الآسيان تسعى لنمو تجاري بقيمة تريليون دولار خلال 5 سنوات

رابطة جنوب شرقي آسيا تفترض حلولاً للتعامل مع التحديات العالمية

الاجتماع الأخير لقمة آسيا في ماليزيا (أ.ف.ب)
الاجتماع الأخير لقمة آسيا في ماليزيا (أ.ف.ب)
TT

الآسيان تسعى لنمو تجاري بقيمة تريليون دولار خلال 5 سنوات

الاجتماع الأخير لقمة آسيا في ماليزيا (أ.ف.ب)
الاجتماع الأخير لقمة آسيا في ماليزيا (أ.ف.ب)

على خطى الاتحاد الأوروبي، اتخذ قادة مجموعة آسيان (رابطة دول جنوب شرقي آسيا) خطوة جديدة لخلق مجتمع اقتصادي موحد لتعزيز العلاقات الآسيوية، حيث وقع قادة 10 دول أمس رسميًا في العاصمة الماليزية على إعلان «كوالالمبور 2015» لإنشاء جماعة اقتصادية موحدة.
وعرضت المجموعة الاقتصادية خلال الاجتماع السنوي لـ«آسيان»، أكثر الفرص المحددة للتكامل في منطقة إجمالي نتاجها المحلي المشترك يجعلها سابع أكبر اقتصاد في العالم، حيث يقطنها 625 مليون نسمة ويبلغ إجمالي إنتاجها الاقتصادي المشترك 2.6 تريليون دولار.
وارتفع حجم التجارة البينية في دول الآسيان بمعدل أسرع من أي اقتصاد عالمي، وذلك بمتوسط نمو سنوي بلغ 10.5 في المائة عام 2013 بقيمة 609 مليارات دولار، مقارنة بنحو 82 مليار دولار في عام 1993. بينما سجل إجمالي التجارة الحرة بين مجموعة آسيان والعالم من 430 مليار دولار عام 1993، إلى 2.5 تريليون دولار في عام 2013. كما نما حجم التجارة خارج الآسيان (دول جنوب شرقي آسيا من خارج المجموعة) من 348 مليار دولار عام 1993، إلى 1.9 تريليون دولار في عام 2013.
ويقول الخبير الاقتصادي هاني قسيس لـ«الشرق الأوسط» إن «دول جنوب شرقي آسيا تسعى إلى نمو زائد في الفترة القادمة، وربما يهدد ذلك اقتصاديات كبرى؛ كالاتحاد الأوروبي والولايات المتحدة».
ومثلت حصة التجارة في الناتج المحلي الإجمالي لدول الآسيان 105 في المائة في عام 2013، بعدما وصل لذروته في 2005 بنسبة 134 في المائة. وتمثل التجارة البينية بين دول الآسيان 24.2 في المائة من إجمالي حجم التجارة للرابطة، تليها الصين بنسبة 14 في المائة، والاتحاد الأوروبي 9.8 في المائة، واليابان 9.6 في المائة، والولايات المتحدة الأميركية 8.2 في المائة في عام 2013، وفقا لتقرير المجموعة في فبراير (شباط) 2014.
وتشمل مجموعة آسيان أبعادا سياسية وأمنية واجتماعية وثقافية في منطقة مختلفة الأنظمة. وتأسست المنظمة الاقتصادية، التي تضم 10 دول عام 1967، وتتكون من إندونيسيا وماليزيا والفلبين وسنغافورة وتايلاند وبروناوي وفيتنام ولاوس وبورما وكمبوديا.
وتم وضع اقتراح تأسيس المجتمع الاقتصادي الموحد «ACE» في اجتماع عام 2002، واتخذت الرابطة بالفعل عدة خطوات منها إزالة الحواجز الجمركية والقيود على تأشيرات دخول البلدان المشتركة، في حين يتوقع خبراء أن تكون هذه الخطوة لتعزيز التعاون السياسي والدبلوماسي بين أعضاء المجموعة.
ورغم النزاعات الحدودية البحرية في بحر الصين الجنوبي، التي تشتمل على أربعة أعضاء في الرابطة هي الفلبين وماليزيا وفيتنام وبروناوي مع الصين، فقد انخرطت الصين والآسيان في مفاوضات على مدى السنوات القليلة الماضية، للاتفاق على قواعد السلوك العسكري كأداة للمساعدة في منع الصراع والنزاعات في بحر الصين الجنوبي.. فلا تزال الخلافات الحدودية مع الصين تلقي بظلالها على مستقبل الاستقرار في المنطقة.
وقال الرئيس الإندونيسي جوكو ويدودو إنه «على جميع أعضاء الرابطة تعزيز السلام والأمن في المنطقة»، داعيا إلى التجمع للحفاظ على وحدة دول الرابطة والحفاظ على الدور المشترك في معالجة القائمة والتحديات المستقبلية. وأضاف أنه «من دون وحدة مركزية للآسيان، فإن المنطقة تقع في نفوذ القوى الكبرى»، مشيرا إلى أن الآسيان يجب أن يكون جزءا من الحل في التعامل مع التحديات العالمية.
ويري ويدودو أن هناك الكثير من العوامل المهمة التي قد تساعد على تعزيز العلاقات بين الآسيان والصين، بما في ذلك وقف جميع الأنشطة التي قد تزيد من حدة التوتر في بحر الصين الجنوبي واحترام القانونية الدولية القائمة كإطار.
وقدمت ماليزيا دعوة مماثلة خلال القمة، وأكد رئيس الوزراء الماليزي نجيب عبد الرازق على أهمية حل النزاعات بالوسائل السلمية وفقا للقانون الدولي، بما في ذلك اتفاقية الأمم المتحدة لقانون البحار، التي وقعت عليها الدول المنضمة للرابطة. وقال: «بشكل عملي تخلصنا من الحواجز الجمركية بيننا، الآن علينا ضمان زيادة حرية الحركة وإزالة العوائق التي تعرقل النمو والاستثمار».
وقد وقعت مجموعة الآسيان على وثيقة سياسية على خطوط العمل الاستراتيجية للسنوات العشر المقبلة (آسيان 2025)، وذلك في خطوة اعتبرها عبد الرازق «مرحلة هامة بعد ما يقرب من خمسة عقود من بناء المجتمع الآسيوي». وفي الوقت نفسه أعرب رئيس الوزراء الماليزي عن تفاؤله بأن الآسيان والصين قد ترى علاقات تجارية واستثمارية أقوى في العام المقبل، لأنها ستدخل عامها 25 في الصداقة.
وتلتزم رابطة الآسيان بتعزيز المؤسسات الصغيرة والمتوسطة من خلال المبادرات المختلفة، بما في ذلك تلبية احتياجاتها التمويلية، ورفع الإنتاجية وتبني الابتكارات التي من شأنها مساعدتهم على الخروج الإقليمي إلى العالمية، باعتبارها مجتمعا اقتصاديا متكاملا، وفتح باب الفوائد المحتملة للمنشآت الصغيرة والمتوسطة في المنطقة لأنها لم تعد مقيدة بالحدود الوطنية كما كانت في السابق.
ويرى مراقبون أنه بالنظر إلى القاعدة الاستهلاكية العريضة في دول جنوب شرقي آسيا، فإنه يمكن للشركات الصغيرة والمتوسطة الاستفادة من تجمع منبر كرابطة دول جنوب شرقي آسيا وتطوير الاتصال بين دول المنطقة الخاصة لتعزيز القدرة التنافسية قبل دخول السوق العالمية.
ويتوقع آخرون أن تكون المرحلة المقبلة من عملية التكامل الاقتصادي للرابطة، هي التركيز على تعزيز دور الشركات الصغيرة والمتوسطة في المساهمة في الأنشطة الاقتصادية عبر الحدود، مع المبادرات السياسية التي تهدف إلى ضمان أن الشركات الصغيرة والمتوسطة في المنطقة ستصل إلى معايير المنتجات الإقليمية والعالمية لتنافس كبرى الشركات.
وخلال اجتماع وزراء اقتصاد آسيان في أغسطس (آب) 2015، خلصت جميع الدول الأعضاء في الرابطة إلى أن الشركات الصغيرة والمتوسطة ستظل محرك النمو لدول جنوب شرقي آسيا، وستتولى دورا هاما في مجال التنمية الاقتصادية للكتلة.
ولا تزال الشركات الصغيرة والمتوسطة الركيزة الأساسية للنمو الاقتصادي في آسيان، والمساهمة ما بين 28 في المائة و58 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدول رابطة آسيان، بما يقرب من 2.57 تريليون دولار.
ويشكل ذلك ما يصل إلى 96 في المائة من الشركات المسجلة، ويسهم في توظيف ما يصل إلى 97 في المائة من السكان القادرين على العمل في الدول الأعضاء في الرابطة، وبمساهمة تصل إلى 85 في المائة من الناتج المحلي الإجمالي لدول المنطقة.
وبحسب الخبير الاقتصادي هاني قسيس، فإن «الشركات الصغيرة والمتوسطة هي العمود الفقري للتنمية الاقتصادية لكل بلد تقريبا في آسيان.. ويدرك قادة آسيان أنه يجب إعطاء المزيد من المبادرات لتحفيز الاستمرار والنمو في قطاع المشاريع الصغيرة والمتوسطة».
وقد جاءت الخطة الاستراتيجية 2016 - 2025 لآسيان طموحة، حيث تولي الاهتمام بتلك المشروعات المصممة لتلبية الاحتياجات التمويلية والبنية التحتية المالية الرقمية للمشاريع في الدول الأعضاء. ويأتي الهدف الرئيسي منها للتنقل والتغلب على التحديات التي تحد من قدرة الشركات الصغيرة والمتوسطة على النمو. وتعتبر الخطة امتدادا لإنجازات خطة العمل 2010 - 2015 التي رسمت أبعاد السياسات الرئيسية، وسوف تشمل الخطة أيضا إجراءات لتسهيل تعميق التكامل بين المؤسسات الصغيرة والمتوسطة على النمو في سلاسل التوريد الإقليمية والعالمية.
ويهدف التعاون إلى إنشاء مركز آسيان لخدمة المشاريع الصغيرة والمتوسطة لربط الشركات الصغيرة والمتوسطة داخل دول جنوب شرقي آسيا، بما في ذلك الشركات والتجار والموردون والمصنعون والمستهلكون. فيما تم إلغاء خطة لتوقيع اتفاق لتدعيم الشراكة الاقتصادية بين الآسيان والصين لسبب غير معلوم بعد ظهر السبت الماضي، بعد عقد القمة الـ18 بين الآسيان والصين في وقت سابق من نفس اليوم.
كما وقع أعضاء الرابطة أيضا اتفاقية لمكافحة الاتجار بالأشخاص، وبخاصة النساء والأطفال، في خطوة اعتبرها قادة الرابطة أن يكون هناك استجابة في معالجة قضية تهريب البشر ويهدف الإطار إلى ضمان عقوبة عادلة وفعالة للتجار.
وتسعى مجموعة الآسيان إلى تحقيق حجم استثمارات بينية بقيمة 150 مليار دولار، وحجم تجارة بينية بقيمة تريليون دولار بحلول عام 2020. وتهدف هذه الدول إلى تنسيق الاستراتيجيات الاقتصادية واعتراف كل دولة بالمؤهلات المهنية للدولة الأخرى والتشاور بشكل أوثق بشأن سياسات الاقتصاد الكلي والسياسات المالية.

* الوحدة الاقتصادية
بـ«الشرق الأوسط»



أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
TT

أسعار النفط تقفز 4 % مع بدء الحصار الأميركي للموانئ الإيرانية

سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)
سفينة في الخليج العربي قبالة سواحل الشارقة (أ.ف.ب)

قفزت أسعار النفط نحو 4 في المائة، يوم الاثنين، بعد أن بدأ الجيش الأميركي حصاراً بحرياً على السفن المغادرة للموانئ الإيرانية. وتأتي هذه الخطوة التصعيدية في أعقاب انهيار محادثات نهاية الأسبوع الرامية لإنهاء الحرب، مما دفع طهران للتهديد بالرد ضد جيرانها في الخليج.

تقلبات حادة في الأسواق الآجلة والفورية

أنهت العقود الآجلة تعاملات يوم الاثنين على ارتفاع، مواصلةً حالة التذبذب التي سادت الأسواق منذ بدء النزاع في 28 فبراير (شباط) الماضي.

وارتفع خام برنت بمقدار 4.16 دولار أو ما نسبته 4.4 في المائة ليستقر عند 99.36 دولار للبرميل. كما صعد الخام الأميركي بمقدار 2.51 دولار أو 2.6 في المائة ليستقر عند 99.08 دولار.

وسجلت أسعار الخام المخصص للتسليم الفوري في أوروبا مستويات قياسية وصلت إلى 150 دولاراً للبرميل.

مضيق هرمز: شريان الطاقة العالمي في خطر

تسببت الحرب في أكبر اضطراب شهدته إمدادات النفط والغاز العالمية على الإطلاق، نتيجة تعطل حركة المرور في مضيق هرمز، الذي يمر عبره نحو 20 في المائة من تدفقات النفط والغاز الطبيعي المسال عالمياً.

وفي حين ذكر الرئيس الأميركي دونالد ترمب أن 34 سفينة عبرت المضيق يوم الأحد، إلا أن تقارير الملاحة تشير إلى انخفاض حاد، حيث تعبر في الظروف العادية أكثر من 100 سفينة يومياً.

تداعيات التضخم العالمي وتراجع الطلب

بدأت التكاليف المرتفعة تضغط بشدة على ميزانيات المستهلكين حول العالم. ففي الولايات المتحدة، سجلت أسعار البنزين والديزل أعلى مستوياتها منذ صيف 2022. وفي أوروبا، أعلنت المفوضية الأوروبية عن زيادة قدرها 22 مليار يورو في فواتير الوقود الأحفوري منذ بدء الحرب.

في حين خفضت منظمة «أوبك» توقعاتها للطلب العالمي على النفط في الربع الثاني بمقدار 500 ألف برميل يومياً.

انقسام دولي وإجراءات طارئة

في الوقت الذي لوّح فيه ترمب باستهداف أي سفن هجومية إيرانية تقترب من الحصار، أعلن حلفاء الناتو امتناعهم عن المشاركة في خطة الحصار، مقترحين التدخل فقط بعد انتهاء القتال.

من جانبه، أشار رئيس وكالة الطاقة الدولية، فاتح بيرول، إلى أن الدول الأعضاء قد تضطر للسحب من احتياطاتها النفطية الاستراتيجية لمواجهة نقص الإمدادات، معرباً عن أمله في ألا تكون هذه الخطوة ضرورية إذا استقرت الأوضاع.


«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
TT

«وكالة الطاقة» وصندوق النقد والبنك الدوليان: صدمة الحرب «جوهرية»

بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)
بهو مبنى المقر الرئيسي الثاني لصندوق النقد الدولي في واشنطن (إ.ب.أ)

أطلق رؤساء ثلاث من كبرى المنظمات الدولية - وكالة الطاقة الدولية وصندوق النقد الدولي ومجموعة البنك الدولي - تحذيراً شديد اللهجة بشأن التداعيات الاقتصادية المتفاقمة والناجمة عن الحرب المستمرة في منطقة الشرق الأوسط.

وفي بيان مشترك صدر يوم الاثنين عقب اجتماع رفيع المستوى في واشنطن، أكد قادة هذه المؤسسات أن النزاع أحدث صدمة «جوهرية وعالمية وغير متكافئة»، حيث طال الضرر بشكل أساسي الدول المستوردة للطاقة، ولا سيما البلدان منخفضة الدخل. وأشار القادة إلى أن هذه «الصدمة» أدت بشكل مباشر إلى ارتفاع أسعار النفط والغاز والأسمدة، وإثارة مخاوف جدية تتعلق بالأمن الغذائي وفقدان الوظائف، وانخفاض كبير في إيرادات الصادرات لبعض الدول المنتجة للطاقة في المنطقة.

استمرار حالة عدم اليقين واضطراب الملاحة

وصف البيان الوضع الراهن بأنه «لا يزال غير يقيني للغاية»، مع الإشارة إلى أن حركة الشحن عبر مضيق هرمز لم تعُد إلى طبيعتها بعد. وحذر القادة من أنه حتى في حال استئناف الملاحة المنتظمة، فإن العودة لمستويات الإمداد ما قبل النزاع ستستغرق وقتاً، مما قد يبقي أسعار الوقود والأسمدة مرتفعة لفترة طويلة نتيجة الأضرار التي لحقت بالبنية التحتية.

تداعيات قطاعية وإنسانية

أوضح البيان أن نقص المدخلات الأساسية الناتج عن تعطل الإمدادات سيؤثر على قطاعات الطاقة والغذاء والصناعة. كما أشار إلى أن الحرب تسببت في نزوح قسري للسكان، وتأثر الوظائف بشكل مباشر، وتراجع في حركة السفر والسياحة، وهو مسار قد يستغرق وقتاً طويلاً للتعافي منه.

تنسيق دولي ودعم مالي مرتقب

يأتي هذا الاجتماع باعتباره جزءاً من «مجموعة التنسيق» التي تم إنشاؤها في أوائل أبريل (نيسان) الجاري لضمان استجابة مؤسسية متكاملة للأزمة. وأعلن القادة أن فرق العمل المشتركة تعمل حالياً على مستوى الدول لتقديم مشورات تقنية مخصصة بهدف مساعدة الحكومات على وضع سياسات لمواجهة الصدمة، وتوفير دعم مالي مباشر من خلال صندوق النقد والبنك الدوليين للدول الأكثر تضرراً، لا سيما الدول ذات الدخل المنخفض التي تعاني من عبء فاتورة استيراد الطاقة.

واختتم رؤساء المنظمات بيانهم بالتزامهم بمواصلة مراقبة الأسواق عن كثب، والتنسيق مع المنظمات الدولية الأخرى لضمان وضع أسس «تعافٍ مرن» يضمن الاستقرار والنمو وتوفير فرص العمل في مرحلة ما بعد النزاع.


اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
TT

اتفاق مصر وقبرص... تنويع للإمدادات وابتعاد تدريجي عن «الارتهان لغاز إسرائيل»

محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)
محطة غاز في الطريق الصحراوي لقناة السويس خارج القاهرة (رويترز)

اتفاق غاز بين مصر وقبرص جاء بعد تقلبات في إمدادات الغاز الإسرائيلي بسبب حرب إيران، لكن إسرائيل تحدثت عن أنها «شريكة بذلك الحقل القبرصي وأن ذلك دليل على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

في المقابل، تعتقد مصر بحسب تصريحات رسمية، أن «لقبرص سيادة على الحقل، وليس لإسرائيل سلطة مطلقة فيه»، وهو ما جعل خبراء بينهم رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ المصري (الغرفة الثانية للبرلمان) يؤكدون لـ«الشرق الأوسط» أن «الاتفاق يساعد مصر على تنويع الإمدادات من مصادر عدة، ويجعلها بعيدة عن الارتهان لضغوط سياسية من إسرائيل أو غيرها، بخلاف كونه يؤكد مكانة مصر في الإسالة التي لا بديل عنها حالياً».

وقالت سفارة إسرائيل لدى مصر، في بيان، إنه «تم توقيع عقد غاز ضخم مع مصر في حقل قبرصي بمشاركة شركة (نيو ميد) الإسرائيلية»، زاعمة أن «هذه الصفقة تسلط الضوء على تعاظم الدور الإسرائيلي في سوق الطاقة الإقليمية».

وسبق محاولة إسرائيل تكريس هيمنتها، تأكيد وزير الدولة المصري للإعلام، ضياء رشوان، الخميس الماضي، في مؤتمر صحافي، أن «العقد موقَّع بين مصر وقبرص كمالكة للحقل، و(شيفرون) و(شل) بوصفهما الشركتين المسؤولتين عن إدارته». ولفت إلى أن جميع الشركات متعددة الجنسيات تضم «أطرافاً أخرى» (في إشارة لإسرائيل).

وتحت عنوان «مصر تخرج من شرنقة إسرائيل غازياً» كتب مستشار «مركز الأهرام للدراسات السياسية والاستراتيجية، عمرو هاشم ربيع، مقالاً بصحيفة «المصري اليوم» المحلية، قال فيه إن الكمية المصدرة من قبرص تقترب من الكمية المصدرة من إسرائيل، وتبلغ نحو مليار قدم مكعب يومياً، ومن ثم فإن تنويع المصادر الخارجية للغاز المورد لمصر أمر مهم للغاية، حتى تتجنب أي مثالب تتعلق باستيراد كمية كبيرة من الغاز من إسرائيل.

ويخلص إلى «أنه بذلك تكون مصر قد خرجت تدريجياً من شرنقة الغاز الإسرائيلي»، لافتاً إلى «أنه صحيح أن الغاز المتفق على توريده أخيراً من حقل (أفروديت) منتج من حقل تشارك فيه شركة (نيوميد إنرجي) الإسرائيلية، إلا أن باقي الشركاء غير ذلك؛ فالحكومة القبرصية في واجهة المشهد، لوقوع الحقل في أرضها، كما أن أكبر مُلاك الحقل هما شركة (شيفرون) الأميركية، وشركة (بي جي شل) البريطانية».

منصة الغاز التابعة لحقل «ليفياثان» أكبر حقول الغاز في إسرائيل (رويترز)

وتحدثت شركة «نيوميد إنرجي» الشريكة في حقل «أفروديت» القبرصي، الخميس، عن توقيع اتفاق لمدة 15 عاماً لبيع الغاز الطبيعي إلى شركة (إيغاس) المصرية، في وقت تنشط الجهود الحكومية لضمان تغطية الاستهلاك المحلي في ظل اضطرابات أسواق الطاقة، مع تأثر القاهرة سلباً بتوقف إمدادات الغاز القطري نتيجة «الحرب الإيرانية»، ومع إغلاق إسرائيل بعض حقولها قبل أن تستأنف العمل في حقل «ليفياثان» أخيراً.

وزير البترول المصري الأسبق، رئيس «لجنة الطاقة» بمجلس الشيوخ، أسامة كمال، يشير إلى أن الاتفاق المصري - القبرصي ليس صفقة لإدخال الغاز غداً، بل صفقة مستقبلية سيبدأ تنفيذها فور انتهاء شركة «شيفرون» من أعمال الربط في 2027، لافتاً إلى أن الحقل قبرصي، ولا يوجد أمام أي دولة في منطقة شرق المتوسط مخرج لتصدير غازها إلا من خلال الشبكة البحرية المصرية ومحطتي الإسالة الموجودتين في مصر، حيث لا تمتلك أي دولة أخرى في المنطقة هذه الإمكانات، ومصر لها الأولوية في الغاز.

وأكد كمال لـ«الشرق الأوسط» أن «المشروعات المشتركة تربط مصائر الدول ببعضها البعض؛ ما يضمن وقوف دول أوروبية مثل قبرص واليونان بجانب مصر في مختلف المواقف السياسية حال كررت إسرائيل، وأوقفت إمدادات غازها مجددا»، موضحاً أن الاتفاقية مع قبرص «ليست لها علاقة بالغاز الإسرائيلي، بل في إطار التنوع لمجابهة أي ضغوط سياسية مستقبلية».

الخبير الاستراتيجي في الطاقة، والزميل الزائر بجامعة جورج ميسن الأميركية، الدكتور أوميد شكري، قال لـ«الشرق الأوسط»، إن اتفاق الغاز المصري - القبرصي يأتي في إطار استراتيجي، وليس اتفاقية تجارية نهائية، موضحاً أنه «يُتيح تطوير وتصدير الغاز البحري القبرصي مستقبلاً، لا سيما من حقلي (أفروديت) و(كرونوس)، عبر البنية التحتية المصرية القائمة للغاز الطبيعي المسال».

وأضاف «أنه بالنسبة لمصر يُساعد هذا الاتفاق في سدّ فجوة متزايدة في الإمدادات المحلية، مع تعزيز دورها بوصفها مركزاً إقليمياً للغاز، أما بالنسبة لقبرص فهو يُوفر مساراً تجارياً مُجدياً لتصدير الموارد التي كانت ستُهدر لولا ذلك».

وبشأن إمكانية أن يُمثل الاتفاق تحولاً عن الاعتماد على الغاز الإسرائيلي، قال شكري: «ليس تماماً... حيث يعكس الاتفاق تنويعاً لا استبدالاً، خصوصاً أن مصر مُرتبطة هيكلياً بواردات الغاز الإسرائيلي، التي تُوفر إمدادات فورية وقابلة للتوسع عبر البنية التحتية القائمة. ومع ذلك، يُقلل اتفاق قبرص من اعتماد مصر على الغاز الإسرائيلي».

وتستورد مصر ما يصل إلى مليار قدم مكعبة يومياً، من الغاز الإسرائيلي بموجب اتفاق تم توقيعه عام 2019، ثم جرى تعديله بنهاية عام 2025 لينص على توريد 130 مليار متر مكعب من الغاز الإسرائيلي لمصر بقيمة 35 مليار دولار حتى عام 2040.

وتراجع إنتاج مصر من الغاز الطبيعي إلى نحو 4.1 مليار قدم مكعبة يومياً، مقابل احتياجات يومية تقارب 6.2 مليار قدم مكعبة، ترتفع إلى نحو 7.2 مليار قدم مكعبة خلال أشهر الصيف، وفقاً لتقديرات حكومية.