هل تحل الهند محل الصين في قيادة النمو الاقتصادي العالمي؟

اقتصادها يخالف المنعطف الهبوطي لمختلف دول العالم

هل تحل الهند محل الصين في قيادة النمو الاقتصادي العالمي؟
TT

هل تحل الهند محل الصين في قيادة النمو الاقتصادي العالمي؟

هل تحل الهند محل الصين في قيادة النمو الاقتصادي العالمي؟

في نهاية سنة صعبة للاقتصاد العالمي، وبخاصة الأسواق الناشئة، تبرز الهند باعتبارها قائدا للنمو في العالم النامي والمتقدم. فعلى عكس العديد من البلدان النامية والناشئة، ليست الهند رهينة لانحسار وتدفق الاقتصاد الصيني، باعتبارها مستوردا صافيا للسلع، والهند هي أحد المستفيدين من انخفاض أسعار المعادن والطاقة اليوم.
ويبدو أن الاقتصاد الهندي سيخالف المنعطف الهبوطي الذي أوشكت معظم الاقتصادات المتقدمة والناشئة على الوقوع به، مُتجها نحو قيادة النمو العالمي. فالصين، الاقتصاد الذي ظل يسجل معدلات نمو تفوق الـ10 في المائة على مدى سنوات، بدأت تُعاني من التباطؤ الاقتصادي.. والولايات المتحدة الأميركية، التي تُمثل نحو ربع الاقتصاد العالمي، تُجاهد الآن من أجل إنعاش اقتصادها، فيما تواصل دول أوروبا جهودها من أجل الحفاظ على عقدها دون أن تنفرط حباته وسط تعرض دولها لمزيد من أزمات المديونية.
وقال لورانس سامرز، الخبير الاقتصادي البارز والأستاذ في جامعة هارفارد، إن الهند لديها القدرة على النمو بنسبة 9 في المائة لمدة عشر سنوات و8 في المائة في السنوات اللاحقة إذا اتبعت الحكومة تدابير إصلاحية جريئة، مُضيفا: «أعتقد أن الهند يمكن أن تفعل الكثير لتعزيز التصنيع.. لكنني لا أعتقد أنه من المعقول أن نقول إن الهند يجب أن تتبع نموذج النمو في كوريا الجنوبية القائم على التصدير، فالهند لديها إمكانات مختلفة ويجب التركيز أكثر على قطاع الخدمات». وشدد سامرز أيضا على ضرورة اتخاذ الحكومة الهندية للقرارات بشكل أسرع مما هو معمول به في الهند.
وقال «سامرز»، يوم الجمعة الماضي، خلال جلسة في قمة «هندوستان تايمز» القيادية: «باستثناء الهند، يبدو أن الاقتصادات الناشئة الكبرى بدأت تفقد زخمها.. وأعتقد أن الهند إذا عظمت إمكاناتها فيمكنها أن تنمو بنسبة 9 في المائة لمدة عشر سنوات، و8 في المائة لمدة عشر سنوات بعد ذلك، و7.5 في المائة لمدة عشر سنوات بعد ذلك».
وجمعت القمة الـ13 لـ«هندوستان تايمز للقيادة» قادة الفكر من البلاد حول العالم لمناقشة إمكانية أن تكون الهند نقطة مضيئة في العالم خلال الفترة المقبلة.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن تكون الهند أسرع الاقتصادات نموا في العالم على مدى السنوات الـ5 المقبلة، حيث نما الاقتصاد الهندي بنسبة 7.4 في المائة خلال يوليو (تموز) - سبتمبر (أيلول) من العام الحالي، أكثر من معدل النمو في الصين، ثاني أكبر اقتصاد على مستوى العالم، البالغ 6.9 في المائة، وذلك في دلالة على أن المستثمرين بدأوا ينظرون إلى الهند كجزيرة للنمو العالمي المُرتقب.
وأكدت وكالة «فيتش» العالمية تصنيف الهند عند الدرجة الاستثمارية «BBB» مع نظرة مستقبلية مستقرة، قائلة إن توقعات النمو في الأجل المتوسط قوية، وأن الهياكل الاقتصادية مستقرة بما في ذلك البيئة التجارية والمالية. وقالت «فيتش» أيضا إن انخفاض عبء الدين الحكومي، وتحسين بيئة الأعمال من خلال الإصلاحات والنمو العالي والاستثمارات والسيطرة على التضخم، يُدعم التقييم الإيجابي لاقتصاد الهند.
وغالبا ما يشير التصنيف السيادي والنظرة المستقبلية للبلد إلى المعايير الأساسية من جانب المستثمرين الأجانب والهيئات العالمية لقياس مناخ الاستثمار فيه. وتوقعت «فيتش»، في تقرير صدر الاثنين الماضي، تسارع الناتج المحلي الإجمالي للهند إلى 7.5 في المائة في العام المالي الحالي، وكذلك إلى 8 في المائة في 2016 – 2017، بدعم من تعزيز الإنفاق الحكومي والنفقات الرأسمالية والتنفيذ التدريجي لبرنامج الإصلاح الهيكلي على نطاق واسع.
كذلك تتوقع أكاديمية «ديساي ميغناد» للاقتصاد، ومقرها لندن، أن حجم اقتصاد الهند سيتضاعف إلى 4 - 5 تريليونات دولار في فترة قصيرة جدا. ويبلغ حجم الاقتصاد الهندي في الوقت الحاضر نحو تريليوني دولار.
وقالت ديساي، في طرحها خلال المعرض العقاري الدولي (IREX)، المُقام في الولايات المتحدة الأميركية: «تخيل أن النمو المحقق في الهند، والبالغ حتى الآن نحو 7 في المائة، سيتضاعف كل 10 سنوات.. فإذا كان ينمو بنسبة 10 في المائة، بالتالي سيكون النمو بشكل أسرع. وذلك هو ما يقود الاقتصاد إلى تسجيل نحو 4 - 5 تريليونات دولار في وقت قصير جدا».
وأصبح واضحا أن الهنود يستثمرون المال ويشترون العقارات في جميع أنحاء العالم، كذلك يأتي إليها الأجانب من جميع أنحاء العالم للعمل بها وكذلك لامتلاك العقارات، الأمر الذي يُبرهن على أن العالم يفكر في الهند بإيجابية مع ثقة كبيرة. فحتى وقت قريب في عام 1991 عندما بدأ مانموهان سينغ (رئيس الوزراء السابق) سياسة التحرير الاقتصادي، كان الخطر الذي يسيطر على الحكومة هو تدفق الأجانب إلى الهند، أما الآن فأصبحت الحكومة تتخذ من التدابير الاستثمارية ما يجذب الأجنبي لتوظيف مدخراته في هذا الاقتصاد.
والهند واحد من بين بلدين فقط من البلدان الآسيوية، تُشاركها إندونيسيا، التي تبدو على استعداد كبير لرفع أسعار الفائدة الأميركية المُزمع القيام بها من قبل بنك الاحتياطي الفيدرالي خلال شهر ديسمبر (كانون الأول) الحالي، وذلك من خلال إعلان البنك المركزي الهندي استعداده لاستخدام احتياطياته الأجنبية للسيطرة على أي تقلبات في قيمة الروبية.
وقال راغورام راجان، محافظ البنك المركزي الهندي، مرارا وتكرارا، إن الخطر من تخلي بنك الاحتياطي الفيدرالي عن رفع سعر الفائدة أكبر من خطر رفع أسعار الفائدة. وحذر راجان، بعد اجتماع مجلس السياسة النقدية في بداية ديسمبر الحالي، من أن فائض الأموال المتوقع نزوحه عن أميركا، في حالة بقاء أسعار الفائدة قريبة من الصفر، يسبب اضطرابا كبيرا في الأسواق المالية.
وفي مقابلة مع «مورنينغ بوست»، ومقرها هونغ كونغ، قال راجان «إن التباطؤ الصيني هو مصدر قلق للعالم كله، وهناك انخفاض في الطلب على بعض صادراتنا إلى الصين. لكن بشكل غير مباشر أيضا فإن العديد من الدول أصبحت لا تصدر للصين بقدر ما كانت تفعل في الماضي، مما جعلها تبحث عن مستورد آخر. وأضاف راجان: «لكن الهند، كونها مستورد السلع، فقد ساعد تباطؤ الطلب في الصين على جعل السلع فيها أرخص مما كانت عليه، لذلك لم يكن التأثير سيئا كما كان يمكن أن يكون».
وكان ارون جيتلي، وزير المالية الهندي، قال في مؤتمر في جامعة كولومبيا في شهر نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي، إن الهند «لن تتأثر» بسبب التباطؤ الصيني لأنها ليست جزءا من سلسلة التوريد الصينية.. والهند قد تصبح «العمود الصلب» للاقتصاد العالمي في الوقت الذي يتعرض فيه ثاني أكبر اقتصادات العالم للتباطؤ.
ويبدو واضحا أن الهند بدأت تسحب البساط من الصين، التي عُرفت على مدى السنوات الماضية بالمعجزة الاقتصادية. وقالت السكرتير الثاني في سفارة الصين في الهند لي رونغ رونغ، إن الهند قد تُصبح سوقا كبيرة محتملة للصين، وهناك مدى واسع من التعاون الاقتصادي بين البلدين. وأضافت رونغ، بينما كانت تُلقي خطابا في مؤتمر تعزيز التعاون التجاري بين الصين والهند: «في عام 2013 كانت الصين أكبر شريك تجاري للهند. ولأن النمو في الهند هو الأسرع في العالم هذا العام، فهناك إمكانات ضخمة للتعاون بين الصين والهند».
بلغ حجم التبادل التجاري بين شنغهاي والهند في عام 2014 نحو 130 مليون دولار في مجالات البتروكيماويات ومعدات الأنابيب ومنتجات خام والآلات وقطع غيار المركبات، وغيرها.
ويقول الخبير المالي توم ستيفنسون إن التنمية الاقتصادية في الهند ظلت على مدى سنوات طويلة خلف الصين، مع إمكانات هائلة للحاق بالركب. وفي حين أن الصين تُعاني حاليا من تباطؤ النمو وسط مرورها بمرحلة انتقالية صعبة من اقتصاد قائم على الصادرات والاستثمار إلى اقتصاد يقوده ويغذيه الاستهلاك المحلي، فإن النمو في الهند محتمل أن يبقى في الارتفاع.
وتوقع بنك «غولدمان ساكس» مؤخرا أن ينمو اقتصاد الهند بمعدل 9 في المائة بين عامي 2016 و2020، في حال استمرت الحكومة الهندية في تحقيق تقدم في الإصلاحات الهيكلية لسوق العمالة والبنية التحتية والتعليم.
ويُضيف ستيفنسون، في مقالته لصحيفة «ديلي تلغراف»: «حتى مع افتراض، وربما يكون واقعيا، أن قدرة رئيس الوزراء الهندي ناريندرا مودي على خفض الروتين مقيدة بمزيد من البيروقراطية والمصالح الخاصة، فمن المتوقع أن يستقر النمو عند 8 في المائة، في حين أن النمو في الصين من المتوقع أن يتباطأ إلى 5 في المائة أو أقل بحلول نهاية تلك الفترة».
وكما كان الحال مع الصين قبل 15 سنة أو نحو ذلك، فإن الأرقام الحالية توضح أن الاستثمارات الهندية بدأت تلتقط أنفاسها، وقفز مستخدمو الهاتف الجوال من ثلاثة ملايين إلى 950 مليون نسمة بين عامي 2000 و2014. وارتفع استخدام الإنترنت بزيادة 50 مليونا في الأشهر الستة الأولى من العام الحالي، ويتجه لنحو 670 مليونا بحلول عام 2020.
وفي ما يتعلق بسهولة ممارسة أنشطة الأعمال، فقد أحرز مودي تقدما واضحا. فقبل عشر سنوات كان يستغرق الأمر 85 يوما لبدء الشركة، والآن يمكن القيام بذلك في 30 يوما فقط. وخلال العام الماضي تم إنشاء 180 مليون حساب مصرفي جديد، ونحو 800 خدمة حكومية يُمكن إجراؤها اليوم في الهند من خلال شبكة الإنترنت.
في المقابل، يستمر نشاط الصناعات التحويلية في الصين في طريقه إلى الانخفاض، مع تراجع مؤشر مديري المشتريات (PMI) إلى 49.6 في نوفمبر (تشرين الثاني). وكذلك سقط مؤشر ماركت للتصنيع إلى 48.6. ويشمل مؤشر ماركت الشركات الصغيرة، مما يعكس تباطؤ الاقتصاد بشكل واسع.
ويظل اقتصاد الهند راسخا أمام التباطؤ الصيني، وتوقعات رفع الفائدة الأميركية، نظرا لوجود احتياطي مرتفع من النقد الأجنبي يبلغ 354 مليار دولار وتدفق عال من الاستثمارات طويلة الأجل وكذلك الاستثمارات الأجنبية المباشرة، والتي تُدعمها الحكومة الحالية من خلال زيادة سهولة ممارسة أنشطة الأعمال.
*الوحدة الاقتصادية
لـ «الشرق الأوسط»



رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
TT

رئيس بنك كوريا المُعين حديثاً يتعهد بسياسة نقدية «متوازنة»

شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)
شعار بنك كوريا يظهر على قمة مبناه في سيول (رويترز)

أعلنت كوريا الجنوبية، الأحد، تعيين الخبير الاقتصادي الكوري الجنوبي، شين هيون سونغ، المعروف بتوقعه للأزمة المالية العالمية عام 2008، رئيساً للبنك المركزي للبلاد، في وقت تواجه فيه البلاد ضغوطاً اقتصاديةً ناجمةً عن النمو المحلي المتفاوت وحرب إيران.

وسيخلف شين، ري تشانغ يونغ المحافظ الحالي عند انتهاء ولايته في 20 أبريل (نيسان) المقبل.

وفي بيان صادر عن البنك المركزي، قال شين إنه سيسعى إلى اتباع نهج سياسي «متوازن» يراعي التضخم والنمو والاستقرار المالي.

وأضاف شين: «لقد ازدادت حدة التقلبات في الأسواق المالية وأسواق الصرف الأجنبي، فضلاً عن حالة عدم اليقين بشأن التوقعات الاقتصادية، مؤخراً نتيجة للتغيرات السريعة في الوضع بالشرق الأوسط».

مهمة صعبة

يواجه شين، الذي يتمتع بسمعة أكاديمية مرموقة بفضل تحذيراته المستمرة من الإفراط في الاقتراض، تحديات مباشرة تتمثل في التضخم الناجم عن الأوضاع في الشرق الأوسط والنمو غير المتكافئ.

وقال متحدث باسم الرئاسة في إحاطة صحافية: «كما يتضح من الوضع الراهن في الشرق الأوسط، فإن الظروف الاقتصادية المحلية والعالمية مترابطة، مما سيزيد من أهمية خبرته».

يتولى منصب محافظ البنك المركزي في وقت يواجه فيه صناع السياسات تحدياً دقيقاً يتمثل في الموازنة بين دعم النمو واحتواء مخاطر الاستقرار المالي الناجمة عن ارتفاع ديون الأسر وحرب إيران.

ورغم ازدهار قطاعات التكنولوجيا المتقدمة، بما فيها صناعة أشباه الموصلات، فإن التعافي لا يزال متفاوتاً، حيث تعاني قطاعات تقليدية كالصلب والبتروكيماويات من ضعف الطلب الخارجي.

وفي فبراير (شباط) الماضي، أبقى بنك كوريا المركزي سعر الفائدة الرئيسي دون تغيير عند 2.50 في المائة، وأشار إلى أنه من المرجح أن يبقي أسعار الفائدة ثابتة حتى أغسطس (آب) من هذا العام على الأقل.

ديون الأسر

ركزت العديد من تصريحات شين في مقابلات سابقة على ضرورة بذل جهود سياسية جادة لخفض المديونية في ظل ازدياد ديون الأسر، لتجنب أزمة مالية مماثلة لتلك التي شهدتها البلاد في الماضي، وكذلك لكبح جماح أسعار العقارات المرتفعة للغاية حول العاصمة الكورية الجنوبية سيول.

وقال مسؤول عمل مع شين في بنك التسويات الدولية: «يمكن اعتباره متشدداً أكثر من كونه معتدلاً، وهذا فهم شائع بين الاقتصاديين، ويعود ذلك في الغالب إلى تركيز العديد من أبحاثه على مخاطر الإفراط في الاقتراض».

وأوضح مسؤول في وزارة المالية: «لا أعتقد أن أحداً في الأوساط الأكاديمية سيجادل في أنه بلا شك أحد أبرز الاقتصاديين في كوريا الجنوبية. يتمتع بشخصية متواضعة، وكانت تجربتي معه خلال زيارتي لبنك التسويات الدولية إيجابية للغاية، حيث نظم العديد من فعاليات التواصل للمسؤولين الكوريين الزائرين».

ويواجه شين، البالغ من العمر 66 عاماً، جلسة استماع للتصديق على تعيينه في الجمعية الوطنية، لكن لا يملك المشرعون حق النقض على ترشيح الرئيس.

وقال شين في تقرير صدر الأسبوع الماضي: «إذا كانت الصدمة ناتجة عن خلل في العرض، وبالتأكيد إذا كانت مؤقتة، فهذه أمثلة نموذجية يجب فيها تجاهل الأمر وعدم اللجوء إلى السياسة النقدية. الأمر يعتمد حقاً على مدة استمرار النزاع ومدة استمرار ارتفاع أسعار النفط».

وقدّم شين والخبير الاقتصادي الهندي راغورام راجان تحذيرات في مؤتمر لمجلس الاحتياطي الفيدرالي الأميركي في أغسطس 2005، مستخدمين استعارة من جسر الألفية في لندن لتحديد مواطن الضعف النظامية التي ستؤدي في نهاية المطاف إلى الأزمة المالية العالمية.

ويُعرف شين، الأستاذ السابق في جامعة برينستون، بعلاقاته الوثيقة بالعديد من مسؤولي بنك كوريا، بمن فيهم ري الرئيس الحالي، حيث كان عضواً منتظماً في لجان ندوات البنك. ولا يمكن إعادة تعيين المحافظ إلا مرة واحدة فقط لمدة أربع سنوات.


لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
TT

لماذا يهرب المستثمرون من الذهب في ذروة الحرب؟

تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)
تجهيز المجوهرات الذهبية قبل صهرها لإنتاج سبائك الذهب في مصفاة بفيينا (أ.ف.ب)

بعد سلسلة من الارتفاعات القياسية التي جعلت الذهب والفضة يتصدران المشهد الاستثماري، شهدت أسواق المعادن الثمينة موجة بيع عنيفة وتسارعاً في هبوط الأسعار، لتصبح آخر ضحايا توقعات التضخم المتزايدة.

ففي يوم «الخميس الأسود»، سجلت العقود الآجلة للذهب والفضة واحدة من أسوأ تراجعاتها اليومية على الإطلاق، حيث هوى الذهب بنسبة 5.9 في المائة (ما يعادل 289 دولاراً للأونصة)، بينما فقدت الفضة نحو 20 في المائة من قيمتها خلال سبع جلسات فقط. وواصلت أسعار الذهب تراجعها يوم الجمعة، مسجلةً أسوأ أسبوع لها منذ 15 عاماً، وسط مخاوف المستثمرين من التداعيات الاقتصادية للحرب الأميركية الإيرانية.

ويتجه الذهب نحو تسجيل أسوأ أداء شهري له منذ أكتوبر (تشرين الأول) 2008. ومع ذلك، لا يزال المعدن مرتفعاً بأكثر من 5 في المائة في عام 2026، مما يؤكد ارتفاعه الكبير قبل حرب الخليج.

موظف يعرض سبائك ذهبية في متجر بورصة الذهب الكورية في سيول (أ.ف.ب)

ولكن لماذا تنهار «الملاذات الآمنة» في وقت تشتعل فيه الأزمات الجيوسياسية؟

السبب الرئيسي خلف هذا التراجع يكمن في تحول توقعات التضخم وتلاشي آمال خفض أسعار الفائدة العالمية. فبينما يزدهر الذهب عادة في بيئات الفائدة المنخفضة، أدت صدمة الطاقة الناتجة عن الحرب في الشرق الأوسط إلى تعقيد المشهد أمام البنوك المركزية في الولايات المتحدة وأوروبا.

لقد أشارت المصارف المركزية هذا الأسبوع إلى أن الفائدة قد لا تنخفض بالسرعة التي كان يأملها المستثمرون، مما رفع «تكلفة الفرصة البديلة» لحيازة المعدن الأصفر الذي لا يدر عائداً، ودفع المستثمرين نحو السندات التي باتت توفر دخلاً ثابتاً ومغرياً في ظل استمرار سياسة التشدد النقدي.

تخارج الصناديق

لم تقتصر الضغوط على السياسات النقدية والمستثمرين الكبار فحسب، بل امتدت لتطال «نبض الشارع الاستثماري» المتمثل في المستثمرين الأفراد. فلليوم السادس على التوالي وحتى تعاملات الجمعة، سجلت البيانات تخارجاً صافياً للمستثمرين من صندوق «إس بي دي آر غولد شيرز»، وهو أكبر صندوق متداول للذهب في العالم والمؤشر الأكثر دقة لشهية صغار المستثمرين. ورغم أن القيمة الإجمالية للمبالغ المسحوبة خلال هذه الفترة - التي بلغت حوالي 10.5 مليون دولار - تبدو ضئيلة مقارنة بمشتريات قياسية بلغت 36.8 مليون دولار في يوم واحد العام الماضي، إلا أن الدلالة العميقة تكمن في «التحول النفسي» وليس في الرقم ذاته، وفق «وول ستريت جورنال».

هذا النزيف المستمر في التدفقات النقدية يعكس تحولاً جذرياً في قناعات الأفراد الذين كانوا يرون في الذهب ملاذاً لا يُقهر. فالمستثمر الذي اندفع للشراء عندما تجاوزت الأونصة مستويات 5300 دولار في يناير (كانون الثاني)، بدأ يدرك أن الذهب بات «ضحية» لتوقعات التضخم بدلاً من أن يكون وسيلة للتحوط ضده. هذا الفتور في الشهية يعني أن المستثمرين الصغار لم يعودوا يبحثون عن الأمان في المعدن الأصفر، بل باتوا يفضلون «تسييل» مراكزهم والهروب نحو الدولار القوي أو السندات التي تمنح عائداً ثابتاً، مما يضع ضغوطاً إضافية على أسعار الذهب التي فقدت زخمها التاريخي.

شخصان ينظران إلى المجوهرات الذهبية وهما يقفان خارج متجر مجوهرات في السوق الكبير في إسطنبول (أ.ف.ب)

البيع الاضطراري و«تغطية الخسائر»

يرى محللون أن جزءاً كبيراً من هذا التخارج الصافي ليس ناتجاً عن فقدان الثقة المطلقة في الذهب، بل هو نتيجة «حاجة ماسة للسيولة» في أسواق أخرى متعثرة. فمع تراجع أسواق الأسهم والعملات، اضطر العديد من المستثمرين الأفراد لاستخدام حصصهم في صناديق الذهب كـ«حصالة طوارئ» لتغطية خسائرهم أو لتلبية طلبات «هامش الربح» من قبل الوسطاء. هذا النوع من «البيع القسري» يثبت أن الذهب، في لحظات الأزمات المركبة، يتحول من أصل للادخار طويل الأمد إلى مصدر سريع للسيولة، مما يعجل من وتيرة هبوطه السعري في الأسواق العالمية.

«الأموال الذكية»

بالتوازي مع تراجع استثمارات الأفراد، لم تكن المؤسسات الكبرى بمعزل عن هذا المشهد. ففي الكواليس، بدأت «الأموال الذكية» - المتمثلة في صناديق التحوط والمستثمرين المحترفين - في تقليص مراكزها من المعادن بشكل كبير. ويرى محللون أن التقلبات الحادة في الأسواق الأخرى، مثل تراجع الأسهم، دفعت بعض المستثمرين لبيع الذهب والفضة لـ«تسييل الأرباح» وتغطية خسائرهم في أماكن أخرى من محافظهم الاستثمارية، أو لتلبية طلبات «هامش الربح». وبحسب خبراء السلع في «ستاندرد تشارترد»، فإن الحاجة إلى السيولة في الوقت الراهن تفوقت على علاوة المخاطر الجيوسياسية التي كانت تدعم الذهب تاريخياً.

البنوك المركزية... حارس استراتيجي

في مقابل تخارج صغار المستثمرين، تواصل البنوك المركزية العالمية تعزيز احتياطاتها من المعدن الأصفر، وإن كان ذلك بوتيرة أكثر توازناً. فوفقاً لبيانات مجلس الذهب العالمي لشهر مارس 2026، استمر «بنك الشعب الصيني» في الشراء للشهر السادس عشر على التوالي، حيث أضاف نحو 25 طناً في فبراير (شباط) وحده، ليصل إجمالي حيازاته إلى مستوى قياسي جديد. ويعكس هذا الإصرار السيادي على الشراء استراتيجية طويلة الأمد تهدف إلى «تنويع الاحتياطيات» وتقليل الاعتماد على الدولار، خصوصاً في ظل التوترات الجيوسياسية الراهنة التي أعقبت صراع الشرق الأوسط.

سبيكة ذهبية وزنها كيلوغرام واحد وعملة ذهبية مختومة معروضتان في متجر مجوهرات بدبي (رويترز)

دخول لاعبين جدد

لم تعد المشتريات مقتصرة على القوى التقليدية مثل الصين وروسيا؛ فقد شهد الربع الأول من عام 2026 دخول لاعبين جدد إلى الساحة بشكل مفاجئ. فقد أعلن بنك كوريا المركزي عن خطط لدمج صناديق الذهب المتداولة في محفظته الدولية لأول مرة منذ عام 2013. كما سجل «بنك ماليزيا» أول عملية شراء رئيسية له منذ سنوات. هذا التوسع في قاعدة المشترين السياديين يشير إلى أن الذهب لم يفقد قيمته كأصل استراتيجي، بل إن البنوك المركزية تنظر إلى التراجعات السعرية الحالية كـ«فرصة شراء» لتعزيز مرونة اقتصاداتها الوطنية أمام تقلبات العملات الورقية.

رغم هذه المشتريات، يشير محللون إلى أن بعض البنوك المركزية قد تتبنى نهج «الانتظار والترقب» في الأشهر المقبلة. فمع ارتفاع أسعار الطاقة والضغوط التضخمية الناتجة عن تعطل الإمدادات في مضيق هرمز، قد تضطر بعض الدول الناشئة لاستخدام سيولتها النقدية لدعم عملاتها المحلية بدلاً من زيادة حيازاتها من الذهب. ومع ذلك، يظل التوقع العام لعام 2026 هو بقاء صافي مشتريات البنوك المركزية عند مستويات مرتفعة تتراوح من 750 إلى 900 طن، مما يوفر «أرضية صلبة» تمنع انهيار الأسعار بشكل كامل رغم موجات البيع التي يقودها الأفراد وصناديق التحوط.

عدوى الهبوط

لم تكن المعادن الثمينة وحدها في ساحة النزيف، بل امتدت الموجة لتشمل البلاتين والبلاديوم اللذين فقدا نحو 17 في المائة و15 في المائة من قيمتهما هذا الشهر على التوالي. كما تراجعت المعادن الصناعية مثل النحاس والألومنيوم، وهو ما يفسره المحللون بإعادة تقييم المستثمرين لتوقعات النمو الاقتصادي العالمي. فرغم إغلاق مضيق هرمز الذي يعد شرياناً حيوياً لشحنات الألومنيوم والغاز، فإن الأسعار تراجعت مع ازدياد القناعات بأن الركود العالمي القادم قد يؤدي إلى «تدمير الطلب»، مما جعل التحوط بالمعادن خياراً أقل جاذبية في ظل تباطؤ اقتصادي وشيك.


الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
TT

الفلبين تسمح باستخدام وقود أقل جودة لتأمين الإمدادات بسبب أزمة الشرق الأوسط

حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)
حافلة «جيبني» الشعبية تمر بجانب متظاهرين في مانيلا يعارضون ارتفاع أسعار الوقود المرتبط بحرب إيران (إ.ب.أ)

سمحت الفلبين بالاستخدام المؤقت والمحدود لنوع من الوقود أرخص ثمناً، ولكنه أقل جودة وأكثر بعثاً للملوثات؛ وذلك لضمان استمرار الإمدادات في ظل سعيها إلى إيجاد حلول لمواجهة تداعيات أزمة الشرق الأوسط.

وأعلنت وزارة الطاقة، الأحد، أنه سيُسمح فقط للمركبات المصنعة في عام 2015 وما قبله، وسيارات الجيب التقليدية، ومحطات توليد الطاقة، وقطاع النقل البحري، باستخدام منتجات البترول المتوافقة مع معيار «يورو2».

وأوضحت الوزارة في بيان: «يهدف هذا الإجراء إلى المساعدة في ضمان استمرار إمدادات الوقود بشكل كافٍ ومتاح، مع إتاحة مرونة محدودة للقطاعات التي قد تتأثر».

وأصدرت الوزارة توجيهات لشركات النفط التي ستوفر وقود «يورو2» بالحفاظ على الفصل التام بينه وبين وقود «يورو4» في جميع أنظمة التخزين والنقل والتوزيع.

وفي عام 2016، تحولت مانيلا إلى استخدام وقود أنظف متوافق مع معايير «يورو4» بدلاً من «يورو2». ويحتوي وقود «يورو4»، الذي لا يزال ساري المفعول، على نسبة كبريت تبلغ 50 جزءاً في المليون، مقابل 500 جزء في المليون لوقود «يورو2».

وفي الأسبوع الماضي، خرج آلاف سائقي السيارات إلى الشوارع في جميع أنحاء البلاد احتجاجاً على ارتفاع أسعار الديزل المحلية بأكثر من الضعف، وذلك بعد ارتفاع أسعار النفط العالمية بسبب الحرب الأميركية الإسرائيلية على إيران.

ومثل كثير من جيرانها في جنوب شرقي آسيا، اتخذت الفلبين خطوات، مثل تقليص أسبوع العمل وتقديم دعم للوقود؛ لمواجهة آثار ارتفاع التكاليف. كما منح البرلمان الرئيس صلاحيات طارئة لتعليق أو تخفيض ضرائب الوقود.

وقال الرئيس الفلبيني، فيرديناند ماركوس، في رسالة مصورة يوم الأحد، إن الحكومة تجري محادثات مع الهند والصين واليابان وكوريا الجنوبية وتايلاند وبروناي بشأن ترتيبات محتملة لإمدادات الوقود. وتستعد الدولة، التي تعتمد بشكل كبير على نفط الشرق الأوسط لتلبية احتياجاتها من الوقود، لاستيراد النفط الروسي هذا الشهر لأول مرة منذ 5 سنوات.