{داعش} ينتزع المال من محكوميه

مليار دولار سنويًا في صورة مكوس وضرائب على المعابر الحدودية

أنصار «داعش» في الموصل (نيويورك تايمز)
أنصار «داعش» في الموصل (نيويورك تايمز)
TT

{داعش} ينتزع المال من محكوميه

أنصار «داعش» في الموصل (نيويورك تايمز)
أنصار «داعش» في الموصل (نيويورك تايمز)

يعطي محمد الكريفاوي مبلغ 300 دولار لمقاتلي تنظيم داعش ثلاث مرات في الشهر ليحصل على امتياز قيادة شاحنته المبرِّدة المليئة بالمثلجات (آيس كريم) والمنتجات سريعة التلف الأخرى من الأردن إلى جزء من العراق يخضع لسيطرة التنظيم.
يأخذ المقاتلون الذين يراقبون المعابر الحدودية هذه المبالغ المالية كرسوم استيراد، وليس كرشوة. ويقدمون حتى إيصالا مختوما موضوعا عليه شعار وختم التنظيم، يحتاجه السيد الكريفاوي، البالغ من العمر 38 عاما، للمرور عبر نقاط التفتيش الأخرى التي تقابله وهو في طريقه لتسليم المنتجات.
وفي حال رفض الدفع، سرعان ما تتغير الأجواء التي تبدو طبيعية، حيث أوضح السيد الكريفاوي: «إن لم أدفع، إما يعتقلونني أو يحرقون شاحنتي».
وعبر مساحات شاسعة من سوريا والعراق، أنشأ تنظيم داعش - بهدف بناء حكومة جديرة بالثقة - بيروقراطية مفترسة وعنيفة تنتزع كل دولار أميركي ودينار عراقي وليرة سورية متبقية لدى هؤلاء الذين يعيشون تحت سيطرته أو يمرون عبر أراضيه.
وخلال مقابلات أُجرِيت مع أكثر من عشرة أشخاص يعيشون داخل - أو فروا مؤخرا من - الأراضي الخاضعة لسيطرة «داعش»، ومع مسؤولين غربيين وشرق أوسطيين يتعقبون أموال المقاتلين، جرى وصف التنظيم بأنه بمثابة رسوم عبور وتذاكر مرور صارمة، وأجرة مقابل استخدام المباني الحكومية، وفواتير خدمات مياه وكهرباء، وضرائب على الدخل والمحاصيل والماشية، وغرامات على التدخين أو ارتداء ملابس مخالفة.
وتضاهي أرباح هذه الممارسات الدول التقليدية، بما مجموعه عشرات الملايين من الدولارات شهريا، وتصل إلى مليار دولار في العام، وفقا لتقديرات بعض المسؤولين الأميركيين والأوروبيين. وأثبتت هذه الإيرادات حتى الآن أنها منيعة إلى حد كبير أمام العقوبات والغارات الجوية التي تستهدف «داعش».
وقالت لويز شيلي، مديرة مركز الإرهاب والجريمة العابرة للحدود الدولية والفساد في كلية السياسة العامة بجامعة جورج ميسون: «يقاتلون في الصباح، ويجمعون الضرائب بعد الظهر».
وساعدت مصادر الدخل الشهيرة لـ«داعش» - تهريب النفط، وسلب خزائن البنوك، ونهب الآثار، واختطاف الأجانب من أجل الحصول على فدية، وجمع التبرعات من مؤيديه الأثرياء في الدول المجاورة - في جعل التنظيم جدليا أغنى التنظيمات المتطرفة في جميع أنحاء العالم. لكن في ظل فهم المسؤولين الغربيين والشرق أوسطيين لمصادر تمويل «داعش» بشكل أفضل على مدى العام الماضي، برز إجماع واسع على أن أكبر مصدر للتمويل النقدي لـ«داعش» على ما يبدو هو الشعب الذي يحكمه، والشركات التي يسيطر عليها.
وفي أعقاب هجمات باريس الشهر الماضي، استهدفت الولايات المتحدة إنتاج النفط وعمليات التهريب لدى «داعش» بشكل أكثر عدوانية، بعدما كانت تمتنع عن القيام بذلك خوفا من إلحاق الضرر طويل الأجل باقتصاد كل من العراق وسوريا. وضربت مقاتلة أميركية هذا الشهر شاحنات ناقلة للنفط في شرق سوريا، ما أدى إلى تدمير 116 مركبة. وفي نهاية المطاف، رغم ذلك، رجح الكثير من المسؤولين والخبراء أن تنظيم داعش لن يكون قادرا على تغطية حتى تكاليفه من دون عائدات النفط، ما دام أنه يسيطر على مساحات شاسعة من العراق وسوريا، بما في ذلك المدن الكبرى. ويستلزم إفلاس التنظيم أكثر من مجرد تفجير ناقلات النفط.
وقال سيث جونز، خبير في شؤون مكافحة الإرهاب بمؤسسة راند: «كل هذه الأفعال تصبح منغصات في تمويل داعش ما لم تُنتزع قواعد إيراداته بعيدا عنه، وهذا يعني الأراضي التي يسيطر عليها».
وقد استولى «داعش» على عمليات تحصيل الإيرادات المشروعة للحكومات التي اغتصب التنظيم الأراضي منها. كما أنه يستخدم التهديد المستمر بالعنف لانتزاع أكبر قدر ممكن من الأموال من الناس والأعمال التجارية والممتلكات التي يسيطر عليها.
وفي منطقة باب الطوب في الموصل بالعراق، على سبيل المثال، حوّل المقاتلون مركز شرطة يعود تاريخه إلى العهد العثماني في القرن العشرين إلى سوق، بها 60 محلا تباع فيها الفواكه والخضراوات، ويبلغ الإيجار السنوي لهذا السوق 2.8 مليون دينار عراقي (أي ما يعادل 2500 دولار تقريبا).
وفي الرقة، التي تعد العاصمة الفعلية لـ«داعش» بسوريا، يرسل «ديوان الخدمات» المسؤولين إلى أسواق المدينة لجمع ضريبة النظافة - من 2500 إلى 5000 ليرة سورية (أي نحو من 7 دولارات إلى 14 دولارا) في الشهر، وذلك يتوقف على حجم المحل. ويذهب السكان إلى نقاط التجميع لدفع فواتيرهم الشهرية للكهرباء والمياه - نحو 800 ليرة سورية (أي نحو 2.50 دولار) للكهرباء، و400 ليرة سورية (أي نحو 1.20 دولار) للمياه.
ويشرف «ديوان الركاز» على إنتاج النفط، والتهريب، ونهب الآثار، وقائمة طويلة من الأعمال التجارية الأخرى التي يسيطر التنظيم عليها حاليا. ويدير «داعش» مصانع تعبئة المياه والمشروبات الغازية، ومشاغل النسيج والأثاث، وشركات الهواتف الجوالة، بالإضافة إلى مصانع البلاط والإسمنت والمواد الكيماوية - فهو يختلس العائدات من كل تلك المنشآت.
ويطالب التنظيم أيضا بتقليص العائدات التي تجنيها الشركات الصغرى. وقال طارق، سوري يعيش في بيروت يدعم حكومة الرئيس السوري بشار الأسد: «إما ندفع بزيت الزيتون أو نقدا، وذلك يعتمد على الإنتاج». وطلب طارق عدم كتابة اسمه كاملا نظرا لأن والديه ما زالا يعيشان ويعملان في مزرعة العائلة في منطقة الباب الخاضعة لسيطرة «داعش» خارج مدينة حلب.
ويكره مسؤولو ما تسمى «الخلافة» مصطلح «الضرائب»، ويفضلون بدلا من ذلك المصطلح الإسلامي «الزكاة»، التي تشير إلى الصدقات المطلوب من المسلمين دفعها. ورغم أن القاعدة الفقهية توصي بإخراج نسبة 2.5 في المائة من ثروة الفرد كزكاة، فإن المقاتلين يأخذون 10 في المائة، مبررين ارتفاع النسبة بأن «الأمة في حالة حرب»، وفقا لمواطن صحافي يعيش في الرقة، طلب كتابة اسمه أبو معاذ من أجل سلامته.
ويتولى التنظيم تجميع رسوم تسجيل السيارات، وجعل الطلاب يدفعون ثمن الكتب المدرسية، وحتى إنه فرض غرامات على الأشخاص الذين يقودون السيارات ذات مصابيح خلفية مكسورة - وهي ممارسة لم يُسمع عنها تقريبا في الطرق غير الممهدة في منطقة الشرق الأوسط.
كما ترِد الغرامات في العقوبات الصادرة على كسر قواعد المعيشة الصارمة التي يفرضها «داعش». وعلى سبيل المثال، ممنوع التدخين منعا باتا، فقد قال محمد حامد، البالغ من العمر 29 عاما، إنه عندما رأوه وهو يدخن سيجارا في متجره بالموصل في أواخر أغسطس (آب): «لم يكتف داعش بجلدي بالسوط 15 جلدة أمام العلن، لكنه أجبرني أيضا على دفع 50 ألف دينار (أي نحو 40 دولارا) في ذلك الوقت. وبعد وقت قصير، تمكنت من الفرار إلى منطقة كردية في العراق».
وفي كل شيء، يقدر بعض المسؤولين أن «داعش» يستخرج ما يصل إلى 800 أو 900 مليون دولار - وربما أكثر - من السكان ورجال الأعمال الذين يعيشون في الأراضي التي يسيطر عليها التنظيم.
وتتجاوز العائدات السابقة ما يحصل عليه «داعش» من تهريب النفط، المقدر أنه يجلب للتنظيم 500 مليون دولار إضافيا. وكذلك يكسب التنظيم عشرات الملايين من الدولارات الإضافية من مصادر الدخل الأخرى، مثل الخطف. كما أنه نهب نحو مليار دولار من البنوك في البلدات والمدن التي سيطر عليها - بما في ذلك 675 مليون دولار من مدينة الموصل وحدها - بعد أن كانت ذات مرة مصدرا للدخل.

* خدمة «نيويورك تايمز»



تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
TT

تعهدات «مجلس السلام» تحت اختبار التنفيذ وسط تعقيدات ميدانية بغزة

فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يسيرون بجوار الملاجئ وسط أنقاض المباني المدمرة في مدينة غزة (أ.ف.ب)

الاجتماع الأول لـ«مجلس السلام»، الذي ترأسه الرئيس الأميركي دونالد ترمب، بحضور عربي إسرائيلي وغياب للسلطة الفلسطينية، فتح الباب لأفكار عديدة، اختصرتها واشنطن في أموال إعمار قطاع غزة، ونزع سلاح حركة «حماس»، بينما كانت المطالب العربية مرتبطة بتنفيذ اتفاق وقف إطلاق النار بالقطاع كاملاً ونشر قوات الاستقرار الدولية وتمكين لجنة التكنوقراط من عملها دون عراقيل من تل أبيب.

تلك المخرجات لهذا الاجتماع الذي حضره ممثلون من أكثر من 40 دولة، ومراقبون من 12 دولة أخرى، يراه خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط»، قد لا تنجح في اختبار التنفيذ، لأن هناك عراقيل عديدة أبرزها عدم الانسحاب الإسرائيلي، وعدم الوصول إلى تفاهمات واضحة بشأن نزع سلاح «حماس»، وهو ما سيعقد التنفيذ بصورة كبيرة وقد تقود الاتفاق لتعثر أو تجميد.

مخاوف

وأكد الرئيس الإندونيسي، برابوو سوبيانتو، ضرورة توخي الحذر من جهود يمكن أن تقوض عملية السلام في غزة، حسب ما نقلته «وكالة الأنباء الألمانية»، عن وكالة «أنتارا نيوز» الإندونيسية، الجمعة.

ويحمل التحذير الإندونيسي مخاوف من التنفيذ غداة مشاركته في تدشين ترمب «مجلس السلام»، الذي شهد تركيزاً على إعادة إعمار قطاع غزة الذي مزّقته الحرب الإسرائيلية، وتشكيل قوة استقرار دولية فيه.

وأعلن ترمب أن بلاده ستتبرع بمبلغ 10 مليارات دولار للمجلس، مشيراً إلى أن السعودية وكازاخستان وأذربيجان والإمارات والمغرب والبحرين وقطر وأوزبكستان والكويت ساهمت بأكثر من 7 مليارات دولار للحزمة الإغاثية لغزة.

وشدّد ترمب على نزع سلاح «حماس»، بقوله إن الحركة ستسلم أسلحتها كما وعدت، محذراً من «ردّ قاسٍ» إذا لم تفعل. وقال: «العالم الآن ينتظر (حماس) وهي العقبة الوحيدة التي تقف في طريقنا حالياً».

ولم يختلف معه وزير خارجية إسرائيل، جدعون ساعر، في كلمته، باجتماع مجلس السلام، معلناً دعمه خطة نزع سلاح «حماس» وغيرها من الفصائل، وسبقه رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو بالتأكيد قبل الاجتماع أنه «لن يكون هناك إعادة إعمار قبل نزع سلاح غزة».

فيما أعلن الجنرال جاسبر جيفرز، قائد قوة الاستقرار الدولية التي تم تشكيلها حديثاً، في كلمته بالاجتماع، أن إندونيسيا والمغرب وكازاخستان وكوسوفو وألبانيا تعهدت جميعاً بإرسال قوات للمشاركة في الجهود. بالإضافة إلى ذلك، وافقت مصر والأردن، البلدان المحاذيان لقطاع غزة، على تدريب قوات الشرطة والأمن.

بينما أكدت مصر في كلمتها التي ألقاها رئيس الوزراء مصطفى مدبولي، أهمية الحفاظ على الارتباط بين الضفة الغربية وغزة، لتمكين السلطة الفلسطينية من استئناف مسؤولياتها في القطاع، داعياً لتمكين الفلسطينيين من مباشرة أمورهم، وتمكين «لجنة التكنوقراط»، من مباشرة أعمالها من داخل القطاع وبكل مناطقه.

وتعهد رئيس مجلس الوزراء القطري وزير الخارجية الشيخ محمد بن عبد الرحمن آل ثاني، في كلمته، بتقديم الدوحة مليار دولار لدعم مهمة المجلس للتوصل إلى حل نهائي، مؤكداً أن مجلس السلام تحت قيادة ترمب «سيدفع للتنفيذ الكامل لخطة الـ20 بنداً دون تأخير».

الملاكمة الفلسطينية الهاوية النازحة فرح أبو القمسان أمام أنقاض مبنى مدمر في مدينة غزة (أ.ف.ب)

ويرى المحلل في الشؤون الإسرائيلية في مركز الأهرام للدراسات، الدكتور سعيد عكاشة، أن ما تم طرحه في «مجلس السلام» لا يحمل خططاً واضحة، وسيقود لارتباك في تنفيذ الاتفاق وربما تعثر وجمود، مشيراً إلى أن ترمب سارع في تحقيق إنجاز بتدشين المجلس دون التركيز على إنهاء العقبات والوصول إلى تفاهمات لها أولاً.

ويتفق معه المحلل السياسي الفلسطيني، نزار نزال، مشيراً إلى أن «تعهدات المجلس قد تتعثر في اختبار التنفيذ لأنه مُصَر على المضي في نقاط اقتصادية مثل جلب أموال للإعمار دون إعلان خطة واضحة أو نقاط أمنية مثل نزع سلاح (حماس) دون الحديث عن انسحاب إسرائيل أو مستقبل الحركة».

وتابع: «هذا البعد عن الالتزامات السياسية للمجلس يعد إشكالية وسيصطدم بتعقيدات أمنية تؤخر تنفيذ البنود الشائكة مثل نشر قوات الاستقرار أو انسحاب إسرائيل أو تمكين (لجنة التكنوقراط)».

أولوية «حماس»

بالمقابل، واصلت «حماس» عدم الصدام مع تصريحات ترمب التي يصدرها بشأن نزع سلاحها الأيام الأخيرة، معلنة في بيان الخميس، أن أي ترتيبات في قطاع غزة يجب أن تبدأ بـ«وقف كامل للعدوان الإسرائيلي».

وتعقيباً على الاجتماع، أكدت «حماس»، في بيان، مساء الخميس، أن «أي مسار سياسي أو ترتيبات تُناقش بشأن قطاع غزة ومستقبل شعبنا الفلسطيني يجب أن تنطلق من وقف كامل للعدوان ورفع الحصار وضمان الحقوق الوطنية المشروعة لشعبنا، وفي مقدمتها حقه في الحرية وتقرير المصير».

فيما قال الوسيط الأميركي بشارة بحبح في تصريحات صحافية الخميس، إن نزع سلاح «حماس» مرهون بتقديم ضمانات وحماية عناصرها.

ويستبعد عكاشة أن يتوقف العدوان في غزة، كما تريد «حماس»، طالما لم يتم نزع السلاح، حسب ما تكشف عنه التصريحات الأميركية والإسرائيلية، مشيراً إلى أن «هذا المسار التي ترسمه الحركة يقول إنها تريد البقاء وهو ما لن يسمح باستكمال بنود الاتفاق وقد نفاجأ بعودة للحرب، في ظل عدم حسم واشنطن صلاحيات وموعد نشر قوات الاستقرار».

ويعتقد نزال أنه «لا يمكن التفاوض مع (حماس) على انتهاء وجودها وتقبل، لا بد أن يتم بحث مستقبلها، وإنهاء معادلة المقايضات والتوجه لتفاهمات حقيقية وجادة».


الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
TT

الحوثيون يعطّلون مشاريع خدمية في 5 محافظات يمنية

قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)
قيادات حوثية تشرف على حفر آبار مياه في إحدى المديريات بمحافظة إب (إكس)

شهدت خمس محافظات يمنية خاضعة لسيطرة الجماعة الحوثية تعطيل عدد من المشاريع الخدمية الحيوية، في تطور وصفته مصادر حقوقية بأنه سعي من الجماعة الانقلابية لمفاقمة المعاناة الإنسانية والضغوط المعيشية على ملايين السكان.

وشملت عمليات الإيقاف والتعطيل مشاريع مياه وطرق رئيسية كانت تمثل شريان حياة لآلاف الأسر اليمنية، خصوصاً في المناطق الريفية التي تعاني أصلاً من ضعف الخدمات الأساسية وارتفاع معدلات الفقر.

وتشير إفادات محلية إلى أن مشاريع عدة وصلت إلى مراحل متقدمة من التنفيذ بجهود مجتمعية وتمويلات محلية أو خيرية، قبل أن تتوقف بصورة مفاجئة نتيجة تدخلات مباشرة أو غير مباشرة من قبل مشرفين تابعين للجماعة الحوثية، الأمر الذي تسبب في حرمان آلاف المواطنين من خدمات حيوية، وفي مقدمتها مياه الشرب ووسائل التنقل الآمنة.

ويرى مراقبون أن تعطيل هذه المشاريع يأتي في توقيت تواجه فيه البلاد واحدة من أسوأ الأزمات الإنسانية عالمياً، في ظل تدهور الاقتصاد وتراجع القدرة الشرائية وارتفاع تكاليف المعيشة، ما يجعل أي توقف في الخدمات الأساسية عاملاً مضاعفاً لمعاناة السكان.

نساء وأطفال في محافظة حجة يتدافعون للحصول على مياه للشرب تبرع بها فاعلو خير (فيسبوك)

في هذا السياق، تحولت أزمة المياه في محافظة عمران (50 كيلومتراً شمال صنعاء) إلى محور احتجاجات شعبية متواصلة في قرية ضحيان التابعة لمديرية خارف، حيث خرج السكان في مظاهرات غاضبة تنديداً بتعطيل مشروع مياه عمومي يخدم نحو ثلاثة آلاف نسمة. ورفع المحتجون لافتات تطالب بإعادة تشغيل المشروع ومحاسبة المتسببين في تعطيله، مؤكدين أن انقطاع المياه حوّل حياتهم اليومية إلى معاناة مستمرة.

وبحسب شهادات محلية، فإن المشروع توقف منذ أشهر طويلة نتيجة صراع بين مشرفين حوثيين على الإيرادات المالية الخاصة به، بعد اتهامات متبادلة بنهب العائدات وتحويلها لمصالح شخصية. وأدى ذلك الخلاف إلى توقف كامل للخدمة، تاركاً السكان دون مصدر منتظم لمياه الشرب.

ويؤكد أحد أبناء المنطقة (تحدث باسم مستعار) أن تجاهل مطالب الأهالي يعكس حجم الإهمال الذي تعانيه المناطق الريفية، محذراً من تداعيات صحية خطيرة مع استمرار انقطاع المياه، خصوصاً في ظل غياب البدائل وارتفاع أسعار نقل المياه من مناطق بعيدة.

وتشير مصادر حقوقية إلى أن أزمة المياه في عمران نموذج متكرر لواقع الخدمات في مناطق عدة، حيث تتحول المشاريع العامة إلى أدوات نفوذ وصراع، بدلاً من كونها وسائل لتحسين حياة السكان.

ابتزاز وتعطيل في إب

في محافظة إب (193 كيلومتراً جنوب صنعاء) أفادت مصادر محلية بتوقف مشروع مياه يخدم عشرات القرى في مديرية العدين غرب المحافظة، بعد ضغوط وعمليات ابتزاز تعرض لها القائمون على المشروع من قبل نافذين حوثيين. ويخدم المشروع سكان نحو خمسين قرية في عزلة «بني هات»، وكان يوفر المياه بأسعار منخفضة تتناسب مع الظروف الاقتصادية المتدهورة للأهالي.

وأوضحت المصادر أن القائمين على المشروع رفضوا دفع إتاوات مالية مفروضة عليهم، الأمر الذي أدى إلى إيقاف المشروع منذ مطلع الشهر الحالي. ويأتي ذلك في وقت يعاني فيه السكان أصلاً من نقص مزمن في الخدمات الحكومية، ما جعل المشروع يمثل شرياناً أساسياً للحياة اليومية.

الحوثيون يستهدفون بالطيران المسيّر معدات لشق طريق للسكان جنوب تعز (إكس)

ويقول سكان محليون إن توقف المشروع أجبر كثيراً من الأسر على شراء المياه بأسعار مرتفعة، ما استنزف دخولهم المحدودة، خصوصاً مع ارتفاع تكاليف النقل والوقود. كما حذر ناشطون من أن استمرار تعطيل المشاريع المجتمعية قد يدفع المبادرات المحلية إلى التراجع خوفاً من الضغوط أو الخسائر.

ويرى مراقبون أن فرض الإتاوات على المشاريع الخدمية يهدد بوقف المبادرات التنموية القائمة على الجهود المجتمعية، والتي أصبحت تمثل بديلاً شبه وحيد لتعويض غياب المؤسسات الحكومية الفاعلة.

استهداف الطرق

في محافظة تعز (جنوب غربي) توقفت أعمال شق طريق حيوي في مديرية سامع جنوب المدينة عقب استهداف معدة هندسية بطائرة مسيّرة، ما أدى إلى توقف كامل للمشروع الذي كان من المنتظر أن يسهم في ربط عدد من القرى المعزولة وتسهيل حركة السكان والبضائع.

وأثار الحادث موجة استياء واسعة بين الأهالي، الذين رأوا أن استهداف المشاريع الخدمية يمثل تهديداً مباشراً لحياتهم اليومية، مطالبين بتوفير حماية للمبادرات التنموية وضمان عدم تعرضها لأي أعمال عسكرية أو استهداف مباشر.

أما في محافظتَي ريمة وحجة (جنوب غربي وشمال غربي)، فقد اتهم مواطنون وناشطون الجماعة الحوثية بعرقلة مشاريع مياه وصيانة طرق رئيسية وفرعية، ما تسبب في تفاقم عزلة القرى الجبلية وارتفاع تكاليف التنقل والحصول على المياه. ويعاني أكثر من 120 ألف نسمة في حجة من شح حاد في مياه الشرب، في حين يواجه سكان ريمة صعوبات يومية بسبب تهالك الطرق ووعورة التضاريس.

جانب من احتجاجات سابقة أمام مبنى محافظة عمران الخاضعة للحوثيين (إكس)

وأجبر تدهور الطرق كثيراً من المرضى على قطع مسافات طويلة للوصول إلى المرافق الصحية، كما عاق وصول المساعدات الإنسانية إلى مناطق نائية، ما فاقم الوضع الإنساني والصحي للسكان.

ويؤكد محللون أن تعطيل مشاريع المياه والطرق لا يقتصر أثره على الخدمات المباشرة فحسب، بل يمتد ليؤثر على قطاعات الصحة والتعليم والتجارة، ويعمق حالة الاعتماد على المساعدات الإنسانية.

وفي ظل هذه التطورات، دعا ناشطون ووجهاء محليون إلى تحييد المشاريع الخدمية عن الصراعات السياسية والعسكرية، والسماح باستكمالها باعتبارها ضرورة إنسانية مُلحّة.


«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
TT

«الرئاسي اليمني» يتوعد بالتصدي لعناصر التخريب والفوضى

عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)
عناصر «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل حاولوا اقتحام القصر الرئاسي بعدن (أ.ب)

على خلفية محاولة عناصر موالية لما كان يُعرف بـ«المجلس الانتقالي الجنوبي» اقتحام القصر الرئاسي في عدن، شدد مجلس القيادة الرئاسي اليمني على أنه لن يسمح بحدوث فوضى في المدينة أو في سائر المحافظات الجنوبية، متهماً قوى إقليمية بالضلوع في تحركات مشبوهة لزعزعة الاستقرار وتقويض وحدة الصف.

وقال مصدر مسؤول في رئاسة مجلس القيادة، إن قيادة الدولة تابعت بأسف بالغ ما أقدمت عليه عناصر خارجة عن النظام والقانون من أعمال تحريض، وحشد مسلح ومحاولات متكررة للاعتداء على مؤسسات الدولة في العاصمة المؤقتة عدن، وما نجم عنها من سقوط ضحايا غداة انعقاد أول اجتماع للحكومة الجديدة التي شرعت في تحديد أولوياتها للنهوض بأوضاع المحافظات المحررة، وتحسين الخدمات، وتعزيز سُبل العيش الكريم للمواطنين.

وأوضح المصدر أن الأجهزة الأمنية تعاملت مع هذا التصعيد غير المسؤول بأقصى درجات ضبط النفس، وعملت على تفريق التجمعات التي حاولت قطع الطرقات وإثارة الشغب، واستهداف قوات الأمن بينما كانت تقوم بواجباتها الوطنية في حماية المنشآت السيادية وحفظ الأمن العام، وفقاً للقانون.

قوات الأمن تواجه أنصار «المجلس الانتقالي الجنوبي» المنحل خلال اشتباكات أمام القصر الرئاسي في عدن (أ.ب)

وأعرب المصدر عن بالغ الأسف لسقوط ضحايا جرّاء هذا التصعيد المنظم، مؤكداً أن الجهات التي قامت بالتمويل، والتسليح، والتحريض، ودفع عسكريين بزي مدني إلى المواجهة مع قوات الأمن، تتحمل كامل المسؤولية السياسية والأخلاقية والقانونية عن إراقة مزيد من دماء اليمنيين، والمقامرة بأمن العاصمة المؤقتة، ومصالح أبنائها.

وأكد المصدر الرئاسي أن قيادة الدولة، مع احترامها الكامل لحق التعبير السلمي المكفول دستورياً، تُشدد على أن أي اعتداء على مؤسساتها الوطنية أو تعطيل لعملها، أو استخدام الشارع وسيلة ضغط لتحقيق أهداف سياسية غير مشروعة، يُعد مساساً بالشرعية الدستورية ومصالح المواطنين، وسيُواجه بحزم، ولن يُسمح بتكراره تحت أي ظرف.

رسالة حاسمة

وأشار المصدر في مجلس القيادة الرئاسي اليمني إلى أن انعقاد الحكومة الجديدة في العاصمة المؤقتة عدن، يمثل رسالة حاسمة على مضي الدولة في استعادة انتظام جميع مؤسساتها من الداخل، وتكريس نموذج الاستقرار، والبناء على جهود السعودية في تطبيع الأوضاع، وتحسين الخدمات العامة، والشروع في حزمة مشروعات إنمائية سريعة الأثر، بما يؤسس لمرحلة واعدة في حياة المواطنين.

وأكد المصدر أن التوقيت المتزامن لهذا التصعيد مع التحسن الملموس في الخدمات، والتحضيرات الجارية للمؤتمر الجنوبي برعاية السعودية، يُثير تساؤلات جدية حول الدور المشبوه لبعض القوى الإقليمية التي تسعى لإعادة إنتاج الفوضى وتعطيل أي مساعٍ لتوحيد الصف الوطني في مواجهة التهديد الوجودي المتمثل في الميليشيات الحوثية الإرهابية المدعومة من النظام الإيراني.

الحكومة اليمنية الجديدة عقدت أول اجتماع لها في عدن (إكس)

وشدد المصدر على أن الدولة لن تسمح بتحويل عدن والمحافظات الجنوبية إلى ساحة للفوضى، وتنفيذ مشروعات إقليمية مشبوهة، وأنها ماضية، بدعم من السعودية، في حماية مواطنيها ومصالحهم العليا، وردع أي أنشطة تستهدف زعزعة الأمن والاستقرار أو تعطيل مسار البناء وإعادة الإعمار، واستعادة مؤسسات الدولة.

كما دعا المصدر الرئاسي المواطنين في عدن وبقية المحافظات المحررة إلى التعاون مع الأجهزة الأمنية لحماية المكتسبات المتحققة، وعدم الانجرار وراء دعوات الفوضى الصادرة عن عناصر فارين من وجه العدالة وكياناتها المنحلة المدعومة من الخارج، في إشارة إلى ما كان يُسمى «المجلس الانتقالي الجنوبي».

واختتم المصدر الرئاسي تصريحه بالقول: «إن مستقبل الجنوب لن يُبنى بالاعتداء على مؤسسات الدولة أو تعطيلها، بل بإعادة إعمارها، وتحسين خدماتها، والمشاركة الواعية والمسؤولة في الحوار الجنوبي المرتقب».