هكذا أصبحت سرت مستعمرة لـ«داعش»

عاصمة نشطة للتنظيم تعج بالمقاتلين الأجانب.. واتجاه لشن هجمات إرهابية ضد «العدو البعيد»

عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
TT

هكذا أصبحت سرت مستعمرة لـ«داعش»

عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)

يتدفق القادة العراقيون من سوريا لتبدأ أول عملية قطع رؤوس علنية، ولم تعد محطات الراديو تذيع موسيقى، وبدلا من ذلك أخذت في الإطراء على خليفة تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي.
فعندما رفع ذراع «داعش» في ليبيا العلم الأسود للتنظيم للمرة الأولى في مدينة سرت الساحلية العام الماضي، لم يكن يتعدى عدد مسلحيهم هناك آنذاك حفنة المقاتلين الذين حاولوا الظهور بمظهر القوي.
اليوم أصبحت سرت مستعمرة نشطة تمثل مركزا وعاصمة لـ«داعش» تعج بالمقاتلين الأجانب من كافة أنحاء المنطقة، وفق روايات الأهالي والقادة العسكريين والرهائن الذين أفرج عنهم وخرجوا للتو من السجن الرئيسي للمدينة.
وأفاد نوري المنقوش، مدير شركة للشاحنات مقرها هنا في مصراتة التي تبعد نحو 65 ميلا غرب منطقة نفوذ «داعش» القريبة من سرت، أن «قوام تشكيل حكومة داعش بالكامل هنا من الأجانب، وهم من يصدرون الأوامر». ويعيش الكثير من موظفيها في سرت، وجرى اعتقال خمسة منهم هناك مؤخرا.
ففي ظل الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد على «داعش» في سوريا والعراق، اتجه قادة التنظيم للخارج.
ومن ضمن مظاهر التحول هو الاتجاه لشن هجمات إرهابية على نطاق واسع ضد أهداف بعيدة مثل تلك التي وقعت في باريس، وتفجير الطائرة الروسية فوق مصر، وفق مصادر استخباراتية أوروبية. وحسب مسؤولين غربيين، يعمل قادة التنظيم على تسخير مصادر جديدة ولفت الانتباه إلى أعضائهم في مناطق بعيدة ممن أعلنوا الولاء لها في دول مثل مصر، وأفغانستان، ونيجيريا وغيرها. فهناك على الأقل منتسبون في ثماني دول.
وتعتبر سرت أهم مراكز التنظيم حاليا، وهي ميناء على البحر المتوسط يبعد نحو 400 ميلا جنوب غربي مدينة سيسلي. وحسب مسؤولين غربيين مطلعين على التقارير الاستخباراتية، سرت الآن هي المدينة الوحيدة التي تعمل تحت السيطرة المباشرة لقادة «داعش». وأفاد أهالي سرت الليبية وبعض القادة العسكريين أن التحول الذي طرأ على تنظيم داعش واضح للعيان منذ شهور.
وقال باتريك بيريور، كبير محللي هيئة الدفاع الاستخباراتية لمحاربة الإرهاب، في تصريح أدلى به في مؤتمر عقد في واشنطن مؤخرا، إن «ليبيا هي العضو الذي طالما قلقنا بشأنه.. فهي القبلة التي يسعى التنظيم من خلالها إلى لسيطرة على شمال أفريقيا بالكامل».
ويحكم قادة التنظيم الآن قبضتهم على سرت بقوة للدرجة التي جعلت وكالات الاستخبارات الغربية يعبرون عن خشيتهم من تقهقر التنظيم إلى باقي مناطق ليبيا وتكوين قواعد بديلة لاستخدامها عند الضرورة كمرفأ لمقاتليها بغرض الاستمرار في القتال من تلك المناطق في حال طُردوا من مناطقهم الأصلية.
وحسب مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية الذي اشترط عدم كشف هويته نظرا للطبيعة الاستخباراتية للمعلومات، قد يلجأ «داعش» للتفكير في «خطة للطوارئ». وقال مسؤولون غربيون يعملون في السياسة الليبية إن الولايات المتحدة وبريطانيا أرسلتا عناصر كوماندوز (قوات خاصة) بغرض المراقبة وجمع معلومات استخباراتية من على الأرض في ليبيا. وكانت الولايات المتحدة صعدت من ضرباتها الجوية ضد قادة «داعش»، غير أن الاستراتيجيات العسكرية لا تزال ينقصها الخيارات بعيدة المدى لاستيعاب التنظيم هنا.
من الوارد أن تصدر ليبيا معضلاتها للغرب، على الأقل بنفس درجة الصعوبة الحالية التي تشكلها قواعد «داعش» في سوريا، تحديدا الرقة، في ظل اشتعال الحرب الأهلية هناك حيث «داعش» محاط بجماعات مسلحة تتمتع بدعم دولي في الوقت الذي تتلقى فيه ضربات جوية من الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وسوريا.
وتفتقد ليبيا، حيث ساعدت الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي «الناتو» في الإطاحة بمعمر القذافي منذ أربع سنوات، إلى حكومة فعلية، وانشغلت الطوائف المتحاربة في الاقتتال الداخلي بين بعضهما البعض، بدلا من الاتجاه لمحاربة «داعش». ويعاني جميع جيران ليبيا من حالة ضعف وعدم استقرار جعلتهم عاجزين عن قيادة أو حتى استضافة تحالف للتدخل العسكري هناك.
وأحكم «داعش» قبضته بالفعل على مسافة تجاوزت 150 ميلا على امتداد شواطئ البحر المتوسط بالقرب من سرت؛ من بلدة «أبوقرين» في الغرب حتى النوفلية في الشرق، وتراجعت كل الميليشيات في مدينة مصراتة، التي كانت قد تعهدت في السابق بطرد التنظيم بالكامل، ولم يعد في المنطقة سوى نقاط تفتيش محدودة لحراسة أراضي التنظيم لا يتواجد فيها سوى عنصر أو اثنين من مسلحي «داعش» حيث يتحرك مسلحوه بحرية ذهابا وإيابا.
وبحسب تقديرات القادة العسكريين والمسؤولين الغربيين، تضم قوات «داعش» في ليبيا في الوقت الحالي نحو 2000 مقاتل، منهم بضع مئات في سرت، والكثير منهم منتشرون في الشرق حول مدينة النوفلية. وزادت سلسلة التفجيرات والاغتيالات والهجمات التي وقعت مؤخرا وزادت المخاوف من أن تصبح مدينه إجدابيا الواقعة في أقصى الشرق، الهدف القادم للتنظيم، إذ أن غزو المدينة قد يسهل سيطرة التنظيم على عدة مفترقات طرق وطرق حيوية للبترول وحقول النفط شرق المدينة.
الأدهى أنه في ضوء تأزم الأوضاع التي أتت على ما تبقى من الحكومة الليبية هي أن مقاتلي «داعش» يتسلمون أسلحة وإمدادات أخرى من الثروات النفطية المتكدسة التي هي ملك للدولة الليبية في الأساس. ويتسلم «داعش» الأسلحة عن طريق نفس الوسيط الذي لعب دورا ثانويا في الهجوم المميت الذي تعرضت له البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي عام 2012.
وحسب أهالي سرت ومسؤولين غربيين، وصل إلى ليبيا مؤخرا أحد قادة «داعش» الملقب حاليا بـ«أبو على الأنباري»، وهو ضابط سابق في الجيش العراقي في عهد صدام حسين، في قارب عن طريق البحر المتوسط. ويضيف المسؤولون أن قائدا عراقيا كبيرا آخر لدى «داعش» يدعى وسام نجم عبد زايد الزبيدي، الملقب بأبو نبيل، ربما عمل كقائد كبير لـ«داعش» في ليبيا قبل أن يقتل هذا الشهر في قصف جوي أميركي بالقرب من مدينة درنة شرق سوريا.
وقال عمر آدم (34 عاما)، قائد ميليشيا كبيرة في مصراتة، إن «ليبيا تشهد حاليا هجرات كبيرة لداعش من سوريا والعراق».
وأفاد الأهالي وزوار سرت أن التنظيم في سرت شرع في تطبيق النموذج الأكثر تشددا في الشريعة الإسلامية بفرض النقاب على كل النساء، ومنع الموسيقى والتدخين، وإغلاق المحال التجارية وقت الصلاة، وطبق على الأقل أربع حالات صلب في أغسطس (آب) الماضي.
وقام «داعش» الشهر الماضي بتنفيذ عمليتين علنيتين لقطع رؤوس لرجلين اتهما بالشعوذة، وفق شهادة نزلاء في نفس السجن الذي اعتقل فيه الرجلان في سرت.
وكان تنظيم داعش قد دعا المسلمين من كل مكان للمجيء لسوريا والعراق للانضمام لدولة الخلافة التي أعلنها هناك، وصورت حملة دعاية التنظيم الهجرة إلى هناك كواجب ديني، ووجهوا النداء للمسلمين من كافة التخصصات، من الأطباء للمهندسين وغيرهم للإسراع بالانضمام لدولتهم. وحذرت مجلة التنظيم الصادرة باللغة الإنجليزية والتي تحمل اسم «دابق» المتقاعسين من أنهم سيواجهون عقابا أليما يوم القيامة جراء عدم تلبية النداء.
وخرج أول عدد من المجلة بدعوة تقول: «أسرع إلى ظلال الدولة الإسلامية مع أبويك وأقاربك وزوجاتك وأطفالك».
غير أن الرسائل بدأت تتغير مع تعرض مشروع بناء الدولة في سوريا لضربات عسكرية، وبدأ قادة «داعش» في التركيز على معركتهم بالخارج. فعندما شرعت الولايات المتحدة في توجيه ضرباتها العسكرية ضد التنظيم الخريف الماضي، دعا المتحدث باسم التنظيم الملقب بأبو محمد العدناني، مسلمي الغرب للبقاء حيث هم وقتل من حولهم.
وقال العدناني في رسالة صوتية «إن استطعت فلتقتل أميركيا أو أوروبيا كافرا، خاصة الفرنسيين الحاقدين القذرين، أو اقتل كنديا»، مضيفا: «توكل على الله واقتله بأي طريقة كانت».
استجاب للنداء بعض «الذئاب المنفردة»، منهم مسلح قام بمهاجمة البرلمان الكندي وقتل جنديا تواجد بالقرب من المكان.
* خدمة «نيويورك تايمز»



اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
TT

اتهامات بالتجسس ترافق موجة اعتقالات حوثية ضد المدنيين

حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)
حوثيون يرفعون صورة زعيمهم خلال مظاهرة في صنعاء لتأييد إيران في حربها مع أميركا وإسرائيل (أ.ب)

تصاعدت خلال الأيام الأخيرة حملات الملاحقة والاعتقال التي تنفذها الجماعة الحوثية في عدد من المحافظات اليمنية الخاضعة لسيطرتها، مستهدفة المدنيين الرافضين الانخراط في صفوفها، في وقت أصدرت فيه أجهزتها الأمنية بياناً أعلنت فيه ضبط ما وصفتها بـ«خلايا تجسس» مرتبطة بإسرائيل، في خطوة يرى مراقبون أنها تُستخدم لتبرير تشديد الإجراءات الأمنية والتوسع في حملات القمع.

ويأتي هذا التصعيد في ظل خطاب حوثي يربط بين التطورات الداخلية في اليمن والصراع الإقليمي، حيث تؤكد الجماعة أن تحركاتها تأتي في إطار دعم ما تسميه «المحور الإيراني» ونصرة القضايا الإقليمية، في حين يحذر مراقبون من انعكاسات ذلك على الوضع الإنساني والأمني داخل البلاد.

وفي هذا السياق، أعلن ما يسمى جهاز الأمن والمخابرات، التابع للجماعة الحوثية، إلقاء القبض على عدد من الأشخاص الذين قال إنهم عملوا بصورة مباشرة مع أجهزة استخبارات إسرائيلية، بينها «أمان» و«الموساد»، إلى جانب جهات أخرى.

عنصر حوثي في صنعاء يمسك بسلاح رشاش على متن عربة أمنية (إ.ب.أ)

وزعم البيان أن المعتقلين متهمون بتنفيذ أعمال تجسسية، شملت تزويد جهات خارجية بمعلومات عسكرية وأمنية، وإحداثيات لمواقع حساسة، فضلاً عن بيانات تتعلق بمنشآت اقتصادية.

وادّعت الجماعة الحوثية أن هذه العناصر استخدمت برامج «تجسسية» ووسائل اتصال خاصة لتنفيذ مهامها، وأن ضبطها يمثل «إنجازاً أمنياً» تحقق بفضل ما وصفته بتعاون المواطنين. كما دعا البيان السكان إلى مزيد من «اليقظة»، محذراً من مخاطر ما اعتبره «مؤامرات» تستهدف الجماعة.

ويرى محللون أن توقيت هذا البيان ليس معزولاً عن تصاعد حملات الاعتقال، إذ يُستخدم، بحسب تقديراتهم، لتعزيز السردية الأمنية التي تبرر ملاحقة المعارضين أو الرافضين للتجنيد، عبر ربطهم ضمنياً بتهديدات خارجية.

ملاحقات واعتقالات

وفي محافظة حجة، أفادت مصادر محلية بأن الجماعة كثّفت حملات الملاحقة بحقّ شبان رفضوا الاستجابة لدعوات التجنيد، حيث جرى اعتقال عدد منهم من منازلهم، فيما تم توقيف آخرين في نقاط تفتيش. وتحدثت المصادر عن استمرار احتجاز عشرات المدنيين منذ أسابيع، دون معلومات واضحة عن مصيرهم.

كما أشار شهود إلى استخدام قوائم بأسماء مطلوبين، إلى جانب تهديدات بفرض عقوبات على الرافضين، في إطار حملة تقودها جهات إشرافية محلية لتجنيد مزيد من المقاتلين، في ظل استنزاف بشري تشهده الجبهات.

حشد من الحوثيين في صنعاء للتضامن مع إيران (رويترز)

وفي محافظة الحديدة، شهدت مديرية جبل راس حملات مشابهة، طالت شباناً وأولياء أمور، على خلفية رفضهم إرسال أبنائهم إلى القتال. وأفاد سكان باستخدام وسائل ضغط متعددة، بينها التهديد بالعقوبات أو الاحتجاز، لإجبار العائلات على الامتثال.

ويقول مراقبون إن ربط هذه الحملات بملفات أمنية، مثل «التجسس»، يعكس اتجاهاً نحو توسيع دائرة الاشتباه، بما يسمح بملاحقة فئات أوسع من السكان تحت مبررات أمنية.

وفي محافظة إب، اتسعت دائرة الاستهداف لتشمل معلمين وموظفين وشرائح مدنية مختلفة، في عدد من المديريات. وأكدت مصادر محلية أن الحملات ترافقت مع خطاب تعبوي يربط بين التجنيد و«نصرة المحور الإيراني» ومواجهة ما تصفه الجماعة بالتحديات الإقليمية.

في المقابل، أدّت هذه التطورات إلى حالة من القلق داخل المجتمعات المحلية، حيث لجأت بعض الأسر إلى إخفاء أبنائها أو نقلهم إلى مناطق أخرى، خشية الاعتقال أو إجبارهم على القتال.

تداعيات حقوقية وإنسانية

يثير تصاعد حملات الاعتقال المرتبطة بالتجنيد القسري مخاوف حقوقية متزايدة، حيث يؤكد ناشطون أن العديد من المحتجزين يتم توقيفهم دون أوامر قضائية، مع حرمانهم من حقوقهم الأساسية، بما في ذلك التواصل مع أسرهم أو الحصول على تمثيل قانوني.

كما يشير هؤلاء إلى أن استخدام اتهامات مثل «التجسس» قد يفتح الباب أمام انتهاكات أوسع، في ظل غياب الشفافية والإجراءات القانونية الواضحة. ويرون أن هذه الممارسات تتعارض مع القوانين الدولية التي تحظر إجبار المدنيين على المشاركة في النزاعات المسلحة.

الجماعة الحوثية أعلنت الانخراط في الحرب إلى جانب إيران (إ.ب.أ)

ويربط محللون تصاعد هذه الإجراءات بالضغوط التي تواجهها الجماعة لتعزيز قدراتها العسكرية، في وقت تشهد فيه الجبهات تعزيزات مستمرة، ما يدفعها إلى تكثيف عمليات التجنيد، حتى عبر وسائل قسرية.

وفي ظل هذه التطورات، دعت منظمات حقوقية إلى وقف حملات الاعتقال والتجنيد القسري، والإفراج عن المحتجزين، واحترام المعايير الدولية، محذرة من أن استمرار هذه السياسات قد يؤدي إلى تفاقم الأزمة الإنسانية، ويقوض فرص التوصل إلى تسوية سياسية في اليمن.


محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
TT

محاولة اغتيال رئيس الصومال... رسالة تصعيد وسط أزمة سياسية

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)
الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود خلال زيارة ميدانية إلى مدينة بيدوا العاصمة المؤقتة لولاية جنوب الغرب (وكالة الأنباء الصومالية)

نجا الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود من استهداف قُبيل بدء زيارته لمدينة بيدوا عاصمة ولاية جنوب غرب (جنوب البلاد)، في أعقاب تغييرات رسمية جذرية أطاحت برئيس الولاية.

ذلك الاستهداف هو الثاني الذي تدبره «حركة الشباب» الإرهابية ضد رئيس الصومال وينجو منه، خلال نحو عام... ويرى خبير في الشأن الأفريقي، تحدث لـ«الشرق الأوسط»، أنه يحمل «رسالة مزدوجة من الحركة، بأن لديها قدرة عملياتية وبإمكانها أن تستغل الظرف السياسي المتوتر»، متوقعاً أن تفرض الحكومة إجراءات أشد ضد الحركة، وتُحكم قبضتها السياسية والأمنية مؤقتاً في ضوء هذا الاستهداف.

وأفادت «وكالة بلومبرغ»، السبت، بأن حسن شيخ محمود نجا دون أن يُصاب بأذى، بعد تعرضه ومرافقيه لوابل من قذائف الهاون في مدينة بيدوا جنوب البلاد، مساء الجمعة، بعد وقت قصير من نزول الرئيس من طائرته، وبدئه في تحية وحدات من الجيش والشرطة ومسؤولين حكوميين.

الرئيس الصومالي حسن شيخ محمود (وكالة الأنباء الصومالية)

وأطلقت قذائف الهاون على المطار مباشرة بعد هبوط الطائرة الرئاسية أو أثناء وجود الموكب في المنطقة.

وأظهرت مقاطع فيديو متداولة على الإنترنت، عناصر الحماية الخاصة بالرئيس الصومالي وهم يطوقونه بسرعة قبل إدخاله إلى مركبة مصفحة ضد الرصاص، كما تم الإبلاغ عن وقوع انفجارات بالقرب من المطار في ذلك الوقت.

وكان الرئيس حسن شيخ محمود في زيارة رسمية إلى المدينة، لتفقد العمليات الأمنية ولقاء قادة محليين، وأعلنت مصادر حكومية، أن الهجوم «فشل في تحقيق هدفه، وأن الرئيس واصل برنامجه دون انقطاع». فيما أعلنت «حركة الشباب» المسلحة المرتبطة بتنظيم «القاعدة» مسؤوليتها قائلة إنها استهدفت مطار بيدوا بقذائف هاون موجهة نحو الرئيس والوفد المرافق له، وفق إعلام صومالي محلي.

وهذه ثاني محاولة لاغتيال الرئيس الصومالي من «حركة الشباب» الإرهابية، وذلك بعد محاولة فاشلة أولى في مارس (آذار) 2025 بمقديشو باستخدام عبوة ناسفة، أسفرت عن قتلى وجرحى بين المدنيين والأمنيين.

الجيش الصومالي أثناء تنفيذ عملية عسكرية سابقة (وكالة الأنباء الصومالية)

ويرى المحلل في الشأن الأفريقي والصومالي، عبد الولي جامع بري، أن استهداف موكب حسن شيخ محمود بقذائف هاون «حدث مهم سياسياً وأمنياً؛ لأنه وقع لحظة وصوله إلى المطار خلال زيارة حساسة مرتبطة بترتيبات سياسية في إقليم جنوب غرب».

وأكد أن الحادث يحمل عدة رسائل؛ لأن «(حركة الشباب) هدفت للتأكيد على أن لديها قدرة عملياتية وتستطيع ضرب أهداف عالية المستوى حتى أثناء زيارات رسمية، كما أنها رسالة تحدٍّ للدولة ومحاولة إظهار أنها لا تستطيع السيطرة الأمنية بالكامل، لا سيما خارج العاصمة، ورسالة نفسية للرأي العام لإضعاف ثقة المواطنين».

ولم تؤكد «وكالة الأنباء الصومالية» هذه الأنباء، غير أنها أفادت، السبت، بأن زيارة الرئيس الصومالي المهمة لبيدوا «تأتي في إطار ترسيخ دعائم الدولة، واضعاً ملفات المصالحة الوطنية والتحول الديمقراطي على رأس أولويات الأجندة الرئاسية».

قوات من الجيش الصومالي تنتشر في مدينة بلدوين عقب هجوم سابق من «حركة الشباب» (أ.ب)

وجاءت الزيارة بعد أيام قليلة من إعلان الحكومة الفيدرالية «السيطرة الكاملة على مدينة بيدوا، وهي العاصمة المؤقتة لولاية (جنوب غرب)، ووصول قوات مسلحة للعاصمة استجابة لإرادة السكان»، وتعيين رئيس جديد للولاية خلفاً للمقال عبد العزيز لفتاغرين.

ويشير بري إلى أن الهجوم بقذائف الهاون غالباً «ليس عملية اغتيال دقيقة بقدر ما هو عملية استعراض قدرة وإرباك سياسي وإعلامي»، لافتاً إلى «أن التوقيت هنا أهم من الهجوم نفسه، حيث تأتي زيارة الرئيس إلى بيدوا في سياق تغييرات سياسية في إدارة جنوب غرب، وخلافات مع الحكومة وترتيبات انتقالية وإعادة ترتيب النفوذ الأمني في المدينة».

وأضاف: «الهجوم يحمل رسالة مزدوجة ضد الحكومة الفيدرالية، والترتيبات السياسية الجديدة في الإقليم».

ويعتقد بري أنه من المتوقع أن تتعزز شرعية العمليات العسكرية ضد «حركة الشباب» وترتفع لغة التعبئة الوطنية، لافتاً إلى أن الهجوم جاء في لحظة حساسة بعد تغييرات في قيادة الإقليم، «لذلك قد تستخدمه المعارضة للقول إن الوضع الأمني والسياسي غير مستقر نتيجة القرارات الأخيرة، مما قد يتحول إلى ورقة سياسية داخلية».


الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية تطلق برنامجاً شاملاً لخطة تنفيذ الإصلاحات الاقتصادية

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)
وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

أعلنت وزارة المالية اليمنية إطلاق برنامج تصحيح مالي وهيكلي شامل؛ لاستئناف تنفيذ خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية التي تقودها الحكومة؛ بهدف ضبط الوضع الاقتصادي بشكل مستدام.

وزير المالية اليمني مروان بن غانم خلال لقاء عُقد مؤخراً مع مسؤولي «البنك الدولي» في عدن (سبأ)

ومن المنتظر أن «يؤسس البرنامج لإدارة متكاملة تربط بين استعادة الموارد العامة وحوكمتها، وإلغاء الرسوم والجبايات غير القانونية، إلى جانب إخضاع مختلف الأوعية الإيرادية والكيانات الاقتصادية لرقابة الدولة، بما يعزز كفاءة الإدارة المالية، ويحد من الهدر والتشوهات الاقتصادية».

وتأتي هذه الخطوة في أعقاب إقرار «المجلس التنفيذي» لـ«صندوق النقد الدولي» نتائج مشاورات «المادة الرابعة» لعام 2025، عقب انقطاع لأكثر من 11 عاماً، التي تُعدّ نافذة محورية لإعادة دمج الاقتصاد اليمني في المنظومة المالية الدولية.

وأشاد «صندوق النقد الدولي» بـ«الجهود التي بذلتها الحكومة اليمنية، والتي أسهمت في استقرار الاقتصاد وبدء التعافي التدريجي من الركود العميق الذي أعقب توقف صادرات النفط في عام 2022، مع تباطؤ وتيرة الانكماش وتراجع الضغوط المالية والخارجية».

وأشارت وزارة المالية، في بيان، إلى أن هذا التوجه «يمثل استجابة عاجلة لمعالجة الاختلالات الهيكلية في الاقتصاد الوطني الناجمة عن الحرب التي فرضتها ميليشيا الحوثي، والتي تسببت في صدمات مالية حادة، أبرزها تعطل مصادر النقد الأجنبي، وتوقف صادرات النفط الخام التي تمثل 65 في المائة من موارد الموازنة العامة للدولة».

كما أدت الحرب إلى «انقطاع تدفق الموارد المركزية إلى الخزانة العامة؛ مما قلّص الحيز المالي للدولة، وحدّ من قدرتها على التدخل الاقتصادي، وزاد من انكشاف الاقتصاد أمام الصدمات الداخلية والخارجية»، وفقاً للوزارة.

أعلنت وزارة المالية إطلاق برنامج تصحيح مالي شامل لاستئناف خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية (سبأ)

وشددت «المالية» اليمنية على أنها تقود «جهوداً حثيثة لإعادة ضبط المسار المالي والاقتصادي، والانتقال من مرحلة التشخيص إلى التنفيذ المؤسسي الفعلي، متصدرة الجهود لاستئناف الإجراءات العملية بموجب القرار رقم (11) لسنة 2025 الصادر عن مجلس القيادة الرئاسي بشأن خطة أولويات الإصلاحات الاقتصادية الشاملة».

وتوقعت أن تسهم هذه الخطوة في تعزيز الشفافية وترسيخ المصداقية الائتمانية للحكومة لدى المانحين والمستثمرين، بما يهيئ بيئة جاذبة للدعم الخارجي والتدفقات الاستثمارية.

وعلى الصعيد المحلي، رجّحت الوزارة أن تسهم الإجراءات في تحسين بيئة الثقة ورفع جودة السياسات الاقتصادية وتهيئة الظروف لاستقطاب الدعم والاستثمارات.

وفي السياق ذاته، أكدت أن نجاح هذه الجهود يتطلب «تفعيل الأدوات الرقابية، وفي مقدمتها الجهاز المركزي للرقابة والمحاسبة، والهيئة الوطنية العليا لمكافحة الفساد، والسلطة القضائية ممثلة في نيابة الأموال العامة، إلى جانب مختلف الجهات ذات العلاقة».

كما شددت على أهمية إعادة تفعيل «اللجنة العليا للمناقصات والمزايدات الحكومية»، بما «يعزز الرقابة على المال العام، ويضمن استكمال الدورة المستندية وفق الأطر القانونية، ويسهم في رفع كفاءة الإنفاق العام وضبط صرف المرتبات، ودعم مسارات التعافي الاقتصادي والتنمية المستدامة».

وأكدت وزارة المالية أن المرحلة المقبلة تتطلب ترجمة هذه التوجهات إلى ممارسات مؤسسية مستدامة، بوصفها المدخل الأساسي لإخراج الاقتصاد الوطني من أزمته الراهنة وتحقيق الاستقرار المالي والاقتصادي المنشود.

Your Premium trial has ended