علم المنطق لفظًا وأداة

عرّفته القواميس العربية القديمة من حيثية وظيفته

فرنسيس فوكوياما  -  تمثال نصفي لأرسطو
فرنسيس فوكوياما - تمثال نصفي لأرسطو
TT

علم المنطق لفظًا وأداة

فرنسيس فوكوياما  -  تمثال نصفي لأرسطو
فرنسيس فوكوياما - تمثال نصفي لأرسطو

بالنظر إلى مآلات مناهج التفكير والبحث، يصح لنا أن نقول إنه لم يعامل أي منهج بمقدار الاحتفاء والتثمين الذي عومل به المنطق الأرسطي خلال تاريخ الفكر، حيث ظل – خاصة في السياق الثقافي الأوروبي - يشكل المرجعية المعيارية لقياس صدقية السلوك المعرفي، طيلة أزيد من ألفي عام. وإذا كان راموس ودافنشي، ثم ديكارت وبيكون، قد تجرأوا على نقده واتهامه بالعقم، فإنهم على الرغم من ذلك، لم يستطيعوا التقليل من جاذبيته وسحر نسقه البنائي؛ إذ إلى حدود القرن الثامن عشر نجد إيمانويل كانط، فيلسوف النقد، يتناسى وظيفة النقد هذه عند ارتطامه بصرح المنطق الأرسطي، فيقول عنه، بانبهار واندهاش، إنه العلم الذي ولد من عقل أرسطو كاملا.
أجل، لو استثنينا السياق الثقافي الإسلامي، حيث انتقد المنطق من قِبَلِ السهروردي والنوبختي وابن تيمية، جاز القول بأنه لم ينله أي نقد ابستمولوجي جاد طيلة عشرين قرنا. إذ لم يبدأ الإرهاص بالتحول عن المنطق الأرسطي في الالتماع في واقع الثقافة الأوروبية، إلا في القرن السابع عشر مع فرنسيس بيكون. ولم تكن البداية الفعلية لتجاوز السياج الحديدي الذي وضعه أرسطو لمعيارية الفكر إلا مع لايبنز، بفضل إحساسه بضرورة الانتقال إلى الصياغة الرياضية، وتأسيس منطق رمزي. وهنا يُفرض السؤال التالي: ما سبب هذه الهيمنة الإطلاقية، وهذا التسييد المبالغ فيه لمعيارية التفكير التي ابتدعها أرسطو؟ وما الذي جعل العقل العربي الإسلامي يتجرأ على خرق هذه المعيارية ويؤسس لبديل لها؟
للإجابة عن هذين الاستفهامين، لا بد من استحضار شكل تلقي هذا المنطق وصيرورة انتقاله في ثقافات البحر الأبيض المتوسط، ومن ضمنها الثقافة العربية الإسلامية. لكننا سنكتفي هنا بلحظة تأسيس المنطق ثم انتقاله إلى السياق الثقافي العربي.
بداية، لا بد من الإشارة إلى أن أرسطو لم يستعمل لفظ المنطق/ لوجيك؛ فأبحاثه المنطقية لم يجمعها هو، في سفر مضموم، حتى يفكر في ضرورة الاصطلاح عليها بميسم أو عنوان خاص. بل تم ضمها لاحقا، وتسميتها أورغانون (آلة) من قبل تلامذته. كما أن الاصطلاح على هذا العلم بلفظ المنطق، لم يكتب له الذيوع والانتشار إلا بفضل الشراح المشائيين، أمثال أندرونيقوس الرودسي والإسكندر الأفروديسي وغالينوس وغيرهم.
إضافة إلى ما سبق، فإن أرسطو لم يكن يتصور المنطق كعلم. وهذا ملحوظ في تصنيفه للعلوم، حيث لا نجده يذكر المنطق ضمن العلوم النظرية، ولا ضمن العلوم العملية. وهذا إيحاء منه بالمرتبة الأداتية للمنطق، إذ كان يتصوره «أداة» ليس لها مجال محدد يسوغ لها أن تقتطعه وتستقل بدراسته، بوصفها علما خاصا بموضوع مخصوص. بل قَعَّد له بوصفه أداة تصلح لكل الحقول العلمية، الأمر الذي جعل البعض يتأول المنطق بوصفه «علم العلوم». وحتى عندما تم تعريفه بـ«علم التفكير»، لم يتم بذلك فصله عن حقول المعرفة، وإعطاؤه مرتبة علم مستقل بذاته عن غيره من أنواع العلوم، بل برسم هذا الوصف، أي «علم التفكير»، جرى توكيد مرتبته الأداتية كضابط معياري لعملية التفكير في مختلف حقول المعرفة؛ لأن هذه الحقول، على تعدد مناهجها وموضوعاتها، هي نتاج التفكير.
وهذا الطابع الأداتي هو ما حرص المناطقة العرب على توكيده، واتخاذ ذلك ذريعة للدفاع عن ضرورته وجوازه من الناحية الشرعية، حيث ذهب الإمام أبو حامد الغزالي إلى حد وصف من لا يعرف المنطق بأنه «لا يوثق بعلمه». وهذا ما نجده مضمنا في القواميس العربية القديمة التي عرفته من حيثية وظيفته، حيث نقرأ عند الجرجاني: «المنطق آلة قانونية تعصم مراعاتها الذهن عن الخطأ في الفكر». وعند الفارابي، في كتابه «إحصاء العلوم»: «نسبة صناعة المنطق إلى العقل والمعقولات كنسبة صناعة النحو إلى اللسان والألفاظ».
وبالعود إلى الأصل الاشتقاقي للفظ «لوجيك» في اللسان اليوناني، سنلاحظ أنه يرجع إلى لفظ لوغوس الذي يعني العقل والكلمة. ومن هنا يتضح هذا الربط والوصل من الناحية الوظيفية، بين علم المنطق والعقل، حيث تم تحديد وظيفته في عصم الذهن من الوقوع في الخطأ.
لكن عملية التفكير لا تجري بمعزل عن اللغة، وكل لغة تحمل قواعد تركيبية خاصة بها، ومن هنا كانت حصافة المترجم العربي القديم، الذي قابل لفظ اللوجيك بالمنطق. بيد أن هذا الوعي بارتباط المنطق باللسان كان حاضرا أكثر عند منتقديه. فلو رجعنا إلى المناظرة الشهيرة بين النحوي أبي سعيد السيرافي، والمنطقي متى بن يونس، سنلاحظ أن مرتكز السيرافي في نقد المنطق الأرسطي هو كونه مجرد «نحو» اللغة اليونانية وليس قانونا عاما وكونيا للفكر.
وكما أسلفنا القول فإن لفظ اللوجيك الإغريقي، فيه هو أيضا، إحالة إلى اللغة؛ لأنه يرجع من حيث أصوله الاشتقاقية إلى كلمة لوغوس التي تحيل في اللسان اليوناني إلى معنيين: معنى الخطاب/ الكلام، ومعنى العقل/ الفكر. بل تشير الأبحاث الفيلولوجية، إلى أن مدلول لفظ اللوجيك في اللسان اليوناني كان هو «الكلمة»، ثم اتسع حقل الدلالة ليشير إلى العقل، بناء على أن العملية العقلية هي التي تكمن خلف الكلام.
ولا بد من الإشارة إلى أن هذه الترجمة العربية للفظ «لوجيك» إلى منطق، لم تمر في تراثنا الفكري بصمت، بل أثارت مقدارا من الصخب والخلاف. فلفظ المنطق في اللغة العربية كان قبل دخول اللوجيك ينصرف معناه إلى الكلام واللغة، وفي ذلك ألف يعقوب بن إسحق السكيت كتابه «إصلاح المنطق»، الذي هو كتاب لغة ولا علاقة له بالمسائل المنطقية، حيث إن المقصد من الكتاب هو إصلاح نطق العامة والتنبيه إلى أغلاطهم اللغوية. لذا كان من الطبيعي أن يحتج بعض فقهاء اللغة والمشتغلين بها على الفلاسفة والمناطقة، مستنكرين وضعهم للفظ المنطق للدلالة على علم دخيل؛ لأنه لفظ يحيل عندهم مباشرة إلى حقل اللغة وسياقها التداولي. وهذا التمييز حاضر أيضا في كتاب الإمام السيوطي «صون المنطق والكلام عن فني المنطق والكلام». ولعل هذا الخلاف الشديد على الاستئثار بلفظ المنطق بين اللغويين والفلاسفة كان من بين الأسباب التي جعلت الكثير من المشتغلين بعلم المنطق يحرصون على تسمية بعض كتبهم بألفاظ بديلة، مثل لفظ «المعيار»، و«الميزان»، و«المِفْعَل»، وغيرها من الكلمات التي قصدوا بها الدلالة على علم المنطق.



«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل
TT

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

«الشارقة الثقافية»... المسرح الشعري والمستقبل

صدر العدد رقم 120 من مجلة «الشارقة الثقافية»، وقد تضمن مجموعة من الموضوعات والمقالات والحوارات، في الأدب والفن والفكر والسينما والتشكيل والمسرح والتراث.

وفي تفاصيل العدد، كتب د. أكرم قنبس عن الأديب إبراهيم عبد القادر المازني من رواد الثقافة العربية ومؤسسي مدرسة الديوان، وتوقف خلف أحمد أبو زيد عند ريادة ومكانة دنيس جونسون ديفز في ترجمة الأدب العربي الحديث إلى الإنجليزية، أما د. أميمة أحمد فكتبت عن مدينة سطيف، التي يزينها عبق التاريخ وسحر «عين الفوارة»، وجال نور سليمان أحمد في ربوع مدينة إهناسيا، حيث روح الريف وملامح المدينة.

أمّا في باب «أدب وأدباء»، فشارك إسماعيل عبدة بمداخلة حول مكانة نجيب محفوظ في الرواية والسينما، وقدم مالك صقور قراءة في رواية «الشيخ الأبيض» لسلطان القاسمي، حيث الحقيقة تبحث عن وثيقة، وتناول صالح لبريني أحد أعمدة القصيدة المغربية المعاصرة، وهو محمد السرغيني، الذي جمع بين الإبداع الشعري والنقد الأكاديمي، واستعرض محمد الأرناؤوط مسيرة إسماعيل أبو البندورة الذي حمل لقب السفير الثقافي وأغنى المكتبة العربية بالأدب البوسني، وبحثت وفاق سلمان في رواية «أن تعشق الحياة» لعلوية صبح (تجربة استثنائية وشغف البقاء)، وتابع محمد يوسف أبولوز فعاليات ملتقى الشارقة للتكريم الثقافي ومتوالية العطاء والاحتفاء بالمبدعين العرب.

ومن المقالات الأخرى، كتب أحمد فرحات عن صاحب مجلة «الآداب» الروائي سهيل إدريس بمناسبة مرور قرن وعام واحد على ميلاده، وألقى د. مجد حيدر الضوء على «عراف الأدغال والعبقرية» الأكثر اكتمالاً، (روديارد كيبلينغ) أول بريطاني يفوز بجائزة نوبل للآداب، وتناولت نسرين أنطونيوس رواية «الدقلة في عراجينها» للبشير خريف الذي يصور علاقة الإنسان بالأرض والهوية، وحاور هشام أزكيض الدكتورة خديجة السعيدي التي يتجاور في كتاباتها الشعر والسرد والنقد، ورصدت رؤى جوني التحولات النفسية لأبطال الكاتب ربيع جابر، الذي يجمع بين متعة الخيال والقيمة التاريخية، وتوقف جمال الشرقي عند المقاهي الثقافية في بغداد التي تحولت إلى مجالس للأدب والفن.

كذلك كتبت روز مخلوف عن ألفة الإدلبي التي أضاءت الجوهر الإنساني لأبطال قصصها، فيما حاور ساسي جبيل أحد رواد القصة القصيرة في تونس هو صالح الدمس الذي رأى أن الحياة روايات وقصص، وبيّن د. أحمد عيطة كيف جمعت الرواية العربية بين المتعة والمعرفة والخيال والواقع، وقرأ زياد الريس رواية «الرجع البعيد» لفؤاد التكرلي الذي انشغل بالإنسان في قوته وضعفه، والتقى حسن م. يوسف الصحبي بن منصور الذي دعا إلى كتابة تاريخ أكثر إنصافاً، وأخيراً تناول د. عبداتي بوشعاب رواية «الدم الأزرق» لنجلاء الشامسي التي تصور الشتات وجدلية المكان.

من جهة ثانية، تضمّن العدد مجموعة من المقالات وهي: حوار الجمال والهوية (ذكاء ماردلي)، الحضارة والثقافة العربية (د. سعيد عبيدي)، انتصار البطل في الرواية العربية الحديثة (عمرو العنتبلي)، سحر الرواية.. رؤى ومتغيرات (رشيد الخديري)، صنع الله إبراهيم بين الرواية والواقع (اعتدال عثمان)، القصة القصيرة.. مقاربة نقدية في المنهج والتلقي (د. عبدالعزيز بودين)، أحمد الشايب ونقاد الأدب (مصطفى عبدالله)، العوالم السردية في نصوص باسم سليمان (انتصار عباس)، وغيرها.

وقد أفرد العدد مساحة لمجموعة من القصص القصيرة والترجمات، لمجموعة من الأدباء والمبدعين العرب.


70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس
TT

70 عاماً وجيلان صنعا مجد «دار الآداب» وتاريخها

رنا إدريس
رنا إدريس

بعد جيلين صنعا مجد «دار الآداب»، وبمناسبة الاحتفال بمرور 70 سنة على انطلاقتها، تتحدث مديرة الدار رنا إدريس لـ«الشرق الأوسط» عن تاريخ وكواليس واحدة من أعرق دور النشر العربية وأقدمها. وهنا نص الحوار...

وضع سهيل إدريس وشريكة حياته عايدة مطرجي النواة الأولى لـ«دار الآداب»، ثم لعب الأولاد رنا وسماح ورائدة، كل منهم دوره في تطوير العمل وتحديثه. أما الحفيدة تالا فهي جاهزة لأداء المهمة، حين يطلب منها ذلك. 7 عقود من النشر والأدب سيحتفى بها في «معرض بيروت العربي الدولي للكتاب» بدءاً من التاسع من الشهر الحالي، بالموسيقى والندوات والتواقيع. ويعقد حوار يوم الأحد المقبل، بين د. بلال الأرفه لي ورنا إدريس تتحدث فيه عن تجربتها.

تقول رنا لـ«الشرق الأوسط»: «الدار لم تستمر بالصدفة، كان ثمة تحضير مبكر لي ولإخوتي على العمل». وتكمل: «عشنا في الدار وكبرنا. شربنا الكتب مع الحليب. ولا أذكر أننا جلسنا على غداء، إلا وكان حديث عن كتاب أو ترجمة».

خلال حياته قسّم سهيل إدريس المسؤوليات. ابنته رنا تتسلم دار النشر، ابنه سماح يدير مجلة «الآداب»، زوجته الدكتورة عايدة لها الطباعة والمستودعات. وسهيل إدريس تفرغ بعد الأدب والترجمة، للقواميس حتى أنجز «المنهل» الفرنسي - العربي، بالتعاون مع جبور عبد النور.

سهيل إدريس

المجلة أولاً

«دار الآداب» ولدت من رحم مجلة «الآداب». عام 1953 أوكلت «دار العلم للملايين» إصدار المجلة إلى سهيل إدريس، وهو في أواخر عشريناته. بعد 3 سنوات تزوج ممن ستصبح شريكة حياته عايدة مطرجي. شعر أن طموحاته وجرأته تذهبان أبعد من الممولين، فشجّعته والدته وزوجته عايدة على شراء المجلة، ثم باعتا مصاغهما، واشتراها. هكذا صارت «الآداب تساوي ثقلها ذهباً». في السنة نفسها، أي 1956، ولدت «دار الآداب» للنشر. شعر سهيل إدريس أن المرحلة تحتاج نشر نصوص كبيرة، والرواية يجب أن تكون لها مكانتها، خاصة أنه أصدر روايته الأولى «الحي اللاتيني».

كان مركز الدار بناية درويش في «الخندق الغميق». في تلك المنطقة توجد غالبية دور النشر. انتقلت بعدها «الآداب» قرب الجامعة العربية حيث كان سهيل إدريس يدرّس الترجمة، ومن ثم إلى «طريق الجديدة»، منطقة منظمة التحرير الفلسطينية. تتذكر رنا كيف كان محمود درويش يسكن قريباً من هناك وليانة بدر ومثقفون فلسطينيون كثر يترددون على الدار.

سماح إدريس

الكتب وقود الحروب

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب». قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى على مكتبة سهيل إدريس. احترقت كتب حملت إهداءات سيمون دوبوفوار، جان بول سارتر، ريجيس دوبريه، نجيب محفوظ، يوسف السباعي. وكان قبلها جزء كبير من أرشيف «دار الآداب» قد فقد خلال ثورة 1958.

«حزن والدي كثيراً على ضياع مكتبته. وانتقلت الدار إلى ساقية الجنزير». عاشت العائلة في دار النشر، أو العكس: «في فترة ما كان المنزل ودار النشر متقابلان، ووالدتي تترجم في الدار وتذهب لترضع سماح في الشقة المقابلة. الشيء نفسه بالنسبة للطبخ. كم من مرة احترقت الطبخة، وهي مشغولة في الدار». رنا عاشت الظروف نفسها: «جاء ذات مرة نزار قباني، وحين طلب منه أن ينتظر انتهائي من إرضاع ابنتي، قال ممازحاً: وهل أنا في حضانة!».

تتذكر رنا: «لم نجلس مرة إلى الغداء إلا وأسمع أمي وأبي يتحدثان عن ترجماتهما. تناقشا ذات جلسة، كيف يترجمان عنوان (الغريب) لألبير كامو ويميزانه عن عنوان كتاب كولن ولسون. وقررا بعد أخذ وردّ أن يسميا مؤلف الأخير (اللامنتمي)».

في البداية، انكبت الدار على ترجمة كتب الوجوديين، من سارتر إلى كامو وكولن ولسون. عنيت بالفكر اليساري، وكتب ماركيز، وماركس، وماو تسي تونغ، ومذكرات بن بلة: «اهتموا بسارتر بسبب موقفه المؤيد لتحرير الجزائر، وبيانه (عارنا في الجزائر)». تقول رنا: «كان أبي مصرّاً على ترجمته وتسويقه، لا لفكرة الحرية فقط، بل لأنها عنده مقرونة بالمسؤولية وليست مطلقة».

هذا انعكس على طبيعة منشورات المجلة التي شجّعت القوالب الجديدة في شعر نازك الملائكة والسياب وأحمد عبد المعطي حجازي.

كان سهيل إدريس جريئاً، حماسياً، نهضوياً في عروبته، من هنا خلافه مع رواد مجلة «شعر»: «كان حريصاً على اللغة العربية. ولا يرى النجاة إلا عبر الوحدة. رأى أنه إذا تم الاستفراد بنا واحداً وراء آخر فسنؤكل، وإذا لم نقف مع الجزائر وفلسطين فسيأتي دورنا جميعاً»، تقول رنا. واللغة العربية هي القادرة على جمعنا. «لهذا لم يكن ينظر بارتياح إلى مجلة (شعر)، وانفتاحها على العامية. شعر أن ثمة أيادي غريبة وراءها. ليست ريبة اتجاه كل كتّابها، وإنما لم يرتح لتوجهها السياسي».

بعد ثورة شمعون

بعد عام 1958، اهتمت الدار بطباعة الرواية العربية. نشرت لأصوات جديدة، أبرزها نجيب محفوظ، وروايات لحنان الشيخ وغادة السمان التي بقيت مع «دار الآداب» حتى زواجها من صاحب «دار الطليعة» بشير الداعوق. «ثم جاءت موجة حنا مينة، الذي كنا نطبع له من الكتاب 5 آلاف نسخة، ومن ثم تتوالى الطبعات. كولن ولسون كنا نطبع له 10 آلاف. لقد كان من بين الأكثر مبيعاً».

كما نشرت الدار كتب جبرا إبراهيم جبرا، ولكتّاب آخرين، واستمرت الترجمات. قرّر سهيل إدريس التوقف عن طباعة كتب سارتر بسبب موقفه السلبي من فلسطين. وبقي كذلك حتى عودة رنا من أميركا، حيث تمت مراجعة كتبه وإصدارها.

الحروب لم تكن رحيمة بـ«دار الآداب»... فقد قصف الطيران الإسرائيلي عام 1978 منزل العائلة وقضى

فلسطين أولاً

فلسطين بالنسبة للدار والمجلة قضية محورية. ومع اندلاع الحرب الأهلية اللبنانية عام 1975 وضياع المكتبة الشخصية، بدأ القلق يكبر والإنتاج يتراجع. صار الهمّ الأكبر لسهيل إدريس أن تبقى المجلة في بيروت. «نظراً لعنف الأحداث، وبطلب من أصدقائه، اقتنع بأن يصدر المجلة من بغداد. لكنه كان العدد الأول والأخير الذي يصدر خارج لبنان، بسبب ضغوطات الرقابة الكثيرة التي تعرضت لها».

وهي تتبع مسار «الآداب»، تتذكر رنا إدريس ظاهرة أحلام مستغانمي: «لا يوجد كاتب حقق مبيعات في العالم العربي كما أحلام. كانت ظاهرة كما نزار قباني. (ذاكرة الجسد) أحدث دوياً آخر الثمانينات. من وقتها لم نعد نرى اسماً واحداً يحلّق في المبيعات. يمكننا الحديث عن ظاهرة إليف شافاك، مؤخراً، خاصة كتابها (قواعد العشق الأربعون)، ولكن ليس عن كاتب عربي».

رنا إدريس: الدم الجديد

عادت رنا إدريس عام 1986 من أميركا، بطلب من والدها، بعد أن مضت 5 سنوات وهي تحضر للدكتوراه. قال لها إن الدار بحاجة إلى دم جديد، ويمكنها إكمال الدكتوراه من لبنان، خاصة أن شقيقها سماح يتحضّر للذهاب إلى جامعة كولومبيا، وشقيقتها رائدة تزوجت وسافرت إلى أميركا.

عادت رنا متحمسة للتجديد. كانت موضة اليابان قد بدأت في نيويورك: «قلت لوالدي: كل شيء هناك ياباني. ويجب أن نفهم كيف زاوجوا بين التقليد والحداثة». كانت قد قرأت كتباً يابانية، واقترحت إصدار سلسلة من الأدب الياباني في 15 رواية. وهكذا كان. ترجم سهيل إدريس رواية كواباتا «حزن وجمال»، وترجمت عايدة رواية يوكيو ميشيما «البحار الذي لفظه البحر»، ومن بعدها صدر بالعربية كثير من الأدب المترجم عن اليابانية.


«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي
TT

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» لنادية هناوي

«مناظير الثقافة... مقالات في الأدب والحياة» كتاب جديد يضاف إلى سلسلة المؤلفات للباحثة والناقدة الدكتورة نادية هناوي.

ويضم الكتاب الصادر مؤخراً عن منشورات الاتحاد العام للأدباء والكتاب في العراق مقالات غير موزعة بحسب تواريخ نشرها في الصحف والمجلات، ولكنها مرتبة بحسب ما تحويه من أفكار وآراء.

وهي تتوزع ما بين النقد الأدبي والبحث العلمي ومسائل النسوية والثقافة العربية والفكر والجمال. والغالب على المقالات أنها مخصوصة بالشأن العربي، كشفاً ومعالجة لظواهره الأدبية من شعر وسرد ونقد ونظرية أدبية وإبستمولوجيا، وما يتصل بذلك من موضوعات مجاورة للنقد الأدبي كالتاريخ والفلسفة والاجتماع والأنثروبولوجيا والفلسفة وعلم الجمال وتاريخ الأفكار. هذا فضلاً عن رصد الظواهر الثقافية المحلية خاصة، وظواهر الوضعين السياسي والحياتي في البلاد العربية بصفة عامة.

تقول المؤلفة في المقدمة: «درجتُ في كتبي السابقة على جعل كل واحد منها بوحدة موضوعية، تلتم فيها الأطراف، وتدار حولها الطروحات والأفكار. ولم ألجأ إلى جمع مقالاتي المتناثرة هنا وهناك ونشرها في كتاب مستقل كما يفعل بعض الزملاء النقاد.