والحروب، فضلاً عن تنسيق الجهود مع المنظمات الإنسانية كالصليب الأحمر».

وتابع شارحاً إنّ «الأمر لا يقتصر على أرقام مالية، بل على شبكة حياة اقتصادية واجتماعية كاملة نشأت حول وجود (يونيفيل) على مدى سنوات. وبالتالي، أي خلل فيها سينعكس مباشرة على آلاف العائلات اللبنانية، في منطقة تعاني أصلاً من خسائر الحرب، وتراجع الزراعة، ودمار المنازل، وغياب البدائل الاقتصادية».

وبهذا المعنى، يصبح أي قرار دولي أو ضغط تمويلي قراراً يمسّ مباشرة شبكة معيشية قائمة منذ عقود.

إذا كان النقاش حول سحب «يونيفيل» يُدار في أروقة مجلس الأمن الدولي فإن ارتداداته تُقاس في الأسواق المحلية جنوباً

قلق معيشي واقتصادي

من جهة ثانية، سمر (وهي من سكان القطاع الأوسط في جنوب لبنان)، وصفت لـ«الشرق الأوسط» الوضع بالقول: «إنّ القلق الاقتصادي بات العنوان الأبرز في القرى الجنوبية مع الكلام المتزايد عن تقليص أو انسحاب قوات (يونيفيل)... وتأثير ذلك لا يطول الموظفين مباشرة فحسب، بل ينسحب على القرى بكاملها».

وأردفت أنّ «إحدى بلدات القطاع الأوسط تضمّ أكثر من 120 عائلة يعتمد دخلها الأساسي على وظائف في (يونيفيل). هذه البلدة لا يتجاوز عدد العائلات المُقيمة فيها نحو 200 عائلة؛ ما يجعل هذه الرواتب بمثابة العمود الفقري للاقتصاد المحلي».

وتابعت: «الناس ليست قلقة فقط، بل مرعوبة فعلياً. لا توجد مصادر دخل بديلة في المنطقة، ولا فُرص عمل حقيقية. إذا خسر هؤلاء وظائفهم، ماذا سيفعلون؟ هل سيبقون في منازلهم بلا أي مورد؟».

واستطردت سمر لافتةً إلى أنّ الموظفين في «يونيفيل» لا يؤمّنون معيشة السكان المحليين فقط، «بل يحرّكون أيضاً العجلة الاقتصادية في القرى، من المتاجر الصغيرة إلى المؤسسات والخدمات»، محذّرةً من «أنّ أي تراجع في هذا الدخل سيؤدي إلى شلل اقتصادي واسع... إذ لن يتضرر الأفراد وحدهم، بل ستتأثر كل الأعمال في المنطقة بأسرها؛ لأن القدرة الشرائية ستتراجع بشكل حاد».

واختتمت بالتشديد على أنّ ما يحصل «ليس مسألة أرقام فقط، بل مسألة صمود اجتماعي ومعيشي»... ولا بد من التعامل مع هذا الملف «بمسؤولية؛ لأن انعكاساته ستطال الاستقرار اليومي لعائلات بأكملها في القطاع الأوسط».

 

مركبتان تابعتان لليونيفيل في دورية قرب بلدة جديدة مرجعيون بجنوب لبنان (آ ف ب)

فجوة اقتصادية حادة

وحقاً، «يترك سحب (يونيفيل) فجوة اقتصادية حادة في الجنوب»، وفق عضو «المجلس الاقتصادي والاجتماعي في لبنان»، صادق علوية، الذي أفاد «الشرق الأوسط» بأنّ «أكثر من 90 في المائة من المؤسسات المتعاقدة مع (يونيفيل) والعاملة في تقديم الخدمات لها تتركّز في جنوب لبنان؛ ما يجعل أي تقليص أو انسحاب للقوات الدولية ذا انعكاسات اقتصادية واجتماعية مباشرة وعميقة على المنطقة».

وأوضح علوية، من ثم، أنّ وجود «يونيفيل» منذ عام 1978، «يعدّ بمثابة محرّك اقتصادي محلي أساسي في الجنوب، عبر شبكة واسعة من الشركات والأفراد العاملين معها، سواءً بشكل مباشر كالموظّفين والمترجمين والإداريين والفنيين، أو بشكل غير مباشر عبر الشركات المتعاقدة وقطاعات الخدمات والمقاولات والصيانة».

ثم ذكر أنّ «هذا الواقع أسهم في خلق دورة اقتصادية متكاملة، تبدأ من الاستهلاك اليومي للمواد الغذائية ولا تنتهي عند مختلف الخدمات»، لافتاً إلى «أنّ الأمر لا يتعلّق ببضعة ملايين من الدولارات سنوياً، بل عن عشرات الملايين، وقد تصل قيمتها التقديرية إلى ما بين 20 و30 مليون دولار سنوياً، تبعاً لحجم عديد القوات ونشاطها».

وبالتالي، حذّر علوية من أنّ «أي انسحاب أو تقليص سيؤدي إلى فجوة اقتصادية حادة، تتمثل ببطالة جديدة مباشرة وغير مباشرة، تطول آلاف الوظائف، إضافة إلى خسارة تقديمات اجتماعية كانت تُعدّ مرتفعة نسبياً، لا سيما على صعيد الحماية الاجتماعية والخدمات الصحية».

ورأى أنّ تأثير «يونيفيل» لم يكن اقتصادياً فحسب، «بل امتد إلى دعم البلديات والمجتمعات المحلية، من خلال تقديم تجهيزات ومساعدات تنموية شملت قطاعات الزراعة والطاقة، عبر توفير مولدات كهرباء ومياه، ومشاريع طاقة شمسية، وإنشاء برك زراعية، فضلاً عن ترميم مدارس وتقديم معدات طبية وصحية للمستشفيات».

وشرح بأنّ «القوات الدولية، ولا سيما الوحدات الإيطالية والفرنسية والإسبانية، لعبت في مراحل سابقة دوراً صحياً مباشراً عبر عيادات ميدانية وتقديم أدوية ورعاية طبية يومية للسكان المحليين، إضافة إلى دورها الأساسي في نزع الألغام والقنابل العنقودية؛ ما انعكس إيجاباً على سلامة الجنوبيين واستقرارهم».

أيضاً، أكد علوية «أنّ العلاقة بين الجنوبيين و(يونيفيل) تميّزت على مدى عقود بالهدوء والتعاون، إلى حدّ باتت فيه القوات الدولية جزءاً من النسيج الاجتماعي المحلي»، محذّراً من «أنّ سحب هذا الدعم في مرحلة يعاني فيها الجنوب من آثار حرب وخسائر جسيمة في المنازل والبنى التحتية سيترك أثراً اقتصادياً واجتماعياً بالغ السلبية». ومشدّداً على أنّ «استمرار وجود (يونيفيل) في لبنان لا يشكّل، بالتالي، حاجة أمنية فحسب... بل هو أيضاً حاجة اقتصادية واجتماعية ملحّة، خصوصاً في ظل محدودية قدرات الدولة المالية، وحاجة الجنوب الماسّة إلى أي مورد داعم يسهِم في إعادة فتح نوافذ الأمل أمام سكانه».

انكماش بين 01 و51 %

في سياق متصل، قال محمد شمس الدين، الباحث في «الدولية للمعلومات»، لـ«الشرق الأوسط» إنّ «انسحاب أو تقليص وجود قوة (يونيفيل) في جنوب لبنان ستكون له تداعيات اقتصادية مباشرة وملموسة على المجتمعات الجنوبية، ولا سيما على صعيد فرص العمل والحركة السياحية والتجارية».

وأفاد بأنّ «عدد العاملين اللبنانيين مع (يونيفيل) تقلّص من نحو 1200 شخص إلى قرابة 600 فقط، غالبيتهم يتقاضون رواتبهم بالدولار الأميركي، ويُقدَّر أن نحو 500 منهم من أبناء الجنوب... وهذا التقليص يعني عملياً خسارة مئات العائلات الجنوبية لمصدر دخل ثابت كان يشكّل عنصراً حيوياً في الدورة الاقتصادية المحلية».

ثم أضاف: «الأثر لا يقتصر على الرواتب فحسب، بل يطول قطاعات واسعة مرتبطة بوجود القوات الدولية... ذلك أن عائلات عناصر (يونيفيل) كانت تقصد الجنوب أثناء فترات الإجازات؛ ما كان ينعكس حركةً نشطة في الفنادق والمطاعم والمقاهي والأسواق، وبخاصة في صور وضواحيها، ومنطقة الناقورة، والساحل الجنوبي».

وقدّر شمس الدين أنّ «الاقتصاد الجنوبي قد يتأثر بنسبة تتراوح بين 10 و15 في المائة نتيجة انسحاب (يونيفيل) (أو بالأصح سحبها)»، موضحاً أنّ «هذا التراجع يطول السياحة الموسمية، والتجارة، وحركة التسوق، والمطاعم، والمحال التجارية، وحتى قطاع الخدمات، ولا سيما في مدينة صور التي تُعدّ الأكثر استفادة من الوجود الدولي بحكم موقعها السياحي».


مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
TT

مصطفى مدبولي... مهندس يسعى لإعادة تخطيط البلاد معمارياً واقتصادياً

يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»
يعد فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً» ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»

من أروقة التخطيط العمراني الأكاديمية والعملية إلى رئاسة الحكومة، جاء رئيس الوزراء المصري الدكتور مصطفى مدبولي، معلناً بداية مرحلة جديدة في الدولة المصرية تمزج الخبرة التكنوقراطية برؤية عمرانية تعيد تخطيط الدولة في مواجهة تحديات وأزمات اقتصادية وجيوسياسية. مدبولي الذي تولى رئاسة مجلس الوزراء عام 2018 مدشناً ما وصفها آنذاك بـ«مرحلة الانطلاق»، بات الآن واحداً من أطول رؤساء الحكومة المصرية بقاء في المنصب بعد مصطفى فهمي وعاطف صدقي. ويستكمل مدبولي ما بدأه قبل نحو 8 سنوات، مترئساً حكومة تعهّدت في اجتماعها الأول بتشكيلها الجديد في فبراير (شباط) 2026، بـ«استكمال مسيرة التنمية الشاملة في مختلف مناطق الجمهورية»، واضعةً تخفيف العبء عن المواطن على رأس أولوياتها، من خلال العمل على تحسين الوضع الاقتصادي، وتخفيض حجم الدين العام، والاهتمام بالتعليم والصحة وتحسين الأداء الحكومي، وإدارة علاقة جيدة مع مختلف وسائل الإعلام.

وُلد مصطفى كمال مدبولي يوم 28 أبريل (نيسان) عام 1966. ورغم صغر سنه خلال حرب أكتوبر (تشرين الأول) 1973، فإن فرحة النصر «حُفرت في ذاكرته»، إذ كان والده اللواء كمال مدبولي، أحد قادة سلاح المدفعية في الحرب.

عن تلك الفترة قال مدبولي في تصريحات صحافية قبل سنوات: «فرحتنا كانت فرحتين، الأولى بالنصر والثانية بمشاركة والدي المقاتل في استعادة الأرض».

تخرّج مصطفى في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) عام 1992. ثم استكمل دراسته في هولندا، وحصل على دبلوم الدراسات المتقدمة في مجال التخطيط العمراني (إدارة العمران) من معهد دراسات الإسكان والتنمية الحضرية عام 1993.

وبعد العودة إلى مصر، حصل على درجة الدكتوراه في الهندسة المعمارية (تخصص تخطيط مدن) من كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1997، بنظام الإشراف المشترك مع معهد التخطيط القومي والإقليمي والعمراني في كلية العمارة بجامعة كارلسروه بألمانيا.

المسيرتان الوظيفية... فالحكومية

بدأ مدبولي حياته المهنية موظفاً بإحدى شركات القطاع الخاص بعد تخرجه مباشرة عام 1988، وكان أول راتب يحصل عليه من تلك الشركة نحو 180 جنيهاً. وعن تلك الفترة قال مدبولي، في مؤتمر الشباب عام 2018، إن «حياته لم تكن رغدة»، فهو ينتمي للطبقة المتوسطة، وبدأ انطلاقته العملية «في فترة كانت ظروف البلاد فيها أصعب من الوضع الراهن».

بعدها انتقل مدبولي من القطاع الخاص إلى الحكومة ليبدأ مساراً مهنياً مختلفاً أوصله إلى قمة الهرم الحكومي، حيث شغل منصب المدير التنفيذي لمعهد التدريب والدراسات الحضرية في مركز بحوث الإسكان والبناء بالوزارة بين يناير (كانون الثاني) 2000 ويونيو (حزيران) 2004. ثم تولّى منصب نائب رئيس مجلس إدارة الهيئة العامة للتخطيط العمراني للتخطيط الإقليمي والبحوث والدراسات في أكتوبر 2007. ثم رئاسة الهيئة العامة للتخطيط العمراني من أبريل (نيسان) 2008 إلى نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011.

خبرة دولية

في عام 2012 شغل مصطفى مدبولي منصب المدير الإقليمي للدول العربية في «برنامج الأمم المتحدة للمستوطنات البشرية»، مما أكسبه إضافةً إلى مهاراته الأكاديمية والمهنية بُعداً وخبرة دوليين.

ثم دخل ميدان السياسة لأول مرة عندما عُيّن وزيراً للإسكان عام 2014، ثم تولى رئاسة الحكومة رسمياً يوم 7 يونيو (حزيران) عام 2018، خلفاً للمهندس شريف إسماعيل. ولكن تجدر الإشارة إلى رحلته في إدارة مجلس الوزراء المصري كانت قد بدأت قبل ذلك بعدة أشهر، تحديداً في 23 نوفمبر (تشرين الثاني) 2017، عندما أصدر الرئيس عبد الفتاح السيسي قراراً بتولّي مدبولي -وزير الإسكان آنذاك- مهام القائم بأعمال رئيس مجلس الوزراء إلى حين عودة رئيس الوزراء من رحلة علاجه في ألمانيا، وهذه المهمة ظل مدبولي يمارسها حتى عودة إسماعيل من العلاج في يناير (كانون الثاني) 2018.

مدبولي، في الواقع، لم يكن يحلم بتولّي منصب رئاسة الحكومة، إذ قال في تصريحات سابقة: «لو أن أحداً قال لي إنه بعد نحو 30 سنة من تخرّجك في جامعة القاهرة ستجلس على رأس الحكومة المصرية لقلت له إنك تحلم». بل يصف مدبولي بداية رئاسته للحكومة المصرية عام 2018 بأنها «مرحلة الانطلاق» بعد نحو 4 سنوات أمضتها الحكومة السابقة في «محاولة تثبيت أركان الدولة وتحقيق الأمن والاستقرار».

من «القاهرة 2050» إلى «العاصمة الإدارية»

عام 2008، عندما كان مصطفى مدبولي رئيساً لـ«الهيئة العامة للتخطيط العمراني»، كان يتكلّم بنبرة الواثق عن مخطط «القاهرة 2050».

كان المخطّط يهدف، حسبما أعلن آنذاك، إلى تنفيذ 22 مشروعاً خلال 15 سنة لجعل القاهرة «مدينة عالمية مستدامة ومترابطة». وكان من بين هذا المشاريع نقل العشوائيات وتطوير المناطق غير الآمنة، وإنشاء 4 خطوط جديدة لمترو الأنفاق، وتطوير القاهرة الخديوية وهضبة الأهرام.

لقد شكل هذا المخطط جزءاً رئيسياً من إدارة مدبولي لوزارة الإسكان وللحكومة فيما بعد، لتتطور الرؤية من «القاهرة 2050» إلى «استراتيجية وطنية للمدن الذكية» تستهدف تحقيق نقلة نوعية في مفهوم التنمية العمرانية، وبناء ما باتت تُعرف بـ«مدن الجيل الرابع».

يعدّ مدبولي فلسفة التوسع العمراني «اقتصاداً جديداً»، ويرى أن التنمية العمرانية «قاطرة النمو لأي دولة تسعى لامتلاك المستقبل»، وأن العاصمة الإدارية الجديدة تجسّد رؤية الحكومة المصرية في «بناء مدن حديثة ومستدامة تواكب تطلعات المصريين».

وفي تصريحات صحافية نهاية العام الماضي، قال مدبولي إن «العاصمة الجديدة أصبحت نموذجاً لما تسعى الدولة إلى تحقيقه، من تخطيط عمراني متطور، وبنية تحتية حديثة، وبيئة جاذبة للاستثمار والعمل والإقامة»، وإن مثل هذه المشاريع العملاقة تعد «ركيزة أساسية لدفع عجلة التنمية الشاملة».

من جهة ثانية، لم يقتصر عمل مدبولي على التخطيط العمراني بل قاد مشاريع تنموية شاملة منها: برنامج «حياة كريمة» لتحسين البنية الأساسية والخدمات في القرى والمناطق الريفية، بالتعاون بين الوزارات والمجتمع المدني، وبرنامج «تكافل وكرامة» لتوسيع شبكات الحماية الاجتماعية ودعم الأسر الأكثر احتياجاً. هذا إلى جانب مسار تطوير العشوائيات.

تحدّيات وأزمات

على الرغم من كلام مصطفى مدبولي بداية توليه مهام منصبه عام 2018 عن أن الظروف في مصر أفضل مما كانت عليه عند تخرجه في الجامعة قبل 30 سنة، فإن طريق مدبولي في رئاسة الحكومة لم يكن مفروشاً بالورود. ذلك أن مرحلة الانطلاق التي دشّنها في مطلع ولايته اصطدمت بتحديات جيو-سياسية ألقت بظلال كثيفة على وضع البلاد اقتصادياً، من جائحة «كوفيد - 19» إلى الحرب الروسية - الأوكرانية، ثم «حرب غزة» وتداعياتها الأمنية والاقتصادية، لا سيما مع تراجع عائدات قناة السويس الدولارية. وهكذا وجد المهندس نفسه في مواجهة أرقام التضخم وفجوة النقد الأجنبي.

هذه تحديات عدَّها مدبولي، في تصريحات سابقة، «قدَراً»، فقال: «قدَر هذه الحكومة أن تتحمّل تبعات أزمات عالمية لم تكن طرفاً فيها»، مؤكداً التزامه بـ«عبور السفينة إلى بر الأمان مهما بلغت التحديات».

ومن أجل مواجهة التحديات انخرط رئيس الحكومة في مفاوضات شاقة مع صندوق النقد الدولي أسفرت عام 2022 عن اتفاق على برنامج تمويل بقيمة 3 مليارات دولار أميركي ينتهي في سبتمبر (أيلول) 2026، للخروج من الأزمة الاقتصادية التي عصفت بمصر آنذاك، ثم ارتفعت في مارس (آذار) 2024 إلى 8 مليارات في ظل تداعيات «حرب غزة».

وبينما كان الاقتراض أحد السبل لمواجهة الأزمات الاقتصادية الطاحنة، فإن ارتفاع فاتورة الدين العام، كانت من أشد الانتقادات التي وجّهت إلى مدبولي وحكومته. وللعلم، وفقاً لوزارة التخطيط المصرية، شهد الدين الخارجي قفزة بنحو 6 مليارات دولار منذ مطلع عام 2025، ليصل إلى 161.2 مليار دولار بنهاية يونيو (حزيران) الماضي. في المقابل ارتفع الدين المحلي بنسبة 3.5 في المائة ليصل إلى 11.057 تريليون جنيه (وهو ما يساوي 233.2 مليار دولار).

الدَّين العام والغلاء

بنهاية العام الماضي أعلن مدبولي اعتزام الحكومة خفض الدَّين العام نسبةً للناتج المحلي الإجمالي إلى مستويات غير مسبوقة منذ نحو 50 سنة. وأعلن أن «نسبة الدين إلى الناتج المحلي الإجمالي تراجعت من 96 في المائة قبل سنتين إلى نحو 84 في المائة حالياً. الأمر الذي أثار تساؤلات عن خطة الحكومة في هذا الشأن، لم تُجب عنها الحكومة حتى الآن، وإن كان خفض الدين إحدى أهم أولوياتها.

على الصعيد الداخلي أيضاً، ومع ما وضعته الأزمات الاقتصادية من أعباء إضافية على حياة المواطن، واجهت حكومة مدبولي شكاوى من الغلاء ترافقت مع انتقادات للإنفاق على مشاريع كبرى في ظل أزمات اقتصادية طاحنة. إلا أن رئيس الحكومة كان دائم الدفاع عن تلك المشاريع بوصفها السبيل الوحيد لتحسين جودة حياة المواطن، واعداً بأن المواطن الذي تحمل «فاتورة الإصلاح» سيبدأ قريباً جني ثماره.

الواقع أن كثيرين يرون مصطفى مدبولي نموذجاً للمسؤول الذي يؤمن بأن «البناء هو الحل»، سواءً كان بناء مدينة أو اقتصاد أو حتى إنسان. وفي ظل الجدل المحتدم بشأن الأولويات ومطالبات بإعلاء رؤية لإدارة الملفات الاقتصادية، يبدأ مدبولي راهناً مرحلة جديدة في رئاسة الحكومة المصرية تتمسك بخرائط التنمية العمرانية وتشدد على «بناء الإنسان»، وتضع جذب الاستثمارات وتحسين الاقتصاد على رأس أولوياتها بمساعدة نائبٍ لرئيس الوزراء يتولى قيادة المجموعة الاقتصادية في الحكومة.


3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)
TT

3 رؤساء حكومة في عهد السيسي تجمعهم «الهندسة»

ابراهيم محلب (رويترز)
ابراهيم محلب (رويترز)

منذ تولّى الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي الحكم في يونيو (حزيران) عام 2014 تعاقب 3 رؤساء حكومة على إدارة شؤون البلاد، تجمع بينهم الهندسة، حيث تخصص اثنان منهم في الهندسة المدنية، والثالث في هندسة الميكانيكا، ويُعد رئيس الوزراء الحالي مصطفى مدبولي أطولهم بقاءً في المنصب.

إبراهيم محلب

أدى المهندس إبراهيم محلب اليمين الدستورية بصفته أول رئيس للوزراء في عهد السيسي، في 17 يونيو (حزيران) 2014، وواصل مهام عمله رئيساً للحكومة حتى 12 سبتمبر (أيلول) 2015.

وُلد محلب عام 1949، وتخرج في كلية الهندسة المدنية بجامعة القاهرة 1972، ثم عمل في شركة «المقاولون العرب»، وهي إحدى أقدم شركات البناء والتشييد في مصر وأفريقيا، وإبان فترة عمله أشرف على مشاريع عدة من تشييد طرق وبناء جسور وترميم آثار.

وتدرّج محلب في الشركة حتى تولى رئاسة مجلس إدارتها في عام 1997. وفي عام 2013 تولى محلب حقيبة الإسكان في حكومة الدكتور حازم الببلاوي، قبل أن يتولى رئاسة الحكومة في عام 2014، ثم يعيَّن مساعداً لرئيس الجمهورية للمشروعات القومية والاستراتيجية، في سبتمبر 2015.

شريف اسماعيل (رويترز)

شريف إسماعيل

شكّل شريف إسماعيل الحكومة يوم 19 سبتمبر 2015، وتقدم باستقالتها يوم 5 يونيو 2018.

وُلد إسماعيل عام 1955، وتخرّج في كلية الهندسة قسم الميكانيكا بجامعة عين شمس عام 1978. وعمل مهندساً في البحث والاستكشاف بشركة «موبيل» منذ تخرّجه حتى عام 1979، ثم عمل مهندساً بشركة «إنبي» حتى عام 2000، ووكيلاً لوزارة البترول حتى عام 2005، ووزيراً للبترول منذ يوليو (تموز) 2013، حتى سبتمبر 2015.

بعدها ترأس الحكومة حتى تعيينه مساعداً لرئيس الجمهورية في يونيو 2018. وتوفي في فبراير 2023.

مصطفى مدبولي

تولى مصطفى مدبولي رئاسة الحكومة في يونيو 2018 وما زال على رأس الحكومة المصرية حتى الآن.

وُلد مدبولي عام 1966، وتخرّج في كلية الهندسة بجامعة القاهرة عام 1988، وحصل على ماجستير في الهندسة المعمارية (تخصّص تخطيط مدن) عام 1992، وتدرّج في المناصب الحكومية وشغل منصب رئيس الهيئة العامة للتخطيط العمراني من عام 2008 حتى 2011. وعام 2014 تولى حقيبة الإسكان خلفاً لإبراهيم محلب. ثم تولى رئاسة الوزراء خلفاً لشريف إسماعيل يوم 7 يونيو 2018.