المجلات الثقافية العربية تصارع من أجل البقاء

تواجه مشكلات في النفقات والتوزيع

المجلات الثقافية إلى زوال
المجلات الثقافية إلى زوال
TT

المجلات الثقافية العربية تصارع من أجل البقاء

المجلات الثقافية إلى زوال
المجلات الثقافية إلى زوال

المطبوعات مثلها مثل بقية الكائنات التي إن لم تتطور وتتأقلم مع محيطها العصري فسوف تنقرض.. لذلك فإن الكثير من المجلات الثقافية التي ظهرت قوية منذ الستينات من القرن الماضي، تلاشت اليوم، ولم يعد لها وجود. مجلات كانت يومًا هي المرجع الأهم للمثقفين، ينتظرون صدورها بشغف، وفي البلاد البعيدة عن مصدر هذه المجلات كان القراء يحجزون نسخهم سلفًا في المكتبة، ولكن هذه المجلات تراجعت أمام هجمة التطور التي أصابت المطبوعات، وشيئًا فشيئًا توقفت عن الصدور أو بعضها لا يزال يصدر ولكن في نطاق ضيق.
دول الخليج مجتمعة، يصدر فيها أكثر عدد من المجلات الثقافية الشهرية والفصلية والمحكمة قياسًا إلى الوطن العربي، والغالبية العظمى - إن لم نقل كل - هذه المجلات تصدر إما عن اتحادات وروابط الكتاب والأدباء، وإما عن مؤسسات ثقافية رسمية أو عن الجامعات.
نتناول في السطور المقبلة المجلات الثقافية الشهرية ذات الطابع الأدبي ونظيرتها المحكمة التي أيضًا معنية بالدراسات الأدبية والنقدية، وما تواجهه من إشكاليات في أعباء الصدور وتباطؤ الانتشار عن السابق، وحاجة نوعين من الناس إليها، إما الأدباء والنقاد في ما يخص المجلات الثقافية، وإما طلبة الدراسات العليا في ما يخص المجلات المحكمة، وخصوصًا مجلات العلوم الإنسانية المعنية في موضوعنا، ثم أتطرق إلى شح العائد المادي لبعض هذه المجلات، ووفرة العائد المادي لبعضها الآخر، وما أسباب استمرار الأولى بالصدور رغم قلة المردود الذي لا يغطي أحيانًا تكاليف الطباعة وأجور المحررين والفنيين والطباعة فيها.
* التجربة الخليجية
نبدأ بالمجلات الأدبية المحكمة في الخليج، كنموذج، وندع رئيسة تحرير «المجلة العربية للعلوم الإنسانية» الصادرة عن مجلس النشر العلمي في جامعة الكويت الدكتورة نسيمة الغيث تتحدث عنها. تقول: «يصدر مجلس النشر العلمي 11 مجلة أحيانًا تتضمن دراسات تخصصية لا يقدر عليها الطلاب العاديون، لذلك فغالبًا ما ينشر فيها طلبة الماجستير والدكتوراه، كون الجامعة تشترط النشر في هذه المجلات الأدبية المحكمة لأجل الترقية والترفع».
وشروط النشر في هذه المجلة ليست سهلة، لذلك فالبحث الذي تتم الموافقة عليه يأخذ زمنًا طويلاً في النشر. وتصف الدكتورة نسيمة الغيث ذلك بقولها: «هناك طوابير بالدور على النشر». وتشرح ذلك بأن شروط المجلة في النشر تتمثل في أن تُسند الدراسات الأدبية المقدمة إلى لجنة تحكيم وتتكون اللجنة من شخصين، وفي حال تعارضا في الرأي، فيتم اللجوء إلى شخص ثالث هو الفيصل، ثم يعاد البحث إلى الراغب في النشر ليجري التعديلات التي طلبها المحكمون، ويعاد مرة أخرى إلى اللجنة.. وهكذا إلى أن يتم التوصل إلى الصيغة النهائية. وقد تستغرق هذه العملية مدة طويلة. وتستدرك الدكتورة نسيمة الغيث: «إلا في حالة واحدة إذا كان البحث آنيا وملحا يتعلق بقضية مطروحة فيسرع عندئذ في النشر».
* المجلات المحكمة
وعلى عكس المجلات الثقافية الشهرية، فإن المجلات المحكمة - حسب قول الدكتورة نسيمة الغيث - تباع في الوطن العربي وحتى في خارجه. وتشارك بالمعارض من خلال أجنحة خاصة، ولها مردود مادي كبير والأعداد المبيعة بالآلاف. لكن المشكلة الحقيقية تكمن في كون هذه المجلات فصلية فهي تحتاج إلى تحكيم وهذا يؤخر عملية النشر.. وهذا الازدحام أدى إلى إلغاء مكافأة النشر التي كان يتقاضاها صاحب البحث في السابق، حيث أصبح النشر اليوم مجانًا، والمقابل يتمثل في منحه وثيقة نشر تفيده في الترقية: «في السابق كان الذي ينشر يتقاضى مكافأة أما اليوم فلا لأن الأعداد هائلة».
وحول معاناة الراغبين بالنشر اطلعنا على تجربة شخصية من الدكتور مهنا الرشيد الذي يقول: «يشكّل النّشر في المجلّات والدّوريّات المحكّمة هاجسًا كبيرًا لدى معظم طلّاب الدّراسات العليا وكثير من الأكاديميّين والأساتذة الجامعيّين، وإن كان الأستاذ أو المدرّس الجامعي يعاني بعض الشّيء خلال مسيرة نشر البحث العلمي إلا أن معاناة طالب الدّراسات العليا أدهى وأمرّ؛ حيث تشكّل شروط النشر المنسدلة في قائمة طويلة في مستهلّ المجلّة المحكّمة صدمة كبيرة لطالب الدّراسات العليا، وقد يتحايل الطَّالِب على المجلّة، أو قد يستعين بأحد الأساتذة - ممّن يرضون ذلك - فيضع اسم الأستاذ أو الدّكتور مع اسمه بوصفه باحثًا مشاركًا معه، وقد يكون اسم الدّكتور شرفيًّا دون أن يكتب في البحث حرفًا واحدًا». ويضيف الدكتور مهنا الرشيد: «ليت هذه مشكلة النّشر الوحيدة في المجلّات المحكّمة، بل لهذه المشكلة أخواتها وصديقاتها من المشكلات الجمّة، التي تعترض الباحث قبل أن يرى بحثه النّور بين جانبي غلاف المجلّة الموقّرة؛ فللمجلّة مُمثّلة بمجلس التحرير أو رئاسته الصّلاحيّة المطلقة في تحديد قابليّة البحث للنّشر أو عدمها دون التزامها بتقديم أي تفسير للباحث عن سبب رفض البحث أو عدم صلاحيّته، وإذا ما وافق مجلس التحرير أو رئاسته على نشر البحث فهذا لا يعني أن البحث سينشر، بل يعني أن الباحث وبحثه قد بدآ مشوارهما الطّويل منذ هذه اللّحظة. لقد رفضت إحدى المجلّات المحكّمة أن تعرض لي بحثًا على المحكّمين بدعوى أنّها تطرّقت لهذا الموضوع في عدد سابق، وبدعوى أنّ هذا البحث وإن عُرض سيُرفض بعد أخذ وردّ، ومثل هذا حدث مع أحد أصدقائي ممن حصلوا على المركز الأول في دفعة الخرّيجين، وتعب كثيرًا في اختيار موضوع فريد، وتحديد مصطلح علمي والتّأصيل له، ثمّ تفاجأ برفض البحث بعد انتظار طويل. وقد تكون المأساة المريرة أن يأتيك ردّان متناقضان من محكّمين في مجلّة واحد: الأول يثني على بحثك، ويثمّنه، ويوافق على نشر البحث دون تعديل، في حين يوافق الثّاني على نشر البحث بعد إجراء قائمة التّعديلات المطلوبة».
* خدمة مجانية للمجتمع
أما عن المجلات الثقافية، فإن اللافت في الأمر أنه على الرغم من أن هذه المجلات الشهرية في الخليج أقل توزيعًا من الصحف وأطول في مدة الصدور، فإن الإقبال عليها من قبل الأدباء وخصوصًا الشعراء وكتاب القصة يكون بشغف أكبر، وهناك سببان رئيسيان لذلك، الأول أن الأديب يحظى بتقدير مادي عن جهده الإبداعي في المجلات، وهو ما لا تقوم به معظم الصحف اليومية اليوم، والتي تعتبر أن القصيدة أو القصة بمثابة إكسسوار لتزيين الصفحة، هذا إن لم تعتبرها تحصيل حاصل للمادة المنشورة في الصفحة كونها ذات طابع خبري.
أما السبب الثاني للإقبال على هذه المجلات، فيتمثل في أن المادة الأدبية المنشورة في المجلات هي أبقى وأكثر ديمومة كون القراء والمهتمين بشكل عام يحتفظون بهذه المجلات في مكتباتهم، إلى جانب أنه يتم الاحتفاظ فيها بالمكتبات العامة ومكتبات الجامعات ليستفيد منها الباحثون والطلبة والدارسون للإبداع. وهذا ما لا تتميز به الصحف اليومية عادة.
ولكن هذه الامتيازات التي يحصل عليها الأديب من المجلة أصبحت تشكل عبئًا على الجهات التي تصدر هذه المجلات، فالعوائد من التوزيع ليست بالقدر الذي تغطي تكاليف الأجور والطباعة، خصوصًا بعد أمرين، الأول ظهور الإنترنت، بحيث أصبح لمعظم هذه المجلات مواقع يتاح للقارئ قراءتها مجانًا، وإن كانت بعض المجلات تعمد إلى نشر العدد قبل الأخير، أي الذي تم توزيعه وانتهى، ولكن حتى هذه الطريقة ليست مجدية، وهذا مرهون بالأمر الثاني الذي أتحدث عنه في هذا الصدد، فمعظم شركات التوزيع لم يعد الأمر مغريًا لها لأنها في النهاية شركات ربحية تنظر إلى النسبة التي سوف تتقاضاها من التوزيع، وفي السابق كان العائد مجزيًا أكثر لكثرة الإقبال عليها، فكانت مجلات الخليج تصل إلى أبعد نقطة ممكنة من أقصى المشرق العربي لأنأى مغربه، بل وحتى إلى القرى البعيدة، أما اليوم فتحجم معظم شركات التوزيع عن القيام بذلك مما يحدد المساحة الجغرافية التي تنتشر فيها هذه المجلات، وحتى الشخص الذي نشر فيها قد لا يحصل عليها إن لم ترسل له الجهة المصدرة لهذه المجلة نسخة، أو يتبرع أحد أصدقائه المقيمين في الخليج لإرسال نسخة له، وفي أضعف الحالات يصور له الصفحات التي نشرت فيها مادته الإبداعية ويرسلها له على «الواتس» أو مواقع التواصل الاجتماعي.
ولكن مع ذلك فهذه المجلات عنيدة، ومستمرة في الصدور، فهي تعد «ماء الوجه» لاتحادات الكتاب والروابط الأدبية والجمعيات الثقافية، ومن الصعب على هذه الجهات أن تخسر ماء وجهها، كما أن معظم هذه الجهات في الخليج تتلقى دعمًا من الوزارات التابعة لها كونها جمعيات نفع عام، ومن ضمن أهدافها تقديم خدمات للمجتمع.



حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران
TT

حماقات ميشيل فوكو في إيران

حماقات ميشيل فوكو في إيران

لزم فوكو الصمت وهو يتحسر ويتمزق بعدما شاهد مجزرة المعارضين على يد نظام الخميني إنه لشيء من أعجب العجائب وأغرب الغرائب: ميشيل فوكو فيلسوف الحداثة وما بعد الحداثة راح يصفق بكلتا يديه لثورة الخميني الظلامية المندلعة عام 1978. كان فوكو في ذلك الوقت أشهر مثقف فرنسي على الإطلاق. وذلك لأن سارتر كان على وشك الرحيل بعد أن عمي تماماً، ولم تبقَ له سنتان أو أقل لكي يموت. علاوة على ذلك، فقد كان فوكو أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس (أعلى من السوربون) ، ومعلوم أنه كان قد اتفق مع صديقه جان دانييل رئيس تحرير أهم مجلة أسبوعية فرنسية وأكثرها استنارة «النوفيل أوبسرفاتور» على الذهاب إلى طهران لتغطية الأحداث المشتعلة هناك. وهكذا ركب فيلسوفنا الكبير الطائرة وذهب إلى طهران لكتابة تقارير صحافية عن الأحداث في وقت كان فيه الخميني ذاته لا يزال في ضواحي باريس. وهي تقارير نشرتها المجلة المذكورة، بالإضافة إلى الجريدة الإيطالية الشهيرة «كوريير ديلا سيرا». وقد سافر مرتين إلى طهران من 16 إلى 24 سبتمبر (أيلول) 1978، ومن 9 إلى 15 نوفمبر (تشرين الثاني): أي أقام ثمانية أيام وستة أيام في العاصمة الإيرانية. وقد قابل في كلتا الرحلتين ضباط الشاه الكبار، وقادة المعارضة العلمانيين. ثم قابل بشكل خاص كبار رجال الدين، ومن بينهم آية الله شريعة مداري. هذا ناهيك عن ممثلي المتظاهرين المليونيين، إلخ. يقول عنه أحد العارفين ما يلي:

كان فوكو شخصياً معجباً جداً بالعنف، ومبهوراً به. وكان يكره كل مجتمع مستقر. وكان معجباً جداً أيضاً بالجماهير الهائجة المائجة، وبالزلازل، والبراكين. وكانت عدميته النيتشوية قد وجدت إشباعاً لها في هذه الثورة العارمة التدميرية المدمرة. ولذلك رأى في هذه الثورة المتفجرة بالملايين نوعاً من الإنعاش الروحي في عالم دنيوي إلحادي فقد كلياً معنى القداسة الدينية، والتعالي الرباني. المقصود بذلك عالم الغرب الذي ينتمي إليه، لأنه هو شخصياً كان ملحداً عدمياً نيتشوياً.

لاحظوا المفارقة الكبرى هنا: هذا الرجل الملحد الذي يحارب الدين المسيحي بكل ضراوة في بلده إذا به يركع وينحني أمام متدينين آخرين، وفي بلد آخر. كيف يمكن تفسير هذا التناقض؟ الله أعلم. وهنا يحق لنا أن نطرح هذا السؤال: ماذا فعل فوكو في إيران؟ لقد انتصر للقدامة ضد الحداثة، وللثيوقراطية ضد الديمقراطية، وللنزعة اللاهوتية الكهنوتية ضد الفلسفة العلمانية التنويرية. لقد أبدى إعجابه الشديد بكيفية سيطرة رجل واحد على الملايين رغم أنه رجل دين قروسطي ظلامي. كان يسحرهم سحراً. فالخميني بشريط تسجيل واحد كان قادراً على تهييج إيران كلها عن بكرة أبيها. هذا ما أذهل فوكو، وأعجبه كل الإعجاب، وأخرجه عن طوره، بل وأفقده كل ملكاته العقلية، والنقلية. ثم أبدى إعجابه الشديد باستعداد هؤلاء المتظاهرين المليونيين للتضحية بأرواحهم ودمائهم من أجله. واعتقد فوكو أن ذلك أفضل من كل برلمانات العالم، وكل ديمقراطيات الغرب. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة.

لقد نشر فوكو مقالة بعنوان: «الشاه متأخر عن عصره مائة عام». لا حظوا المفارقة: الشاه الذي حدث إيران هو المتأخر عن عصر الحداثة، وليس الخميني. وراح فوكو يستخدم كل براعته السفسطائية لإقناعنا بأن حداثة الغرب العلمانية الديمقراطية هي المشكلة، وهي المتخلفة عقلياً، وسياسياً، وليس الخميني الذي يعيش كلياً في غياهب العصور الوسطى، وظلماتها. الشاه الذي أراد تحديث بلاده وتطويرها هو الرجعي، والخميني الذي أراد إعادتها إلى القرون الوسطى هو التقدمي.

لا ريب في أن فوكو كان على حق في إدانة الفساد الذي كان ينخر في نظام الشاه البائد، ومعلوم أن جماعته -بل وعائلته- كانت تسيطر على الصناعة الإيرانية، والموارد البترولية، ومعلوم أن فقر الشعب المدقع في عهده كان قد أصبح مقلقاً. والمقلق أكثر ميل الشاه إلى البذخ في الصرف على الأمجاد الساسانية الغابرة السابقة على الإسلام. وكل هذا استفز الشعب الإيراني المسلم المتدين أيما استفزاز. هذا ناهيك عن القمع السياسي للسافاك، إلخ. كل هذا صحيح. ولكن لماذا لا ترى نواقص الطرف الآخر المتمثل في الخميني؟ في الواقع أن فوكو كان يكره الغرب، ويكره الحداثة الرأسمالية. وبما أن الأصوليين الإيرانيين كانوا يكرهون الغرب، ويكرهون الحداثة الرأسمالية أيضاً، فإنهم نالوا إعجاب فوكو الشديد. لقد نالوا إعجابه إلى درجة أنه راح يقيم التضاد بين ملك طاغية مستبد من جهة وإنسان «قديس» ومنفي فقير من جهة أخرى. لاحظوا الأمر: الخميني تحول إلى قديس، أو ولي من أولياء الله الصالحين في نظر فوكو الملحد! وراح أستاذ الفلسفة في الكوليج دو فرانس يمجد الخميني ويقول: ما أروع هذا الرجل الروحاني المؤمن الذي يقود شعباً بأسره، ويتصدى بيدٍ عارية للطغيان المدجج بالسلاح... كلام فارغ سوف يدفع ثمنه غالياً لاحقاً. هكذا نلاحظ أنه في نظر هذا الفيلسوف العتيد فإن الشر أصبح كله في جهة، والخير كله في جهة أخرى. ثم بلغ العمى الفكري بميشيل فوكو مبلغه عندما راح يقول: هناك حقيقة ينبغي أن تكون واضحة للجميع هي: إن مفهوم الحكومة الإسلامية الذي ينادي به الخميني لا يعني أن رجال الدين هم الذين سيحكمون إيران. عندما كتب فوكو هذا الكلام كان الخميني لا يزال في ضواحي باريس، وفوكو يسرح ويمرح في طهران. ولكن كيف يمكن أن تصدق أن رجال الدين لن يلعبوا أي دور في النظام اللاهوتي الكهنوتي المقبل؟ فوكو يعتقد أنه يمكن للإيرانيين في ظل الخميني أن يصنعوا مستقبلهم الزاهر عن طريق العودة ألف سنة إلى الوراء...

يقول أحد العارفين أيضاً معلقاً:

الشيء الذي كان يسحر ميشيل فوكو في الثورة الإيرانية هو تشكيل مجتمع مستلهم من قبل التعالي الرباني، والقداسة الدينية. الشيء الذي كان يسحره هو الروحانية السياسية التي نسيناها نحن في الغرب منذ عصر النهضة، والأزمات الكبرى للمسيحية. ثم يردف فوكو قائلاً: أكاد أسمع الفرنسيين يقهقهون إذ يسمعون مني هذا الكلام. ولكنهم مخطئون. وراح يتوهم أن الحكومة الإسلامية سوف تجسد في السياسة شيئاً جديداً نسيه الغرب كلياً: ألا وهو الطابع الروحاني -بل والرباني- العالي المتعالي للسياسة. ما هذا الهراء؟ فوكو يريد العودة إلى ما قبل عصر النهضة، بل إلى ما قبل عصر التنوير. إنه يريد العودة إلى عصر الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية السابقة على النهضة، والأنوار. باختصار شديد، إنه يريد العودة إلى القرون الوسطى الثيوقراطية الكهنوتية. وهذا فيلسوف الحداثة، وما بعد الحداثة في الكوليج دو فرانس... أين نحن؟

ثم بلغ الضلال بفوكو مبلغه عندما كتب قائلاً:

الخميني ليس رجل سياسة. إنه رجل دين فقط. لن يوجد حزب سياسي خميني بعد سقوط الشاه، ولا حكومة خمينية في إيران بعد الانتصار عليه. ولكن الأحداث اللاحقة كذبته كلياً. ففي الأول من فبراير (شباط) 1979 عاد الخميني إلى طهران، وشكل نظاماً ثيوقراطياً يتحكم رجال الدين بكل مفاصله. وراحوا يقطعون الرؤوس بالآلاف... والنتيجة معروفة للجميع.

هكذا نلاحظ أن فوكو أخطأ على طول الخط في تقييمه للثورة الإيرانية. ولهذا السبب، فإن صديقه جان دانييل الذي أرسله إلى هناك راح يعتذر بشدة عن الخطأ الذي ارتكبه كلا الاثنين معاً. وهو خطأ لا يغتفر في رأيه. وأما فوكو الذي شاهد مجزرة المعارضين على يد آية الله الخلخالي، وسواه، فقد لزم الصمت وهو يتحسر، ويتمزق. وربما بصق على كل ما كتب، وفعل. ويقال إنه لزم بيته بضعة أسابيع قبل أن يتجرأ على الخروج في شوارع باريس خجلاً من نفسه، ومن الناس... كيف يمكن أن تخطئ إلى مثل هذا الحد يا رجل وأنت الفيلسوف الشهير؟ لقد عض على أصابعه ندماً، ولكن بعد فوات الأوان. وهذا درس لكل المثقفين الذين يناصرون قضية أخرى غير قضيتهم، بل ومضادة لقضيتهم: نقصد قضية الأصولية الظلامية. نقول ذلك ونحن نعلم أن المثقفين اليساريين والشيوعيين -بل وحتى الليبراليين الإيرانيين- انضموا كلهم إلى صف الخميني، وساهموا في إنجاح حركته. ثم سرعان ما قطع رؤوسهم بعد أن وصل إلى السلطة، واستتب له الأمر. لا يريد مثقفين تقدميين متنورين في إيران الجديدة. يريد فقط مثقفين أصوليين من أشكاله.

أخيراً ابتدأ الشعب الإيراني يدفع الثمن الباهظ لهذه الثورة المتخلفة التي تحمس لها بالملايين قبل نصف قرن تقريباً. كل الثورات الكبرى التي صنعت الحداثة والازدهار والتقدم كانت مضادة للأصولية، ما عدا الثورة الخمينية... كلها من الثورة الإنجليزية المجيدة عام 1688 إلى الثورة الأميركية عام 1776 إلى الثورة الفرنسية عام 1789 كانت ضد الأصولية المسيحية، والظلامية الدينية. وحدها الثورة الإيرانية كانت الاستثناء. لقد كانت مضادة لحركة التاريخ. ولذلك لم ينتج عنها أي شيء مفيد، ولم تتقدم إلى الأمام، وإنما أعادتنا قروناً إلى الوراء. إنها ثورة معكوسة بالمقلوب كما قال المجدد الأكبر للفكر الإسلامي محمد أركون يوماً ما. والأنكى من ذلك أن أصحابها يريدون تصديرها إلى الشعوب المجاورة؟ ماذا يصدرون؟ هل يصدرون فكر العصور الوسطى وظلامياتها؟ هل يصدرون التخلف الفكري؟ هنا يكمن مقتل الثورة الإيرانية.


فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم
TT

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

فيروز... الأغنية حين تصبح بيتاً والجبل حين يتكلم

تحمل فيروز معاني كثيرة داخل كل منا، فهي جمال الصوت المبهر وروعة الإحساس وذكريات الصبا ونسمة عذبة باردة تصفع وجوهنا برقة في صباحات رائقة ونحن نحتسي القهوة، لكنها ليست كذلك لدى الروائي السوري نبيل الملحم، إنها بالأساس طريقة لفهم الضوء حين يهبط على البحر، وطريقة لسماع الجبل وهو يتكلم، وطريقة لتصديق أن اللغة تستطيع أن تصبح بيتاً.

في كتابه «السيدة – تمرين على النجاة»، الصادر في نسخة إلكترونية حرة بعيداً عن دور النشر، يتساءل الملحم: هل من مغنية في تاريخ الإنسان تحمل كل هذه الأثقال؟ ويجيب بتأكيد قاطع: نعم، إنها السيدة فيروز، ثم يشرح فكرته مستعيناً بأدوات التشريح الفلسفي والرؤى الشاعرية والتحليل اللغوي والتأملات العميقة التي تمزج بين روح الشعر وبصمة النقد الموسيقي.

يشير الملحم إلى أنه ابن سوريا التي كانت تبحث منذ أزلها، عن نافذة تطل على البحر، فكانت فيروز ذلك البحر، حدث ذلك قبل أن تعرف الحدود السياسية طريقها إلى الأغنيات، حيث كان صوتها يعبرها كما يعبر الضوء زجاج النافذة.

في البيوت السورية، كما في البيوت اللبنانية، لم تكن فيروز ضيفة، كانت من أثاث الصباح، ومن رائحة القهوة، ومن برودة الماء في الجرار، ومن ذلك الحنين الذي يسبق الإنسان حتى قبل أن يعرف كيف يترجم مفردة «حنين» في طوايا نفسه.

يقول: «... كلما سمعت صوتها، شعرت أن المتوسط يغني نفسه، ليس البحر بوصفه ماءً، بل بوصفه ذاكرة، ذلك البحر الذي مر عليه الفينيقيون، والإغريق، والرومان، والعرب، والصليبيون، والعثمانيون، وكل من ظن أنه امتلكه، بينما كان البحر يحتفظ بسره كله في أغنية».

من هنا، يضيف: لم يصنع الرحابنة مدرسة موسيقية فحسب، بل أعادوا اختراع المكان، قبلهم كانت القرية مكاناً جغرافياً، وبعدهم أصبحت حالة روحية. لم تعد «بكفيا» أو «أنطلياس» أو «بشري» أو «زحلة» أو «بحيرية»، مجرد أسماء على الخرائط، صارت استعارات للإنسان نفسه، حتى الذين لم يزوروا لبنان قط، كانوا يعرفونه من خلال موسيقى الأخوين رحباني، كما يعرف المؤمن مدينته المقدسة من كتاب لم يزر أرضه.

ويذكر المؤلف أنه «حين يقول الرحابنة، لا يتحدث عن ملحنين فقط، بل عن فلاسفة أخفوا فلسفتهم داخل الأغنية، كانوا يعرفون أن الأفكار الثقيلة تموت سريعاً، بينما تعيش الفكرة إذا مشت حافية داخل لحن، ثم جاءت اللغة، ذاك الاكتشاف اللبناني العظيم، حين خرجت من المحكية كونها لغة البيوت إلى كونها لغة الشعر، فمن ميشال طراد مروراً بجوزيف حرب، وصولاً إلى طلال حيدر، لم تعد العامية لهجة، بل أصبحت وطناً آخر للقصيدة».

لقد كان هؤلاء، كما يضيف، يكتبون كما لو أنهم ينقذون الكلمات من عزلتها، ويعيدونها إلى فم الأم، وإلى رائحة التراب بعد المطر، وإلى الحجر الذي جلس عليه عاشقان على «صخرة الروشة»، وقد استبدلا بالانتحار العناق بعد أن استبدت بهما الأغنية. كانت فيروز الجسد الموسيقي لتلك اللغة، وبالتالي فإن الكتابة عنها ليست كتابة عن السيدة المطربة، بل عن الحضارة حين تنجو من الخراب.

إنه لهذا بالضبط تتجاوز فيروز التاريخ الرسمي، ذلك الذي يروي أسماء المنتصرين، أما الأغاني، فتروي أسماء الناجين، التاريخ الرسمي يشبه الجنرالات، يمشي وينظر إلى الأمام فقط، أما الثقافة، فإنها تمشي وهي تنظر في كل الاتجاهات، ولعل هذا ما جعل نبيل الملحم يشعر دائماً بأن الرحابنة لم يكونوا يكتبون للبنان وحده، كانوا يكتبون للمشرق الذي لم تستطع السياسة أن تصنعه، وأن هناك فرقاً هائلاً بين أن تؤسس دولة، وأن تؤسس خيالاً... الدولة تحتاج إلى حدود، أما الخيال، فيحتاج إلى نافذة.

الرحابنة فتحوا نافذة، دخل منها السوري، والفلسطيني، والأردني، والعراقي، والمصري، وربما اليوناني أيضاً، دون أن يسأل أحد عن جواز سفره، فهم لا يعترفون بالحدود إلا بوصفها سوء تفاهم مؤقتاً بين البشر.

المدهش أن الملحم كلما فكر في «فيروز»، اكتشف أنه لا يتذكر صوتها أولاً، بل صمتها. قد يبدو هذا تناقضاً، لكنه ليس كذلك، فهناك أصوات تملأ الفراغ، وهناك أصوات تكشفه. الأصوات الأولى تخيف الصمت وتضاده، أما الثانية فتتصالح معه، والفرق الحقيقي بين مغنٍّ عظيم ومغنٍّ خالد، هو أن الأول يملك صوته، أما الثاني فيملكه الصمت الذي يحيط بصوته.

ربما لهذا السبب لم تكن «فيروز» تغني كما يغني الآخرون. كانت تبدو في كثير من الأحيان، كأنها لا تؤدي الأغنية، بل تنصت إليها، بل تتكون في مكان لا تراه العين. لم تكن تفرض صوتها على الكلمات، بل كانت الكلمات هي التي تستدعي ذلك الصوت، كما تستدعي الأرض المطر حين تبلغ عطشها الأخير، ولعل هذه هي أول علامة على أن الفن تجاوز صاحبه، حين يتوقف الفنان عن قيادة العمل، ويصبح العمل هو الذي يقوده.

ويخلص المؤلف في كتابه الشيق قائلاً: «إنه من هذه الزاوية، تبدو (فيروز) أقرب إلى اختراع حضاري منها إلى موهبة فردية، الموهبة تفسر شيئاً واحداً: لماذا استطاعت أن تغني؟ لكنها لا تفسر لماذا أصغى إليها هذا العدد الهائل من البشر، على امتداد أكثر من نصف قرن، من دون أن يملوا؟».

هناك شيء آخر كان يعمل في الخفاء، شيء يتجاوز الصوت، وربما يتجاوز الموسيقى نفسها.

السر لم يكن في الحنجرة، بل في الثقة، ذاك الصوت كان يثق بالعالم، حتى حين كان العالم يفقد ثقته بنفسه، وهذه ليست صفة فنية، إنها صفة أخلاقية، ولهذا بقيت «فيروز» في أكثر اللحظات دموية في المشرق، تبدو وكأنها تتحدث من مكان لم تصله الحرب بعد.

ليس لأنها تجاهلت الحرب، بل لأنها كانت تعرف أن الحروب، مهما طالت، لا تملك المستقبل... الحرب تعيش في الزمن، أما الجمال، فيعيش خارجه، ولعل هذا هو السبب الذي يجعلنا، بعد كل هذه العقود، نتذكر أغنية، وننسى بياناً عسكرياً.


«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ
TT

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

«على هامش الحياة»... قصص تحمل ذاكرة جيلٍ

في المجموعة القصصية «على هامش الحياة» للكاتب مصعب البدور الصادرة عن «الآن ناشرون وموزّعون» بالأردن (2026)، نشهد استحضاراً للذاكرة الجمعية لجيلٍ أردني عاش حياةً بسيطة وقيماً أصيلة تتجسد في التعاون والرضا والقدرة على التكيّف مع قلة الإمكانات.

والقصص الواردة في المجموعة، كما كتب الناشر، «ليست تسجيلاً لأحداثٍ وقعت لأشخاص بعينهم، وإنما هي صور فنية مستوحاة من الواقع الاجتماعي والذاكرة المشترَكة لذلك الجيل، تمتزج فيها الحقيقة بالخيال لتجسّد تحولات الحياة من الماضي البسيط إلى الحاضر المعقّد، وتحافظ على تفاصيل وتجارب إنسانية تثير الحنين وتعبّر عن هوية المجتمع وقيمه».

يرى البدور الحياة بأكملها هي المتن الأساسي، ويعدّ كل القصص الواردة في مجموعته هوامشَ لهذا المتن الكبير، فتلك حكايات «على هامش الحياة»، حكايات أكثر إبانةً وكشفاً عن المكنون والذاكرة والنَّفس. انتظمت المجموعة في تسع حواشٍ، «تتّفق جميعها في التعبير عن ذاكرة الطفولة لجيل كامل».

يربط بين نصوص المجموعة حضور الطفل الذي يكبر جسده في حين تظلّ طفولته حاضرة في ذاكرته، فالخيال الطفولي يتحوّل وسيلةً لمقاومة الفقر والحرمان، ثم ينقلب مع الزمن تأمّلاً في آثار التربية والعائلة والمجتمع على النفس الإنسانية. وتظهر العلاقات الأسرية بوصفها المحور الأكثر تأثيراً؛ فالأب والأم والإخوة هم القوى التي تصنع الشخصية أو تجرحها أو تنقذها.

كما تشترك القصص في إبراز المفارقة بين براءة الطفولة وعنف الواقع، فألعاب الأطفال تتحوّل حروباً، والمنافسة رغبةً في الانتقام، والبرد رمزاً للقسوة، في حين يصبح الدفء رمزاً للأسرة والأمان. وفي المقابل، تحضر لحظات إنسانية مضيئة، مثل التعاون بين الجيران، والتضامن في مواجهة الأزمات، والصداقة العابرة للاختلافات الدينية والاجتماعية.