بعد أن خسر الفرنسي أنتوني لايريس زوجته هيلين في الاعتداء الإرهابي الذي تعرض له مسرح «باتاكلان» حيث كانت من بين 89 ضحية سقطوا في الهجوم الذي وقع مساء الجمعة الدامي على الحفل الموسيقي هناك، كتب مخاطبا الإرهابيين: «لن تدفعوني إلى الكره»، وقال: «لن أمنحكم هدية الكره. أنتم تسعون وراء ذلك، ولكن الرد على الكراهية بالغضب هو بمثابة السقوط ضحيةً لذات الجهل الذي جعلكم على ما أنتم عليه». وأضاف: «تريدون مني أن أشعر بالخوف، وأن أنظر بعين الريبة إلى أبناء بلدي (في إشارة إلى مسلمي فرنسا) وأن أضحي بحريتي من أجل أن أكون آمنا، إذن فقد خسرتم».
ما تشهده فرنسا منذ أحداث باريس (وقعت مساء الجمعة 13 نوفمبر/ تشرين الثاني 2015)، من إجراءات استثنائية وعقابية وانتقامية، هو مجرد نموذج لما يمكن أن ينتجه التطرف والإرهاب من تخريب وإفساد وتدمير للقيم الحضارية وللسلوك الإنساني القويم. فأبشع ما يصنعه المجرمون هو إجبار ضحاياهم على الانتقام، وسحب خصومهم لميدان الكراهية والحقد والتوحش، هناك تقترن الضحية بصورة الجلاد، بل قد تفوقت عليه في القتل والتدمير وسفك الدماء.
نشهد اليوم كيف تنزلق فرنسا كما أوروبا جميعًا وأستراليا وقبلها الولايات المتحدة، نحو التوحشّ، حيث تخسر فرنسا تراثها في الإخاء والتسامح. لقد تمكن وحش الإرهاب أن يفسد الحياة المتحضرة ذات القيم الراقية والتقاليد والأعراف العريقة، فأصبحت فرنسا اليوم مشلولة بالإجراءات الأمنية، وتخضع لأحكام الطوارئ، وتجوب شوارعها قوات الجيش المدججة بالسلاح، وتفرض إجراءات صارمة ورقابية ضد وسائل الإعلام والأنشطة الثقافية والمجتمعية، مع دعوات بسحب الجنسية، وتعديل الدستور، تمامًا كأي دولة بوليسية في الشرق الأوسط، أو أميركا اللاتينية.
هذا ما جناه الإرهاب على فرنسا التي تمتلك رصيدًا راسخًا في الحداثة والتنوير، وكان «إعلان حقوق الإنسان والمواطن» عام 1789، أهم منجزات ثورتها ذات القيم الراسخة في: الحرية، والمساواة في المواطنة، والكرامة والعدالة الاجتماعية، وسيادة الشعب. وفرنسا التي صاغت للعالم نظريات الحكم الرشيد، ومبدأ الفصل بين السلطات الذي نظّر له فيلسوفها مونتيسكيو (1689 – 1755)، وفرنسا التي رسّخت نظرية «العقد الاجتماعي» عبر فيلسوفها جان جاك روسو (1712 – 1778)، وهي الدولة التي تردد كل يوم عبر نشيدها الوطني «لامارسييز»، قيم الحرية والمساواة والإخاء، أصحبت اليوم تحت قانون الطوارئ!
فالإرهاب لا يفتك بأرواح المدنيين فقط، بل إنه اشدّ فتكًا بالتراث الحضاري والإنساني. لقد أفسد المتطرفون الحياة في كل مكان دبوا فيه، لكن المعركة الحقيقية في ألا ينزلق العالم، تحت دعوى مكافحة الإرهاب، إلى المستنقع الآسن الذي يجرنا إليه المتطرفون.. ألا نقتفي أثرهم وألا نقلّد صورتهم وألا نتّبع منهجهم.
المعركة مع قوى الظلام معركة ثقافية وقيمية، وعلينا أن نرسخ حكم القانون وقيم التسامح كلما أردنا أن نفشل أهداف الظلاميين.. مثلما علينا إفشال أهداف الإرهابيين في تقسيم المجتمعات عبر مزيد من الوحدة والتماسك، وتفريغ شحنات التطرف بمزيد من الانفتاح والتعقل والتنوير.
9:11 دقيقه
الإرهاب وصورته
https://aawsat.com/home/article/504856/%D8%A7%D9%84%D8%A5%D8%B1%D9%87%D8%A7%D8%A8-%D9%88%D8%B5%D9%88%D8%B1%D8%AA%D9%87
الإرهاب وصورته
الإرهاب وصورته
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة


