العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

معظمهم هاجر من بلاد الشام وبداية هجرتهم في القرن التاسع عشر

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
TT

العرب.. كافحوا ونجحوا في أميركا الجنوبية

ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل
ساو باولو.. عاصمة المال والأعمال في البرازيل

استضافت العاصمة السعودية الرياض أخيرًا القمة العربية - الأميركية الجنوبية الرابعة التي افتتحها خادم الحرمين الشريفين الملك سلمان بن عبد العزيز، وشددت على أهمية العلاقات المتنامية بين العالم العربي ودول قارة أميركا الجنوبية. كذلك سلطت هذه القمة الضوء على العلاقات القديمة والمتجددة بين كتلتين بشريتين كبيرتين من أكبر كتل العالم الثالث وأسرعها نموًا، سواء على الصعيد السكاني أو آفاق التنمية والاستثمار الاقتصادي. وفيما يلي نسلط الضوء العلاقات بين العرب والقارة الأميركية الجنوبية.
تشير المراجع التاريخية إلى وجود عربي ومسلم في قارة أميركا الجنوبية يضرب في القدم إلى بدايات التوطن الأوروبي في الأميركتين الشمالية والجنوبية. غير أن موجات الهجرة الحديثة هي الموجات التي وثقت، والتي ما زالت آثارها قائمة حتى اليوم، وهي تتجلّى ليس في نجاح المئات بل والألوف من «عرب أميركا الجنوبية» في تبوؤ مواقع قيادية في مجالات السياسة والاقتصاد والفكر والرياضة والفن، بل في احتفاظ كثيرين من هؤلاء بأواصر القربى والالتزام بالقضايا التي تشغل الديار التي هاجروا منها. وبالفعل، اهتمت الدول العربية التي هاجر كثيرون من أبنائها إلى «العالم الجديد» خلال القرون الثلاثة الأخيرة في السعي إلى ربط الأجيال الجديدة بشتى السبل المتاحة.
في الواقع الهجرة إلى الأصقاع البعيدة ليست جديدة بحال من الأحوال على العرب، الذين انطلقوا أصلاً من شبه جزيرة العرب للتوطن في المناطق القريبة والبعيدة. ولقد كان لمرور طريقين اقتصاديين مهمين جدًا في تاريخ التجارة والحضارة الإنسانية، هما «طريق البخور» و«طريق الحرير» في بلاد العرب دور بارز في إكساب العرب الرغبة في التنقل والاتجار وركوب البحار. ومعروف الدور الكبير الذي لعبه البحار العربي الشهير أحمد بن ماجد، الملاّح والعالم الفلكي والجغرافي والبحّار الذي اشتهر اسمه في تاريخ الملاحة البحرية، لا سيما الرحلة حول رأس الرجاء الصالح عندما ساعد الرحالة والمستكشف البرتغالي الشهير فاسكو داغاما على اكتشاف الطريق الموصل من أوروبا إلى الهند. ولقد لقّب البرتغاليون ابن ماجد المولود في جلفار (رأس الخيمة اليوم) بـ«أمير البحر» إقرارًا بفضله ومعرفته العظيمة بالمسالك البحرية والملاحة في المحيط الهندي وبحر الصين والبحر الأحمر.
ويشير أحد المراجع إلى أن الأسفار الأولى إلى الأميركتين كانت ذات طبيعة فردية، إلا أنها ما لبثت أن غدت موجات هجرة جماعية، نمت بصورة مطردة من العشرات إلى المئات فالآلاف سنويًا، ولا سيما في ظل أحداث دافعة أو مساعدة. ويذكر المؤرخ الكبير الراحل فيليب حتى أن كاهنًا مسيحيًا عراقيًا هو الأب إلياس بن حنا الموصلي الكلداني قام برحلة إلى الأميركتين الشمالية والجنوبية مرورًا بأميركا الوسطى استغرقت 23 سنة (1660 - 1683)، قبل أن يرجع إلى بغداد ويؤلف كتابه الشهير «رحلة أول سائح شرقي إلى أمركة»، وفيه تحدث الكاهن الموصلي عن البلدان التي زارها وثرواتها وسكانها وطبائعهم. وكانت هذه الرحلة حتمًا من بواكير العلامات على طريق الهجرة إلى «العالم الجديد».
من ناحية أخرى، عبر المحيط الهندي – أو بحر الهند – تقاطعت موجتا هجرة كبيرتان من جنوب شبه الجزيرة العربية هما الهجرة اليمنية - وتحديدًا من حضرموت - إلى شبه جزيرة الملايو وجزر الهند الشرقية (إندونيسيا) في جنوب شرقي آسيا، والهجرة العُمانية إلى شرق أفريقيا حيث أسّس العرب حضورًا مهمًّا في زنجبار ومُمباسا ودار السلام.. وجنوبًا إلى موزمبيق.
لكن أبناء بلاد الشام، وبالتحديد من سوريا ولبنان وفلسطين، كانوا في طليعة من اجتذبتهم الهجرة إلى الأميركتين، مع أن كثيرين منهم استقروا في أوروبا، كحال جاليات يمنية وشمال أفريقية لاحقًا، كما هاجروا إلى الفلبين وأستراليا. وكانت البداية الفعلية لهجرات بلاد الشام إلى الأميركتين في أواخر القرن الميلادي التاسع عشر عندما كانت المنطقة جزءًا من الدولة العثمانية، ولذا عُرف المُهاجرون الأوائل في ديار غربتهم الجديد بلقب «توركو» أي الأتراك، كونهم من رعايا الدولة العثمانية، ولاحقًا راج اسم «السوريون - اللبنانيون» وبالأخص، في البرازيل والأرجنتين، في حين أثبت المهاجرون من فلسطين حضورهم في تشيلي بصورة خاصة.
ويذكر أنه من الصعب فصل الهجرة إلى الدول الناطقة باللغة الإسبانية في أميركا الوسطى وجزر الكاريبي، وطبعًا، المكسيك، عن الهجرة إلى دول أميركا الجنوبية لأنها كانت لها الصفات ذاتها، والظروف ذاتها. وبالتالي، يمكن مجازًا استخدام أميركا اللاتينية لكي تغدو المعالجة أشمل وأدق في آن.
* أسباب الهجرة في بلاد الشام
كانت هناك ثلاثة عوامل أساسية أسهمت في موجات الهجرة من بلاد الشام إلى المهاجر الأميركية: العامل الأول اقتصادي، إذ كانت الزلازل والمجاعات والأوبئة والحروب والفتن الأهلية عوامل مؤثرة سلبيًا على الأوضاع المعيشية للفقراء وأبناء الطبقات المتوسطة، وبالتالي، كان السفر هربًا من الفقر والعوز، وأيضًا التجنيد الإلزامي في الجيش العثماني، الخيار المنطقي. وكانت المجاعة التي حدثت في مطلع القرن الـ20 وتفاقمت مع الحرب العالمية الأولى من أهم المفاصل في حركة الهجرة.
العامل الثاني، كان العامل السياسي، وبالأخصّ، بالنسبة للأقليات غير المسلمة في ظل حكم السلطان العثماني، الذي كان رسميًا «خليفة المسلمين». فقبل مرحلة «التنظيمات» العثمانية، خلال القرن التاسع عشر كان البعض من غير المسلمين يعتبر أنه لا يتمتع بكل حقوق المواطنة، ومن ثم كانت الهجرة بديلاً مناسبًا. وبعد ذلك مع بدء التدخل القوى الأوروبية المباشر في المشرق العربي، وتصاعد التيارات القومية، قامت ردة فعل قومية عربية على تصاعد القومية التركية، ومجدّدًا كان الانفتاح على الغرب مباشرة، أو عبر مصر - في عهد محمد علي – أيضًا خيارًا آخر لكل الناقمين على الحكم العثماني.
والعامل الثالث، هو العامل الشخصي الذي يمزج التوق إلى المغامرة والاستكشاف مع الطموح إلى تحقيق الثراء. لا سيما مع تيسر سبل السفر البحري، وتشجيع نجاح بعض المهاجرين على طلب أقاربهم، للانضمام إليهم.
ولئن كان للمجاعة الكبرى التي واكبت الحرب العالمية الأولى الأثر الكبير في هجرة كثيرين من أبناء بلاد الشام، فقد أدت هزيمة الدولة العثمانية في تلك الحرب وتقاسم الدول الغربية تركتها الممزقة، ومن ثم قيام إسرائيل على أرض فلسطين، إلى خلق كل الظروف الاقتصادية والسياسية والأمنية الدافعة إلى الهجرة إلى الغرب، وبالذات إلى الأميركتين.
* الاستقرار في الوطن الجديد
هجرة المغتربين العرب إلى أميركا الجنوبية يمكن تأريخ بداياتهم، حيث جاءت متأخرة عن الهجرة إلى أميركا الشمالية بنحو عقدين من الزمن، وفق المراجع التاريخية. أي إنها بدأت في الربع الأخير من القرن التاسع عشر. وكانت البداية إلى البرازيل بعد عام 1870م. أما أوائل المغتربين إلى الأرجنتين فقد جاءوا من غرب سوريا منذ عام 1882م. وارتفعت أعداد المهاجرين إلى البرازيل بعد توقيع معاهدة المهاجرة بين الحكومتين العثمانية والبرازيلية عام 1906م في أعقاب زيارة إمبراطور البرازيل (الدون بيدرو الثاني) إلى فلسطين وسوريا ولبنان.
وحقق المغتربون العرب نجاحهم الأكبر في ميداني التجارة والصناعة، حتى إن الجالية العربية في مدينة ساو باولو، كبرى مدن البرازيل، تمتلك وحدها شارعين كبيرين يكونان قلب المدينة التجاري. ولم يقتصر المغتربون في نشاطهم على المجالات المادية، بل دخلوا أيضًا ميادين الحياة الفكرية والأدبية والاجتماعية وأصدروا الصحف والمجلات باللغة العربية ولغة البلاد نفسها كما أنشأوا دور الرعاية الاجتماعية والمصحات والمستشفيات والكنائس. واهتم المغتربون العرب منذ سنواتهم الأولى بالصحافة فأصدروا الصحف والمجلات ليعبروا عن آرائهم ويتواصلوا فيما بينهم ومع الوطن الأم. فكانت الصحافة العربية في البرازيل خاصة، وسيلة لنشر الثقافة والمدارس الأدبية والشعرية، إلا أن معظم هذه الصحف والمجلات توقفت مع الأيام لأسباب مختلفة ولم يبقَ من مائة صحيفة ومجلة كانت تصدرها الجالية العربية هناك سوى عدد قليل.
لقد واجه المهاجرون إلى الأميركتين، وبالأخص إلى أميركا الجنوبية، مشكلات كثيرة في التأقلم، ليس أقلها جهلهم باللغة والعادات، والحاجة إلى العيش أحيانًا في مناطق معزولة تفرض عليهم الاعتماد على النفس. ولكنهم، جيلاً بعد جيل، نجحوا في ترسيخ أقدامهم، ومن ثم بعدما استقروا وأخذت جهودهم تثمر، ويبنون لأنفسهم مكانة اجتماعية مقبولة، وأحيانًا كثيرًا مرموقة، انطلق الجيل الثاني، للمشاركة أكثر فأكثر في الحياة الثقافية والفنية والسياسية وخرج من الجاليات العربية في عموم «العالم الجديد» ساسة كبار شغلوا أعلى المناصب. كذلك أسسوا لهم أندية وروابط ومؤسسات نشطت في مختلف المجالات منها الثقافي والأدبي والإعلامي والإغاثي والرياضي. وكانت «رواق المعري» أول رابطة أدبية أنشئت في ساو باولو تلتها «جمعية الخريجين» التي ما زالت نشطة حتى اليوم. أما الجمعية الأشهر فهي «العصبة الأندلسية» التي أُسست عام 1933 وضمت كبار أدباء المهجر وشعرائه ومن أبرزهم رشيد سليم الخوري (الشاعر القروي) وإلياس فرحات ورياض وشفيق معلوف وسواهم، وظلت تصدر مجلتها الشهيرة طوال عقدين من الزمن إلى أن احتجبت عام 1953. كذلك أُنشئت في عام 1965 رابطة أدبية جديدة أطلق عليها اسم «جامعة القلم» وهي تضم معظم حملة الأقلام العربية في ساو باولو وتسعى إلى التعاون مع «ندوة الأدب العربي» في الأرجنتين.
وفي عالم الرياضة يعد نادي بالستينو (النادي الفلسطيني) في تشيلي أحد أنجح الأندية الرياضية في البلاد وسبق له غير مرة أن انتزع لقب بطولة تشيبي لكرة القدم وخرج منه عدد من النجوم الكبار، كما اشتهر النادي السوري اللبناني في عدة رياضات في البرازيل، وتولى سوريون - لبنانيون رئاسة أندية برازيلية شهيرة في عالم كرة القدم بينها فلامينغو وآتلتيكو مينيرو.
وإذا تجاوزنا حدود أميركا الجنوبية إلى باقي أميركا اللاتينية (المكسيك وأميركا الوسطى وجزر الكاريبي)، نبغ المهاجرون العرب في المكسيك، ومنهم اليوم كارلوس سليم حلو أحد أغنى أغنياء العالم، والممثلة العالمية سلمى حايك. وبرز في عالم السياسة في أميركا الوسطى أنطونيو السقا (السياسي الفلسطيني الأصل) الذي فاز برئاسة الجمهورية في السلفادور بعد تغلبه على المناضل اليساري المتحدر هو الآخر من أصل فلسطيني شفيق حنظل. وفي كوبا، لمع ألفريدو جبور في الحياة السياسية أسس مع فيديل وراؤول كاسترو وآخرين المجلس العسكري الثوري عام 1956. وفي الاتجاه نفسه كان موسى حسن المتحدر من أصل فلسطيني ثاني أرفع قادة الثورة السندينية بعد الرئيس دانيال أورتيغا.

** أبرز المشاهير المتحدرين من أصل عربي في أميركا الجنوبية
* البرازيل: ميشال تامر (نائب رئيس الجمهورية الحالي)، وكارلوس غصن (رئيس مجموعة «رينو – نيسان» للسيارات)، وباولو سليم معلوف وتاسو جريصاتي وفرناندو حداد وجيلبرتو كسّاب وجيرالدو ألكمين (من كبار رجال السياسة)، وماريو زاغالو وبرانكو (من كبار نجوم كرة القدم)، ولوتشيانا خيمينز مراد ومالو مدار وسابرينا ساتو رحال (من أهل الفن والإعلام).
* الأرجنتين: كارلوس منعم (رئيس جمهورية سابق)، جوليانا عواضة (زوجة رئيس الجمهورية الجديد)، محمد علي زين الدين (أحد كبار الضباط، حاول الانقلاب على الرئيس منعم)، كلاوديو حسين وعمر أسد وإلياس بزي (نجما كرة قدم).
* كولومبيا: باولو سيزار طربيه (رئيس جمهورية)، جبرائيل طربية (أحد أكبر ساسة كولومبيا)، شاكيرا - شاكرة مبارك (النجمة الغنائية العالمية)، وجورجين الشاعر ملاط (سفيرة كولومبيا لدى لبنان)، فريد موندراغون (حارس مرمى عالمي).
* فنزويلا: طارق العيسمي (وزير الداخلية والعدل)، ضياء العنداري (سفيرة فنزويلا في سوريا)، طارق صعب (أحد أبرز ساسة فنزويلا).
* تشيلي: باولو زلاقط سعيد (عمدة سانتياغو)، ألبرتو حداد وحسين صباغ (رجال سياسة)، نيقولا مسوح (كرة مضرب)، روبرتو بشارة وارتورو صلاح (كرة قدم).
* بوليفيا: خوان لاشين (أبرز قادة نقابات العمال وصانع الرؤساء).
* الإكوادور: عبد الله بوكرم (رئيس جمهورية)، جميل معوض (رئيس جمهورية)، أسعد بوكرم (أحد أبرز الساسة في البلاد)، خوليو ثيودور سالم (رئيس جمهوري انتقالي)، هايمي النبوت (مرشح لرئاسة الجمهورية)، إيفون خويص عبد الباقي (مرشحة لرئاسة الجمهورية ووزيرة التجارة والسفيرة في واشنطن ورئيسة برلمان دول الآنديز).
* الباراغواي: ليلى رشيد (وزيرة خارجية وسفيرة في واشنطن).

** الصحافة العربية في أميركا الجنوبية
«الرقيب»: أسعد خالد ونعوم لبكي - ريو دي جانيرو 1896.
العدل: شكري جرجس أنطون - ساو باولو 1901.
المناظر: نعوم لبكي - ساو باولو 1901.
السلام: وديع شمعون - بوينس آيرس 1902.
الأفكار: سعيد أبو جمرا - ساو باولو 1903.
الزمان: ميخائيل السمرا - بوينس آيرس 1905.
أبو الهول: شكري الخوري - ساو باولو 1906.
الميزان: إسطفان وجورج غلبوني - ساو باولو 1909.
المرسل: الأب يوحنا غصن - بوينس آيرس 1913.
فتى لبنان: رشيد عطية - ساو بولو 1914.



إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
TT

إيران بعد العاصفة: من فقدان القوة إلى اختبار الإرادة والبقاء

آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)
آثار القصف الإيراني للعاصمة القطرية الدوحة (آ ف ب)

مع نهاية الأسبوع الثاني من الحرب، يصعب أخذ عبارة الرئيس الأميركي دونالد ترمب بأن «لا شيء تقريباً بقي لاستهدافه» على معناها الحرفي. والأصح، أن الجزء الأكبر من بنك الأهداف العسكرية التقليدية الواضحة تقلّص بشدة: فواشنطن تقول إنها تسيطر على مساحات واسعة من الأجواء الإيرانية، وإن القدرات البحرية الإيرانية في الخليج ومحيط مضيق هرمز تراجعت بقوة، كما أن وتيرة الهجمات الصاروخية والمسيّرة الإيرانية انخفضت بوضوح مقارنة بالأيام الأولى للحرب. لكن هذا لا يعني أن إيران لم تعد قادرة على الإيذاء، بل يعني فقط أن قدرتها على شن حرب واسعة تآكلت أسرع من قدرتها على الإرباك والردع غير المتكافئ، ويتصرف نظامها لا كمن يوشك على الانكسار، بل بوصفه دخل مرحلة دفاع عن البقاء بأي ثمن. وهكذا انتقلت المعركة من مرحلة كسر القوة إلى اختبار إرادات: إرادة ترمب في ترجمة النار إلى نتيجة، وإرادة النظام الإيراني في تحويل النجاة بحد ذاتها شكلاً من أشكال الانتصار.

الوقائع الميدانية نفسها تُظهر هذا التناقض. فالإدارة الأميركية تتكلّم عن تدمير أسطول إيران البحري وزوارق زرع الألغام قرب مضيق هرمز، وعن تراجع كبير في إطلاق الصواريخ والطائرات المسيّرة.

لكن في المقابل، أظهرت تقارير وتحليلات ميدانية أن إيران نجحت، رغم الضربات، في إلحاق أضرار بما لا يقل عن 17 موقعاً ومنشأة أميركية في المنطقة، بينها قواعد ومراكز اتصال ورادارات وبنى دفاع جوي، وقتل سبعة جنود أميركيين وإصابة نحو 140 بجروح. هذا يعني أن طهران لم تعد قادرة على خوض مواجهة متكافئة، لكنها ما زالت قادرة على رفع تكلفة النصر الأميركي وإثبات أنها ليست «نظاماً مقطوع الرأس» بالكامل.

هنا تكتسب ملاحظة جاناتان سايح، الباحث في مؤسسة الدفاع عن الديمقراطيات، لـ«الشرق الأوسط» أهميتها: يجب التمييز بين النجاح العسكري والنجاح السياسي. فالقصف، مهما كان واسعاً، يدمر القدرات ولا يدمر النيات. وهذا يبدو جوهر المشهد الآن. فالولايات المتحدة وإسرائيل حققتا إنجازاً عسكرياً كبيراً في إضعاف البنية الصاروخية والبحرية وشبكات القيادة، لكنهما لم تقدما حتى الآن دليلاً على أن النظام فقد إرادة البقاء أو أن البيئة السياسية البديلة صارت جاهزة لتُترجم هذا الإنهاك العسكري إلى تحول داخلي حاسم. لذلك؛ فإن السؤال لم يعد: هل ضُربت إيران؟ بل: هل تغيرت إيران؟ وحتى الآن، الجواب الأكثر دقة هو: عسكرياً نعم، سياسياً ليس بعد.

هذا هو معنى «ما الذي بقي من إيران؟». بقيت الدولة، وبقي جهاز أمني قادر على ملاحقة المعارضين، وبقيت مخزونات ووسائل إطلاق لم تُستنزف كلها، وبقيت القدرة على الضرب الانتقائي ضد نقاط الضعف الأميركية والخليجية، خصوصاً الرادارات والدفاعات والرموز الاقتصادية والملاحة مع تعديل في تكتيكات استهدافاتها، ليتحوّل من تهديد توسعي هجومي واسع إلى تهديد تعطيل واستنزاف وانتظار فرصة التعافي.

أين يقف ترمب من تحقيق أهدافه؟

المعضلة الأساسية لإدارة ترمب هي أنها تريد إعلان نجاح كبير من دون الانزلاق إلى حرب مفتوحة، لكنها رفعت الأهداف في البداية إلى مستوى يجعل الاكتفاء بإنجاز عسكري جزئي يبدو أقل من النصر. فمنذ بداية الحرب، تراوحت الرسائل الأميركية بين إسقاط القدرات الصاروخية والبحرية، وفرض «استسلام غير مشروط»، والتلميح إلى هندسة القيادة الإيرانية المقبلة، ثم العودة الآن إلى لغة تقول إن الحرب «ستنتهي قريباً لأن ما يمكن ضربه تقلّص كثيراً». هذا التذبذب لم يعد تفصيلاً إعلامياً، بل بات جزءاً من أزمة إدارة الحرب نفسها.

تقارير أميركية عدة تشير إلى أن فريق ترمب أخطأ في تقدير أمرين على الأقل: الأول، أن إيران ستردّ هذه المرة باعتبار الحرب تهديداً وجودياً، لا مجرد جولة ردع محدودة شبيهة بحرب العام الماضي القصيرة. والآخر، أن تأثير هرمز والطاقة يمكن احتواؤه سريعاً. لذلك؛ اضطرت الإدارة إلى تعديل خططها أثناء القتال من إجلاءات دبلوماسية متسارعة، إلى البحث في خيارات لخفض أسعار الوقود، إلى الكلام المتأخر عن مرافقة ناقلات، قبل أن يتبيّن أن البحرية الأميركية لا ترى هذه المرافقة ممكنة في الوقت الحالي بسبب المخاطر المرتفعة.

من هنا يبدو وصف «النصر غير المكتمل» هو الأقرب. فترمب يستطيع أن يقول، ومعه حلفاؤه، إن الجيش الإيراني تراجع كثيراً، وإن البحرية أُخرجت إلى حد بعيد من المعركة، وإن وتيرة النيران الإيرانية انخفضت، وإن بنك الأهداف الاستراتيجي استُهلك بسرعة أكبر من المتوقع. بيد أنه لا يستطيع، حتى الآن، القول إن إيران ما عادت تشكل تهديداً، أو إن مضيق هرمز آمن، أو إن النظام قبل بشروط سياسية واضحة، أو إن ثمة تصوراً مقنعاً لليوم التالي. وحتى بعض الأوروبيين، الذين يوافقون مع واشنطن في هدف كبح إيران، باتوا يتكلمون صراحة عن «غياب خطة مشتركة واضحة» لإنهاء الحرب بسرعة وبصورة مقنعة.

لهذا؛ أيضاً تبدو ملاحظة باتريك كلاوسن، مسؤول ملف إيران في «معهد واشنطن لشؤون الشرق الأدنى» مهمة. فهو يلفت «الشرق الأوسط» إلى أن ترمب يحبّ الأفعال الحاسمة، لكنه قادر على التعايش مع حملة تمتد أسابيع، كما حصل في اليمن. بمعنى آخر، الرئيس الأميركي لا يكره الحرب الطويلة نسبياً إذا أمكن تسويقها كحملة ضغط مركزة لا كغزو شامل. لكن كلاوسن يضيف نقطة شديدة الأهمية: الضغوط النفطية قد لا تكون بالحجم الذي صوّرته بعض وسائل الإعلام؛ لأن مخزونات الطوارئ الغربية والصينية، تكفي لأكثر من 100 يوم، والحرب قد لا تحتاج إلى هذه المدة للتوقف، كما أن هناط قدرات تصدير بديلة تمنح هامش امتصاص ليس قليلاً.

كل هذا لا ينفي الخطر، لكنه يفسر لماذا قد يميل ترمب إلى إطالة الضغط قليلاً بدلاً من التوقف الفوري، إذا اعتقد أن السوق يمكن ضبطها سياسياً ونفسياً.

إيران بعد الحرب

وحتى لو أصر النظام الإيراني على مواقفه، فإن قدرته على مواصلة التهديد ستعتمد على ثلاثة عناصر: ما بقي من أدوات القتال المباشر، وقدرته على تعويض الخسائر، ومدى نجاح واشنطن في إبقاء العقوبات خنقاً دائماً لا مجرد عقاب وقتي.

المعطيات الحالية توحي بأن إيران لن تستطيع قريباً استعادة صورتها كقوة إقليمية هجومية كاملة الأدوات. إلا أن هذا لا يعني أنها ستدخل عقداً من العجز الصامت؛ إذ يكفيها مزيج من الصواريخ المتبقية، والحرب السيبرانية، والعمل غير المتماثل، وتحريك الحلفاء أو الخلايا، والضغط على الممرات والطاقة.

وهذا ما يفسر استمرار القلق من هرمز، حيث رغم ضرب الزوارق والسفن والألغام المحتملة، لم تعد الملاحة إلى طبيعتها، والناقلات تكاد تتوقف، والبحرية الأميركية نفسها أبلغت بأن مرافقة السفن ليست ممكنة الآن.

المعنى هنا أن القدرة على الإغلاق الكامل شيء، والقدرة على التخويف والشلل الجزئي شيء آخر. وإيران ما زالت تملك الثاني ولو تضاءل الأول؛ ما يرجّح أن واشنطن ستواصل عملية التدمير إلى حين التأكد من شل قدرتها.

اقتصادياً، ستواجه طهران مأزقاً أعقد من مجرد إعادة الإعمار. فالعقوبات الأميركية إذا استمرت، ومعها دمار البنية العسكرية والمالية والبنى التحتية والمدنية، سيدفع النظام إلى معادلة قاسية: كيف يموّل الأمن وإعادة البناء والدعم الاجتماعي في وقت واحد؟ وهل يستطيع الحفاظ على الاستقرار؟

هنا يحتمل أن يصبح القمع الداخلي بديلاً عن القدرة الخارجية، أي أن ينكفئ النظام من مشروع التمدد إلى مشروع النجاة. وفي هذا السيناريو قد يبقى خطيراً؛ لأن الأنظمة المحاصرة تميل إلى تصدير الأزمات كلما ضاقت خياراتها الداخلية. لذا؛ فالإجابة الأدق عن سؤال: هل ستبقى إيران تهديداً؟ هي... نعم، ولكن تهديداً أقل قدرة على الهيمنة، وأكثر ميلاً إلى التعطيل والابتزاز وشراء الوقت.

خيارات ترمب الآن

خلال أقل من أسبوعين، غيّرت الحرب خرائط الأمن والطاقة والتحالفات أكثر مما أرادت الإدارة الأميركية الإقرار به.

الخليج الذي بنى سمعته على كونه واحة استقرار نسبي تعرّض مباشرة للنيران. وأوروبا، التي كانت تعاني أصلاً توتراً مع ترمب بسبب الحلفاء والتجارة وأوكرانيا، وجدت نفسها أقرب إلى واشنطن أمنياً، لكن من دون حماسة سياسية كاملة: فبريطانيا تدرّجت في السماح باستخدام قواعدها، وفرنسا تتحرّك بحرياً وتبحث في ترتيبات مرافقة مستقبلية، وألمانيا تعبّر بوضوح عن القلق من غياب خطة إنهاء مشتركة، بينما إيطاليا ذهبت أبعد في انتقاد الطابع الأحادي للحرب.

هذا ليس تمرداً أوروبياً، لكنه أيضاً ليس اصطفافاً مريحاً خلف البيت الأبيض.

الحرب أعادت أيضاً ترتيب الأرباح والخسائر الدولية.

روسيا تستفيد من ارتفاع أسعار الطاقة، وفي الوقت نفسه تُتَّهم بتقديم معلومات استهداف لإيران عن مواقع أميركية؛ ما يعني أنها تحاول أن تربح من دون دخول مباشر. والصين تراقب بقلق لأن أي اختناق مطوّل في نفط الخليج يصيب أمنها الطاقوي ونموها. وأوكرانيا قد تتضرّر بشكل غير مباشر إذا استنزفت الولايات المتحدة وحلفاؤها مزيداً من صواريخ الاعتراض والموارد في الشرق الأوسط. وهكذا لم تعد الحرب شأناً إيرانياً - إسرائيلياً - أميركياً فحسب، بل عقدة تعيد توزيع الأولويات العالمية.

أما اقتصادياً، فالصورة مزدوجة. فالأخطار ليست دائماً بحجم «سيناريوهات» الذعر القصوى، وهذا ينسجم مع تقدير الباحث باتريك كلاوسن بأن العالم يملك احتياطيات ومسارات تعويض مهمة. لكن في المقابل، لم يعد ممكناً القول إن الأمر مجرد «ضجيج سوق» مؤقت.

أسعار النفط ارتفعت مجدداً مع استهداف السفن، والوكالة الدولية للطاقة أوصت بإطلاق 400 مليون برميل من الاحتياطات، وهو أكبر تحرّك من نوعه في تاريخها؛ ما يعني أن المؤسسات المعنية لا تتعامل مع الأزمة بوصفها مبالغة إعلامية فقط. والخلاصة، أن التهويل ليس دقيقاً دائماً، لكن الاطمئنان الكامل أيضاً لم يعد واقعياً.

مشهد الداخل الأميركي

في الداخل الأميركي، خيارات ترمب تضيق إلى أربعة مسارات:

الأول، إعلان نصر عسكري محدود بعد تدمير القدرات الأساسية، ثم تثبيت وقف نار غير معلن، مع إبقاء العقوبات القصوى.

الثاني، إطالة الحملة بضعة أسابيع على أمل انتزاع انهيار سياسي داخلي أو انشقاقات أكبر.

الثالث، التصعيد إلى عمليات برية محددة أو سيطرة عملياتية على هرمز، وهو أخطر الخيارات وأكثرها كلفة سياسياً وعسكرياً.

والرابع، العودة إلى صيغة ردع طويلة، حرب متقطعة، عقوبات، واحتواء إقليمي من دون حسم.

إدارة ترمب تبدو ميّالة الآن إلى المزج بين الأول والرابع: نصر مُعلن في الخطاب، واحتواء طويل في الواقع. وهذا ينسجم مع قلق الجمهوريين من أسعار البنزين والانتخابات، ومع تردد الكونغرس حتى في مسألة التمويل الإضافي واحتمال القوات البرية.

النتيجة الأرجح، إذن، أن ترمب اقترب فعلاً من إعلان «نصر غير مكتمل»؛ لأن إيران ضُربت بعمق غير مسبوق وخسرت جزءاً كبيراً من قدرتها العسكرية التقليدية؛ لكنه غير مكتمل لأن النظام لم ينكسر سياسياً، والمضيق لم يُؤمَّن بالكامل، والتحالف الغربي لم يُحشد بصورة متماسكة، والاقتصاد العالمي دخل مرحلة هشاشة جديدة. فالحرب غيّرت العالم بالفعل وأعادت «مركزية» الطاقة، وكشفت عن هشاشة الممرات البحرية، وعمّقت الشك الأوروبي بقدرة واشنطن على إدارة اليوم التالي، وفتحت باباً جديداً لمنافسة القوى الكبرى على أنقاض الشرق الأوسط. وما بقي من إيران ليس «اللاشيء»، بل دولة مجروحة ما زالت قادرة على جعل خصومها يدفعون ثمن النصر، إلّا إذا قررت أن تكون «دولة طبيعية».


صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال
TT

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

صعود باليندرا شاه... تحوّل على مستوى الأجيال

بزغ فجر عهد سياسي جديد في نيبال، الدولة الواقعة في جبال الهيمالايا بين الهند والصين، بعدما أسفرت الانتخابات البرلمانية، التي أجريت مطلع هذا الشهر، عن نتيجة مذهلة: إذ سقط «الحرس القديم» الذي ظلّ متشبثاً بالسلطة لفترة طويلة، أمام موجة من الحيوية الشبابية، والاستياء الشعبي من الفساد والركود السياسي. في قلب هذا التحول يقف باليندرا شاه، المعروف باسم «بالين»، ومغني «الراب» البالغ 35 سنة، الذي تحوّل إلى العمل السياسي، وقد ألهب صعوده الصاروخي مخيلة الملايين في جميع أنحاء البلاد. ومع حصول حزب «راستريا سواتانترا» بزعامة بالين على غالبية ساحقة في البرلمان، من المتوقع أن يصبح ابن الـ35 سنة أصغر رئيس وزراء في تاريخ نيبال.

لا تقتصر نتائج الانتخابات في نيبال على مجرد تغيير الحكومة، بل تمثل حقاً تحولاً على مستوى الأجيال داخل السياسة النيبالية، ورفضاً لعقود من الاضطراب السياسي. وهذا، بجانب كونها تجربة جريئة لمعرفة ما إذا كان بإمكان نمط جديد من القيادة تحقيق الإصلاح داخل واحدة من أكثر الديمقراطيات هشاشة في جنوب آسيا.

على الصعيد السياسي المتغيّر دائماً في جنوب آسيا، قلّما حظيت شخصية باهتمامٍ كبيرٍ في السنوات الأخيرة مثل باليندرا شاه. فلعقودٍ عديدة هيمنت قيادات مخضرمة وأحزاب تقليدية على القيادة السياسية في نيبال. بالتالي يأتي صعود «بالين» بمثابة خروج عن هذا النمط، وهو الذي يستمد شعبيته من صورته كشخصٍ من خارج المؤسسة السياسية، أسلوبه المباشر في التواصل، ويَعِد بحلولٍ عملية لتحدّيات الحكم، التي طالما عانت منها البلاد.

من هو «بالين»؟

اللافت أن السيرة الذاتية لباليندرا شاه غير تقليدية، تماماً كمسيرته السياسية. إذ وُلد يوم 27 أبريل (نيسان) 1990 في العاصمة النيبالية كاتماندو، ونشأ ضمن أسرة من الطبقة المتوسطة، تولي اهتماماً بالغاً بالتعليم، وفي بيئةٍ حضريةٍ سريعة التغير.

وعام 2018، تزوّج «بالين» من سابينا كافلي، الاختصاصية في مجال الصحة العامة. ويقطن الزوجان، المعروفان بنشاطهما في مجالي الخدمة العامة والصحة المجتمعية، في كاتماندو مع ابنتهما.

إبان مسيرته، تعرّض «بالين» مبكراً للمشكلات اليومية، التي يواجهها المواطنون العاديون. لكنه بعكس كثيرين من الساسة الذين يدخلون الحياة العامة عبر بوابة العمل السياسي الطلابي، اتجه في البداية إلى مهنة الهندسة. وبعد إتمام دراسته في كاتماندو، التحق بكلية «هيمالايا وايت هاوس» الدولية، حيث درس الهندسة المدنية.

وكانت بين العوامل التي عززت اهتمامه بالهندسة، التحديات البنيوية التي لاحظها من حوله، فقد بدا تردّي مستوى الطُّرق السيئة، والتوسّع العمراني العشوائي، وتفاقم إدارة النفايات، واضحاً في جميع أرجاء كاتماندو.

لاحقاً، واصل شاه تعليمه العالي في الهند، وحصل على درجة الماجستير في الهندسة الإنشائية من معهد «نيت ميناكشي للتكنولوجيا» في بنغالورو (جنوب الهند). وأتاح له وجوده في الهند توسيع فهمه للتنمية الحضرية والحوكمة، ما مكّنه من مقارنة تحديات كاتماندو بتلك التي تواجهها مدن أخرى سريعة النمو في جنوب آسيا. للعلم، بينما تشتهر كاتماندو بمعابدها العريقة وتراثها التاريخي، فهي تعاني أيضاً من التوسّع الحضري العشوائي، وازدحام المرور، وتدهور البنية التحتية.

بالتالي، ساهم هذا التدريب الأكاديمي لاحقاً في تشكيل هويته السياسية.

الصوت الثقافي لجيل بأكمله

قبل دخول «بالين» - الذي يقدّم خبيراً تكنوقراطياً يعتمد نهجاً عملياً تجاه الحكم - عالم السياسة، اشتهر الرجل على مستوى الساحة الموسيقية النيبالية كمغنٍ ومؤلف أغانٍ، وشدا بأغانٍ انتقدت الفساد والبيروقراطية والتفاوت الاجتماعي. وبالفعل لاقت موسيقاه صدىً واسعاً لدى شباب المدن في نيبال، الذين شعر كثيرون منهم بالانفصال عن الأحزاب السياسية التقليدية.

ومن ثم، تحولت ثقافة «الهيب هوب» في نيبال إلى منصة للتعبير عن القضايا الاجتماعية على نحو متزايد. وعبّرت كلمات «بالين» عن إحباطات جيلٍ يواجه البطالة والاضطراب السياسي وقلة الفرص. ومن خلال مقاطع الفيديو الموسيقية ومنصات التواصل الاجتماعي، استطاع بناء قاعدة جماهيرية واسعة في أوساط المستمعين الشباب. وساهم أسلوبه الصريح واستعداده لتحدي السلطة في ترسيخ مكانته صوتاً ثقافياً يعبر عن مطامح الشباب.

وبمرور الوقت، بدأ «بالين» يشعر بأن انتقاد النظام من الخارج لم يعد كافياً، وهكذا، دفعه انخراطه العلني في قضايا الحكم نحو المشاركة السياسية.

السياق السياسي في نيبال

يستلزم صعود باليندرا شاه النظر في تاريخ نيبال السياسي المضطرب. يذكر أن البلاد عايشت تحولاً جذرياً عام 2008، حين أُلغيت الملكية التي دامت قروناً، وأصبحت نيبال جمهورية ديمقراطية اتحادية. بيد أن الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً، إذ تغيرت الحكومات مراراً، وانهارت التحالفات، بينما انشغلت الأحزاب السياسية - معظم الوقت - بالصراعات على السلطة على حساب الإصلاح السياسي.

وهيمن قادة مخضرمون، مثل كيه بي شارما أولي، وبوشبا كمال داهال، على المشهد السياسي في البلاد لسنوات. وبينما لعب هؤلاء أدواراً مهمة إبّان حقبة التحول الديمقراطي، خابت آمال الناخبين الشباب في النظام السياسي وقدرته على التجاوب مع همومهم. كما أصبحت الأزمات الاجتماعية دلائل واضحة على خلل سياسي. وبمرور الوقت، خلق الإحباط الشعبي مساحةً لظهور أصوات سياسية بديلة، مثل صوت «بالين».

من «عمدة» إلى «زعيم وطني»

كانت فترة تولي باليندرا شاه منصب عمدة كاتماندو نقطة تحوّل دفعت به من مسؤول محلي إلى قوة سياسية وطنية. وبفضل أسلوبه الحازم - كهدم المباني غير القانونية، ومعالجة إدارة النفايات، والتواصل المباشر مع المواطنين - أصبح شخصيةً محبوبةً ومثيرةً للجدل في آنٍ واحد. لكن الأهم من ذلك، أنه صار حاضراً بقوة في المشهد السياسي.

ومن ثم، لفت هذا الحضور انتباه الحركات الإصلاحية الباحثة عن بدائل للأحزاب الراسخة في نيبال. ورأى حزب «راستريا سواتانترا» فيه منصة جديدة لمكافحة الفساد تدعو إلى الحكم الرشيد. كذلك، منحته صورته غير التقليدية - كمغني راب، ومهندس، وعمدة سبق له مواجهة المصالح الراسخة - مصداقيةً افتقر إليها السياسيون المخضرمون.

وعبر انضمامه إلى حزب «راستريا سواتانترا»، حوّل الرجل سمعته المحلية إلى زخم وطني. وكذلك استغل الحزب حالة السخط الشعبي الواسع، لتحويل الإحباط إلى حركة شعبية. وفعلاً، تطوّر ما بدأ تجربةً انتخابيةً للفوز بمنصب عمدة كاتماندو، إلى ظاهرة سياسية وطنية، تُوّجت بفوز «بالين» الساحق في انتخابات عام 2026.

الحوكمة والإدارة

كعمدة لكاتماندو، اكتسب «بالين» سمعةً طيبةً بفضل أسلوبه الإداري الحازم. ومن السمات المميزة الأخرى لقيادته تواصله المباشر مع المواطنين مستفيداً من وسائل التواصل الاجتماعي، إذ كان يُطلع السكان باستمرار على قرارات الحكومة، ويستجيب لشكاوى المواطنين، ويشرح مبادرات السياسة العامة. وبفضل هذه الشفافية، تعززت شعبيته، بخاصة في أوساط الناخبين الشباب.

من جهة أخرى، أعادت الانتخابات البرلمانية لعام 2026 تشكيل المشهد السياسي في نيبال بشكل جذري. وحقق حزب «بالين» أداءً قوياً، بينما مُني عدد من القادة المخضرمين بهزائم مُذلّة. بل خسر رئيس الوزراء السابق كيه بي شارما أولي مقعده البرلماني، في لحظة رمزية تجلى فيها عمق غضب الناخبين.

أيضاً، لحق الوهن بحركة «بوشبا كمال داهال» الماوية، التي كانت لها الهيمنة في السابق، بشكل ملحوظ. وحتى «حزب المؤتمر النيبالي»، ذو النفوذ التاريخي، فوجئ بتقلص تمثيله داخل البرلمان إلى حد كبير. جدير بالذكر أنه لعقود، هيمنت هذه الأحزاب على المشهد السياسي في نيبال عبر تحالفات متغيرة.

وعد الإصلاح

أثناء الحملة الانتخابية، أطلق «بالين» وعوداً طموحة وتعهد بمكافحة الفساد، وتبسيط الإجراءات البيروقراطية، وتحديث المؤسسات الحكومية. كما تضمنت أجندته تطوير البنية التحتية، وإصلاح التعليم، وسياسات اقتصادية تهدف إلى خلق فرص عمل للشباب. وكان أحد العناصر الأساسية لرؤيته استخدام التكنولوجيا لتحسين الحوكمة. إذ اقترح خدمات عامة رقمية، وأنظمة بيانات مفتوحة، وآليات مساءلة إلكترونية، مصممة لجعل الحكومة أكثر شفافية. وكسبت هذه المقترحات تأييد الشباب. ويرى كثير من الناخبين الشباب أنفسهم جزءاً من جيل عالمي متصل عبر وسائل التواصل الاجتماعي، ويشعرون بالإحباط إزاء بطء وتيرة الإصلاح السياسي. الانتقال إلى الديمقراطية كان صعباً إذ تغيرت الحكومات مراراً وانهارت التحالفات بينما انشغلت الأحزاب السياسية بالصراعات على السلطة


تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
TT

تحديات محلية وخارجية أمام زعيم نيبال الجديد

من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)
من الاضطرابات التي عكست سخط الشارع النيبالي في الفنرة الأخيرة. (آ ب)

يواجه باليندرا شاه، زعيم نيبال الجديد، العديد من التحديات المحلية والخارجية. فعلى الصعيد المحلي، هناك تحدي إدارة التوقعات؛ إذ يُنتظر منه إصلاحات سريعة، قد لا تتحقق كلها على أرض الواقع.

ويذكر أنه داخل نيبال، تتجذر البيروقراطية، ولا يزال الفساد متغلغلاً في الهياكل المؤسسية. ويتطلب تغيير هذا النظام إرادة سياسية مستدامة، وإذا تعثرت الإصلاحات، قد يتحول الحماس الشعبي سريعاً إلى خيبة أمل.

اقتصادياً، تعتمد البلاد على عمل ملايين المواطنين في الخارج. وتشكل التحويلات المالية المرسلة من المهاجرين في اليابان ودول الخليج وجنوب شرق آسيا نسبة كبيرة من دخل البلاد. وفي السنوات الأخيرة، تراوحت هذه التحويلات بين 23 في المائة و28 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي للبلاد. وفي السنة المالية 2024 - 2025، بلغت هذه التدفقات مستوى قياسياً، ومثلت 28.6 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي. وفي الأرياف غالباً ما تعتمد الأسر على ابن أو ابنة أو أحد الوالدين العاملين في الخارج.

ولقد أعادت هذه الهجرة الواسعة تشكيل المجتمع النيبالي وسياسته. ومع أن كثيرين من العمال المغتربين لا يستسهلون الاقتراع في الانتخابات، لا يزال هؤلاء يؤثّرون على السياسة بشكل غير مباشر؛ إذ يحثّون أفراد أسرهم في الوطن على دعم المرشحين الإصلاحيين.

هذا، وتتجذر مشاعر الغضب الذي يغذي هذا التحول السياسي في الاقتصاد. ووفق الكثير من الشباب النيباليين، لا يتعلق قرار مغادرة البلاد بالفرص المتاحة في الخارج، بل بانعدامها في الوطن. وقد تكون رواتب الوظائف على المستوى المبتدئ متدنية للغاية، لدرجة أن تكاليف المعيشة الأساسية في المدن - كالإيجار والمواصلات والطعام - تستنزف الدخل الشهري بسرعة.

ومع تولي بالين قيادة البلاد، سيكون التوقع الشعبي الأبرز توفير فرص عمل كي لا يشعر الشباب بأنهم مجبرون على مغادرة البلاد. وحقاً، يشيد مؤيدوه بأسلوبه في الحكم، واصفين إياه بالجريء والحاسم.

في المقابل، قد تبرز ديناميكيات الحزب الداخلية تحدياً آخر أمام الزعيم الجديد. وربما يجد رابي لاميتشاني، الصحافي السابق المعروف بشخصيته القوية، صعوبة في البقاء بعيداً عن دائرة الأضواء داخل حزب أسهم في تأسيسه. وتشير ردود فعله السابقة، بما في ذلك غضبه الشديد بعد إجباره على الاستقالة من منصب وزير الداخلية عام 2023 بسبب تساؤلات حول جنسيته، إلى أن مثل هذه التوترات قد تتصاعد.

أما بالنسبة للتحديات الخارجية، فيتمثل أحد أهمها في الحفاظ على التوازن الدقيق بين الجارتين القويتين، الهند والصين، في ظل وجود مصالح للولايات المتحدة كذلك.

وحقاً، لطالما أثّر موقع نيبال الجغرافي بين العملاقين الآسيويين على دبلوماسيتها؛ ما استلزم من الحكومات المتعاقبة اتباع استراتيجية دقيقة، تحافظ على التعاون الاقتصادي مع كليهما، مع حماية سيادة نيبال واستقلالها الاستراتيجي.

وحسب المحلل السياسي بورانجان أشاريا، المقيم في كاتماندو: «تتسم العلاقات مع الهند بحساسية بالغة؛ نظراً للروابط الاقتصادية والثقافية العميقة. فالهند هي أكبر شريك تجاري لنيبال، وتوفر طرق العبور الرئيسة لوارداتها وصادراتها. ومع ذلك، انتاب العلاقات الثنائية بعض التوتر بين الحين والآخر؛ بسبب الخلافات السياسية والنزاعات الحدودية، خاصة الجدل الدائر حول قضية حدود كالاباني-ليبوليك-ليمبيادورا، الذي تصاعد بعدما أصدرت نيبال خريطة سياسية جديدة عام 2020 تطالب فيها بالأراضي المتنازع عليها. كما أسهمت الاضطرابات التجارية والتصورات العامة للتدخل الهندي في السياسة الداخلية لنيبال في خلق توترات من حين لآخر».

في الوقت نفسه، عمدت نيبال إلى توسيع نطاق تعاونها مع الصين، خاصة بعد انضمامها إلى «مبادرة الحزام والطريق»، التي اقترحت بكين من خلالها مشاريع بنية تحتية وربط في منطقة الهيمالايا. ولكن بينما تُتيح هذه المبادرات فوائد اقتصادية محتملة، فإنها تُثير كذلك مخاوف استراتيجية بشأن استدامة الديون والتنافس الجيوسياسي. بالتوازي، في حين سعت الولايات المتحدة إلى إشراك نيبال في برنامج «الشراكة الأمنية» التابع لها، والذي يهدف إلى تعزيز التعاون الدفاعي، روّجت الصين لمبادرتها الأمنية العالمية؛ ما يعكس تنافساً جيوسياسياً أوسع نطاقاً على النفوذ داخل نيبال.

هنا يقول الباحث الصيني تشو فنغ: «تكمن القيمة الاستراتيجية لنيبال في قدرتها على الحفاظ على علاقات ودية مع جارتيها مع السعي لتحقيق أولوياتها التنموية». وبالمثل، يرى المحلل الاستراتيجي الهندي سي. راجا موهان أن على كاتماندو تجنب التحول إلى ساحة للتنافس الجيوسياسي، «ويتمثل التحدي الدائم الذي يواجه كاتماندو، في الحفاظ على التوازن بين الهند والصين، من دون السماح لساحتها السياسية الداخلية، بأن تتحول ساحةً لتنافس القوى العظمى».