سحب سفراءالسعودية والإمارات والبحرين من الدوحة لعدم تنفيذها «اتفاقية الرياض»

الشيخ خالد آل خليفة لـ («الشرق الأوسط») : المسألة تجاوزت أمن حدودنا

المجلس الوزاري الخليجي خلال اجتماعه في الرياض أول من أمس (واس)
المجلس الوزاري الخليجي خلال اجتماعه في الرياض أول من أمس (واس)
TT

سحب سفراءالسعودية والإمارات والبحرين من الدوحة لعدم تنفيذها «اتفاقية الرياض»

المجلس الوزاري الخليجي خلال اجتماعه في الرياض أول من أمس (واس)
المجلس الوزاري الخليجي خلال اجتماعه في الرياض أول من أمس (واس)

قررت السعودية والإمارات والبحرين سحب سفرائها من دولة قطر وذلك بعد مرور ثلاثة أشهر على توقيع اتفاقية مشتركة بين الرياض والدوحة بحضور أمير الكويت الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح. في سابقة خليجية تعد الأولى من نوعها على هذا المستوى.
وجاء في البيان المشترك الذي أصدرته كل من السعودية والإمارات والبحرين توضيحا لعدم التزام قطر بالاتفاقية المبرمة في الرياض في نوفمبر (تشرين الثاني) الماضي الذي صدر توضيحا لهذا القرار بما نصه: «اضطرت الدول الثلاث للبدء في اتخاذ ما تراه مناسبا لحماية أمنها واستقرارها، وذلك بسحب سفرائها من دولة قطر اعتبارا من هذا اليوم (أمس) 4-5-1435هـ الموافق 5-3-2014م. وإن الدول الثلاث لتؤكد حرصها على مصالح كافة شعوب دول المجلس بما في ذلك الشعب القطري الشقيق الذي تعده جزءا لا يتجزأ من بقية دول شعوب دول المجلس، وتأمل في أن تسارع دولة قطر إلى اتخاذ الخطوات الفورية للاستجابة لما سبق الاتفاق عليه، ولحماية مسيرة دول المجلس من أي تصدع، والذي تعقد عليه شعوبها آمالا كبيرة».
وأوضح البيان «تود كل من المملكة العربية السعودية ودولة الإمارات العربية المتحدة ومملكة البحرين أن توضح أنه بناء على ما تمليه مبادئ الشريعة الإسلامية السمحة من ضرورة التكاتف والتعاون وعدم الفرقة امتثالا لقوله تعالى (واعتصموا بحبل الله جميعا ولا تفرقوا) وقوله سبحانه (ولا تنازعوا فتفشلوا وتذهب ريحكم)».
وأضاف البيان: «والتزاما منها بالمبادئ التي قام عليها النظام الأساسي لمجلس التعاون لدول الخليج العربية، والذي نص على إدراك الدول الأعضاء بالمصير المشترك ووحدة الهدف التي تجمع بين شعوبها وما يهدف إليه المجلس من تحقيق التنسيق والتعاون والترابط بين الدول الأعضاء في جميع الميادين وصولا إلى وحدتها وتعميق وتوثيق الروابط والصلات وأوجه التعاون القائمة بين شعوبها في مختلف المجالات».
وأشار البيان إلى أنه «من منطلق الرغبة الصادقة لدى قادتها بضرورة بذل كل الجهود لتوثيق عرى الروابط بين دول المجلس، ووفقا لما تتطلع إليه شعوبها من ضرورة المحافظة على ما تحقق ولله الحمد من إنجازات ومكتسبات، وفي مقدمتها المحافظة على أمن واستقرار دول المجلس، والذي نصت الاتفاقية الأمنية الموقعة بين دول المجلس على أنه مسؤولية جماعية يقع عبؤها على هذه الدول، فقد بذلت دولهم جهودا كبيرة للتواصل مع دولة قطر على كل المستويات بهدف الاتفاق على مسار نهج يكفل السير ضمن إطار سياسة موحدة لدول المجلس تقوم على الأسس الواردة في النظام الأساسي لمجلس التعاون، وفي الاتفاقيات الموقعة بينها، بما في ذلك الاتفاقية الأمنية، والالتزام بالمبادئ التي تكفل عدم التدخل في الشؤون الداخلية لأي من دول المجلس بشكل مباشر أو غير مباشر، وعدم دعم كل من يعمل على تهديد أمن واستقرار دول المجلس من منظمات أو أفراد، سواء عن طريق العمل الأمني المباشر أو عن طريق محاولة التأثير السياسي، وعدم دعم الإعلام المعادي».
وأشار إلى أنه «مع أن تلك الجهود قد أسفرت عن موافقة دولة قطر على ذلك من خلال توقيع صاحب السمو الشيخ تميم بن حمد آل ثاني، أمير دولة قطر، على الاتفاق المبرم على أثر الاجتماع الذي عقد في الرياض بتاريخ 19-1-1435هـ الموافق 23-11-2013م بحضور صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح، أمير دولة الكويت، والذي وقعه وأيده جميع قادة دول المجلس، فإن الدول الثلاث كانت تأمل في أن يتم وضع الاتفاق - المنوه عنه - موضع التنفيذ من قبل دولة قطر حال التوقيع عليه».
وأوضح «إلا أنه وفي ضوء مرور أكثر من ثلاثة أشهر على توقيع ذلك الاتفاق دون اتخاذ دولة قطر الإجراءات اللازمة لوضعه موضع التنفيذ، وبناء على نهج الصراحة والشفافية التامة التي دأب قادة الدول الثلاث على الأخذ بها في جميع القضايا المتعلقة بالمصالح الوطنية العليا لدولهم، واستشعارا منهم لجسامة ما تمر به المنطقة من تحديات كبيرة ومتغيرات تتعلق بقضايا مصيرية لها مساس مباشر بأمن واستقرار دول المجلس، فإن المسؤولية الملقاة على عاتقهم أوجبت تكليفهم لأصحاب السمو والمعالي وزراء خارجية دولهم لإيضاح خطورة الأمر لدولة قطر، وأهمية الوقوف صفا واحدا تجاه كل ما يهدف إلى زعزعة الثوابت والمساس بأمن دولهم واستقرارها، وذلك في الاجتماع الذي تم عقده في دولة الكويت بتاريخ 17-4-1435هـ الموافق 17-2-2014م بحضور صاحب السمو الشيخ صباح الأحمد الجابر الصباح أمير دولة الكويت، وصاحب السمو الشيخ تميم بن حمد بن خليفة آل ثاني أمير دولة قطر، ووزراء خارجية دول المجلس، والذي تم خلاله الاتفاق على أن يقوم وزراء خارجية دول المجلس بوضع آلية لمراقبة تنفيذ اتفاق الرياض، وقد تلا ذلك اجتماع وزراء خارجية دول المجلس في الرياض يوم 3-5-1435هـ الموافق 4-3-2014م، والذي تم خلاله بذل محاولات كبيرة لإقناع دولة قطر بأهمية اتخاذ الإجراءات اللازمة لوضع اتفاق الرياض موضع التنفيذ، والموافقة على آلية لمراقبة التنفيذ، إلا أن كافة تلك الجهود لم يسفر عنها مع شديد الأسف موافقة دولة قطر على الالتزام بتلك الإجراءات».
وفي رد فعل قطري، أصدر مجلس الوزراء في الدوحة بيانا عبر فيه عن أسف قطر واستغرابها للبيان الذي صدر من قبل الدول الشقيقة المملكة العربية السعودية والإمارات العربية المتحدة والبحرين بسحب سفرائها من الدوحة.
وأوضح البيان الذي نشرته وكالة الأنباء القطرية أنه لا علاقة لسحب السفراء بمصالح الدول الثلاث – السعودية والبحرين والإمارات – بل باختلاف في المواقف حول بعض القضايا الواقعة خارج دول مجلس التعاون.
وأوضح البيان أن دولة قطر كانت وستظل دائما ملتزمة بقيم الأخوة التي تعني الأشقاء في المجلس، وهذا هو الذي يمنع دولة قطر من اتخاذ إجراء مماثل بسحب سفرائها، حسب ما جاء في البيان.
وفي تصريح لـ«الشرق الأوسط» قال وزير الخارجية البحريني الشيخ خالد بن أحمد آل خليفة أن الخطر لم يعد يقتصر على أمن بلاده فقط، وإنما أمن دول الخليج بشكل عام، مبينا أن موقف السعودية والإمارات والدول الأخرى يوازي موقف بلاده، وهو حازم وصلب تجاه الإرهاب، وذلك عقب التفجيرات الأخيرة التي شهدتها عاصمة بلاده المنامة.
وأوضح الشيخ خالد أن الخليجيين أدرجوا ثلاث منظمات في البحرين، وهي: ائتلاف 14 فبراير، وسرايا أشتر، وسرايا المقاومة؛ ضمن القوائم الإرهابية. وأضاف أنهم سيتواصلون في هذا الإطار لدعوة مختلف دول العالم لذلك الإجراء، مبينا أن أعمال الإرهاب أصبحت تتزايد بوضوح في البحرين، وأن الدور الإقليمي فيها من قبل عناصر إيرانية كبير.
وذكر وزير الخارجية البحريني أن الإرهاب شيء والعمل السياسي لأي معارضة شيء آخر، واصفا ما تواجهه البحرين اليوم بالإرهاب، مؤكدا أن حكومة بلاده تتعامل بسعة صدر في كل جانب سياسي، لكن مع الإرهاب لا توجد سعة صدر، مضيفا أن الوقفة الخليجية ضد النشاطات الإرهابية لـ«حزب الله» اللبناني واحدة.
وقال نائب رئيس الشرطة والأمن العام في إمارة دبي الفريق ضاحي خلفان أن سحب السفراء الخليجيين لكل من دولة الإمارات والبحرين والسعودية أتى بمثابة تعبير رسمي عن عدم الرضى الخليجي مع السياسة القطرية التي ينتهجها المسؤولون، قائلا: «كان ينبغي على القطريين أن يتنبهوا بشأن سياساتهم المخالفة للأمن القومي الخليجي والعربي».
وأضاف الفريق خلفان بأن كافة الأعمال والسياسات الاستفزازية دفعت دول الجوار إلى الشعور بالاستياء تجاه سياسات قطر الخارجية الأمر الذي دفع قادة دول الخليج إلى أخذ موقفهم الثلاثي بضرورة سحب السفراء.
وذكر أن السياسة القطرية على خلاف واضح مع كل من السعودية والإمارات والبحرين على صعيد التعاون الخليجي ومواجهة الأزمات العربية والعالمية، قائلا: «على قطر إما أن تكون عضوا فاعلا ومتعاونا مع دول المجلس أو أن تكون خارج المنظومة الخليجية ووداعا لها».
وبين أن القرار بحق قطر اتخذ نتيجة لعدم مراعاتها الخطوط الحمراء للأمن القومي الخليجي وبالأخص من خلال شن حملات مختلفة سواء كانت من قبل رجال دين أو عبر وسائل الإعلام، لتأجيج الأزمات بالمنطقة.
وأكد الفريق ضاحي خلفان أن قرار الدول الخليجية الثلاث تأتي متفقة تماما مع كل من الكويت وسلطنة عمان، قائلا: «إن الموقف الخليجي موحد من حيث الاستياء الرسمي بشأن السياسات القطرية وإن كلا من الكويت وعمان لديهما ذات التحفظات بشأن الدعم القطري لـ(الإخوان) والجماعات الإرهابية».
وأوضح أن القرار الثلاثي أتى بعد ملامسة الدول الخليجية المعنية بالقرار وبشكل مباشر للتصرفات الاستفزازية من قبل قطر، مشيرا إلى أن الخطوة القادمة من قبل قطر تعتمد على مدى حكمة السياسة القطرية قائلا: «إما أن تبقى قطر على مكابرتها أو أن تتعقل».
وحول انعكاس سحب السفراء الخليجيين من الدوحة على الجوانب الاقتصادية والتجارية أكد الفريق خلفان أن التأثير سيكون قائما بلا شك بتعطل بعض المصالح نتيجة غياب السفراء.
وأشار إلى أن سحب السفراء لا يعكس فقط الاستياء الرسمي والحكومي للدول الخليجية وإنما أيضا الغضب الشعبي على صعيد الخليج والوطن العربي اشتمل أيضا حتى البلدان التي قامت قطر على مساعدتها في بادئ الأمر باتت اليوم تلوم سياساتها متسائلا: «أين تتجه قطر وماذا تريد وهل تدرك حجم الاستياء وعدم الرضا الشعبي تجاه سياساتها؟».
وفي نفس الشأن، قال رئيس لجنة الشؤون الخارجية بمجلس الشورى الدكتور عبد الله العسكر لـ«الشرق الأوسط» بأن قطر لم تلتزم بالاتفاقية الأمنية التي وقعتها مع دول المجلس وأضاف: «الاتفاقية تنص على ضرورة التنسيق الأمني التام بين دول المجلس»، وواصل حديثه بقوله: «يجب على قطر إعادة حساباتها»، في إشارة إلى سياسة الدوحة حيال ملفات المنطقة المختلفة.
ولفت العسكر إلى أن خطوة سحب السفير لا تقود إلى القطيعة، وإنما تعد عتبا دبلوماسيا كبيرا من لدن الدول الثلاث، حيال ما انتهجته الدوحة من نهج سياسي لم يبق أمام دول المجلس سوى اتخاذ قرار سحب السفراء.
وقال رئيس لجنة الشؤون الخارجية في مجلس الشورى السعودي «إن سحب السفراء يعد خطوة غير مسبوقة منذ تأسيس المجلس، وأخشى أن تؤثر على الصراع الميداني في سوريا لصالح النظام».
وعرّج العسكر خلال حديثه أن هناك فرصة لإعادة النظر في أسس وقواعد البيت الخليجي، وجعلها أكثر قوة وتماسكا وإلزاما في الوقت نفسه.



ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
TT

ملف حقوق الإنسان يتصدّر أولويات الحكومة اليمنية الجديدة

الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)
الحوثيون متهمون بارتكاب آلاف الانتهاكات لحقوق الإنسان في اليمن (أ.ب)

دفعت الحكومة اليمنية الجديدة بملف حقوق الإنسان إلى واجهة أولوياتها السياسية والمؤسسية، في مسعى لإعادة بناء الثقة داخلياً وتعزيز حضور الدولة قانونياً ودولياً، بالتوازي مع تكثيف الجهود لتوثيق الانتهاكات ومحاسبة مرتكبيها، وتحسين أوضاع الحقوق والحريات في المناطق المحررة.

وتأتي هذه التحركات في سياق رؤية أوسع تهدف إلى ترسيخ دولة المؤسسات والقانون، وإظهار التزام رسمي بمعايير العدالة وحقوق الإنسان، بوصفها ركناً أساسياً في مسار الاستقرار وإعادة بناء الدولة.

وخلال لقاء مع وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة، مشدل عمر، شدد عضو مجلس القيادة الرئاسي، طارق صالح، على «أهمية اضطلاع الوزارة بدور أكثر فاعلية في توثيق الانتهاكات الجسيمة التي ترتكبها جماعة الحوثي بحق المدنيين، وفي مقدمتها زراعة الألغام، وتجنيد الأطفال، وفرض القيود على الحريات العامة»، مؤكداً «ضرورة عرض هذه الملفات أمام الهيئات الدولية المختصة، بما يُسهم في ضمان عدم إفلات المسؤولين عنها من المساءلة».

طارق صالح يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما دعا صالح إلى «تكثيف النزول الميداني إلى مراكز الاحتجاز في المناطق المحررة، للتحقق من مدى التزامها بالمعايير القانونية والإنسانية»، مشدداً «على أن بناء دولة النظام والقانون يمثّل الضمانة الحقيقية لحماية الحقوق وصون الكرامة الإنسانية».

تعزيز المساءلة

في لقاء آخر مع الوزير مشدل عمر، أكد عضو مجلس القيادة الرئاسي عبد الرحمن المحرّمي، «ضرورة رفع تقارير مهنية دقيقة حول الانتهاكات، خصوصاً في مناطق التماس، بما يُسهم في كشف الممارسات المخالفة للقانون الدولي، وتعزيز فرص المساءلة مستقبلاً».

وشدد المحرّمي على «أهمية تطوير آليات الرصد والتوثيق، وتعزيز حضور وزارة حقوق الإنسان في المحافظات، بما يسمح بمتابعة الانتهاكات بشكل مباشر، وتقليص الفجوة بين المؤسسات الحكومية والمجتمع المحلي».

المحرّمي يستقبل وزير «حقوق الإنسان» في الحكومة اليمنية الجديدة (سبأ)

كما جرى تأكيد «ضرورة تنظيم الندوات وورشات العمل لنشر ثقافة حقوق الإنسان، وتدريب منتسبي الأجهزة الأمنية والقضائية على المبادئ القانونية الدولية، بما يضمن احترام الحقوق خلال مختلف الإجراءات الرسمية».

ويرى مراقبون أن هذا التوجه يعكس محاولة لإعادة صياغة صورة المؤسسات الحكومية، عبر الانتقال من ردود الفعل إلى بناء منظومة وقائية تمنع الانتهاكات قبل وقوعها، وتؤسّس لثقافة مؤسسية قائمة على احترام القانون.

شراكات دولية ورقابة ميدانية

في موازاة الجهد الداخلي، تسعى الحكومة اليمنية إلى توسيع تعاونها مع الشركاء الدوليين لدعم البنية الحقوقية والمؤسسية؛ إذ بحث وزير «حقوق الإنسان» مشدل عمر، مع السفير الألماني لدى اليمن توماس شنايدر، سبل تعزيز التعاون الثنائي، ودعم الآليات الوطنية المختصة، وتمكين منظمات المجتمع المدني، بالإضافة إلى تطوير برامج الدعم الفني وبناء القدرات.

ونقل الإعلام الرسمي أن الوزير أشاد بالدور الألماني في دعم الجهود الإنسانية والحقوقية، لافتاً إلى «أن الشراكات الدولية تمثّل عاملاً مهماً في تعزيز سيادة القانون وترسيخ المعايير الحقوقية، خصوصاً في ظل التحديات التي تواجهها المؤسسات الوطنية نتيجة سنوات الصراع».

وزير «حقوق الإنسان» اليمني مشدل عمر مع السفير الألماني (سبأ)

وعلى الصعيد الميداني، نفّذت «اللجنة الوطنية اليمنية للتحقيق في ادعاءات انتهاكات حقوق الإنسان» (حكومية-مستقلة) جولة في محافظة الحديدة، حيث عاينت عدداً من السجون ومراكز الاحتجاز في مديريتي حيس والخوخة. وشملت الزيارات «سجن أبو موسى الأشعري»، و«سجن الوحدة (400)»، بالإضافة إلى «سجن الاحتياط» التابع لإدارة أمن حيس ومركز احتجاز اللواء السابع عمالقة.

وأكدت اللجنة أن هذه الزيارات «تأتي ضمن ولايتها القانونية للتحقق من أوضاع المحتجزين، والاستماع إلى إفاداتهم وتقييم الضمانات الأساسية، بما يشمل مشروعية الاحتجاز، وظروف الإيواء والرعاية الصحية، وحق الاتصال بالأهل والتمثيل القانوني، تمهيداً لتضمين النتائج في تقاريرها الدورية المبنية على الأدلة الميدانية».

Your Premium trial has endedYour Premium trial has endedYour Premium trial has ended


اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
TT

اليمن: إتاوات الانقلابيين تستنزف أصحاب رؤوس الأموال

مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)
مبنى وزارة الصناعة والتجارة الخاضعة لسيطرة الحوثيين في صنعاء (فيسبوك)

تشهد مناطق سيطرة الجماعة الحوثية في اليمن، وفي مقدمتها العاصمة المختطفة صنعاء، موجة متسارعة من نزوح رؤوس الأموال والكفاءات المهنية، وسط اتهامات للجماعة بفرض سياسات مالية وإدارية وإتاوات متنوعة تُقيد النشاط التجاري وتُضعف ثقة المستثمرين.

ويأتي هذا النزيف الاقتصادي في وقت يعاني فيه اليمن أساساً من أزمة إنسانية ومعيشية معقدة، ما يضاعف من آثار الانكماش الاقتصادي على السكان والأسواق على حد سواء.

ويشير رجال أعمال وأصحاب شركات، إلى الإجراءات المفروضة عليهم خلال السنوات الأخيرة، بما في ذلك الجبايات المتكررة والرسوم غير القانونية، والتدخلات المباشرة في إدارة الأنشطة التجارية.

مبنى الاتحاد العام للغرف التجارية الصناعية الخاضع للحوثيين في صنعاء (إكس)

وبحسب إفادات التجار، أدى سلوك الحوثيين إلى خلق بيئة استثمارية طاردة دفعت كثيرين إلى نقل أعمالهم خارج مناطق آمنة، سواء إلى مناطق سيطرة الحكومة المعترف بها دولياً، أو إلى دول مجاورة توفر قدراً أكبر من الاستقرار القانوني والاقتصادي.

ويقول تجار في صنعاء، إن تعدد الجهات التي تفرض الرسوم والإتاوات، جعل تكلفة التشغيل مرتفعة بصورة غير مسبوقة، في ظل غياب معايير واضحة لتنظيم النشاط الاقتصادي.

قرارات مجحفة

ويشير التجار في مناطق سيطرة الجماعة الحوثية، إلى أن القرارات الاقتصادية المجحفة تُتخذ بشكل مفاجئ ودون إطار قانوني مستقر، الأمر الذي يجعل التخطيط طويل الأمد، شبه مستحيل بالنسبة للشركات والمستثمرين.

ويرى خبراء اقتصاديون أن السياسات الاقتصادية الحوثية أسهمت في تسريع هروب ما تبقى من رؤوس الأموال المحلية، مؤكدين أن المشكلة لم تعد تقتصر على من غادر بالفعل؛ بل تشمل أيضاً شريحة واسعة من المستثمرين الذين يفكرون جدياً في الرحيل.

ويلفت هؤلاء إلى أن فقدان الثقة أصبح العامل الأكثر تأثيراً في القرارات الاستثمارية، متجاوزاً حتى التحديات الأمنية أو ضعف البنية التحتية.

ويحذر اقتصاديون من أن استمرار فرض الجبايات تحت تسميات متعددة؛ مثل دعم الأنشطة التعبوية، أو تمويل فعاليات الجماعة الحوثية، يؤدي إلى استنزاف السيولة داخل السوق المحلية، ما يقلص قدرة الشركات على التوسع أو حتى الاستمرار.

حوثيون على متن دورية يخطفون تجاراً وأصحاب مهن في صنعاء (الشرق الأوسط)

كما أن التدخلات المباشرة في القطاع الخاص، بما في ذلك المداهمات أو فرض الوصاية غير الرسمية على بعض الأنشطة، خلقت حالة من القلق الدائم لدى المستثمرين.

ويُنظر إلى مغادرة عدد من رجال الأعمال البارزين خلال الفترة الأخيرة، باعتبارها مؤشراً على تدهور المناخ الاقتصادي، حيث يرى مراقبون أن خروج شخصيات اقتصادية معروفة، يعكس تراجع الثقة في إمكانية استقرار بيئة الأعمال مستقبلاً.

ويؤكد محللون أن رأس المال بطبيعته يبحث عن الأمان والاستقرار، وعندما يفقدهما يتحرك سريعاً نحو بيئات أقل مخاطرة.

نزيف الكفاءات

ولم يقتصر النزوح على رؤوس الأموال فقط؛ بل امتد إلى الكفاءات المهنية في قطاعات حيوية، مثل الطب والهندسة وتقنية المعلومات والتعليم، حيث فضّل آلاف المتخصصين البحث عن فرص عمل أكثر استقراراً داخل اليمن أو خارجه.

ويعدّ هذا التحول أحد أخطر تداعيات الأزمة الاقتصادية، نظراً لما يمثله رأس المال البشري من عنصر أساسي في أي عملية تعافٍ اقتصادي مستقبلي.

آلية حوثية تعتدي على باعة أرصفة بالقرب من متاجر في صنعاء (إعلام حوثي)

ويؤكد خبراء أن فقدان الكوادر المؤهلة في مناطق سيطرة الحوثيين، يؤدي إلى تراجع جودة الخدمات الأساسية، وبخاصة في القطاعات الصحية والتعليمية، كما يُضعف قدرة الاقتصاد المحلي على الابتكار أو إعادة البناء. ومع استمرار القيود المفروضة على الاستيراد والتصدير وارتفاع تكاليف التشغيل، تصبح فرص خلق وظائف جديدة، محدودة، ما يدفع مزيداً من الشباب إلى التفكير بالهجرة.

وتشير تقديرات غير رسمية إلى إغلاق أعداد متزايدة من المنشآت التجارية خلال الأعوام الماضية، بالتزامن مع ارتفاع معدلات البطالة وتراجع القدرة الشرائية للسكان.

ويؤدي هذا الوضع إلى حلقة مفرغة؛ إذ يسهم انكماش الاقتصاد في تقليص الإيرادات، ما يدفع السلطات الحوثية القائمة إلى زيادة الجبايات، الأمر الذي يسرّع بدوره خروج المستثمرين والكفاءات.


الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
TT

الحوثيون يصعّدون استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية

عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)
عناصر من الحوثيين خلال حشد نظمته الجماعة أمام مبنى السفارة الأميركية بصنعاء (أ.ب)

كثّفت الجماعة الحوثية خلال الأيام الأخيرة، من استهداف المدنيين في 3 محافظات يمنية، وسط حالة توتر متصاعدة، ومخاوف كبيرة من اندلاع احتجاجات شعبية داخل مناطق سيطرة الجماعة.

وتشير تقارير حكومية وحقوقية إلى أن حوادث القمع الأخيرة، التي شملت عمليات قتل وقنص وحصار أحياء سكنية، ترتبط بشكل مباشر بمحاولات منع أي تحركات احتجاجية، أو مطالبات بالإفراج عن معتقلين في سجون الجماعة.

وتأتي هذه التطورات في وقت تعيش فيه الجماعة الحوثية حالة استنفار أمني غير مسبوقة، وسط تقديرات محلية بأن تصاعد الضغوط الاقتصادية والاجتماعية قد يدفع نحو موجة احتجاجات شعبية، وهو ما تسعى الجماعة إلى احتوائه عبر القبضة الأمنية المشددة.

وكان أبرز هذه الانتهاكات في مدينة رداع بمحافظة البيضاء (جنوب شرقي صنعاء)، حيث قُتل الشاب عبد الله الحليمي، وأصيب رفيقه عبد الله الزيلعي بعد دعوتهما السكان إلى تنظيم وقفة احتجاجية للمطالبة بالإفراج عن ثمانية من أقاربهما المعتقلين منذ ثمانية أشهر. وحسب مصادر حكومية، فإن عناصر تابعة للحوثيين، أطلقت النار على الشابين في سوق الحراج وسط المدينة عقب رصد تحركاتهما لحشد المواطنين.

آخر ضحايا الحوثيين في مدينة رداع التابعة لمحافظة البيضاء (إعلام محلي)

وأوضحت المصادر، أن الدعوة للاحتجاج جاءت على خلفية اعتقال أقارب الشابين بعد حادثة قتل سابقة مرتبطة بنزاع قبلي، الأمر الذي أدى إلى توتر متصاعد داخل المجتمع المحلي.

وأكدت المصادر، أن حملة أمنية أُرسلت إلى السوق فور انتشار الدعوة، قبل أن تتطور الأوضاع إلى مواجهة مباشرة انتهت بمقتل الحليمي، وإصابة رفيقه بجروح خطيرة نقل على أثرها إلى العناية المركزة.

وتشير شهادات محلية، إلى أن الحادثة أعادت إحياء مشاعر الغضب في المدينة، خصوصاً أن والد الضحية قُتل قبل أقل من عام في حادثة مشابهة، ما عزز المخاوف من دخول المنطقة في دوامة ثأر اجتماعي قد يصعب احتواؤها.

حصار الأحياء

منظمات حقوقية يمنية عبّرت عن قلق بالغ إزاء ما وصفته بـ«التصعيد العسكري الخطير» في رداع، مؤكدة أن الجماعة فرضت حصاراً على حي الحفرة، واستخدمت الأسلحة الثقيلة والمتوسطة داخل مناطق سكنية مكتظة بالسكان. وأفادت بأن العمليات العسكرية أدت إلى سقوط قتلى وجرحى بين المدنيين، إضافة إلى موجة نزوح داخلي وحالة هلع واسعة بين النساء والأطفال.

وأكدت «الشبكة اليمنية للحقوق والحريات» أن قصف الأحياء السكنية وإغلاق الطرق ومنع وصول المساعدات الطبية، يمثل انتهاكاً صريحاً لقواعد القانون الدولي الإنساني، مشيرة إلى أن السكان حُرموا من حرية الحركة والوصول إلى الخدمات الأساسية، بما في ذلك الرعاية الصحية.

دعوات حقوقية لتدخل دولي لحماية المدنيين في مناطق سيطرة الحوثيين (إعلام محلي)

كما لفتت إلى أن استمرار العمليات العسكرية داخل المدن يعكس استخفافاً بحياة المدنيين، ويضاعف من المخاطر الإنسانية، خصوصاً على الفئات الأكثر هشاشة مثل الأطفال وكبار السن. وأدى إغلاق الطرق إلى تأخير وصول فرق الإسعاف والإغاثة، ما فاقم من معاناة الجرحى والمصابين.

من جهته، قال وزير الإعلام اليمني معمر الارياني في تصريح رسمي إن «ما يجري في حي الحفرة يؤكد أن ميليشيات الحوثي ماضية في نهجها القائم على الانتقام الجماعي، وتصفية الحسابات خارج إطار القانون، وترهيب المجتمع وإخضاعه بالقوة المسلحة، في انتهاك صارخ لكل القوانين والأعراف الوطنية والدولية».

وطالب الإرياني «منظمات حقوق الإنسان المحلية والدولية، والآليات الأممية المعنية، بإدانة واضحة وصريحة لهذه الجرائم، وتوثيقها، والعمل على مساءلة مرتكبيها»، مؤكداً أن «هذه الجرائم لا تسقط بالتقادم، وأن جميع المتورطين فيها، من الآمرين والمنفذين، سيظلون عُرضة للملاحقة والمساءلة عاجلاً أم آجلا».

استهداف في تعز وإب

ولم تقتصر حوادث العنف على محافظة البيضاء، إذ شهدت محافظة تعز إصابة امرأة تُدعى كاتبة إسماعيل، برصاص قناص حوثي في منطقة وادي صالة شرق المدينة، أثناء وجودها في المنطقة، حيث نُقلت إلى المستشفى العسكري وهي في حالة حرجة.

وفي محافظة إب، قُتل فتى في حادثة إطلاق نار أثارت موجة غضب شعبية ومطالبات بملاحقة الجاني وتقديمه إلى العدالة، وسط تصاعد المخاوف من انتشار ظاهرة الإفلات من العقاب.

وتقول منظمات حقوقية، إن تكرار هذه الحوادث يعكس نمطاً متصاعداً من استهداف المدنيين عبر القنص أو إطلاق النار المباشر، في انتهاك واضح للحق في الحياة والسلامة الجسدية.

الحوثيون اعتقلوا آلاف اليمنيين وسط مخاوفهم من انتفاضة شعبية (إعلام محلي)

ودعت تلك المنظمات إلى فتح تحقيقات عاجلة وشفافة في جميع الحوادث، وضمان محاسبة المسؤولين عنها، إضافة إلى وقف استخدام الأسلحة داخل الأحياء السكنية، ورفع الحصار عن المناطق المتضررة. كما طالبت بتوفير ممرات إنسانية آمنة لإجلاء الجرحى، وضمان وصول المساعدات الطبية.

وفي هذا السياق، ناشدت الجهات الحقوقية، المجتمع الدولي ووكالات الإغاثة، بما في ذلك الأمم المتحدة، التحرك العاجل للضغط من أجل حماية المدنيين ومنع اتساع رقعة العنف، محذّرة من أن استمرار التصعيد قد يقود إلى كارثة إنسانية جديدة، ويقوّض فرص التهدئة الهشة أصلاً.