هكذا أصبحت سرت مستعمرة لـ«داعش»

عاصمة نشطة للتنظيم تعج بالمقاتلين الأجانب.. واتجاه لشن هجمات إرهابية ضد «العدو البعيد»

عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
TT

هكذا أصبحت سرت مستعمرة لـ«داعش»

عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)
عناصر «داعش» يعدمون مواطنين إثيوبيين في أبريل الماضي بعد احتجازهم لفترة طويلة كرهائن (نيويورك تايمز)

يتدفق القادة العراقيون من سوريا لتبدأ أول عملية قطع رؤوس علنية، ولم تعد محطات الراديو تذيع موسيقى، وبدلا من ذلك أخذت في الإطراء على خليفة تنظيم داعش، أبو بكر البغدادي.
فعندما رفع ذراع «داعش» في ليبيا العلم الأسود للتنظيم للمرة الأولى في مدينة سرت الساحلية العام الماضي، لم يكن يتعدى عدد مسلحيهم هناك آنذاك حفنة المقاتلين الذين حاولوا الظهور بمظهر القوي.
اليوم أصبحت سرت مستعمرة نشطة تمثل مركزا وعاصمة لـ«داعش» تعج بالمقاتلين الأجانب من كافة أنحاء المنطقة، وفق روايات الأهالي والقادة العسكريين والرهائن الذين أفرج عنهم وخرجوا للتو من السجن الرئيسي للمدينة.
وأفاد نوري المنقوش، مدير شركة للشاحنات مقرها هنا في مصراتة التي تبعد نحو 65 ميلا غرب منطقة نفوذ «داعش» القريبة من سرت، أن «قوام تشكيل حكومة داعش بالكامل هنا من الأجانب، وهم من يصدرون الأوامر». ويعيش الكثير من موظفيها في سرت، وجرى اعتقال خمسة منهم هناك مؤخرا.
ففي ظل الضغط العسكري والاقتصادي المتزايد على «داعش» في سوريا والعراق، اتجه قادة التنظيم للخارج.
ومن ضمن مظاهر التحول هو الاتجاه لشن هجمات إرهابية على نطاق واسع ضد أهداف بعيدة مثل تلك التي وقعت في باريس، وتفجير الطائرة الروسية فوق مصر، وفق مصادر استخباراتية أوروبية. وحسب مسؤولين غربيين، يعمل قادة التنظيم على تسخير مصادر جديدة ولفت الانتباه إلى أعضائهم في مناطق بعيدة ممن أعلنوا الولاء لها في دول مثل مصر، وأفغانستان، ونيجيريا وغيرها. فهناك على الأقل منتسبون في ثماني دول.
وتعتبر سرت أهم مراكز التنظيم حاليا، وهي ميناء على البحر المتوسط يبعد نحو 400 ميلا جنوب غربي مدينة سيسلي. وحسب مسؤولين غربيين مطلعين على التقارير الاستخباراتية، سرت الآن هي المدينة الوحيدة التي تعمل تحت السيطرة المباشرة لقادة «داعش». وأفاد أهالي سرت الليبية وبعض القادة العسكريين أن التحول الذي طرأ على تنظيم داعش واضح للعيان منذ شهور.
وقال باتريك بيريور، كبير محللي هيئة الدفاع الاستخباراتية لمحاربة الإرهاب، في تصريح أدلى به في مؤتمر عقد في واشنطن مؤخرا، إن «ليبيا هي العضو الذي طالما قلقنا بشأنه.. فهي القبلة التي يسعى التنظيم من خلالها إلى لسيطرة على شمال أفريقيا بالكامل».
ويحكم قادة التنظيم الآن قبضتهم على سرت بقوة للدرجة التي جعلت وكالات الاستخبارات الغربية يعبرون عن خشيتهم من تقهقر التنظيم إلى باقي مناطق ليبيا وتكوين قواعد بديلة لاستخدامها عند الضرورة كمرفأ لمقاتليها بغرض الاستمرار في القتال من تلك المناطق في حال طُردوا من مناطقهم الأصلية.
وحسب مسؤول رفيع في وزارة الدفاع الأميركية الذي اشترط عدم كشف هويته نظرا للطبيعة الاستخباراتية للمعلومات، قد يلجأ «داعش» للتفكير في «خطة للطوارئ». وقال مسؤولون غربيون يعملون في السياسة الليبية إن الولايات المتحدة وبريطانيا أرسلتا عناصر كوماندوز (قوات خاصة) بغرض المراقبة وجمع معلومات استخباراتية من على الأرض في ليبيا. وكانت الولايات المتحدة صعدت من ضرباتها الجوية ضد قادة «داعش»، غير أن الاستراتيجيات العسكرية لا تزال ينقصها الخيارات بعيدة المدى لاستيعاب التنظيم هنا.
من الوارد أن تصدر ليبيا معضلاتها للغرب، على الأقل بنفس درجة الصعوبة الحالية التي تشكلها قواعد «داعش» في سوريا، تحديدا الرقة، في ظل اشتعال الحرب الأهلية هناك حيث «داعش» محاط بجماعات مسلحة تتمتع بدعم دولي في الوقت الذي تتلقى فيه ضربات جوية من الولايات المتحدة، وروسيا، وفرنسا، وسوريا.
وتفتقد ليبيا، حيث ساعدت الضربات الجوية التي شنها حلف شمال الأطلسي «الناتو» في الإطاحة بمعمر القذافي منذ أربع سنوات، إلى حكومة فعلية، وانشغلت الطوائف المتحاربة في الاقتتال الداخلي بين بعضهما البعض، بدلا من الاتجاه لمحاربة «داعش». ويعاني جميع جيران ليبيا من حالة ضعف وعدم استقرار جعلتهم عاجزين عن قيادة أو حتى استضافة تحالف للتدخل العسكري هناك.
وأحكم «داعش» قبضته بالفعل على مسافة تجاوزت 150 ميلا على امتداد شواطئ البحر المتوسط بالقرب من سرت؛ من بلدة «أبوقرين» في الغرب حتى النوفلية في الشرق، وتراجعت كل الميليشيات في مدينة مصراتة، التي كانت قد تعهدت في السابق بطرد التنظيم بالكامل، ولم يعد في المنطقة سوى نقاط تفتيش محدودة لحراسة أراضي التنظيم لا يتواجد فيها سوى عنصر أو اثنين من مسلحي «داعش» حيث يتحرك مسلحوه بحرية ذهابا وإيابا.
وبحسب تقديرات القادة العسكريين والمسؤولين الغربيين، تضم قوات «داعش» في ليبيا في الوقت الحالي نحو 2000 مقاتل، منهم بضع مئات في سرت، والكثير منهم منتشرون في الشرق حول مدينة النوفلية. وزادت سلسلة التفجيرات والاغتيالات والهجمات التي وقعت مؤخرا وزادت المخاوف من أن تصبح مدينه إجدابيا الواقعة في أقصى الشرق، الهدف القادم للتنظيم، إذ أن غزو المدينة قد يسهل سيطرة التنظيم على عدة مفترقات طرق وطرق حيوية للبترول وحقول النفط شرق المدينة.
الأدهى أنه في ضوء تأزم الأوضاع التي أتت على ما تبقى من الحكومة الليبية هي أن مقاتلي «داعش» يتسلمون أسلحة وإمدادات أخرى من الثروات النفطية المتكدسة التي هي ملك للدولة الليبية في الأساس. ويتسلم «داعش» الأسلحة عن طريق نفس الوسيط الذي لعب دورا ثانويا في الهجوم المميت الذي تعرضت له البعثة الدبلوماسية الأميركية في بنغازي عام 2012.
وحسب أهالي سرت ومسؤولين غربيين، وصل إلى ليبيا مؤخرا أحد قادة «داعش» الملقب حاليا بـ«أبو على الأنباري»، وهو ضابط سابق في الجيش العراقي في عهد صدام حسين، في قارب عن طريق البحر المتوسط. ويضيف المسؤولون أن قائدا عراقيا كبيرا آخر لدى «داعش» يدعى وسام نجم عبد زايد الزبيدي، الملقب بأبو نبيل، ربما عمل كقائد كبير لـ«داعش» في ليبيا قبل أن يقتل هذا الشهر في قصف جوي أميركي بالقرب من مدينة درنة شرق سوريا.
وقال عمر آدم (34 عاما)، قائد ميليشيا كبيرة في مصراتة، إن «ليبيا تشهد حاليا هجرات كبيرة لداعش من سوريا والعراق».
وأفاد الأهالي وزوار سرت أن التنظيم في سرت شرع في تطبيق النموذج الأكثر تشددا في الشريعة الإسلامية بفرض النقاب على كل النساء، ومنع الموسيقى والتدخين، وإغلاق المحال التجارية وقت الصلاة، وطبق على الأقل أربع حالات صلب في أغسطس (آب) الماضي.
وقام «داعش» الشهر الماضي بتنفيذ عمليتين علنيتين لقطع رؤوس لرجلين اتهما بالشعوذة، وفق شهادة نزلاء في نفس السجن الذي اعتقل فيه الرجلان في سرت.
وكان تنظيم داعش قد دعا المسلمين من كل مكان للمجيء لسوريا والعراق للانضمام لدولة الخلافة التي أعلنها هناك، وصورت حملة دعاية التنظيم الهجرة إلى هناك كواجب ديني، ووجهوا النداء للمسلمين من كافة التخصصات، من الأطباء للمهندسين وغيرهم للإسراع بالانضمام لدولتهم. وحذرت مجلة التنظيم الصادرة باللغة الإنجليزية والتي تحمل اسم «دابق» المتقاعسين من أنهم سيواجهون عقابا أليما يوم القيامة جراء عدم تلبية النداء.
وخرج أول عدد من المجلة بدعوة تقول: «أسرع إلى ظلال الدولة الإسلامية مع أبويك وأقاربك وزوجاتك وأطفالك».
غير أن الرسائل بدأت تتغير مع تعرض مشروع بناء الدولة في سوريا لضربات عسكرية، وبدأ قادة «داعش» في التركيز على معركتهم بالخارج. فعندما شرعت الولايات المتحدة في توجيه ضرباتها العسكرية ضد التنظيم الخريف الماضي، دعا المتحدث باسم التنظيم الملقب بأبو محمد العدناني، مسلمي الغرب للبقاء حيث هم وقتل من حولهم.
وقال العدناني في رسالة صوتية «إن استطعت فلتقتل أميركيا أو أوروبيا كافرا، خاصة الفرنسيين الحاقدين القذرين، أو اقتل كنديا»، مضيفا: «توكل على الله واقتله بأي طريقة كانت».
استجاب للنداء بعض «الذئاب المنفردة»، منهم مسلح قام بمهاجمة البرلمان الكندي وقتل جنديا تواجد بالقرب من المكان.
* خدمة «نيويورك تايمز»



الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
TT

الحوثي يشرعن لجماعته التنكيل بموظفي المنظمات الدولية

لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)
لوحة إعلانات ضخمة في صنعاء نصبها الحوثيون لحمل صورة زعيمهم (إ.ب.أ)

صعّد زعيم الجماعة الحوثية، عبد الملك الحوثي، من هجومه على المنظمات الإنسانية والدولية العاملة في مناطق سيطرة جماعته، مكرراً اتهامات لها بالضلوع في أنشطة استخباراتية، رغم استمرار المطالبات الدولية والأممية بالإفراج عن عشرات الموظفين الأمميين والعاملين في المنظمات الإنسانية المحتجزين لدى الجماعة منذ سنوات.

وتحتجز الجماعة الحوثية نحو 73 موظفاً أممياً وعاملاً في منظمات دولية وإنسانية، إلى جانب موظفين محليين سابقين في السفارة الأميركية، بعضهم مضى على اعتقاله أكثر من أربع سنوات، وسط تحذيرات أممية وحقوقية من تداعيات استمرار هذه الانتهاكات على العمل الإنساني في اليمن.

وقال الحوثي، في خطبة بثتها وسائل إعلام جماعته، مساء الخميس، إن «الأعداء يعملون بشكل كبير جداً في مجال الاختراق الأمني»، زاعماً أن جهات خارجية وظفت «العنوان الإنساني والمنظمات الإنسانية» لأغراض استخباراتية داخل اليمن.

وادعى زعيم الجماعة أن «خلايا تابعة للمنظمات» شاركت في عمليات رصد ومتابعة لصالح ما وصفه بـ«العدو الإسرائيلي»، واتهم عناصر محلية وأجنبية بالعمل على جمع معلومات مرتبطة بمواقع حساسة ومخازن أسلحة واجتماعات حكومية.

حشد من الحوثيين في صنعاء خلال فعالية تعبوية دعا إليها زعيمهم (أ.ف.ب)

وذهب الحوثي إلى القول إن تلك الخلايا «لم تعمل في إطار جمع المعلومات فقط بل في تنفيذ عملية الاستهداف»، في إشارة إلى هجمات أميركية وإسرائيلية سابقة استهدفت مواقع ومقار خاضعة للجماعة وأدت إلى مقتل قادة بارزين من المستويين العسكري والإداري.

ويرى مراقبون يمنيون أن هذه التصريحات تمثل امتداداً لحملة الجماعة ضد المنظمات الدولية، والتي تصاعدت خلال الأشهر الماضية عبر حملات اعتقال وتحقيقات وإجبار بعض المنظمات على تقليص أنشطتها أو تعليق أعمالها في مناطق سيطرة الحوثيين.

المزيد من القمع

تثير اتهامات الحوثيين المتكررة قلقاً واسعاً لدى الأوساط الإنسانية، خصوصاً مع اعتماد ملايين اليمنيين على المساعدات الدولية في ظل واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية في العالم.

وكانت الأمم المتحدة ومنظمات دولية عدة قد طالبت مراراً الجماعة بالإفراج الفوري وغير المشروط عن موظفي الإغاثة المحتجزين، مؤكدة أن استمرار احتجازهم يهدد جهود الاستجابة الإنسانية ويقوض الثقة بالعمل الإنساني.

ويقول عاملون في المجال الإغاثي إن الخطاب الحوثي الأخير يمنح غطاءً سياسياً وأمنياً لمزيد من التضييق على المنظمات، خصوصاً بعد حملات الاعتقال الواسعة التي طالت موظفين محليين ودوليين خلال العامين الأخيرين.

صفقة جديدة بين الحوثيين والحكومة اليمنية لتبادل الأسرى غاب عنها الموظفون الأمميون (رويترز)

ويخشى ناشطون حقوقيون من أن يؤدي استمرار هذه الحملة إلى عزوف مزيد من المنظمات عن العمل في مناطق سيطرة الجماعة، في وقت تتفاقم فيه الأوضاع الاقتصادية والمعيشية والانهيار الخدمي.

ويرى متابعون للشأن اليمني أن الجماعة توظف مثل هذه الخطابات التعبوية لتعزيز سرديتها السياسية والأمنية، وتبرير القيود المفروضة على المنظمات والمجتمع المدني، بالتوازي مع استمرار حملات التعبئة والتجنيد وتوسيع القبضة الأمنية في مناطق سيطرتها.

ولم يقتصر حديث الحوثي على اتهام المنظمات، بل وسّع دائرة الاتهامات لتشمل ما وصفه بـ«الاستهداف الاقتصادي والصحي» للدول العربية والإسلامية، متهماً شركات ودولاً غربية بالسعي للإضرار بالمجتمعات العربية عبر منتجات وسلع مختلفة.

كما تحدث عن «استهداف صحي» يركز - بحسب زعمه - على قضايا العقم وتحديد النسل، معتبراً أن جهات خارجية تستغل تقدمها العلمي والصناعي لإنتاج مواد ذات تأثيرات صحية ونفسية خطرة.


الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
TT

الحوثيون يوسّعون أعمال القمع في صنعاء ومحيطها

عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)
عناصر أمن حوثيون يقومون بدورية قرب مطار صنعاء (إ.ب.أ)

صعّدت الجماعة الحوثية من انتهاكاتها بحق السكان في العاصمة اليمنية المختطفة صنعاء ومحيطها، امتداداً لسياسة القمع والتوسع بالنفوذ، وشمل ذلك تفجير منازل معارضين، ومحاصرة منشآت خاصة، وفرض جبايات جديدة على المدنيين، بالتزامن مع تنامي احتجاجات قبلية ضد الاستيلاء على أراضٍ تابعة لقبائل خولان والتصرف بها خارج الأطر القانونية والقبلية.

وشهد حي شملان شمال غربي صنعاء إحدى أعنف الوقائع، بعدما أقدم مسلحون حوثيون على تفجير منزل ضابط سابق في الجيش اليمني، في حادثة أثارت موجة استياء واسعة، وعدّها حقوقيون مؤشراً جديداً على تصاعد الانتهاكات ضد السكان وممتلكاتهم في مناطق سيطرة الجماعة.

وأكدت مصادر محلية أن مسلحين حوثيين برفقة عربات عسكرية داهموا منزل العميد فضل الصايدي في حي شملان، قبل أن يقوموا بإحراقه وتفجيره بشكل كامل، وسط انتشار أمني كثيف في المنطقة.

وحسب المصادر، فإن العميد الصايدي لا يزال محتجزاً في سجون الجماعة منذ عام 2018 دون محاكمة، على خلفية نزاع سابق مع عناصر حوثية حاولت الاستيلاء على منزله بالقوة، وتطور حينها إلى مواجهات مسلحة أسفرت عن سقوط قتلى وجرحى من الطرفين.

منزل عميد في الجيش اليمني بعد إحراقه وتفجيره من قِبَل الحوثين في صنعاء (إكس)

وتداول ناشطون على مواقع التواصل الاجتماعي مشاهد أظهرت تصاعد أعمدة الدخان من موقع المنزل، مع سماع دوي انفجارات متتالية، في حين أدانت الشبكة اليمنية للحقوق والحريات الواقعة، معتبرة أن تفجير المنزل يمثل انتهاكاً صارخاً للقانون الدولي الإنساني واعتداءً مباشراً على حق المواطنين في السكن والملكية الخاصة.

وفي موازاة ذلك، أفاد سكان في شملان بأن الجماعة كثفت من انتشار عناصرها المسلحة في عدد من الحارات والشوارع، مع تنفيذ حملات تفتيش ومراقبة موسعة، بالتزامن مع فرض جبايات مالية جديدة على التجار والأهالي تحت مسميات مختلفة، من بينها دعم ما تسمى «المعسكرات الصيفية».

ابتزاز القطاع الخاص

في اتجاه قمعي آخر، أغلقت الجماعة الحوثية مصنع «شملان» للمياه المعدنية، وأوقفت عمليات الإنتاج والتوزيع بالقوة، عقب حملة حصار واقتحام نفذها مسلحون تابعون لها، ضمن ما وصفه عاملون بأنه تصعيد جديد ضد ما تبقى من القطاع الخاص اليمني.

وأوضحت مصادر مطلعة أن عناصر الجماعة فرضوا حصاراً على المصنع قبل يوم من عملية الاقتحام، وقاموا بإشعال النار في إطارات تالفة أمام البوابة الرئيسية، في محاولة للضغط على إدارة المصنع لدفع جبايات مالية مقابل السماح بخروج شاحنات التوزيع.

ووفق إفادات عاملين وشهود عيان، أجبر المسلحون أصحاب المحلات التجارية والسكان القريبين من المصنع على إغلاق متاجرهم ومغادرة المنطقة، ما تسبب في حالة من التوتر والذعر بين السكان.

جانب من تجمع لمسلحين حوثيين لحظة اقتحام مصنع لتعبئة المياه بصنعاء (إكس)

وأشار عاملون في المصنع إلى تعرضهم لاعتداءات مباشرة أثناء عملية الاقتحام والإغلاق، مؤكدين أن المصنع تعرض خلال الأشهر الماضية لعدة عمليات دهم متكررة بسبب رفض إدارته تقاسم العوائد المالية مع قيادات حوثية نافذة.

واتهم العاملون قيادات في الجماعة بالوقوف وراء عمليات الابتزاز، في إطار مساعٍ لفرض السيطرة على الموارد الاقتصادية والمشروعات الخاصة، بعد سنوات من التضييق الذي طال شركات ومؤسسات تجارية عديدة في صنعاء ومناطق أخرى خاضعة للحوثيين.

غضب قبلي

بالتزامن مع تلك التطورات، تصاعدت حالة الاحتقان القبلي في ريف صنعاء، عقب اتهامات وجهتها قبائل خولان الطيال لقيادات حوثية بالاستيلاء على أراضٍ تابعة للقبيلة والتصرف بها دون أي صفة قانونية.

وأصدرت القبائل خلال اجتماع موسع قبل أيام بياناً أعلنت فيه رفضها الكامل لأي عمليات نهب أو استحداث أو بيع لأراضي أبناء القبيلة، ومحملة الجماعة الحوثية المسؤولية عن أي تداعيات قد تنتج عن استمرار تلك الممارسات.

لقاء موسع لقبائل خولان بصنعاء لتدارس موقف موحد ضد الحوثيين (إكس)

واتهمت شخصيات قبلية القيادي الحوثي عبد الباسط الهادي، المعين محافظاً لريف صنعاء، بالاستيلاء على مساحة أرض تابعة للقبيلة في شارع خولان بالعاصمة، وبيعها لأحد أقاربه مستغلاً نفوذ الجماعة المسلحة.

وأكد أبناء القبيلة أن الأراضي المعتدى عليها تُعد من الممتلكات المعروفة تاريخياً لأبناء خولان، وأن التصرف بها خارج الأطر القبلية والقانونية يمثل اعتداءً مباشراً على حقوقهم وأعرافهم المتوارثة.

ودعا البيان القبلي أبناء خولان إلى التكاتف والاصطفاف لمواجهة ما وصفه بمحاولات السطو المنظم على أراضي القبيلة ومقدراتها، مشدداً على ضرورة منع أي محاولات لفرض الأمر الواقع بالقوة.


تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
TT

تصاعد انتهاكات الحوثيين بحق المدنيين في إبّ

مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)
مسلحون حوثيون يرددون شعارات الجماعة خلال تجمع لهم في صنعاء (إ.ب.أ)

تشهد محافظة إبّ الخاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تصاعداً لافتاً في الانتهاكات التي تطول المدنيين وممتلكاتهم، وسط اتهامات متزايدة للجماعة باستخدام النفوذ الأمني والمسلحين لقمع أي تحركات مناهضة، وفرض مزيد من الجبايات، وإشاعة حالة من الفوضى والانفلات في مناطق سيطرتها.

وفي أحدث هذه الوقائع، أقدم أحد المسلحين الحوثيين على هدم منزل امرأة تجاوز عمرها التسعين عاماً في مديرية العدين غرب المحافظة، في حادثة أثارت غضباً واسعاً في الأوساط المحلية والحقوقية، وكشفت حجم الانفلات الذي تشهده المحافظة، ومدى الحصانة التي يتمتع بها المسلحون المرتبطون بالجماعة.

ووفق مصادر محلية، فإن مسلحاً حوثياً برفقة آخرين هدم أجزاء واسعة من منزل المواطنة فاطمة غالب في قرية السنافي التابعة لعزلة الغضيبة، مستغلاً غيابها أثناء زيارتها لإحدى قريباتها، قبل أن يحول المنزل إلى ركام بالكامل.

وأوضحت المصادر أن زوج المرأة الراحل كان قد بنى المنزل قبل عقود، وعاشت فيه الأسرة لسنوات طويلة، قبل أن تجد نفسها اليوم بلا مأوى، ما اضطرها إلى الانتقال للإقامة لدى أحد أحفادها في قرية مجاورة.

مُسنّة يمنية تقف على أطلال منزلها الذي هدمه مسلح حوثي (إعلام محلي)

وأكدت مصادر في الأسرة أن الضحية تقدمت ببلاغ رسمي إلى إدارة أمن العدين الخاضعة لسيطرة الحوثيين، حيث جرى توثيق الأضرار وإعداد محاضر معاينة، غير أن السلطات لم تتخذ أي إجراءات فعلية لضبط المتهم، رغم صدور أوامر بذلك، وهو ما عزز الاتهامات بوجود تواطؤ لحماية الجاني بسبب ارتباطاته النافذة داخل سلطة الجماعة.

وقالت المصادر إن الأسرة تتعرض لضغوط متواصلة للقبول بتسوية عرفية بدلاً من إحالة القضية إلى القضاء، مشيرة إلى أن المرأة المسنّة وأحفادها يرفضون تلك الضغوط، ويتمسكون بإحالة القضية إلى النيابة والمحكمة، ومحاسبة المتورطين في هدم المنزل وتشريد ساكنيه.

ضغوط وجبايات

في مناشدة مصورة وجهتها إلى السلطات المحلية الحوثية، قالت المرأة المسنّة إن المنزل يمثل كل ما تملكه بعد وفاة زوجها، مطالبة بإنصافها، ومؤكدة أنها لا تملك مكاناً آخر يؤويها في هذا العمر المتقدم.

وفي حادثة أخرى تعكس حجم الانتهاكات التي يتعرض لها المدنيون في المحافظة، الواقعة على بعد 193 كيلومتراً جنوب صنعاء، اقتحمت عناصر مسلحة تابعة لما يسمى «مكتب الزكاة» الخاضع لإدارة الحوثيين، مبنى سكنياً في مديرية المشنة بمدينة إبّ، بذريعة تحصيل جبايات مالية من أحد التجار الذي يمتلك محالّ تجارية في الطابق الأرضي من المبنى.

وذكرت مصادر محلية أن الحملة المسلحة نُفذت بإشراف مباشر من مدير مكتب الزكاة في المديرية فؤاد الحاج، موضحة أن العملية لم تقتصر على ملاحقة التاجر داخل محالّه، بل امتدت إلى اقتحام الطابق السكني الذي تقيم فيه أسرته، حيث حاول المسلحون كسر أبواب الشقق، ما تسبب في حالة من الرعب والهلع بين النساء والأطفال.

لحظة اقتحام المسلحين الحوثيين مسكن أحد التجار في إبّ (إعلام محلي)

وأظهر مقطع مصور يوثق عملية الاقتحام طفلاً وهو يصرخ باكياً في وجه المسلحين، قائلاً: «هنا عوائل... عوائل!»، في محاولة لمنعهم من اقتحام الشقق السكنية، غير أن المسلحين واصلوا محاولاتهم متجاهلين تلك المناشدات.

وأثارت الواقعة موجة استياء واسعة على منصات التواصل الاجتماعي؛ إذ عدّ ناشطون أن الجماعة حولت مؤسسات الجباية إلى أدوات للابتزاز والترهيب، تستخدم القوة المسلحة ضد المدنيين والتجار، وتنتهك حرمة المنازل تحت غطاء التحصيل المالي.

اختطاف شاب

يرى سكان في محافظة إبّ أن هذه الحوادث تعكس جانباً من سياسة التضييق التي تمارسها الجماعة الحوثية بحق المدنيين في مناطق سيطرتها، من خلال فرض جبايات متزايدة، والتعامل مع الرافضين لها بالقوة، في ظل غياب سلطة قضائية مستقلة قادرة على حماية المدنيين أو محاسبة المتورطين في تلك الانتهاكات.

وعلى صعيد متصل بسياسة القمع التي تتبعها الجماعة في المحافظة، ذكرت مصادر حقوقية أن الشاب ماجد النبوي اختُطف من أمام محله التجاري في مديرية السدة شرق المحافظة، التي تحولت خلال الفترة الأخيرة إلى مركز بارز لمعارضة سلطة الحوثيين.

شاب اختُطف في إبّ قبل أيام ولا يزال مصيره مجهولاً (إعلام محلي)

وبحسب المصادر، فإن مسلحين كانوا على متن سيارة اقتادوا الشاب من أمام متجره إلى جهة غير معروفة، ما أثار حالة من الهلع في أوساط السكان الذين لم يعتادوا مثل هذه الحوادث من قبل.

وأضافت المصادر أن سلطات الحوثيين لم تكشف، رغم مرور أربعة أيام على الواقعة، عن مكان احتجازه أو الجهة التي تقف خلف العملية، أو الأسباب التي أدت إليها، خصوصاً أن الشاب لا ينتمي إلى أي جهة سياسية، ولا يمارس أي نشاط سوى عمله التجاري، كما تؤكد أسرته أنه لا يملك أي خصومات مع أحد.

وطالبت الأسرة، إلى جانب ناشطين حقوقيين، بسرعة الكشف عن مصير المختطف النبوي، ومحاسبة أي جهة تقف وراء الحادثة، معتبرين أن صمت السلطات طوال هذه الفترة يثير مخاوف السكان من وجود جماعات مسلحة أو جهات غير معلومة تنفذ مثل هذه العمليات في المحافظة.