أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

أسسوا بدائل إلكترونية «نكاية» بالناشرين «المستغلين»

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية
TT

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

أدباء أعلنوا تمردهم واستغنوا عن دور النشر الورقية

يستاء الأدباء غالبًا من الطريقة التي تتعامل معهم بها دور النشر على أرض الواقع، سواء في طريقة توزيع كتبهم أو في عائدات الأرباح التي يدعي معظم دور النشر أنها ضعيفة، ويتساءل الأدباء: «إذا كانت فعلا عائدات الكتب ضعيفة، فما الذي يجعل هذه الدور قائمة منذ سنين طويلة، بل كيف تشارك في معارض الكتب الخارجية وتدفع مبالغ طائلة في حجوزات الطيران والفنادق وغيرها من حجز الجناح في المعرض والمعيشة التي لا تقل عن أسبوعين؟»، هذا ما جعل الأدباء يطلقون عبارة «الناشر تاجر».
بعض الأدباء ضاقوا ذرعًا بهذه الدور، فتحايلوا على الموضوع، وأسسوا دور نشر إلكترونية غير موجودة على أرض الواقع، مستفيدين من تقنيات العصر الحديث، وهذه الدور لاقت رواجًا لدى الأدباء الذين يشعرون أنهم وقعوا في فخ استغلال دور النشر أو عدم قبول هذه الدور لمؤلفاتهم.
من أبرز النماذج التي ظهرت في هذا المجال، دار نشر اسمها ظريف سأذكره وأذكر الأسباب وراء التسمية، أسسها الأكاديمي المتخصص بالترجمة وله مؤلفات كثيرة ورقية، الدكتور جمال الجزيري، أما اسم الدار التي أسسها فهو «حمارتك العرجا»، وسبب التسمية يعود إلى المثل المصري: «حمارتك العرجا لا سؤال اللئيم»، أو ولا حاجة اللئيم. وبالتالي فالمقصود باللئيم دور النشر.
ويعدد لنا الجزيري مجموعة من دور النشر الإلكترونية التي ظهرت في هذا الصدد: «هناك دور نشر إلكترونية سبقت دار (حمارتك العرجا) ودار (كتابات جديدة للنشر الإلكتروني)، ودار (الزنبقة للنشر الإلكتروني) التي أنشأها الكاتب الجزائري يونس بن عمارة في مارس (آذار) 2014 تقريبا، ودار (حروف منثورة) التي أنشأها الكاتب المصري مروان محمد في مايو (أيار) 2013. وبعد ذلك أنشأ الدكتور عماد أبو حطب وزملاؤه في مجموعة (كتّاب ومبدعو القصة القصيرة جدا) دار نشر إلكترونية منذ شهور. وهذه دور نشر مجانية حسب علمي. وبالتأكيد هناك دور نشر إلكترونية أخرى، سواء أكانت مجانية أم غير مجانية».

لا عائد مادي ولا معنوي

سألته: ما السبب وراء تأسيسك للدار في ظل وجود دور نشر على أرض الواقع؟
أجاب الجزيري: «ربما كان التأسيس في البداية إدانة لدور النشر الموجودة على أرض الواقع. دفعتُ آلافا مؤلفة من الجنيهات في سبيل نشر بعض كتبي الورقية دون عائد مادي أو معنوي. وقمتُ بتأسيس دار (حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني) في مايو 2014 لهدف مبدئي ساعتها، ألا وهو نشر إصدارات مجموعة أدبية اسمها (سنا الومضة القصصية)، وبداية من يناير (كانون الثاني) 2015 بدأت الدار تتوسع لتنشر كتبًا أخرى غير الومضات، فانفتحت على إبداعات الكتاب العرب في شتى الأنواع الأدبية. ويشرح الدكتور الجزيري دلالة اسم (حمارتك العرجا للنشر الإلكتروني) بقوله: هو اسم يسخر من واقع النشر الورقي في الأساس واستغلال الناشرين للكتاب، ويدل على الاعتماد على النفس في النشر. ولكن الاسم كان يلقى نفورا من بعض الكتاب، الأمر الذي يجعلهم ينفرون من النشر فيها، ونشرنا تحت هذا الاسم 173 كتابا حتى يونيو (حزيران) 2015. واقترح علي الدكتور بهاء مزيد تغيير الاسم، فتناقشتُ مع محمود الرجبي الذي يقوم بتصميم كل الأغلفة، واتفقنا على أن ننشئ معًا دار اسمها (كتابات جديدة للنشر الإلكتروني) في أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وأصدرنا بالفعل في نوفمبر (تشرين الثاني) 2015 عدد 57 كتابا، كما قمنا بضم السلاسل الصادرة تحت اسم الدار القديمة في الدار الجديدة، وبلغ عدد الكتب المنشورة حتى الآن 230 كتابا. والهدف الأساسي مساعدة الكتّاب العرب على نشر إبداعاتهم بالمجان وحمايتهم من استغلال الناشرين الورقيين أو حتى الإلكترونيين ماديا، وتوصيل كتب جيدة بالمجان إلى القارئ العربي، مساهمة منا في تشجيع وترسيخ ثقافة القراءة».
وعن طريقة التعامل مع الراغبين بالنشر، وهل هي طريقة الدور التي على أرض الواقع؟ يجيب الجزيري: «تتمثل طريقة التعامل مع الراغبين في النشر في آلية بسيطة جدا: يقوم الكتّاب بإرسال مخطوطاتهم للدار عن طريق البريد الإلكتروني أو صفحتي على (فيسبوك) أو على مجموعة الدار على (فيسبوك)، وأقوم بمراجعة المخطوط لغويا وبتنسيقه وتصميمه، ويقوم الأستاذ محمود الرجبي بقراءة الكتب وتصميم أغلفة لها، ثم يتم رفع الكتب على موقع الرفع، وبعدها تتم مشاركة روابط الكتب على المدونتين الخاصتين بالدار وعلى مجموعة الدار ومجموعة دار (حمارتك العرجا) السابقة وكذلك بعض الصفحات الأخرى، ويقوم الكتّاب بمشاركة الروابط على صفحاتهم الشخصية. ويتم كل ذلك بالمجان. وأخيرا، تم إنشاء لجنة قراءة لقراءة المخطوطات وإجازة الجيد منها للنشر، بناء على مستواها الفني، وبناء على الانفتاح على التجارب الجديدة في الكتابة».
وأسأله: هل تضع ضوابط صارمة لقبول المادة أم لكون الدار إلكترونية يكون الأمر أسهل؟
فيجيب: «طبعا هناك ضوابط، ولكنها ليست معقدة أو صارمة أو روتينية، فقط لا بد أن يتمتع الكتاب بحد أدنى من الجودة الفنية والأدبية. وهنا لا أقوم بتحكيم ذوقي الخاص، فلا يمكن أن أطبّق ذوقي الذي اكتسبته من مسيرتي مع الكتابة التي تمتد منذ 1991 حتى الآن ومع القراءة التي تمتد من قبل ذلك بكثير حتى الآن على كتابات الكتّاب الذين يرسلون كتبهم للنشر، وكذلك الأمر بالنسبة للأستاذ محمود الرجبي، وإنما نكتفي بحد أدنى للجودة، وأقوم بمراجعة اللغة لضمان خروج كتاب خالٍ من الأخطاء للقارئ العربي. وبداية من نوفمبر 2015 قررنا تشكيل لجنة قراءة لتحدد ما إذا كان الكتاب صالحا للنشر أم لا، من ناحية مستواه الفني، فلقد تم رفض ديوانين من الشعر في هذا الشهر، وسنعرض كل الكتب المقبلة على لجنة القراءة لتحدد مستواها، خصوصا أن عدد الكتب المنشور شهريًا في تزايد مستمر، الأمر الذي يمثّل ضغطا كبيرا على وقت مؤسسي الدار، كما أننا لا نريد أن نخسر القارئ العربي، فالقارئ الذي يطالع كتب الدار ويجد كتابًا قليل الجودة من ناحية المستوى الفني قد ينصرف عن قراءة كتب الدار، ومن أهداف الدار تشجيع المواطن العربي على القراءة».

حرية الإبداع.. بلا حذف

هل توجد رقابة على إصداراتكم؟ يجيب صاحب دار «حمارتك العرجا»: «لا توجد رقابة على إصدارات الدار، فإصداراتها أدبية ونقدية ولغوية، والأدب لا يتناول الأفكار مباشرة، وحتى لو تعرضت بعض الإصدارات للتابوهات المعروفة، فيكون ذلك بشكل فني وغير مباشر. وبوجه عام، لا تستسيغ الدار فكرة الرقابة، فحرية الإبداع هي الأساس. وحتى أثناء المراجعة اللغوية، لا أقوم بحذف أي شيء. ويوجد تنويه في الصفحة التالية للغلاف ينص على أن ما يَرِدُ في الكتاب مسؤولية الكاتب، فالكاتب مسؤول عن لغته وأسلوبه وفكره، كما أن الدار تنشر الكتاب كما هو بعد المراجعة اللغوية، ولذلك الدار ليست مسؤولة عن أي شيء يتعلق بحقوق الملكية الفكرية، وأي منازعات خاصة بهذا الشأن يكون الكاتب هو طرفها الوحيد مع من يرفع الدعوى».
حسنًا، وما النتائج التي حصلت عليها دور النشر هذه؟
يقول: «حصلنا على نتائج جيدة من وجهة نظري: فعلى المستوى العام، نشرنا لعشرات الكتّاب من مختلف أنحاء العالم العربي، ومعظمهم كتاب لم ينشروا من قبل أو لم يجدوا فرصة في النشر الإلكتروني، كما أن الإقبال على الدار وقراءة كتبها والنشر فيها يتزايد يوما بعد يوم. وعلى المستوى الخاص، يستطيع القائمان على الدار متابعة مستجدات الإبداع في العالم العربي والإلمام بالحالة الإبداعية العربية، بما يجعلهما في قلب الصورة الإبداعية العربية. وأظن أن نشر 230 كتابا في هذه الفترة الزمنية يُعدُّ إنجازا كبيرا».
وبعد أن ختم الدكتور الجزيري كلامه، باغتتني مجموعة أسئلة: «هل سيشهد عالم النشر تحولاً كبيرًا في هذا المجال خصوصًا أن الكتاب الإلكتروني بدأ يفرض وجوده؟ وهل تجدي هذه النكايات التي قام بها المتمردون على دور النشر نفعًا يومًا ما، فيغير الناشرون من سياستهم تجاه المؤلفين؟ أسئلة قد تبدو سابقة لأوانها ولكن علينا أن نطرحها حتى لا يقول أحد إننا لم نقرع الجرس».



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.