برلمان مصر.. صراع الياقات البيضاء

في انتخابات سجلت مشاركة فاترة.. فشل اليسار والتيار الديني

برلمان مصر.. صراع الياقات البيضاء
TT

برلمان مصر.. صراع الياقات البيضاء

برلمان مصر.. صراع الياقات البيضاء

خلال الساعات الأخيرة من الانتخابات العامة المصرية، يبدو أن الملامح العامة لصورة البرلمان الجديد قد اقتربت من الوضوح قبل إعلان النتائج النهائية الرسمية. ولعل بين أبرز هذه الملامح التدني الملحوظ لنسبة المقترعين، والتراجع الكبير للتيارين اليساري والديني، مقابل ضخامة دور المال الذي أنفقته الأحزاب المتنافسة، ولا سيما، الأحزاب التي أسسها أو دعمها رجال الأعمال الأثرياء. وكان وراء تدني نسبة الاقتراع عزوف مجموعات متعددة المشارب من الناخبين، وبالأخص الشباب، عن التصويت لاعتبارات متعددة في رأسها الإحباط وخيبة الأمل.
وصل رجل أعمال جديد، انضم لصالون الضيافة، فارتفعت حرارة النقاش. في إحدى الضواحي المشيدة على طرز أوروبية شرقي العاصمة المصرية القاهرة يجري ترتيب عدة ملفات. ثمة رجال يطلق عليهم البعض أصحاب الياقات البيضاء.
تسمع أرقاما فلكية لأموال جرى إنفاقها على الدعاية الانتخابية لكثير من مرشحي البرلمان الجديد، الذي اختتم الاقتراع على آخر مراحله اليوم (الأربعاء). إنه أول برلمان في عهد الرئيس عبد الفتاح السيسي.
لقد تأكد فشل اليسار وخروج التيار الديني من المعادلة البرلمانية. والآن يسعى عدة أثرياء من العائلات لجمع أكبر عدد من النواب الجدد، في سباق محموم للفوز بتشكيل تكتل نيابي يؤيد رئيس الدولة، ويكون هو «تكتل السلطة» في البرلمان.
هنا أمام بوابة داخلية لقصر رجل أعمال التحق بعالم السياسة بعد رحيل نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، يمكن أن ترى من آخر طرف من شرق العاصمة، سحب الضباب والغبار وعوادم السيارات القادمة من الأفق. كان حارس الحديقة، واسمه عبد الله، يروي الشجر من خرطوم المياه. أجاب وهو يتذكر في أسى أيام مشاركته، كشاب يساري، في الثورة على مبارك. إنه لم ينتخب أحدًا، ولا يريد أن يشارك. وبدا أن أمر البرلمان الجديد لا يعنيه.
ويُظْهر عدة ساسة ممن عارضوا مبارك لعقود وساهموا في الإطاحة بنظامه، تفاؤلاً أقل من المتوقع بشأن العملية الديمقراطية. ومن أهم الأسباب، كما يقول أحمد بهاء الدين شعبان، رئيس الحزب الاشتراكي، بروز رجال أعمال متعطشين للسلطة، احتلوا خشبة المسرح، ويريدون طرد الجميع. يضيف: «لقد عاد مرشحون ذوو نفوذ مالي وعائلي، على حساب مرشحي البرامج السياسية»، ولهذا يخسر الثوار بعدما حلموا بتغيير للأفضل.
ما بين الفشل الكبير للأحزاب اليسارية والدينية، بدأ يظهر على الساحة صراع سياسي مبكّر لشريحة من أصحاب الياقات البيضاء ممن أسّسوا أحزابا بعد الثورة. يريدون الأغلبية وصناعة تكتل. لا ينافسهم في هذا غير بضعة نواب من رجال المال أيضا، لكنهم محترفون في العمل البرلماني وقادمون من وسط رماد حزب مبارك، أي الحزب الوطني الديمقراطي، بعد نحو أربع سنوات من حرق الثورة مكاتبه في المبنى المطل على النيل.
كان المصريون يتندّرون دائما على الحيل التي تستخدمها السلطة قبل الثورة لكي يفوز حزب الرئيس بالأغلبية. وفي الوقت الحالي يحظر الدستور انتماء الرئيس لأي حزب. لكن شعبان يضيف أن «المال السياسي الذي أنفق في هذه الانتخابات أدى لتزييف إرادة المصريين.. كيساريين خسرنا. الشباب قاطعوا، وهذا خطأ».
محمود نفادي الذي انخرط بعد ثورة 2011 في التنسيق، لبعض الوقت، بين عدة قوى سياسية كبرى على الساحة، والمعروف بأنه خبير في الشؤون البرلمانية، يؤكد أن «التيارين الأكبر خسائر في البرلمان الجديد هما التيار اليساري والتيار الديني». لقد أسس اليساريون عدة أحزاب جديدة بعد ثورة 2011، كما أسس التيار الديني أحزابا أخرى تمكنت من الهيمنة على البرلمان في 2012. وأصبح عدد الأحزاب بعد مبارك 85 حزبًا رسميًا، إضافة إلى عدة أحزاب أخرى تحت التأسيس.
اليوم هناك شعور بأن الأحزاب القديمة، التي كان عددها لا يزيد على 19 حزبًا، تاهت وسط هذا الكم الكبير من الأحزاب المتشابهة في البرامج وفي الأسماء. ومع ذلك، لم يعط قانون الانتخابات للقوائم الحزبية إلا 120 مقعدًا فقط، بينما أعطى للمرشحين بالنظام الفردي 448 مقعدًا. لهذا يوجد تنافس شديد بين كتل حزبية مسنودة من رجال أعمال لاستقطاب أكبر عدد من النواب المستقلين، يريد كل منها تشكيل تكتل نيابي واسع وقيادة الأغلبية البرلمانية.
* نكسة اليسار
أمام هذه المعمعة لم يكن اليسار مؤهلاً للعب دور حقيقي في هذه الانتخابات، كما يقول شعبان، مشيرًا إلى أن هذا له أسباب موضوعية وأسباب ذاتية.. «من الأسباب الموضوعية أن البرلمان الحالي جرى تصميم مُجرياته لكي يفوز فيه من يملك كمية هائلة من رأس المال، وهي تقريبًا عملية استرداد لبرلمان 2010 (آخر برلمانات مبارك) أو شيء من هذا القبيل». ويضيف أن جزءًا رئيسيًا من ركائز اليسار هم الشباب لكنهم اتخذوا موقفًا مراهقًا بمقاطعة الانتخابات، وبالتالي، أصبح أمام القوى المضادة فرصة للدخول للبرلمان دون مقاومة تذكر.
ويتابع قائلا: «ليس هذا فحسب، ولكن للأسف الشديد بعض القوى السياسية المحسوبة على اليسار أعلنت مقاطعتها للترشح في الانتخابات، وهو في رأيي موقف غير مسؤول، وفيه انفعالية مبالغ فيها، ولك أن تحسب نتيجة الانسحاب الذي ترك للقوى المضادة أن تكتسح مقاعد البرلمان وتفعل ما تريد». وهو يشير بذلك إلى كتلة الاتحاد المدني الديمقراطي الذي كان يحمل اسم «صحوة مصر» وانسحب من المنافسة قبل بدايتها بسبب عجزه عن الإنفاق ماليًا على حملة الانتخابات ورفضه التحالف مع أي من أصحاب رؤوس الأموال من أصحاب الأحزاب الأخرى أو المستقلين.
وحسب شعبان «توجد مشكلات عصيّة تحول دون أن يحقق اليسار المصري أحلام الشعب في الديمقراطية والتغيير. أولاً اليسار المصري شاخ.. أي أن آخر جيل دخل في مجموعة صفوف اليسار كان جيل السبعينات. بعد هذا الجيل لا يوجد أجيال دخلت اليسار إلا بضعة أفراد أو مجموعات صغيرة. وبعد ثورة 2011 جاءت مجموعات شبابية وتفاعلت مع النشاط السياسي، ثم أدارت ظهرها. هذا موضوع مهم».
تخرَّج عبد الله، البالغ من العمر 28 سنة في كلية التجارة، عام 2006. ومرت الأيام سريعًا وهو يبحث عن عمل في بلد يعاني من الفقر والبطالة، دون جدوى. انخرط في أحداث الثورة في صفوف حزب التجمع اليساري. وحين هيمن الإخوان على برلمان 2012 أصيب مثل زملائه بصدمة، فشارك في ثورة 2013 للإطاحة بحكم الجماعة، لكن الأمور لم تتحسن.. «حتى نشاط الحزب تراجع عما كان عليه أيام مبارك».
قبل، ككثير من الخريجين، بوظيفة مؤقتة، فعمل حارسًا في حديقة بمجمّع فيلات خلف جبل المقطم.. «منذ سنة وأنا أعمل هنا. المستقبل غير مضمون والراتب لا يكفي لتأسيس أسرة. لكن ما باليد حيلة». كان عبد الله عضوا أيضًا في ائتلاف الاشتراكيين الثوريين الراديكالي الذي ظهر كوجه عملة آخر للحركات الدينية الأصولية. لكن «كل شيء انتهى» كما يقول.
* سعر الصوت فوق 700 جنيه
ملياردير معروف بتطلعاته السياسة الكبيرة، علّق آمالاً عريضة ليكون الحزب الذي أسسه بعد ثورة 2011 رأس حربة للأغلبية في مجلس النواب. كثر الحديث حول هذا الموضوع في صالونات عائلات كبيرة في سوق الساحل الواقعة بين ضاحيتي المعادي ومصر القديمة. الرياح جاءت بما لم يكن متوقعا. عشرات الأسماء فوق بعضها بعضًا تتزاحم على لافتات تغطي أسطوانة ميدان «البوابة». من هنا يمر ملايين المصريين إلى أعمالهم ذهابًا وإيابًا.
مكاتب تعجّ بمنافسين وسماسرة. مؤامرات تحاك بين الجدران. تجنيد مندوبين من وراء الستار لشراء أصوات المقترعين المعوزين. الصوت بمائة جنيه. بمائتي جنيه.. «مزاد وحقائب مكدسة بالأموال»، كما يقول أحمد عبد اللطيف، وهو محام كان زميلاً للحارس عبد الله في الائتلاف الثوري الاشتراكي، الذي طواه النسيان مثلما طوى أسماء زملاء آخرين لقوا حتفهم في مظاهرات التحرير الدامية سواء أيام حكم الحزب الوطني أو أيام حكم الإخوان.
مع اقتراب موعد إغلاق لجان الاقتراع ارتفع سعر الصوت إلى سبعمائة جنيه وأكثر. في المقابل فشل مرشحون يرفعون شعارات ثورة يناير، من أساتذة جامعات وخبراء وسياسيين براغماتيين، في تحقيق أي نتائج تذكر في صناديق الانتخاب، رغم ما قدّموه من برامج لتحقيق «الكرامة والحرية والعدالة الاجتماعية». فاز منافسوهم، ومعظمهم، كما يقول عبد اللطيف «شخصيات كرتونية تنفق ببذخ» في الكثير من الدوائر.
* مشكلات عملية
المشكلة التي يرى البعض أنها ربما ستلوح في الأفق تكمن في أن الأحزاب التي وقف خلفها كبار رجال المال والأعمال، لا يبدو أنها ستكون قادرة على تشكيل الأغلبية داخل البرلمان الجديد. هذا أمر يحدث في مصر لأول مرة منذ إلغاء الأحزاب في خمسينات القرن الماضي. وبالتالي، لن يكون في استطاعة أي حزب أو تكتل، بمفرده، حسم التصويت على سياسيات تتعلق بصياغة القوانين المكملة للدستور، أو ضمان أغلبية الثلثين لتمرير القرارات التي تتطلب نوعًا معينًا من التصويت، في الشؤون السياسية والاقتصادية وأبواب موازنة الدولة.
الأهم من ذلك توجد شكوك حول قدرة التكتلات على تسمية رئيس للوزراء في حال لم يعجب البرلمان اسم رئيس الوزراء الذي يختاره رئيس الدولة، وهي إجراءات منصوص عليها في الدستور. ويترتب على فشل البرلمان في تسمية اسم رئيس وزراء بديل، خلال ثلاثين يومًا، حل البرلمان نفسه. لكن محمود نفادي يرى الوضع من زاوية مختلفة. وهو يقول إن ملامح التكتلات داخل البرلمان المقبل «تحدّدت بالفعل»، وإن كتلة الأغلبية ستتشكل من النواب المستقلين، وستقود هذه الأغلبية كتلة «في حب مصر» التي تتكوّن من مجموعة أحزاب كانت متحالفة معها في الانتخابات. لكنه يستثني من هذه الكتلة حزب المصريين الأحرار الذي أسسه الملياردير نجيب ساويرس عقب الثورة.
لماذا؟ يقول نفادي: لأن الحزب يريد أن تكون له هوية خاصة به في البرلمان، باعتبار أنه هو الحزب الذي حصل على أكبر عدد من المقاعد، أي 41 مقعدًا في المرحلة الأولى فقط. ويضيف أنه إذا حصل على عشرين أو ثلاثين مقعدًا في المرحلة الثانية، فإنه لن يشكل إلا نحو 10 في المائة من إجمالي عدد النواب، وهي نسبة لن تمكنه من قيادة الأغلبية البرلمانية.
لكن هذا الأمر يتوقف، قبل كل شيء، على النواب الذين فازوا على قوائم أحزاب مختلفة. هل سيستمرون في العمل النيابي من تحت عباءة تلك الأحزاب طوال مدة عمل البرلمان القانونية وهي خمس سنوات؟ أم أنهم سيتحالفون مع تكتلات جديدة خاصة كتلة «في حب مصر»؟ لقد أغرت الكثير من الأحزاب نوابا سابقين خاصة من حزب مبارك، لكي يخوضوا الانتخابات من خلالها. ومن ردود بعض النواب يبدو الأمر سابقًا لأوانه. وستتضح النيات بشكل أكبر حين تنعقد أولى جلسات البرلمان، خلال الشهر الحالي. مع ذلك يتلخص العامل المشترك بين كل هؤلاء الخصوم في تعبير واحد: «نحن ندعم الرئيس عبد الفتاح السيسي».
* تيار الرئيس
لقد خاض المرشحون عن كتلة «في حب مصر» منافسة شرسة مع مرشحي الكتل الأخرى، بما فيها حزب المصريين الأحرار، رغم عدم وجود اختلافات تذكر بين هؤلاء المرشحين في الموقف من السلطة التنفيذية وسياساتها الاقتصادية والاجتماعية بشكل عام. أما النقطة التي لم تحسم بعد، فهي كيف سيكون دعم الرئيس، ومن أي قناة بالضبط؟ يقول النائب البرلماني السابق، عاطف مخاليف، وهو مرشح مستقل عن حزب المصريين الأحرار ويشغل كذلك عضوية هيئته العليا وعضوية مكتبه السياسي، إنه سيعمل من داخل البرلمان «في الاتجاه الذي تسير فيه الدولة».
ويضيف موضحا: «أنا أرى أنني سأعمل في اتجاه الدولة، وسأكون جزءا من الحل وليس جزءا من المشكلة». وعما إذا كان يرى أن هذا هو التوجه العام لحزب المصريين الأحرار، يجيب قائلا إن «التوجه العام الموجود في الحزب هو توجه وطني.. أعني أننا خرجنا من ثورتين ومن استهداف الغرب لنا خاصة أميركا، وبالتالي لا بد أن نكون جميعا على قلب رجل واحد، ونجتاز بالسفينة بحر الأمواج حتى تصل مصر إلى بر الأمان. ثم نرى بعد ذلك كيف ستسير الأمور».
* ضعف الإقبال على الاقتراع
على عكس ما كان متوقعًا، ورغم الإنفاق المالي غير المسبوق، لم تشهد انتخابات البرلمان هذه السنة إقبالا كبيرًا. ووفقا لبيانات اللجنة العليا للانتخابات فإن النسبة المبدئية لمشاركة الناخبين في مرحلتي الاقتراع تدور حول 30 في المائة من نحو 55.6 مليون ناخب. ومع ذلك تبدو بعض اللجان التي يشكل فيها الشباب الأغلبية، هي الأقل في عدد المشاركين.
وعلى سبيل المثال يبلغ عدد المقترعين الذين تتراوح أعمارهم بين 21 و30 سنة، في لجنة المعادي، 46201 ناخب، من بينهم 22936 من الذكور و23265 من الإناث، لكن جميع المرشحين، وعددهم 22 بالنظام الفردي و4 قوائم لتكتلات حزبية، لم يحصلوا فيها إلا على عدة مئات من أصوات هذه الفئة العمرية وفقا لمراقبين في اللجنة، وهي نسبة ضعيفة للغاية مقارنة بعدد من يحق لهم التصويت من هذه الشريحة.
جاء عزوف الناخبين لأسباب متفرقة، من بينها جهل الفروق بين انتماءات المرشحين، وانتشار ظاهرة شراء الأصوات الانتخابية. أو كما يقول عبد الله وهو يروي الشجر «ماذا سيفعل نواب البرلمان؟»... ويجيب بثقة «لا شيء، لأنه ببساطة لا توجد برامج سياسية عما سيفعلونه.. مجرد إنتاج لتجارب برلمانات ما قبل الثورة».
في الماضي، منذ أسس أنور السادات الحزب الوطني الديمقراطي في منزله بشمال القاهرة، كان الصراع على صناديق الانتخابات يدور بين مرشحي حزب الرئيس، وغالبيتهم من رجال الأعمال وأثرياء العائلات الذين لا يحبذون الدخول في مشكلات مع السلطة، وبين المعارضين للرئيس، وكانوا إما من اليسار أو من التيار الديني. لم يكن الدستور يحظر على رئيس الدولة الانضمام لحزب ورئاسته، لكن الدستور الجديد فعل ذلك. لا يمكن للسيسي رسميًا أن يقول «هذا حزبي».
ولكن في المقابل، خلال هذه الانتخابات دأبت غالبية الأحزاب وغالبية المستقلين على الزعم أنها مرشحة من أجل دعم الرئيس، لكن التنافس على من يقود الأغلبية يبدو أنه سيكون أول معضلة. حتى الدعاية الانتخابية المكتوبة على الورق والقماش والبلاستيك والحديد التي أغرق بها المرشحون جبل المقطم المشرف على القاهرة وباقي الميادين والشوارع، كانت متشابهة، وخالية من الحرارة. «الكل يقول إنه مرشح لتعضيد السلطة التنفيذية» كما يقول عبد اللطيف.
كان عبد اللطيف مثل عبد الله مقاطعا للانتخابات.. «كنت أشاهد ما يجري وأتذكر أصدقائي الذين قتلوا والذين أصيبوا بالعجز بسبب مشاركتهم في الثورة على مبارك وعلى مرسي. كنا نريد مصر جديدة، لكن الأمر لم يكن بالسهولة التي تخيلناها في ذلك الوقت.. نحن انتخبنا السيسي، لكن الوجوه القديمة تعود، بنفس السلوك القديم».
ومن جانبه يقول نفادي إن كتلة «في حب مصر» عبارة عن «خليط من نواب قدامى ينتمون للحزب الوطني الديمقراطي، ومن نواب آخرين ينتمون إلى ثورة 30 يونيو (حزيران) 2013. هذه الكتلة تعتبر ثورة يونيو هي الثورة الحقيقية، وهي أيضا داعمة للرئيس السيسي بدرجة رئيسية». ويضيف «أما الاشتراكيون فقد فشلوا فشلا كبيرا. الأحزاب المحسوبة على 25 يناير 2011 فشلت فشلا ذريعًا».
حتى بالنسبة لمزاج جانب من الناخبين ممن حرصوا على المشاركة في الانتخابات، بدا أنه لم يكن يعني معظمهم البرامج السياسية لمرشحين يحملون شعارات «ثورة يناير» أو «ثورة يونيو»، بقدر ما كانوا حريصين على وجود نواب إلى جانبهم لحل مشكلاتهم الصغيرة التي يواجهونها في حياتهم اليومية.. مثل فتح مجمع لبيع السلع المدعمة، أو سد بالوعة صرف، أو توظيف عاطل عن العمل، أو تيسير الحصول على رخصة لبناء طابق إضافي في عمارة. غابت أسئلة من قبيل ماذا ستفعل في مشكلة التدهور الاقتصادي وانهيار السياحة، ومواجهة الإرهاب، وبناء المحطة النووية.
يقول نفادي، إن هذا الوضع يعبر عن أن المشهد لم يختلف عن السابق، أي ما قبل 2011.. «الناس ما زالت تبحث عن نائب الخدمات، والنسبة الكبيرة من الناخبين المثقفين لم يذهبوا إلى صناديق الاقتراع، وأيضا نسبة من الشباب لم تذهب، الذي توجه للصناديق هم الكتل التصويتية التقليدية التي تحتاج لنواب الخدمات.. هذا بالإضافة إلى الدور الذي لعبه المال السياسي بشكل كبير في هذه المعركة، سواء على مستوى الأحزاب أو على مستوى الأفراد». والخلاصة هي أن «نواب السياسة سقطوا».
* دور المال السياسي
ويصف نفادي استخدام المالي السياسي هذه المرة بأنه كان «استخداما فجًّا، خاصة من بعض الأحزاب التي يرأسها رجال أعمال. لقد جرى استخدام المال السياسي بشكل غير مسبوق ولأول مرة تستخدمه أحزاب، لا أفراد»، قائلا إنه في أيام مبارك كان من يستخدم المال السياسي هم الأفراد، بينما اليوم، ولأول مرة، نصل لهذه الدرجة من الإنفاق المالي من جانب الأحزاب. ويشير إلى أن أحد رجال الأعمال، على سبيل المثال، كان لديه رغبة كبيرة في أن يحصل حزبه على أعلى الأصوات، وأن يكسر حاجز المائة مقعد. وفشل.. أنفق في حدود مليار جنيه. هذا رقم رهيب مقارنة بالماضي.
يقول مخاليف عن سبب تحقيق حزب المصريين الأحرار لنتائج توصف بـ«الطيبة»، مقارنة بالأحزاب الأخرى رغم أن عمر حزبه لا يتعدى بضع سنوات، إن السبب هو اختيار الحزب لعناصر من المرشحين لديهم تاريخ وباع سياسي قديم، بالإضافة إلى أن الحزب وصل إلى الناس بشكل جيد عن طريق وسائل الإعلام.
وعما يقوله البعض من أن سبب انتشار ونفوذ حزب المصريين الأحرار على الساحة السياسية المصرية في الفترة الأخيرة، هو الإنفاق المالي الكبير، يوضح مخاليف: هذا ليس سببا رئيسيا على الإطلاق، لكن المعامل المادي معادلة مهمة في العمل السياسي وهذا موجود في كل بلاد الدنيا، وليس في مصر فقط. الحزب اختار مرشحين من عائلات، وكانت اختياراته جيدة. وهذا سبب رئيسي. ويضيف عن الانتقادات بشأن استعانة حزبه بنواب سابقين من حزب مبارك قائلا: «هذه حقيقة. ولكن ردود الحزب هي أنه ليس كل النواب السابقين للحزب الوطني الديمقراطي سيئين».
بيد أن رئيس الحزب الاشتراكي يقول إن أكثر من 70 في المائة من المصريين أحوالهم متردية، وكانوا ينتظرون أن يحل البرلمان مشكلاتهم، إلا أن المؤشرات تظهر أن البرلمان، «سيكون برلمان الصوت الواحد الذي يغلب عليه مبايعة النظام، أما الصوت الذي يعبر عن الجماهير فسيكون محدودا»، ويضيف شعبان أن من استخدم المال السياسي للفوز في الانتخابات سيعبِّر بشكل كامل عن المصالح الاقتصادية للطبقة الرأسمالية المتوحشة، أضف إلى ذلك وجود نواب سابقين من حزب مبارك سيحاولون الانتقام ممن قاموا بالثورة عليه.



«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
TT

«القرن الأفريقي»... أرضية خصبة للصراعات

تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)
تداعيات وردات فعل دولية على الاعتراف الإسرائيلي بـ"لأرض الصومال" دولةً مستقلة (كيودو)

لم تكن منطقة القرن الأفريقي تحظى بكل هذا الاستقطاب والتفاعل الدولي قبل سنوات قليلة، لكنها الآن وبعد أن أضحت جزءاً رئيساً في لعبة التوازنات الإقليمية تأتي قلب الأحداث العالمية؛ بما تشهده من تحركات سياسية وأمنية متسارعة أخذت منحًى تصاعدياً منذ الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة قبل شهرين تقريباً. لقد كانت هذه الخطوة بمثابة شرارة، تلتها ردات فعل إقليمية واسعة رفضتها وأدانتها، وترتّب عليها تسريع وتيرة الدعم العسكري الذي قدّمته كل من مصر وتركيا إلى الصومال.

ردّات الفعل على الاعتراف الإسرائيلي بإقليم «أرض الصومال» دولةً مستقلة تلازمت أيضاً مع اتجاه الأحداث نحو مزيد من التوتر بين إثيوبيا وإريتريا. وكذلك اندلعت اشتباكات بين قوات بين حكومة أديس أبابا الفيدرالية وقوات «إقليم التيغراي» لأول مرة منذ توقيع اتفاق السلام بين الجانبين في عام 2022.

مع هذه التطوّرات، تدحرجت «كرة اللهب» مع توجيه إثيوبيا تهديدات مبطّنة بإشعال صراع جديد في المنطقة، حين رهنت استقرار الأوضاع في «القرن الأفريقي» بحصولها على منفذ بحري، وفق تصريحات رئيس الوزراء آبي أحمد، خلال انعقاد أعمال قمة الاتحاد الأفريقي في دورتها الـ«39»، الأحد الماضي؛ إذ قال إن «استقرار القرن الأفريقي يعتمد على حصول إثيوبيا على منفذ إلى البحر».

مصر تعارض هذه الخطوات، ولقد جدّدت تأكيدها على موقفها «الثابت بشأن المياه والبحر الأحمر». إذ اعتبرت أن «حوكمة البحر الأحمر يجب أن تقتصر على الدول المشاطئة له فقط»، وفق تصريحات وزير الخارجية بدر عبد العاطي خلال لقاءات، عقدها الأسبوع الماضي، مع عدد من قيادات الاتحاد الأفريقي ورؤساء وزراء ووزراء خارجية الدول الأفريقية المشاركة في القمة.

ووفق خبراء في شؤون القرن الأفريقي التقتهم «الشرق الأوسط»، يرى هؤلاء أن التطورات الأخيرة تسهِم في خلق أرضية خصبة لصراعات ونزاعات جديدة، سواءً كانت داخلية في ظل تعقيدات قبلية وسياسية وعرقية تعانيها «دول القرن»، أو على شكل صراعات عابرة للحدود، منها احتمالات نشوب حرب بين إثيوبيا وإريتريا.

وتظهر المعالم الأولية لهذه الحرب المحتملة في التصعيد الدبلوماسي بين البلدين «الجارين» وتحرّكات عسكرية قرب حدودهما المشتركة، بالتزامن مع ترتيبات جيوسياسية جديدة تتجاوز حدود المنطقة على نطاق أوسع.

حدود جغرافية وسياسية ... للقرن الأفريقي

يمتد القرن الأفريقي من حيث الوصف الجغرافي على اليابسة غربي البحر الأحمر وخليج عدن، ويعكس مسماه شكله الجغرافي على صورة «قرن» يضم أربع دول رئيسة هي الصومال، وجيبوتي، وإريتريا وإثيوبيا. إلا أن المنطقة، من الوجهة السياسية والاقتصادية، تتّسع لتشمل كينيا، والسودان، وجنوب السودان وأوغندا.

وحقاً، يمثّل القرن الأفريقي منطقة استراتيجية مهمّة؛ نظراً للموقع الجغرافي الذي يطلّ على خليج عدن، كما أنه يتحكّم في مدخل باب المندب، ويتمتع بأهمية حيوية لاستقرار الملاحة في البحر الأحمر. وهذا ما يجعل من دوله طرفاً لا يمكن تجاوزه لاستقرار التجارة العالمية، ثم إنه يشكل أهمية أخرى؛ كونه يقابل آبار النفط في شبه الجزيرة العربية، ويلاصق إقليم البحيرات العظمى في وسط أفريقيا المتميّز بغنى موارده المائية والنفطية والمعدنية.

لعل إثيوبيا، البلد المغلق جغرافياً، هي الطرف الأكثر حضوراً في معادلة تعزيز النفوذ في القرن الأفريقي، وبخاصةٍ أنها تسعى للخروج من بعض أزماتها الداخلية عبر مشروع توسّع إقليمي يهدف إلى كسر حصارها البحري.

وفي المقابل، تقف إريتريا أمام الطموح الإثيوبي، وهي ليست مستعدة للتخلي عن «ورقتها» البحرية المتمثلة بميناءي مصوّع وعصب، لصالح أديس أبابا. أما الصومال، فيظل الحلقة الأكثر هشاشة؛ كونه بلداً يعاني صراعاً داخلياً طويلاً، وتهديدات إرهابية، وتنافساً دولياً على موانيه وجزره.

ساحة صراع دولي

في هذه الأثناء، يُعدّ البحر الأحمر، الذي تطل عليه دول القرن «ساحة صراع دولي مفتوح»، وبالأخص، أن الولايات المتحدة تبدو مصرّة على حماية ممرّات تجارتها، ومنع الصين من الحصول على حضور واسع في مواني جيبوتي والسودان. أما الصين، فيهمّها تعزيز نفوذها لحماية مشروع «الحزام والطريق (طريق الحرير)»، بينما تبحث روسيا عن قاعدة بحرية تضعها في قلب البحر الأحمر، وتعمل تركيا على بناء نفوذها من بوابة الصومال، ثم إن هذه المنطقة تشكّل نقطة ارتكاز مباشرة لأمن كل من المملكة العربية السعودية ومصر.

عبد الله الطيب البشير، الخبير في الشؤون الأفريقية بجامعة أفريقيا العالمية في السودان، قال لـ«الشرق الأوسط» إنه «لا يوجد انفصال بين وجود بؤر توتر عديدة في منطقة الشرق الأوسط وبين التصعيد الراهن في القرن الأفريقي». وأردف أن ثمة ترتيبات وخرائط جديدة في القرن الأفريقي والشرق الأوسط والبحر الأحمر.

وأشار البشير إلى «تحالف» تقوده إسرائيل يسعى لتعزيز نفوذه، تتشكّل ضده تحالفات ترفض ذلك، وتحاول قدر الإمكان التخفيف من ارتدادات الخطوة الإسرائيلية في «أرض الصومال».

البشير تابع أن الدول التي تجد أن نفوذها في القرن الأفريقي يتآكل، وفي مقدمتها إثيوبيا، «تحاول أن تجد لنفسها مناطق تموضع جديدة»، ويظهر هذا الواقع من تدشين معسكرات لتدريب ميليشيا «الدعم السريع» بالقرب من حدود «جارتها» السودان، وكذلك من خلال إعلانها الرغبة في الوصول إلى منفذ بحري، والتوجه نحو إريتريا لتحقيق أهدافها. وحقاً، كشف تقرير لـ«رويترز»، نُشر أخيراً، واستند إلى صور أقمار اصطناعية وشهادات مسؤولين، عن وجود «معسكر سرّي» في إثيوبيا لتدريب آلاف المقاتلين التابعين لـ«الدعم السريع» التي تقاتل الجيش في السودان. ويقع المعسكر في منطقة «بني شنقول - قمز» النائية بإثيوبيا، التي تبعد 32 كيلومتراً من الحدود السودانية. ولقد استوعب الموقع في أوائل يناير (كانون الثاني) الماضي نحو 4300 مقاتل لتلقي تدريبات عسكرية.

القرن الأفريقي منطقة استراتيجية نظراً لموقعها المطلّ على خليج عدن والتأثير على باب المندب والملاحة في البحر الأحمر

«إدارة الصراع»

البشير استطرد موضحاً أن منطقة القرن الأفريقي تمرّ في هذه المرحلة التاريخية من عمرها بما يمكن وصفه بـ«إدارة الصراع» للحفاظ على توازن القوى. وأضاف أن هذه الوضعية لا تؤدي إلى استقرار «القرن الأفريقي»، بل تجعله أرضية خصبة تشجّع على إمكانية اندلاع مزيد من النزاعات في أي وقت، من دون أن تكون مسألة اندلاع صراع جديد أمراً محسوماً على المدى القريب.

أيضاً، توقع البشير مزيداً من الأدوار الفاعلة «لمجلس الدول المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن» للحفاظ على توازنات القوى وتقويض الاتجاه لمزيد من إشعال الصراعات بالمنطقة. ولعل هذا ما أكد عليه وزير الخارجية المصري بدر عبد العاطي، عندما قال في إفادة رسمية الأحد الماضي، إنه «يجري العمل على تفعيل مجلس الدول العربية والأفريقية المطلة على البحر الأحمر وخليج عدن، للإسهام في تعزيز التعاون بين الدول الأعضاء، وتحقيق التنمية المستدامة، وترسيخ الأمن والاستقرار في المنطقة». وللعلم، هذا «المجلس» منظمة إقليمية تضم 8 دول هي السعودية، ومصر، والصومال، وإريتريا، وجيبوتي، والأردن، والسودان واليمن.

وتتفق السفيرة منى عمر، مساعد وزير الخارجية المصري للشؤون الأفريقية الأسبق، على أن منطقة القرن الأفريقي «تسير على ألغام قابلة للانفجار في أي لحظة». إذ رأت أن ثمة تفاعلات داخلية كالخلافات بين القوميات الإثيوبية والحكومة الفيدرالية، وانتشار التنظيمات الإرهابية كـ«حركة الشباب الصومالية»، إلى جانب التوتر الدولي الأبعاد القائم في منطقة خليج عدن.

وتابعت عمر لـ«الشرق الأوسط»، أن التوتر بين إثيوبيا وإريتريا «تخطى حدود المناوشات العسكرية» بينهما على الحدود، والآن هناك اتهامات متبادلة باحتلال أراضٍ ومساندة حركات معارضة. وتابعت أن تجاوز تحدّيات نشر القوات الأممية في الصومال يمكن أيضاً أن يقوّض إمكانية اندلاع حرب داخلية بين أقاليم ذات نزعات انفصالية والحكومة الفيدرالية. لكنها رأت أن الأوضاع في الصومال «تبقى أقل سوءاً مما عليه الحال بين إثيوبيا وإريتريا، في ظل الدعم العسكري الذي تقدّمه مصر وتركيا لحكومة مقديشو»، والذي يسهِم في مواجهة «إرهاب حركة الشباب» وخلق توازن قوى أمام نفوذ إسرائيل في إقليم «أرض الصومال».

جدير بالإشارة، أنه يوم 8 فبراير (ِشباط) الحالي، نشرت إثيوبيا رسالة من وزير الخارجية الإثيوبي جيديون طيموتيوس إلى نظيره الإريتري عثمان صالح، زعمت أن «القوات الإريترية واصلت احتلال أراضٍ إثيوبية على طول الحدود المشتركة بين البلدين... وأن حكومة إريتريا تعمل على تقديم دعم مادي مباشر ومساندة لوجيستية لعدد من الجماعات المسلحة داخل إثيوبيا». ولقد ردّت وزارة الخارجية الإريترية، في بيان، وصفت فيه الاتهامات الأثيوبية بـ«الكاذبة والمختلقة» بشكل واضح ضد إريتريا، كما أنها «تمثّل عملاً مؤسفاً جديداً يندرج ضمن سلسلة من الحملات العدائية التي تتعرّض لها إريتريا منذ أكثر من سنتين».

ويُعيد التصعيد الجديد بين إثيوبيا وإريتريا، إلى الأذهان صراعاً يبدو أنه انتهي مؤقتاً، حين استدعى رئيس وزراء إثيوبيا آبي أحمد في عام 2020 قوات من إريتريا لمحاربة قوات «إقليم التيغراي»، وهي الحرب التي طالت سنتين.

من جانب آخر، مع أن المحلل السياسي الإثيوبي أنور إبراهيم يُقرّ بأن ما تشهده منطقة القرن الأفريقي من تطورات متسارعة منذ اعتراف إسرائيل بإقليم «أرض الصومال» قد يخلق مزيداً من التوترات، فإنه يستبعد نشوب حرب مباشرة بين إثيوبيا وإريتريا. إذ أكد ابراهيم لـ«الشرق الأوسط»، أن الوضع «ما زال عند حد التراشق الإعلامي، وهشاشة الأوضاع في القرن الأفريقي لا تسمح بنشوب حرب كبيرة». لكنه، مع ذلك، لم يستبعد تفجّر صراعات بالوكالة بين جماعات محسوبة على كل طرف، «وقد تشجع خطوة إسرائيل أقاليم أخرى نحو الانفصال في الصومال مثلاً أو في غيرها من الدول».

وبالنسبة لموقف إثيوبيا بشأن الوصول إلى منفذ بحري، قال «إن المطلب الإثيوبي اقتصادي تكاملي، وهناك علاقات جيدة لأديس أبابا يمكن من خلالها أن تحقق هدفها بطرق سلمية». وأردف: «الخلافات تبدو أكبر بين إثيوبيا ومصر، فالأخيرة ترى أن أي تحرك لإثيوبيا في القرن الأفريقي يهدّد مصالحها، مع أنه لو صُفّيت الخلافات بينهما قد تتمكن الدولتان من لعب دور مشترك في تأمين منابع البحر الأحمر، ولكن يبقى السؤال: كيف يمكن إنهاء الخلاف في ظل تعدد القضايا الخلافية وكذلك إرثها التاريخي؟».

استبعاد انزلاق الكبار

من جهته، قال الخبير في الشأن الأفريقي، محمد تورشين، إن الصراع في القرن الأفريقي يبقى أكثر احتمالاً في شكله الداخلي عبر نشوب «مواجهات بالوكالة»، مستبعداً انخراط القوى الإقليمية الكبرى في مواجهات مباشرة. وفي رأيه، أن التحركات الحالية من السعودية ومصر وتركيا هدفها تقوية الجيش الصومالي لإخضاع المناطق ذات النزعات الانفصالية، وكذلك من الممكن أن تقدم مصر دعماً لإريتريا في مواجهة أي أخطار من جانب إثيوبيا.

وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط»، شرح تورشين «أن مقدّمات الصراع الداخلي في إثيوبيا واضحة الآن مع تجدد الاشتباكات بين القوات الفيدرالية وقوات (إقليم التيغراي)»، متوقعاً أن يكون لهذا الصراع انعكاساته السلبية على المنطقة بأكملها. ويُذكر أنه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، نشبت معارك بين الجيش الإثيوبي وقوات من «إقليم التيغراي»، كانت الأولى منذ انتهاء الحرب عام 2022 بهذه المنطقة الواقعة في شمال إثيوبيا. ودعا المفوض السامي للأمم المتحدة لحقوق الإنسان فولكر تورك، يوم 10 فبراير الحالي، الأطراف المتنازعة في «إقليم التيغراي» إلى اتخاذ إجراءات عاجلة لـ«خفض التصعيد»، ودعا «جميع الأطراف إلى بذل جهود متضافرة ومتواصلة، بمساعدة المجتمع الدولي؛ لتهدئة التوترات قبل فوات الأوان».

ثم إن تورشين قلّل من قدرة إثيوبيا على الوصول إلى منفذ بحري عبر استخدام وسائل خشنة، قائلاً إن «ميثاق الاتحاد الأفريقي سيقف حائلاً أمام أديس أبابا؛ إذ يؤكد على الاعتراف بالحدود الحالية المتوارثة بالاستعمار، وتخوّف البعض من أن تكون استضافة إثيوبيا مقر الاتحاد دافعاً نحو التراخي مع رغباتها ليس في محله؛ لأنه سيشجع دولاً أخرى على اتخاذ خطوات مماثلة في منطقة تعاني بالأساس اضطرابات عديدة».

دور إسرائيل

أخيراً، حول دور إسرائيل، قال الكاتب الصومالي حسن محمد حاج لـ«الشرق الأوسط»، إن «الاعتراف الإسرائيلي بـ(أرض الصومال) ليس خطوة رمزية فقط، بل إشارة سياسية وأمنية ثقيلة الوزن في منطقة حساسة أصلاً»، و«القرن الأفريقي ساحة تنافس مكتظّة؛ وهو ما يخلق أرضية لصراع نفوذ إقليمي غير مباشر أكثر من حرب مباشرة، وتظهر أشكال هذا النفوذ من خلال استقطاب حاد بين محاور إقليمية وتحوّل المواني والجزر أوراق مساومة أمنية». وأردف: «الخطر الحقيقي ليس في الاعتراف نفسه، بل في تراكم الاعترافات والتحالفات العسكرية حول باب المندب والبحر الأحمر، وهذا عادة يبدأ بهدوء وينتهي بتوتر طويل الأمد». ولفت إلى أن اندلاع صراعات جديدة سيناريو محتمل، لكن الأقرب هو «صراع بارد» يتمثل في «استعراض قوة وحروب بالوكالة وضغط حدودي وإعلامي ومناورات سياسية عبر الصومال والسودان... وباختصار، شرارة الصراع موجودة... لكن الوقود الكبير لم يُسكب بعد».


عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
TT

عودة الوريث: فجر جديد يلوح في أفق بنغلاديش

صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته
صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته

بدأ فصل جديد في التاريخ السياسي لبنغلاديش يوم 17 فبراير (شباط) 2026 عندما وقف طارق رحمن ليؤدي اليمين الدستورية كرئيس وزراء وحاكم فعليّ للبلاد. وحملت تلك اللحظة طبقات من الرمزية، حيث مثّلت عودة وريث سياسي أمضى 17 سنة في المنفى. كذلك مثّلت نهاية فترة انتقالية امتدت شهراً تحت قيادة الدكتور محمد يونس، الحاصل على «جائزة نوبل للسلام». ولكن قد يكون الأمر الأكثر إثارة هو أن اللحظة مثّلت نهاية لحقبة كانت تحتكر فيها النساء أعلى منصب سياسي في بنغلاديش لنحو ثلاثة عقود ونصف العقد. إذ تمحورت القصة السياسية لبنغلاديش لنحو ثلاثين سنة حول شخصيتين رفيعتي المكانة هما البيغوم خالدة ضياء، أم طارق رحمن، وغريمتها السياسية الشيخة حسينة، رئيسة الوزراء السابقة، التي تقيم حالياً في الهند. ولقد شكّل التنافس بينهما سلاح الانتخابات، وحدّد الولاءات الحزبية، وأحدث حالة من الاستقطاب في المجتمع. أما الآن مع تولي طارق رحمن، صارت هذه «المبارزة» الطويلة بين قوتين تمثلان «النظام الأمومي» من الماضي. وصار لبنغلاديش الآن أول رئيس وزراء من الرجال منذ 36 سنة.

كانت الانتخابات العامة في بنغلاديش، التي أُجريت يوم 12 فبراير (شباط) الحالي حاسمة، بحصول الحزب الوطني البنغلاديشي، تحت قيادة طارق كقائم بأعمال الرئيس، على غالبية كاسحة بفوزه بـ212 من 300 مقعد من مقاعد البرلمان على الأقل مع حلفائه.

هذه النتيجة بالنسبة إلى مؤيدي الحزب، المحسوب على يمين الوسط، كانت أشبه بـ«بعث سياسي». فبعد سنوات من المعارضة والسقوط الدرامي لحكومة الشيخة حسينة عام 2024 وسط احتجاجات قادها الطلبة، عاد الحزب إلى مركز السلطة.

الأسرة الحاكمة والوعي شعبي

لقد تشكّل النظام السياسي الحالي في بنغلاديش على أساس التنافس بين الأسر المرتبطة بسنوات تأسيس الكيان الذي عُرف لبعض الوقت بباكستان الشرقية. وفي حين دعم مناصرو الشيخ مُجيب الرحمن، مؤسّس البلاد وأول رؤسائها، حزب «رابطة عوامي» (يسار الوسط)، ناصر مؤيدو الجنرال والرئيس السابق ضياء الرحمن الحزب الوطني البنغلاديشي (يمين الوسط).

في هذا المشهد تغدو هوية طارق رحمن غير قابلة للانفصال عن أصله ونسله. وبالنسبة للمؤيدين، تؤكد استمرار سياسة الأسرة الحاكمة في بلاد شهدت إجراء انتخابات نظامية، لكنها تظل مُستقطَبة بشكل عميق.

والواقع، كثيراً ما يرى الرأي السياسي في رحمن انقسامات حزبية أوسع نطاقاً؛ إذ يصوّره ناشطو الحزب الوطني البنغلاديشي زعيماً مقيّداً بإجراءات قضائية ذات طابع سياسي، بينما يعتبره المعارضون رمزاً للامتيازات التي تتمتع بها النخبة. وبين هذين القطبين يطل سؤال أكثر هدوءاً، هو: هل يمكن لوريث سياسي شكّل المنفى والجدال نفسيته أن يعيد تعريف نفسه بشكل يتجاوز مسألة الإرث؟

لقد صوّرت وسائل الإعلام المحلية نتيجة الانتخابات الأخيرة على أنها عملية إعادة وانقطاع في الوقت ذاته. واعتبرت صحيفة «بروثوم ألو» أنها «انفصال جيلي عن حقبة حسينة وخالدة»، في حين وصفت صحيفة «ذا ديلي ستار» ما حدث بـ«نهاية لدورة الحكم الذي ترأسته النساء»؛ إذ جعل النساء يسيطرنّ على زعامة البلاد منذ عام 1991.

أيضاً، لا تغيب الرمزية في بلد اعتاد رؤية امرأتين ممسكتين بدفة القيادة، بينما يقدّم الزعيم الجديد إلى الشعب منضبطاً ومتمالكاً لأعصابه، لا يتكلّم عن انتقام، بل عن «جمهورية ثانية».

وكان رد الفعل الآتي من خارج حدود البلاد في نيودلهي يتضمن إعادة نظر حذرة. إذ قال هارش فاردان شرينغلا، المفوض السامي الهندي السابق في بنغلاديش، ووزير الخارجية: «لقد صوّت شعب بنغلاديش لحزب يمثل مصالح سياسية. إنه حزب داعم للحرية، وهذا نبأ سار... وأعتقد أن النتائج تمثل دفاعاً عن المسار الذي يريد شعب بنغلاديش أن تتبناه البلاد». واعتبر مراقبون هذا الكلام إشارة مهمة من السلطات الهندية على تجاوز الحقبة السابقة من الاعتماد المحضّ على حزب «رابطة عوامي». ومع ذلك، أضاف شرينغلا ملاحظة تدلّ على الحذر، حين ذكّر ضرورة مراقبة «طيف تحرّك باتجاه اشتراكية وتشدّد إسلامي».

في المقابل، فينا سيكري، المفوضة السامية الهندية السابقة في بنغلاديش، قال «إن فوز طارق رحمن يمثل انتصاراً للديمقراطية. نتيجة الانتخابات نكسة كبيرة لحركة جماعة إسلامي». وأردفت أن الغالبية المطلقة للحزب الوطني البنغلاديشي تسمح لرحمن «بالحكم دون الحاجة إلى حلفاء متطرفين»؛ وهو ما تراه تطوراً إيجابياً يحقق استقرار المنطقة.

مع ذلك، تقف المادة وراء الرمزية. إذ يرث طارق رحمن دولة تواجه «وضعاً حرجاً» بسبب اقتصاد هشّ وتضخم كبير ومؤسسات منهكة ومناخ سياسي يخيم عليه الاستقطاب.

النشأة والمسيرة

على المستوى الشخصي، لا يمكن فصل قصة حياة طارق رحمن عن التاريخ الحديث لبنغلاديش.

إنها قصة منسوجة بخيوط الامتيازات والاضطهاد والصعود والانسحاب والمنفى والعودة. فلقد وُلد يوم 20 نوفمبر (تشرين الثاني) 1965 في العاصمة دكا، وهو الابن الأكبر للرئيس الجنرال ضياء الرحمن وخالدة ضياء.

والده ضابط الجيش، حاصل على أوسمة اضطلع بدور محوري في حرب التحرير عام 1971، وتولى الرئاسة لاحقاً خلال السنوات المضطربة التي أعقبت استقلال البلاد. وبعد اغتياله، صارت زوجته خالدة، التي كانت في البداية ربة منزل، واحدة من أهم الشخصيات السياسية المؤثرة في الرحلة الديمقراطية لبنغلاديش.

لم تكن السياسة بالنسبة إلى طارق مفهوم مجرد، بل كانت حواراً على مائدة العشاء، وتوتراً عائلياً، ومشهداً عاماً. كذلك اتسمت طفولته بالامتيازات، لكن بقلة الاستقرار أيضاً. ففي عام 1981 عندما كان في الخامسة من العمر، اغتيل والده في تشيتاغونغ، ثاني كبرى مدن البلاد، في محاولة انقلاب عسكري فاشلة. وجاءت النهاية العنيفة لضياء الرحمن صدمة على مستوى البلاد وصدمة شخصية أيضاً، وبالنسبة لطارق كانت لحظة أصبح عندها التاريخ حميمياً.

القَدَر السياسي

الاغتيال دفع أسرة ضياء أكثر باتجاه قدَرها السياسي. وأقنع قادة الحزب الوطني البنغلاديشي خالدة ضياء، أرملة الزعيم المغدور، بتولي قيادة الحزب. وبحلول نهاية الثمانينات، أصبحت وجه معارضة الحكم العسكري. وفي عام 1991 اُنتُخبت رئيسة للوزراء، وباتت أول امرأة تصل إلى سدة الحكم في البلاد. أما بالنسبة لطارق، فقد توحّدت عنده فترة المراهقة مع فترة التدرب السياسي، حين أخذ يراقب ويلاحظ اللقاءات الجماهيرية والمفاوضات والحبس والمعارك الانتخابية.

بخلاف وضع طارق، اتخذ عرفات الرحمن كوكو، شقيقه الأصغر، مساراً مختلفاً. إذ لم يكن عرفات ميّالاً كثيراً للسياسة، فاتجه إلى إدارة الألعاب الرياضية، وبوجه خاص الكريكيت. وفي حين كان طارق يواجه الميكروفونات والقادة الحزبيين، حافظ كوكو على حضور شعبي أكثر هدوءاً.

وفي يناير (كانون الثاني) 2015 تُوفي كوكو (45 سنة) إثر أزمة قلبية مفاجئة في ماليزيا. وتداولت وسائل الإعلام صور خالدة وهي في حالة حداد علني، والتقطت تعبيرات الحزن الشخصي والعزلة السياسية. أما طارق، فكان في المنفى حينها، ولم يستطع العودة من أجل حضور الجنازة. وأكد هذا الغياب التكلفة الباهظة للعزلة السياسية.

صعود سياسي داخل الحزب الوطني

بحلول التسعينات وبداية العقد الأول من الألفية الثانية، بدأ طارق رحمن يبني هويته داخل الحزب الوطني. وبفضل شخصيته القوية وطموحه وديناميكيته وحماسته، نجح في إحداث حراك على مستوى القاعدتين الحزبية والشعبية، وأخذ ينظر إليه المؤيدون كوريث طبيعي لقيادة والدته. وبالفعل، كان صعوده سريعاً ومدفوعاً، إلى جانب نسبه وأصله... بمهاراته التنظيمية.

مع هذا، اختلّ التوازن السياسي في بنغلاديش عام 2007، عندما استولت قيادة مؤقتة، يقف خلفها الجيش على السلطة، وسط اضطرابات واسعة النطاق. وخلال تلك الفترة استهدفت التوجهات نحو مناهضة الفساد شخصيات سياسية بارزة، واعتقل طارق رحمن وواجه اتهامات فساد عديدة. ورأى مؤيدوه أن تلك القضايا كانت محاولات موجّهة سياسياً لتهميش قيادة المعارضة. ولكن، عام 2008 غادر طارق بنغلاديش لتلقي العلاج الطبي في بريطانيا. وأعقبت ذلك سنوات المنفى امتدت 17 سنة، وظن كثيرون أنها نهاية رحلته السياسية.

لندن وقصة وريثين

في مفارقة تاريخية غريبة أصبحت لندن، المدينة التي كانت مأوىً ومنفىً لطارق رحمن لنحو عقدين من الزمن، الآن نقطة تركز لخصومه. ففي حين عاد طارق لتولي رئاسة الوزراء في دكا، أخذت عائلة غريمته السياسية، الشيخة حسينة، تنشط في الغرب، وتحديداً من لندن وواشنطن. إذ أخذ ساجيب واجد جوي، ابن الشيخة حسينة، الذي عمل مستشاراً لوالدته لشؤون الاتصالات وتكنولوجيا المعلومات، في تقليد مسار طارق في «القيادة من المنفى». وبعد انتفاضة 2024، التي أجبرت والدته على الفرار إلى الهند، أضحى جوي الصوت الدولي الأول لـ«رابطة عوامي». ومثلما فعل طارق من شمال لندن، استخدم جوي المنصّات الرقمية ووسائل الإعلام الدولية لتحدّي «شرعية» الفترة الانتقالية.

واليوم، بالنسبة إلى شعب بنغلاديش، يبدو نشاط ساجيب في منفاه الغربي مقابل تولي طارق رحمن السلطة في دكا، عودةً «مقلوبة» إلى الوضع الذي ساد خلال العقد الماضي، مجسداً في سياسة دول جنوب آسيا بمعادلة... «العرش» مقابل «المنفى»!

الحياة في المنفى ... مرتكز الأسرة

ختاماً، عاش طارق رحمن في ضاحية كينغستون، بجنوب غربي لندن، حياة مليئة بالقيود. وأصبحت زوجته الدكتورة زبيدة رحمن المرتكز والقوة الداعمة خلال تلك السنوات. واختارت زبيدة، الطبيبة في أحد مستشفيات لندن وابنة اللواء البحري السابق، مساراً خاصاً، فركّزت على مهنتها وابنتهما زعيمة.ويتذكّر أصدقاء العائلة، اليوم، تلك الأمسيات في لندن التي كثيراً ما تعجّ بتأملات عن الوطن. وبينما نشأت زعيمة، إلى حد بعيد، بعيداً عن اضطرابات بنغلاديش، وتمثّل جيلاً جديداً، يأمل طارق أن يرى أخيراً دولة أكثر استقراراً... وهو الذي كان يردد دائماً «سأعود يوماً ما».


هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)
TT

هل يحمل التحوّل في بنغلاديش... تغييراً حقيقياً؟

الدكتور محمد يونس (آ ب)
الدكتور محمد يونس (آ ب)

شهدت بنغلاديش تغيراً كبيراً في التوازن السياسي عام 2024 عندما اندلعت احتجاجات على مستوى البلاد بقيادة الطلبة، ولكن ما بدأ مظاهرات طلابية تحوّل إلى حركة أطاحت بحكومة الشيخة حسينة واجد. ومهّدت الاضطرابات الطريق لحكم انتقالي بقيادة الدكتور محمد يونس، حامل «جائزة نوبل للسلام»، الذي كُلّف تحقيق الاستقرار في المؤسسات والإشراف على الانتخابات.

بالنسبة إلى طارق رحمن، وفَّرت الانتفاضة بوابة دخول طال انتظارها. وكانت عودته إلى بنغلاديش في ديسمبر (كانون الأول) 2025 مفعمة بالمشاعر؛ إذ تجمّعت الحشود في المطار، وأخذ مناصروه يلوّحون بالأعلام، ويهتفون بالشعارات التي تذكر بلقاءات التسعينات الجماهيرية. ورأى هؤلاء أن عودته تشكّل استعادة لإرث، وتحمل أيضاً طابعاً شخصاً عميقاً. فبعد نحو عقدين من البعد التقى مرة أخرى بوالدته خالدة ضياء. وتجمع أفراد العائلة إلى جانبها في لحظة أطلقت عليها الصحف المحلية لحظة «تاريخية مثيرة للعواطف». والمحزن أن خالدة تُوفيت يوم 30 ديسمبر 2025 بعد أيام من عودة ابنها.

من جهة ثانية، عندما أدى طارق رحمن القسم في 17 فبراير (شباط) 2026 كان يقف في الموضع التي كانت تقف فيه والدته يوماً ما. وجاءت المراسم غنية بالرمزية، فقد كانت «انتقاماً» بالنسبة إلى المؤيدين، أما بالنسبة للخصوم، فإنها كانت إعادة تأكيد لسياسة الأسرة الحاكمة.

شدد طارق خلال خطاب التولي على ثلاثة أهداف رئيسة، هي: الوحدة الوطنية، واستعادة سيادة القانون، والانتعاش الاقتصادي. ووفق محللين في بنغلاديش والمراكز البحثية الإقليمية مثل «معهد بنغلاديش للسلام والدراسات الأمنية»، و«مركز حوار السياسات»، يمثل انتصار طارق رحمن ابتعاداً عن السياسة الخارجية «للدولة العميلة» التي سادت العقد الماضي. ويلاحظ شوكت منير، الزميل البارز في «المعهد» أن طارق رحمن يدير حكماً يقوم على «السيادة أولاً».

البيغوم خالدة ضياء (رويترز)

وما يتعلق بالعلاقة مع الهند، يقترح محللون أنه يتوجه نحو علاقة «دولة جوار طبيعية» تتعاون في مكافحة الإرهاب والانتقال، لكن مع التأكيد على قضايا مثل مشاركة المياه وتسليم الشيخة حسينة. وهذا ينهي بشكل فعّال «وضع الامتيازات» الذي كانت تتمتع به نيودلهي لنحو 15 سنة.

ثم، بشأن العامل الباكستاني، يرى صانعو الرأي استمراراً الـ«تقارب»، الذي بدأ خلال فترة إدارة يونس الانتقالية للبلاد، لكن مع إضافة طبقة من المسافة البراغماتية.

أما على صعيد التوازن العالمي، فمن المتوقع أن يسير طارق بـ«سياسة خارجية قائمة على الاقتصاد» لتحقيق توازن في العلاقات مع كل من الولايات المتحدة والصين. وحسب توفيق الإسلام خان من «مركز حوارات السياسات» إلى أن تفويض «الجيل زي» (جيل الشباب) يتطلب نتائج اقتصادية فورية؛ ما سيضطر الرئيس الجديد إلى فتح الباب لـ«مبادرة الحزام والطريق» الصينية، وتحديداً المشاريع القريبة من ممر سيليغوري (الشهير بـ«عنق الدجاجة») الحسّاس، وهذا بالتزامن مع التودد إلى واشنطن من أجل الحصول على امتيازات تجارية منها.

بيناك رانجان تشاكرافارتي، السياسي الهندي، شدّد في كتابته عن «عودة الابن المترف»، على ضرورة حدوث «تحوّل مفاجئ» في سياسة الهند إزاء «جارتها» الشرقية. وكان التقارب من جانب نيودلهي مع دكا، بما في ذلك رسائل التهنئة المبكرة التي بعثها ناريندرا مودي، رئيس الوزراء الهندي، محوراً براغماتياً ضرورياً. وثمة توافق بين السفراء السابقين على أنه في حين كان يُنظر إلى طارق رحمن بعين الريبة والشك في نيودلهي، تعاملت القيادة الهندية مع عودته في 2026 كسجلّ نظيف. ولقد أكد حضور أوم بيرلا رئيس البرلمان الهندي، وفيكرام ميسري وزير الخارجية الهندي، مراسم أداء اليمين هذا الواقع.