سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

من الانكفاء على مدارس تحفيظ القرآن.. إلى المشاركات الإعلامية وحضور المحافل الدولية

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات
TT

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

عبرت طلائع النخب النسائية، النشطة ضمن الجماعات الدينية في السعودية منذ أن تشكلت قبل ثلث قرون بتحولات مختلفة كانت ترجمة لما هو موجود لدى النخب الدعوية الذكورية باعتبارهم بوصلة القيادة للدعوة النسوية.
كانت البداية لهذا النشاط النسوي الدعوي الاجتماعي والممنهج مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بحسب رصد بعض المؤرخين السعوديين، عبر التواصل بخطبها ورسائلها مع العلماء المعتبرين وشرح مشكلات النساء ومظاهر «الانحراف».
في هذا النوع من النشاط، اشتهرت أسماء عدد من الداعيات، تلاه ظهور المحاضرات الموجهة للمرأة من دعاة «الصحوة» وتوجيه فتيات الصحوة ومناقشة همومهن الدعوية، وتقديم بعض الأفكار لهن. بالتوازي مع ذلك، برز الخطاب الدعوي النسائي في السعودية أكثر فأكثر في مختلف المحافل النسائية، غير غافل عن اتباع الأساليب الحديثة وتوظيفها في المجال الدعوي، شمل ذلك شكل وبعض موضوعات الخطاب ذاته طالما حقق رضا الجماهير النسوية «العاطفية».
اليوم، نجد حصاد الماضي مترجما بتحقيق «عمل نسائي حركي منظم» بانضمام 77 جمعية نسوية تحت راية واحدة. قبل ذلك، نشير إلى أنه ورغم طبيعة التحفظ في العمل الدعوي النسوي ومحركاته وعدم شفافيته باعتماد مذهب «الاعتزال» الإعلامي باستثناء المنابر الخاصة، فإن نجاح الإخوان المسلمين، في العامين الأخيرين، في الوصول إلى الحكم في مصر وتونس ونفوذهم في ليبيا، وما تلاه من انتكاسة انتهت بعزل الدكتور محمد مرسي في مصر عن كرسي الرئاسة وتهديد حكومتهم في تونس - كانت كفيلة بكشف الأوراق لدى الكوادر الصحوية النسائية في السعودية؛ أكان ذلك بسبب التفاؤل المفرط بمستقبل «الإخوان» فيما يسمى «الربيع العربي» أو دعما لـ«رابعة العدوية» في اعتصامها، بعد سقوط السلطة الإخوانية. إطار عام، بدأ الحديث عن تشكيل «تنظيم نسائي دولي للإخوان المسلمين» في الظهور الإعلامي منذ 2009 عقب توجيه تهم للنائب الأول لمرشد «الإخوان» حينها محمود عزت بالسعي إلى تشكيل «تنظيم سري» للأخوات المسلمات.
في الأثناء، ظهرت أسماء داعيات سعوديات متهمات ضمن التنظيم الدولي السري للأخوات، بحسب ما نشرت صحيفة «الدستور» المصرية في 23-11-1431 هـ عن مشاركة 8 داعيات سعوديات ضمن التنظيم الدولي، إضافة إلى ما نشرته مجلة «روزاليوسف» 2012م في تقرير عنونته بـ«قائمة أسماء القيادات: التنظيم العالمي للأخوات المسلمات من الإسماعيلية إلى واشنطن».
داعيات سعوديات قياديات في تجمع غير سعودي
نشر مركز «التمكين للمستقبل للاستشارات والدراسات»، الذي يعنى بشؤون المرأة الاجتماعية والذي ترأسه الداعية الدكتورة نورة السعد، خبرا عن رعاية مركز «باحثات» في العاصمة السعودية الرياض إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية» واحتفاء مركز «آسيا» للدكتورة «الداعية» أسماء الرويشد عبر موقعه الإلكتروني بالخبر.
كان هذا الخبر كفيلا بإعادة الحديث عن «التنظيم الدولي للأخوات المسلمات» من جديد، ورصد إيقاعاته بين أوساط النخب الدعوية النسائية بالسعودية.
تعد «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، بحسب ما نشره الراعي الرسمي لها، مركز «باحثات»، تجمعا للمنظمات الإسلامية النسائية في العالم بأسره، وتتحد هذه المنظمات لتحقيق مجموعة من الأهداف والبرامج والأنشطة تحت مظلة ترسيخ الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وصناعة المعايير المتعلقة بقضايا المرأة.
وتلخصت ضوابط هذه المؤسسة بالالتزام بالعمل المؤسساتي وقرارات الرابطة مع عدم إلغاء خصوصية كل منظمة أو مؤسسة تنتمي إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاهتمام بالعمل النسائي.
تركزت أهدافها في تحقيق التنسيق وتعزيز التعاون بين المنظمات النسائية الإسلامية في العالم وإيجاد قنوات اتصال وبناء شراكات بين المؤسسات الأعضاء في الرابطة والمنظمات الإقليمية والدولية العاملة التي تتقاطع معها في ذات المجال والاهتمام، وأخيرا بنشر التجارب الناجحة للمنظمات النسائية الإسلامية وتعميمها.
يتكون مجلس إدارة الرابطة من رئيس ونائب والأمين العام، وجرى الإعلان عن تشكيلته خلال استضافة مدينة إسطنبول التركية ملتقاه الأول بحضور 77 منظمة نسائية من أكثر من 26 دولة عربية وإسلامية.
وقع الاختيار لمنصب الأمين العام للرابطة والمتحدث الرسمي باسمها على المهندسة كاميليا حلمي، رئيس «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» ومسؤولة المرأة في حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، أما رئيس مجلس إدارة الرابطة فحازته الدكتورة نورة العمر مديرة الإدارة النسائية في مركز «باحثات» بالرياض، وفازت الدكتورة والداعية نورة السعد رئيسة مركز التمكين للمستقبل للدراسات والاستشارات في جدة بمنصب نائب الرئيس.
وضم مجلس إدارة الرابطة 8 عضوات هن: عائشة بلحجار رئيس «المنتدى الإسلامي العالمي للأسرة والمرأة» في بلجيكا، وبثينة عبد الله المدير التنفيذي لـ«الجنة العالمية لشؤون الأسرة» في قطر، وعزيزة البقالي من «منظمة تجديد الوعي النسائي» في المغرب المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والدكتورة أميرة الصاعدي من «مركز إسعاد النسائي» بمكة المكرمة، والدكتورة بثينة قروي المشرفة العامة على «منتدى الزهراء للمرأة المغربية»، وسيدة محمود رئيس قسم البحوث في «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» وعضو لجنة الداعيات في «الجمعية الشرعية» بمصر، وحليمة شيث رئيسة «جمعية النساء المسلمات» الأفريقية، وأسماء القرشي من «الاتحاد النسائي العالمي» في اليمن.
الراعي الرسمي مركز «باحثات»
نشأ مركز «باحثات» لدراسات المرأة في الرياض منذ 2006م بتصنيفه مؤسسة خاصة غير ربحية بترخيص من وزارة التجارة ليعنى بقضايا المرأة، يرأسه الدكتور فؤاد العبد الكريم، وتلاه تأسيس القسم النسائي في 2008م، الذي من أبرز أنشطته إعداد البحوث والدراسات والاستشارات في قضايا المرأة الفكرية والثقافية والعلمية.
وتتلخص أبرز مشاريعه منذ تأسيسه في إقامة «ملتقى المرأة السعودية ما لها وما عليها»، ومشروع حياة «البناء الفكري». بحسب ما روج له المركز، يعد المشروع تعليميا وتدريبيا وتأهيليا، ويسعى، حسب شرحه، إلى «تزويد الفتاة بالوعي والفهم اللازمين لإدراك متغيرات وصراعات الساحة الفكرية المتعلقة بقضايا المرأة، عبر إعداد أكاديمي عالي المستوى، يقوم على البرنامج نخبة من الأكاديميين، ومن المتخصصين، من كلا الجنسين، الذين تم انتقاؤهم بعناية تتناسب مع حجم وأهداف المشروع.
تبرز أهمية المركز في إعلانه من إسطنبول رعاية إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، خاصة بما ضم في عضويته من أسماء بارزة على الساحة الدعوية النسوية، متغلغلا أيضا في الساحة التعليمية الجامعية عبر كوكبة من الأكاديميات في الجامعات السعودية من مختلف المناطق.
لتبدأ المراكز الدعوية النسوية السعودية بالاتجاه أكثر نحو خطاب أقرب للنهج الإخواني الدولي، بانضواء هذه المراكز تحت مظلة واحدة تعرف بمركز «باحثات»، كل ذلك بذريعة قضايا المرأة المسلمة، مع الاتجاه خطوة نحو ضم أسماء نسوية عربية قيادية من جماعة الإخوان المسلمين العالمية، أو قريبة النهج منها.
ظهر ذلك جليا بعد استقبال كل من مركز «تمكين» للداعية نورة السعد ومركز «آسيا» للداعية أسماء الرويشد المهندسة كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة» المصري في الرياض على مدار 3 أيام لإلقاء المحاضرات بعد أن استضافها أولا المركز الأم «باحثات» في يوليو (تموز) للعام الحالي.
وفي محاولة من «الشرق الأوسط» الحصول على رأي مركز «باحثات»، اعتذرت الدكتورة نورة العمر، رئيسة مركز «باحثات» ورابطة المنظمات النسائية، عن المشاركة «بسبب انشغالها»، لنتوجه إلى السيدة علا، مسؤولة العلاقات العامة في المركز، التي أكدت أن «الرابطة انفصلت عن المركز بمجرد الإعلان عنها وهي كيان مستقل بذاته عن المركز، رغم أن كلا من رئيسة المركز والرابطة هي سيدة واحدة»، لتخاطب «الشرق الأوسط» بعد ذلك الرابطة على الإيميل الخاص بها من دون الحصول على أي إجابة.
نفق التمويل النسائي
تعد المرأة السعودية تحديدا، والخليجية بشكل عام، صيدا ثمينا لدى مختلف التنظيمات والجماعات، سواء أكان على صعيد التجييش العاطفي أو التمويل المالي، وهو الأمر الذي وظف من قبل تنظيم القاعدة بتجنيد النساء، مستغلا ما سماه «الحرائر» للتعبئة.
العنصر الخليجي النسوي بدأ يشكل أهمية لدى جماعة الإخوان والتيارات القريبة منها في الداخل والخارج في صورة «نفق تمويلي» جديد يمكن المراهنة عليه في عملية جباية الأموال، واستغلت هذه الجماعات ما تدره عضوية المراكز النسوية وما تتضمنه من دورات وأنشطة، إلى جانب أرباح المجلات والمواقع الإلكترونية وما تقدمه من خدمات الرسائل النصية.
يتضمن مركز «باحثات»، كنموذج، أنواعا مختلفة من العضويات، منها الشرفية والرائدة (مجانية) والماسية، تبلغ قيمة رسومها السنوية (1500 ريال)، بالإضافة إلى عضوية عاملة (500 ريال) تتحصل على خصم 50% على إصدارات المركز وأنشطته، وعضوية منتسبة (300 ريال) بنسبة خصم 30%.
تحولات الخطاب النسوي
عصفت رياح التغيير بخطاب النخب النسوية المتدينة، منذ بدايتها وحتى سنوات الربيع العربي، إثر مصادرتها منذ نشأتها من قبل طلائع النخب الذكورية على الساحة الدينية، وذلك في محاولة لاغتنام مواقف نسوية أكثر تشددا تجاه قضاياها الاجتماعية التي طالما ظلت في مقدمة قضايا خطاب الصحوة.
فبعد انكفاء «المتدينات» عن الظهور الإعلامي، واقتصار أنشطتهن على مدارس تحفيظ القرآن وما يقام فيها من دروس شرعية وفقهية تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية بالإضافة إلى مدارس الفتيات، كانت البداية بتشجيع «فتيات الصحوة» في منتصف الثمانينات من قبل رموزهن الذكورية في الساحة الصحوية الحركية لمناقشة همومهن الدعوية وحثهن على دخول المجال الإعلامي من خلال المشاركة في الكتابة عبر الصحف والمجلات أو من خلال حضور المؤتمرات.
الدكتور سلمان العودة له دور ريادي في «التفاعل» مع «هموم» الفتاة المتدينة ومناقشتها، بحسب الباحث السعودي عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع: قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية». لذا، تواصل معه قطاع واسع من الناشطات، حيث كان العودة يبدو أكثر تسامحا مع المرأة المتدينة لتبدو بصورة عصرية لمصلحة الدعوة في مرحلة نجوميته الصحوية. وفي هذا السياق، انتقد العودة مبالغات المتدينات حول اللباس وتفاصيل الألوان.
واستثمرت بعد ذلك الداعيات شهرة أسمائهن في سماء الدعوة بإنشاء المجلات الإلكترونية والمراكز النسوية تحت اسم «مراكز للاستشارات التربوية والنفسية»، في خطوة لتوظيف اهتمام الشابات بمسائل التنمية الشخصية، وتطوير الذات ودورات الزواج الناجح كعوامل جذب يوظف من خلالها البعد الدعوي الحركي بالتنديد بـ«المؤامرة النسوية الغربية» و«تفكيك الأسرة»، والعزف بمقامات مختلفة على قضية القرن «اتفاقية سيداو» وعولمة «قضايا المرأة المسلمة» واعتبارها قضية «أممية».
كان الأبرز مركز «آسيا للاستشارات التربوية والنفسية» للداعية أسماء الرويشد، ومركز «التمكين للمستقبل» للاستشارات والدراسات للداعية نورة السعد، وموقع «لها أون لاين» الإلكتروني ومركز «النجاح للاستشارات» للداعية رقية المحارب. وجميع هذه المنابر تروج لمناشط ومحاضرات ودورات مختلفة، بالإضافة إلى اعتبارها صوتا إعلاميا خاصا بمالكاته.
أهداف تأسيس مراكز الدراسات والاستشارات النسائية والخطاب المروج له في أروقتها، لم تتضح معالمه لدى بعض الدارسين الغربيين، كما ظهر في أطروحة إميلي لورونار ودراستها الاستقصائية حول مجتمع النساء في السعودية الصادر بعنوان «النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية» عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر». وبحسب رصد لورونار لخطاب الداعيات في المراكز النسائية، فهو لا يعد سوى خلط بين تحقيق الذات وتنمية الشخصية الإسلامية وعلم النفس والتدريب المهني، قائلة: «تجذب المحاضرات حول تنمية الشخصية كثيرات من طالبات علم النفس، لأنهن يعتقدن أن الشهادة التي سيحصلن عليها في نهاية المحاضرة ستكون صالحة في توظيفهن مستقبلا».. وتابعت قولها: «تقترح مراكز التدريب النسائي وهي في طور التكاثر دورات تدريبية حول مواضيع نمطية في هذه الآيديولوجيا ومشابهة لتلك التي يتم التطرق إليها في الفضاءات الدينية مثل (كيف نطور قدراتنا على التواصل وعلى المحاورة)، و(تحديد الأهداف)، و(إدارة الوقت)».
عبد العزيز البداح، وهو داعية سعودي، كان جليا بإيضاح أهمية اللجوء إلى البعد التنظيمي والحركي للعمل الدعوي النسائي من خلال مطالباته بإنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية في كتابه الذي نشرت ورقات منه في مكتبة مركز «باحثات» بعنوان «حركة التغريب بالسعودية.. تغريب المرأة أنموذجا». وهذا الكتاب في الأساس هو أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة الأزهر، ومما قاله البداح في كتابه هذا: «من أساليب مواجهة حركة التغريب وبرامجها إنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية». وأبرز أهداف هذه المراكز، بحسبه، أن تستهدف ببرامجها ومشاريعها الحياة الاجتماعية بعامة والأسرة على وجه الخصوص وضرورة أن يكون العمل الموجه ضد حركة التغريب عملا منظما ومؤسسيا، خاصة أن الساحة الدعوية في السعودية ما زالت تفتقد العمل المنظم والمؤسسي.
وطالب البداح بتشجيع محاضن التربية والتوجيه النسائية، حيث لا يوجد من هذه المحاضن سوى مدارس تحفيظ القران، مؤكدا ضرورة زيادة أعدادها ودعمها ماديا ومعنويا وتنويع نشاطاتها وبرامجها، التي من أهدافها أيضا احتضان العاملات في الحقل الدعوي ورعاية العمل النسائي وتأهيل الداعيات. ومن ثم، أصبحت مراكز الاستشارات والدراسات، حسب الشرح السابق، بمثابة نقطة انطلاق جديدة ساهمت في تكثيف نشاط الداعيات، وعلى حجم تأثيرهن في الأوساط النسوية حتى بات لكل داعية جمهورها الخاص الذي سرعان ما يتم حشده فور الإعلان عن موعد محاضرة في حلقات الجوامع والمساجد، التي غالبا ما تنشط في شهر رمضان عقب صلاة التراويح وخلال حملات الحج التي لطالما كان التنافس على أشده في حجز شهيرات الدعوة النسوية كوسيلة لجذب وفود الحجيج.
وتبدأ بعد ذلك عملية تنقل الداعيات من بلد خليجي إلى قطر عربي آخر باسم مراكزهن النسوية الخاصة بالاستشارات النفسية والتربوية، وبالأخص، عقب ظهور فتاوى تساهلت في قضية مرافقة المحرم للمرأة خلال السفر، مجيزة ذلك «في حال أمنت الوجهة والمخاطر».
بحسب سهاد عكيلة، مديرة تحرير مجلة «منبر الداعيات» وعضو إدارة القسم النسائي في جمعية الاتحاد الإسلامي في لبنان، التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة العمل الدعوي النسوي في لبنان الذي وصفته بالمنظم، مشتملا الدعوة والتعليم الشرعي، بالإضافة إلى ما تنبثق عنه من مؤسسات خيرية اجتماعية وتربوية وتحفيظ قرآن، حيث لكل قسم لجنة تقوم عليها مسؤولة وعضوات ومتطوعات وإداريات معنيات بوضع البرامج والخطط وأخوات تنفيذيات يجتمعن أسبوعيا.
وأوضحت عكيلة أنه في إطار العمل الدعوي النسوي في جمعية الاتحاد الإسلامية استضاف القسم النسوي عددا من الداعيات الشهيرات على الساحة العربية والخليجية، من بينهن الدكتورة سناء العابد والدكتورة فاطمة ناصيف والدكتورة سميرة جمجوم، وجميعهن سعوديات، مشيرة إلى أن طبيعة العلاقة مقتصرة فقط على الاستضافة للاستفادة من الطرح الشرعي، قائلة: «لدينا مؤتمر سنوي في فصل الربيع، نسعى خلاله للاستفادة بشخصيات من الخارج».
إحدى المسؤولات في جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية في لبنان، التي تركز أعمالها الدعوية في الاهتمام بالمرأة دينيا وثقافيا واجتماعيا، بالإضافة إلى الدورات الفكرية وأخرى لإعداد الداعيات حيث برنامج «موارد» وبرنامج «كن خير داع» - أبلغت «الشرق الأوسط» عن وجود شريحة واسعة لإدارة العمل النسوي في الجمعية من حيث الدروس الدينية والمحاضرات الفكرية والثقافية، إلى جانب المواضيع الشرعية والفقهية والعقائدية والشبهات ضد المرأة وواجبات المرأة ودخولها معترك العمل.
وفيما يتعلق بالتواصل مع الداعيات من خارج لبنان، وتحديدا السعودية، أكدت هذه المسؤولة أن التواصل يجري عبر حضور المؤتمرات والملتقيات الخارجية، مستشهدة بمؤتمر القيادة الاجتماعية في تركيا، فقالت: «بدأنا نجرب تطوير العمل الدعوي خارج لبنان بتركيا ومصر، وبعد أن كان هناك إشكال حول سفر المرأة وحدها دون محرم حيث كنا متشددين في هذا الأمر، لكن الأمر تغير بعد أن ظهرت فتاوى تسامحت في هذا الشأن». وقالت: «لقد استضفنا الدكتورة سميرة جمجموم لإلقاء محاضرات حال وجودها في لبنان»، مضيفة أنه بحكم حضورها المكثف إلى لبنان، فإن لها «علاقات قوية بالجمعيات الخيرية اللبنانية»، بالإضافة إلى إعداد الدكتورة بدرية المطوع، وهي داعية كويتية، مؤتمرا في تركيا وحضور مؤتمر بمصر أعدت له كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.
في هذا السياق، حاولنا التواصل هاتفيا مع الدكتورة فاطمة ناصيف، فأتى ردها على لسان سكرتيرتها: «الدكتورة فاطمة تقول إنها اعتزلت المشاركات والظهور الإعلامي عبر كافة وسائل الإعلام».
نورة السعد نموذجا
نورة السعد، الأكاديمية والناشطة في مجال التثقيف الدعوي ونائبة رئيس رابطة المنظمات النسائية الإسلامية، قد تصلح مثالا كاشفا لاستعراض التحولات التي طرأت على الخطاب الدعوي النسائي في السعودية. وهي كانت - كما يذكر عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع» - اسما تنويريا «معتدلا» في الكتابة النسائية خلال الثمانينات والتسعينات، وكانت كتاباتها في تلك المرحلة عن مشاكل المرأة أكثر واقعية من دون روح تمرد عبثية - كما وصفها الخضر - ومن دون رؤية محافظة تقليدية، مقدمة الكثير من المقالات العقلانية المتوازنة بشأن المرأة بطرح غير متصنع أو متكلف.
ويستدرك الخضر عن نورة السعد: «مع مرور الوقت، أخذت رؤيتها المستقلة تتغير وتتأثر بالرؤية الدينية السائدة بعد أن تغير خطاب الصحوة هو الآخر، وكان هذا التحول في بدايته مقبولا ويناسب كونها كاتبة محافظة متعقلة في مرحلة مبكرة، لكن فيما يبدو أن تزايد الفاكسات والإيميلات التي تميز بها جمهور الصحوة في دعم أي كاتب ينتصر للآراء المحافظة - أدى إلى دخولها أجواء جديدة أكثر نشاطا وجماهيرية وحماسة، فأخذ خطابها يتغير نحو آراء أكثر محافظة وصنفها البعض أنها متشددة». هذا الوقت الذي ذكره الخضر كان سابقا للربيع العربي الذي سرعان ما كان شاهدا على تحولات جديدة لدى الأكاديمية والداعية السعد، التي نشطت من خلال تغريداتها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وحسابها يحمل 30 ألف تغريدة، مزينا بشعار اعتصام «ميدان رابعة» بلونه الأصفر وأصابعه الأربعة. وإضافة إلى تغريداتها التي تعيدها استحسانا لكلمات سيد قطب، كانت هناك تغريدات أخرى حول الأحداث المصرية ودعم جماعة الإخوان هناك، ومن بينها هذه التغريدات: «ليت من يهاجم (الإخوان) يعظ نفسه ويتقي الله فيها ويراقب عبادته لله، فالحياة قصيرة والقبر أقرب إليهم».. وأخرى: «الله وحده العالم بحقيقة إخلاص الإخوان المسلمين..». وثالثة: «ما يحدث في مصر كارثة دينية تاريخية ستغير النسيج الاجتماعي لـ92 مليون، إن استمر هؤلاء في الحكم». وهناك تغريدة تشير فيها إلى : «قصيدة رائعة تجسد ملحمة العزة والثبات في أرض الكنانة ضد عصابة السيسي»، شاهد «قصيدة رابعة». ومن تبحر أكثر في دهاليز السياسة بتساؤلها: «من الذي أمر السيسي بعدم مغادرة الفندق كي لا يكون ضمن راكبي الطائرة المصرية التي تم إغراقها وفيها ضباط مصريون».
هذه صورة عامة عن منطقة نشطة من الحراك في السعودية والخليج، حراك النساء المنخرطات في ثقافة إخوانية أو صحوية، لتصل إليها، في العادة، أشعة الإعلام.



ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)
TT

ترمب يعيد العلاقات مع العراق إلى المربّع الأول

ترمب (آ ف ب/غيتي)
ترمب (آ ف ب/غيتي)

سواءً بالنسبة للرئيس الأميركي دونالد ترمب أو لمبعوثه إلى العراق مارك سافايا، تتجه علاقة الولايات المتحدة مع العراق إلى الحد الأقصى من الضغط على طبقته السياسية، لا سيما الطبقة الحاكمة... وبالذات قوى «الإطار التنسيقي الشيعي»، المتهمة من قبل واشنطن بالولاء لإيران. الرئيس الأميركي أرسل ويرسل المزيد من حاملات الطائرات والبوارج الحربية إلى مناطق الشرق الأوسط القريبة من إيران، ملوّحاً بالعصا الغليظة مرة والدبلوماسية الناعمة بشروط صعبة - بل مستحيلة - مرة أخرى. وهكذا، أوصل أخيراً رسائل عدة إلى الطبقة السياسية العراقية، محذراً إياها من عواقب الوقوف إلى جانب طهران، رافضاً في الوقت نفسه حكومة تشكلها القيادة الإيرانية في بغداد.

المقاربة الأميركية الجديدة حيال العراق، بعد نحو عقدين على تغيير النظام العراقي السابق بإرادة أميركية، تريد الانفراد بالعراق. وهذا بعدما اضطرت الولايات المتحدة طوال العقدين الماضيين، إبان رئاسات كل من جورج بوش (الابن) وباراك أوباما ودونالد ترمب نفسه - في ولايته الأولى - وجو بايدن إلى التعامل مع إيران في العراق كواقع حال، بما في ذلك تقاسم عملية تشكيل الحكومة واختيار، بل وتنصيب رئيس الوزراء.

لكن عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول». فترمب الذي «لم يقصّر» مع إيران عندما اغتال بالقرب من مطار بغداد الدولي عام 2020 «رجل إيران القوي» وقائد «فيلق القدس» قاسم سليماني مع نائب رئيس «هيئة الحشد الشعبي العراقي» أبو مهدي المهندس، لديه الآن رؤية مختلفة.

رؤية ترمب للمنطقة والعالم في ولايته الثانية مختلفة جذرياً؛ الأمر الذي نقل الصراع مع إيران من «قواعد اشتباك» معروفة إلى صدام مسلح (يونيو/ حزيران) 2025 إلى احتمال صدام جديد سيكون أقوى كما يلوّح دائماً.

عراقياً، وبما أن العراق أجرى بنهاية العام الماضي انتخابات برلمانية، يكثر الكلام الآن عن كيفية تشكيل الحكومة العراقية العتيدة ومن سيكون رئيسها. وفي حين فاز رئيس الحكومة الحالي محمد شياع السوداني بأعلى عدد من المقاعد، فإن قوى «الاطار التنسيقي» الشيعية لم تسمح له بتشكيل الحكومة نتيجة خلافات عميقة، قسم منها مرتبط بالعلاقة مع واشنطن.

إذ يرى العديد من قوى «الإطار التنسيقي»، لا سيما الفصائل المسلحة التي شاركت في الانتخابات الأخيرة وتمكّنت من الفوز بنحو 80 مقعداً في البرلمان، تعمل على تشكيل حكومة مَرضي عنها من إيران وبعيدة عن واشنطن.

ولكي يتحقق هذا الهدف، فإن العقدة تبقى في مسألة مَن سيتولى رئاسة الحكومة المقبلة. لكن المفاجأة التي لم تكن متوقعة البتة جاءت بتنازل السوداني لرئيس الحكومة الأسبق نوري المالكي، زعيم كتلة «دولة القانون» (أكبر كتل «الإطار»)، بوصفه الفائز الثاني لتشكيل الحكومة... بغية حل الانسداد السياسي في البلاد.

شيّاع السوداني (آ ب)

رسائل واشنطن

هذه المفاجأة لم تستوعبها واشنطن، التي سرعان ما «دخلت على الخط» بقوة بهدف إجهاض هذا التحرك.

فبعد الإعلان الرسمي عن ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، كان مقرّراً أن يعقد البرلمان العراقي في اليوم التالي جلسة لانتخاب رئيس جديد للجمهورية يتولى عملياً تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً من النواب لتشكيل الحكومة. ولكن، جاءت الرسالة الأولى الغامضة التي أوقفت عقد الجلسة.

إذ قبل نحو ساعة من عقد الجلسة وبدء توافد النواب إلى القاعة إيذاناً ببدء التصويت لاختيار رئيس الجمهورية من بين 16 متنافساً يتقدّمهم وزير الخارجية الحالي فؤاد حسين عن الحزب الديمقراطي الكردستاني، ووزير البيئة السابق نزار امدي عن الاتحاد الوطني الكردستاني، تقرّر تأجيل الجلسة بطلب كردي لغرض «إجراء المزيد من المشاورات».

طبقاً للمعلومات التي بدأت تنتشر في الأوساط السياسية والبرلمانية، فإن الاتصالات الهاتفية التي أجراها توم برّاك، مبعوث ترمب إلى سوريا، مع زعيم الحزب الديمقراطي الكردستاني مسعود بارزاني، والاتصال الذي أجراه وزير الخارجية الأميركي مارك روبيو مع رئيس الوزراء محمد شياع السوداني... من أجل رفض ترشيح المالكي لترؤس الحكومة، هي التي أدت إلى تأجيل الجلسة إلى يوم الأحد.

وفي حين قرّر «الإطار التنسيقي» المضي قُدُماً باعتماد ترشيح المالكي، دخل ترمب على الخط بنفسه عبر تغريدة رافضة هذا التوجه. وهذا التطور أدى إلى إرباك المشهد السياسي العراقي المرتبك أصلاً لأسباب عديدة، من بينها: أزمات داخلية تتقدمها أزمة رواتب الموظفين نتيجة انخفاض أسعار النفط.

ودفع هذا الواقع، بالذات العديد من القوى السياسية الشيعية، فضلاً عن كلّ القوى السنية والكردية إلى إعادة حساباتها من جديد. إذ تأكد حينئذٍ أن المسألة بوجهها الأميركي لم تعُد مجرد ضغط، بل باتت بمثابة تهديد مباشر، لا سيما مع تفاقم الأزمة بين طهران وواشنطن.

المالكي (رويترز)

المالكي يتحدّى

المالكي، في أول رد فعل له أعلن رفضه لتغريدة ترمب. فقد قال زعيم كتلة «دولة القانون» في تغريدة له حُذفت من حسابه لاحقاً: «نرفض رفضاً قاطعاً التدخل الأميركي السافر في الشؤون الداخلية للعراق، ونعتبره انتهاكاً لسيادته ومخالفاً للنظام الديمقراطي في العراق بعد عام 2003، وتعدّياً على قرار (الإطار التنسيقي) لاختيار مرشحه لمنصب رئاسة الوزراء». وأضاف، أن «لغة الحوار بين الدول هي الخيار السياسي الوحيد في التعاطي وليس اللجوء إلى لغة الإملاءات والتهديد». وأردف: «انطلاقاً من احترامي للإرادة الوطنية، وقرار (الإطار التنسيقي) الذي كفله الدستور العراقي، فسوف أستمر بالعمل حتى نبلغ النهاية، وبما يحقق المصالح العليا للشعب العراقي».

في السياق نفسه، فإن حزب الدعوة، الذي يتزعمه المالكي أيضاً، حذّر مما أسماه «فتح ثغرة » من قِبل «الإطار التنسيقي». وقال الحزب في بيان له إن «الكتلة البرلمانية الأكبر، وبوصف ذلك استحقاقاً دستورياً وديمقراطياً لها، استخدمت حقها القانوني والسياسي في ترشيح مَن تراه مناسباً لرئاسة مجلس الوزراء وتشكيل الحكومة الجديدة». وتابع الحزب: «إننا نعتقد أن فتح ثغرة في القرار الإطاري قد جرّ العملية السياسية إلى هذا التعقيد، وسينجم عن ذلك تداعيات على أكثر من صعيد، وهو ما يوجب دعوة القوى السياسية الخيرة من جميع المكوّنات إلى الدفاع عن القرار الوطني العراقي المستقل».

ملفات سافايا

سياسي عراقي مطّلع أبلغ «الشرق الأوسط» أن «الملفات التي يحملها المبعوث الأميركي للعراق مارك سافايا أخطر من تغريدة الرئيس الأميركي دونالد ترمب؛ كون أن ملفات سافايا تستهدف زعامات سياسية بارزة من الخطوط الأول والثاني والثالث بينما تغريدة ترمب، وإن كانت تستهدف هي الأخرى بنية النظام السياسي الذي أُسّس بإرادة أميركية بعد عام 2003، فهي على الأقل تستهدف وبالاسم رجلاً واحداً هو نوري المالكي المرشح لتولي منصب رئيس الوزراء».

السياسي العراقي، أضاف - طالباً إغفال الإشارة إلى اسمه - أن «عملية تأجيل جلسة البرلمان جاءت عقب الاتصال الهاتفي بين توم برّاك وبارزاني؛ الأمر الذي دفع القيادة الكردية إلى طلب التأجيل... الذي تناغم مع رغبة القيادات الشيعية التي رفضت ترشيح المالكي، وهي قيادات معروفة (في كتلتي الحكيم والخزعلي) باختلاف دوافع التأجيل؛ كون الجلسة لو عقدت وانتُخب رئيس جديد للجمهورية فإنه سيكون مضطراً إلى تكليف المالكي تشكيل الحكومة».

وأوضح السياسي أن «المرشحين الكرديين لمنصب رئيس الجمهورية كانا قد أعدا كتاب تكليف مرشح الكتلة الأكبر عدداً في حال جرى انتخابه لمنصب رئيس الجمهورية، غير أن تأجيل الجلسة جاء بأمر خارجي بانتظار موقف مُعلن من قِبل الرئيس الأميركي جرى التنويه عنه من قبل روبيو للسوداني وبرّاك لبارزاني».

تضخيم صورة تغريدة ترمب

في هذا السياق، يقول الدكتور ياسين البكري، أستاذ العلوم السياسية في كلية النهرين، لـ«الشرق الأوسط» إن «تضخيم صورة تغريدة ترمب عن رفض المالكي غير واقعي، وكأن تشكيل الحكومات في العراق يجري بمعزل عن التأثير الخارجي وتحديداً الأميركي والإيراني». ثم يضيف: «الأمر اختلف الآن؛ كون أن الرفض جاء هذه المرة علنياً، وبالتالي لا أعتقد أن هناك مأزقاً بقدر ما هو حرج سوف يصار إلى تبريره».

ويتابع البكري إنه «سيجري التعامل مع الأمر لإدراك الساسة امتلاك واشنطن الملفات الضاغطة على الوضع العراقي، وأهمها حالياً الملف الاقتصادي الذي يعاني أزمة، والذي مفاتيحه في واشنطن... وهذا فضلاً عن تحديات المنطقة الأمنية، وتلك أيضاً ملفات ضاغطة». ويوضح أن الأهم الآن إطارياً الاتفاق على شخصية تتمتع بالقدرة على ترتيب أوراق العراق الدولية والإقليمية، وهي المهمة المستعجلة على ضوء متغيرات الداخل والإقليم...«وليس بين الشخصيات القادرة لا يزيد على شخصيتين لا أكثر، ليس بينهما السوداني»، على حد قوله.

3 مسارات للحل

من جهته، يقول الباحث والأكاديمي الدكتور طالب محمد كريم، لـ«الشرق الأوسط» إن «المأزق الحالي المتعلق بترشيح نوري المالكي وما يُوصف بـ(فيتو ترمب) لا يمكن فصله عن السياق الأوسع للشرق الأوسط، حيث تعيش المنطقة مرحلة إعادة ترتيب نفوذ، ومحاولة تثبيت توازنات جديدة بعد سنوات من الحروب والاستنزاف».

ويشرح كريم: «من وجهة نظر إقليمية ودولية، هناك قوى لا تزال تفضّل بقاء العراق في مساحة الإدارة الهادئة لا القرار المستقل... ولذلك تتحفّظ عن أي شخصية تمتلك وزناً سياسياً وقدرة على فرض معادلات داخلية أكثر استقلالية. ومن هنا يأتي التضخيم الإعلامي لأي موقف أميركي، حتى لو لم يكن رسمياً أو حاسماً».

وفي المقابل، كما يقول كريم، فإنه «داخل العراق، يتعامل (الإطار التنسيقي) مع ترشيح المالكي بوصفه ورقة قوة تفاوضية، لا مجرد اسم، بينما تحاول أطراف أخرى توظيف العامل الخارجي للضغط وإعادة خلط الأوراق».

ورداً على سؤال بشأن كيفية الخروج من المأزق، يقول كريم إن «عملية الخروج من هذا المأزق، تمرّ عبر ثلاثة مسارات: الأول، تثبيت القرار الداخلي، أي حسم واضح داخل البيت الشيعي، مع تفاهم جدّي مع الأكراد والسنّة، يقلّل تلقائياً من تأثير أي ضغط خارجي. والثاني، إدارة العلاقة مع واشنطن ببراغماتية لا بالصدام ولا بالتنازل، بل بتأكيد أن اختيار رئيس الوزراء شأن عراقي دستوري، مع طمأنة المصالح المشتركة دون الارتهان لها. والثالث، تقديم برنامج حكومي واضح، فحيث يوجد برنامج اقتصادي وأمني وخدمي واقعي، يصبح التركيز على الشخص أقل أهمية، داخلياً وخارجياً...».

... و3 سيناريوهات

وبشأن السيناريوهات المتوقعة، يقول إن «السيناريوهات المتوقعة، أيضاً ثلاثة: الأول، التمرير المشروط - وهو الأرجح - حيث يُمرَّر المالكي ضمن تفاهمات داخلية وضمانات سياسية، مع إدارة هادئة للعلاقة مع الخارج. والثاني، التسوية البديلة في حال تصاعد الضغوط أو تعقّد التفاهمات، وقد يُتَّفق على شخصية وسطية كحل مؤقت. والثالث، الانسداد السياسي... وهو الأخطر، وسيحدث إذا فشلت القوى في التوافق؛ ما سيؤدي إلى تعطيل طويل وتأزيم الشارع».

الخلاصة، كما يرى الدكتور كريم، أن «الشرق الأوسط اليوم يتجه نحو تقليل الصدامات المباشرة وزيادة منطق التسويات. وإذا ما أحسن العراق إدارة هذا الظرف، سيتمكن من تحويل الأزمة فرصةً لتكريس قراره الوطني. أما إذا أُدير الملف بمنطق الانفعال أو الارتهان، فسيبقى رهينة التجاذبات... فالمعيار في النهاية ليس مَن ترضى عنه واشنطن، بل مَن يستطيع إدارة العراق في هذه المرحلة المعقّدة بأقل كلفة وأعلى توازن».

مرحلة القرارات الصلبة

في السياق نفسه، يقول الدكتور إحسان الشمّري، رئيس مركز التفكير السياسي في العراق وأستاذ السياسات الدولية في جامعة بغداد، لـ«الشرق الأوسط» إن «نقطة تحول كبيرة جداً في سياسة الولايات المتحدة حيال العراق كنظام سياسي أو حتى كعملية سياسية أنتجتها الانتخابات الأخيرة. إذ يبدو أن ترمب انتقل من الرسائل الدبلوماسية المرنة، التي وصلت إلى الطبقة السياسية عن طريق وزير خارجيته أو مبعوثه مارك سافايا، إلى القرارات الصلبة».

وأردف: «ذلك يعطي إشارة واضحة على أن الرئيس الأميركي سيعمل على إعادة صياغة العملية السياسية العراقية، لا سيما وأن الموقف الأميركي الأخير موجّه إلى أقوى الفاعلين السياسيين في العراق».

وأوضح الشمري أن «رفض ترمب ترشيح المالكي لرئاسة الوزراء إنما هو رفض لكل (الإطار التنسيقي) وسياساته. حيث يبدو أن ثمة خطة أميركية لإعادة التموضع في العراق بما لا يسمح لأي وجود إيراني فيه. وهذا، فضلاً عن أنه موقف يحمل في ثناياه توجهاً أميركياً سيعمل على تصحيح الأخطاء التي ارتُكبت في العلاقة مع واشنطن لجهة النظام السياسي الذي كانت قد رعته».

واختتم الشمري مؤكداً أن «النظام السياسي قد لا يكون هدفاً بالنسبة لترمب، لكن بما لا يقبل الشك سيضع في حساباته ترميم هذا النظام، ومن ثم التكيّف معه، بما في ذلك عزل الطبقة السياسية التي لا تريد إصلاح النظام السياسي، بل تواصل السير بمعادلة مغلوطة حتى على صعيد المنظومة الإقليمية والدولية». عهد ترمب «الثاني» يبدو مختلفاً كلياً عن عهده «الأول»


جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
TT

جاكوب فراي... قيادي ديمقراطي واقع بين أزمات حزبه و«دولة ترمب»

في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية
في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية

فيما يشبه «اختبار ضغط» متواصلاً لمدينة خبرت منذ 2020 كيف يمكن لحدث واحد أن يعيد تعريف صورة الولايات المتحدة عن نفسها، صعد اسم جاكوب فراي، عمدة مدينة مينيابوليس، ليتقدم واجهة المشهد الوطني. ليس فقط لأن المدينة أصبحت منذ أواخر 2025 وبدايات 2026 ساحة مواجهة سياسية وقانونية بين السلطات الفيدرالية وسلطات ولاية مينيسوتا، والمدينة، على خلفية حملات وكالة الهجرة والجمارك الأميركية «آيس»، وما تلاها من احتجاجات، واتهامات متبادلة، بل لأن فراي اختار أن يواجه ذلك بخطابٍ يزاوج بين «مبدئية الحقوق» و«برغماتية الإدارة»، في خليط داخل «حزب ديمقراطي» مأزوم في رسالته، وهويته.

وُلد جاكوب فراي يوم 23 يوليو (تموز) 1981، ونشأ في شمال ولاية فيرجينيا، في ضواحي العاصمة واشنطن (أوكتون بمقاطعة أرلينغتون). وفي مرحلة الدراسة الجامعية حصل على منحة رياضية في كلية وليام أند ماري، ثاني أقدم وأعرق الجامعات الأميركية بعد هارفارد، ودرس الإدارة الحكومية. وبعد التخرج عام 2004 اتجه إلى احتراف جري سباقات المسافات الطويلة، ومثّل المنتخب الأميركي في منافسات دولية. وهذه الخلفية ليست تفصيلاً تزيينياً، فالشاب بنى جزءاً من صورته العامة على «انضباط العدّاء»، و«القدرة على التحمّل»، وهي استعارات يستخدمها سياسيون كثيرون، لكنها عنده تتحول إلى مادة تعريف شخصية متماسكة.

بعد ذلك، التحق فراي بكلية الحقوق في جامعة فيلانوفا، الكاثوليكية العريقة، وتخرج منها مجازاً بالقانون، ثم جاء إلى مينيابوليس عام 2009، حيث عمل في مجال الحقوق المدنية، وقضايا التمييز والعمل قبل دخول حلبة السياسة المحلية. ولقد تزوج من زوجته الأولى، ميشيل ليليينثال عام 2009، وانفصلا في عام 2014. ثم تزوّج عام 2016 من زوجته الثانية، سارة كلارك، الناشطة في مجال الضغط السياسي لدى شركة «هايلدن» للمحاماة والاستشارات، حيث تمثّل الشركات، والمنظمات غير الربحية، ومنظمات المجتمع المدني أمام الهيئة التشريعية، والوكالات التنفيذية في ولاية مينيسوتا.

في العام 2020، رزق الزوجان بطفلهما الأول، ووُلد طفلهما الثاني في 2025. وفي سيرته الرسمية، يقدّم فراي نفسه ابناً لبيئة أميركية نموذجية من الطبقة الوسطى، تشرّب مبكراً فكرة «الخدمة العامة» عبر بوابة الرياضة، ثم القانون. بيد أن عنصر الهوية الدينية يظل حاضراً في مساره السياسي. فهو يهودي ينتمي إلى التيار الإصلاحي، ويرتاد مع زوجته الثانية التي اعتنقت اليهودية «كنيس إسرائيل»، وهو كنيس إصلاحي في مينيابوليس.

ويُستدعى هذا البعد أحياناً بوصفه عدسة أخلاقية أكثر من كونه شعاراً انتخابياً، خصوصاً حين تتقاطع ملفات المدينة مع أسئلة «الاندماج»، و«الحماية»، و«الخطاب العام» في زمن الاستقطاب.

«الانحياز للضعفاء»

يُحسب لفراي أنه لم يدخل السياسة من بوابة الشركات الكبرى، أو «مكاتب واشنطن»، بل من السياسة البلدية: مجلس مدينة مينيابوليس، ثم رئاسة البلدية. وفي السردية التي يكرّرها مقرّبوه، كان دافعه الأساسي الاقتراب من ملفات الإسكان، والحقوق، والخدمات، حيث تُختبر الدولة يومياً في حياة الناس العاديين.

وفي مدينةٍ ذات تاريخ ثقيل مع قضايا العِرق، والشرطة، واللامساواة، يغدو هذا المسار البلدي طريقاً إلى السياسة الوطنية من دون إعلان ذلك صراحة. ففراي «ليس نجماً تلفزيونياً» بقدر ما هو إداري يراهن على تحويل النزاعات الكبرى إلى سياسات محلية قابلة للقياس.

انتخب فراي عمدة في 2017، وتسلّم منصبه مطلع 2018، ثم أُعيد انتخابه في 2021، وفاز بولاية ثالثة في نوفمبر (تشرين الثاني) 2025 بنظام التصويت التفضيلي. واعتُبر فوزه الأخير حدثاً مهماً، لأنه عكس داخل «الحزب الديمقراطي» المحلي صراعاً بين جناح «مؤسساتي/ وسطي» يمثله فراي، وجناح «يساري/ ديمقراطي-اشتراكي» صاعد يمثله غريمه -الصومالي الأصل- عمر فاتح، في منافسة جذبت اهتماماً وطنياً واسعاً.

نموذج «العمدة القوي»

أحد التحولات البنيوية في عهد فري كان الانتقال إلى نموذج «العمدة القوي» الذي يمنح رئيس البلدية سلطة تنفيذية أكبر على إدارات المدينة. ووفق وثائق المدينة، أُقرت ترتيبات بنيوية جديدة -منها إنشاء مكتب للسلامة المجتمعية- ضمن هيكل يوسّع صلاحيات العمدة التنفيذية. وهذا التحوّل يفسّر جانباً من صدامه المستمر مع مجلس المدينة: فالنزاع لم يعد فقط على «السياسة»، بل على «مَن يملك مفاتيح التنفيذ».

الشرطة بعد قضية جورج فلويد

مقتل المواطن الأسود جورج فلويد عام 2020، وما تلاه من احتجاجات محلية وعالمية، مثّل لحظة مهمة لفراي، حين أعلن في اليوم التالي للحادثة فصل أربعة ضباط تورّطوا في القضية، وهي خطوة عاجلة لإظهار أن المدينة لن تدافع عن الواقعة.

لكن التحدّي الحقيقي جاء لاحقاً: كيف تُصلح مؤسسة شرطة مُنهكة بالفضائح، والعجز، والثقة المكسورة، من دون الانزلاق إلى فراغ أمني، أو معركة مؤسساتية مفتوحة مع النقابات، والمجلس؟

منذ ذلك الحين، مال فراي إلى مقاربة يمكن تلخيصها بعبارة «الإصلاح لا الإلغاء». وهذا الموقف ظهر أيضاً في النقاشات التي رافقت دعوات إعادة هيكلة الشرطة جذرياً في 2021، وفي الجدل الوطني حول «خفض التمويل».

وفي يناير (كانون الثاني) 2025، وافق العمدة ومجلس المدينة على «مرسوم رضائي» مع وزارة العدل الأميركية لدفع «إصلاحات مؤسسية» أعمق داخل شرطة مينيابوليس، خطوة تُقرأ عادة باعتبارها انتقالاً من «وعود سياسية» إلى «التزام قانوني قابل للرقابة».

وثائق المدينة، الليبرالية سياسياً، تضع «السلامة» في قلب أجندة فراي عبر مزيج من توظيفات، وبرامج استجابة لأزمات الصحة النفسية، ومحاولة بناء منظومة أوسع من الشرطة وحدها. غير أن منتقديه، خصوصاً داخل مجلس المدينة، يرون أن النتائج على الأرض أبطأ من حجم الوعود، وأن الفجوة بين «الخطاب الإصلاحي» و«إدارة مؤسسة شرطة مقاومة للتغيير» لا تزال قائمة.

الإسكان والتشرد وحقوق التصويت

من جهة ثانية، بينما يُحسب لمينيابوليس أنها أصبحت «مختبراً» وطنياً في سياسات تواجه الكثافة السكنية، وتقليص حصرية مناطق السكن الفردي عبر خطة «مينيابوليس 2040» التي سمحت على نطاق واسع بزيادة عدد الطوابق في أحياء كانت مخصّصة لبيت من طابق واحد. لكن الملف الذي يطارد فراي سياسياً هو التشرّد، والمخيّمات. ففي ديسمبر (كانون الأول) 2025، استخدم حق النقض ضد تشريع كان سيمنح المخيمات حماية زمنية أطول، مبرّراً ذلك بأنه يشجّع على «تضخّم المخيّمات»، ويقيّد التدخّل المبكّر. وشدّد يومذاك على أن المدينة تريد «سكناً وخدمات» لا «ترسيخ العيش غير الآمن في العراء».

في الوقت نفسه، شهدت المدينة -وهي إحدى الأبرد في البلاد- مساومات ميزانية لإبقاء برامج قسائم سكن طارئة لعدد من المعرّضين للتشرّد، في صفقة عكست كيف يتحوّل السكن إلى «عصب سياسي» يومي بين العمدة والمجلس.

أيضاً، في مدينة تعتمد التصويت التفضيلي في الانتخابات البلدية، يصبح «التصميم الانتخابي» جزءاً من الديمقراطية اليومية. وصفحات الانتخابات الرسمية في مينيابوليس تتيح «التصويت من السيّارة» لمن لا يستطيعون دخول مركز الاقتراع بسهولة، وإتاحة التسجيل، وتحديثه ضمن الإجراء نفسه. وتُظهر أدلة المدينة الانتخابية وجود أجهزة «وضع علامات اقتراع ميسّرة»، وخيارات مساعدة متعدّدة داخل مركز الاقتراع. تفاصيل قد تبدو تقنية، لكنها في زمن الاستقطاب تُقرأ على أنها مؤشّر على فلسفة «خفض العوائق» أمام المشاركة، في مواجهة سياسات جمهورية مناقضة.

«مدينة ملاذ»... والهوية الجندرية

على صعيد الهجرة، لا يكتفي فراي بوصف مينيابوليس «مدينة ملاذ» ليبرالية، بل يستند إلى نصوص تشريعية محلية تقيّد تعاون موظفي المدينة مع إنفاذ قوانين الهجرة الفيدرالية، وتمنع الاستفسار عن الوضع القانوني للهجرة إلا عندما يفرض القانون ذلك.

ومع تصاعد «النشاط الفيدرالي» أواخر 2025 وبدايات 2026، تعزّز في الأسابيع الأخيرة حضور فراي وطنياً بسبب المواجهة المفتوحة مع السلطات الفيدرالية حول عمليات «آيس». إذ طالبت بيانات المدينة الرسمية الوكالة بالمغادرة، وشرحت أن مينيابوليس لا تطبق قوانين الهجرة المدنية.

وعلى المستوى الإعلامي، صعد فراي خطابه بعد حوادث عنف مرتبطة بالعمليات، والاحتجاجات، مقدماً نفسه مدافعاً عن «سلامة المجتمع»، و«الحقوق» في مواجهة ما يصفه منتقدو الإدارة بأنه «عسكرة» للفضاء المدني.

وتنسحب فكرة «الملاذ» على ملفات أخرى، حيث أصدر فراي في 2022 أمراً تنفيذياً يمنع تعاون أجهزة المدينة مع ملاحقات تتعلق بالرعاية الصحية الإنجابية، وأصدر أمراً آخر يجعل مينيابوليس «ملاذاً» للرعاية الصحية المُؤكِّدة للنوع الاجتماعي.

وهنا يظهر فراي بوصف أنه سياسي ديمقراطي يحاول تحويل القيم إلى «أدوات إدارية» لا مجرد مواقف.

في المقابل، علاقة فراي مع ملفات العمل والاقتصاد الحضري معقّدة، ففي عام 2024 اصطدم بمجلس المدينة الذي دعا إلى حد أدنى لأجور سائقي «أوبر»، و«ليفت». واستخدم حق النقض (الفيتو)، محذّراً من تبعات اقتصادية، وتشغيلية، وبينما مضى المجلس لتجاوز «الفيتو»، هدّدت الشركتان بتعليق الخدمة. وهذا الملف قدّمه خصومه دليلاً على انحيازه لـ«البرغماتية المائلة للأعمال»، بينما قدّمه أنصاره على أنه اختبار صعب بين إنصاف العمال والحفاظ على خدمات يعتمد عليها سكان كثيرون.

وفي أواخر 2024، عاد التوتر مع المجلس حول فكرة «مجلس معايير العمل»، حيث استخدم فراي «الفيتو»، محاججاً بأن الصيغة المقترحة لا تعطي تمثيلاً كافياً للقطاع التجاري، ما يعكس رغبته الدائمة في لعب دور «الموازن» بين قوة النقابات وخشية هروب الاستثمار.

إشكالية «حرب غزة»

الملف الأكثر حساسية لشخصية يهودية في رئاسة مدينة تقدّمية ليبرالية كان ملف غزة. ففي يناير 2024، كتب فراي في رسالة اعتراض أن قرار مجلس المدينة الداعي لوقف النار «يُبرز تاريخ الفلسطينيين، ويكاد يمحو تاريخ اليهود الإسرائيليين»، منتقداً اللغة التي رأى أنها «أحادية»، وتفاقِم الانقسام. لكن المجلس تجاوز اعتراضه، وأقر القرار بغالبية 9 مقابل 3 أصوات. وفي ديسمبر (كانون الأول) 2024، اعترض على قرار يدعم محتجين مؤيدين لفلسطين في جامعة مينيسوتا، معتبراً أن الرسالة «تضع سابقة خطيرة»، إذ «مدحت أفعالاً غير قانونية لمجرّد توافقها مع تفضيلات سياسية».

هذان الملفان يُظهران حدود «المدينة التقدّمية»، حين تتحول السياسة الدولية إلى سياسة محلية، ويصبح العمدة مطالباً بأن يقرّر: هل يلعب دور «الناشط» أم «الحَكم»؟

صعود فراي اليوم لا يُقرأ فقط بوصفه صعود «عمدة مدينة»، بل إشارة إلى بحث الديمقراطيين عن لغة جديدة بعد سنوات من ارتباك الرسالة بين جناح يساري يطالب بإعادة تعريف الدولة، وجناح وسطي يريد إصلاحات معتدلة بلا صدامات.

فراي يقف في الوسط: إذ يرفع راية الملاذ والحقوق المدنية، لكنه يتراجع حين يرى أن السياسة تتحوّل إلى شعار يهدّد قدرة المدينة على الإدارة، أو يفتح الباب لفوضى مؤسساتية.وفي مدينة أصبحت مرادفاً لجرح أميركا المفتوح منذ حادثة جورج فلويد، ومرآةً لصراع الهجرة (وبالأخص الجالية الصومالية)، والسلطة في 2026، يحاول جاكوب فراي أن يقدّم نموذجاً مختلفاً، لكنه لا يزال بعيداً عن تقديم جواب شافٍ لأزمة الحزب «الديمقراطي».


مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
TT

مينيابوليس «مدينة البحيرات» الباردة... غدت ساحة صراع سياسي

اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)
اضراب وتظاهر وثلوج ... في مينيابوليس (آ ب)

تكتسب مينيابوليس أهميةً تتجاوز كونها أكبر مدن ولاية مينيسوتا، ذات الكثافة السكانية الاسكندنافية بشمال وسط الولايات المتحدة، ومركزها الاقتصادي والثقافي، و«توأم» عاصمتها السياسية سانت بول.

في السنوات الأخيرة تحوّلت «رمزاً سياسياً» تختصر فيه الولاية تناقضات أميركا بين حالة ديمقراطية ليبرالية تقدّمية وسلطة فيدرالية جمهورية أكثر صدامية في عهد دونالد ترمب.

مينيابوليس تشتهر بكونها مدينة «الطبيعة داخل المدينة». إذ تحتضن شبكة بحيرات ومستنقعات وجداول داخل حدودها، إلى جانب نهر المسيسيبي، ومسارات مشي ودرّاجات تمتد لأميال ضمن منظومة حدائق تُقدَّم كميزة فريدة.

وبجانب هذا الوجه الطبيعي، لدى مينيابوليس حضور ثقافي لافت في الغرب الأوسط، من «ووكر آرت سنتر» وحديقة المنحوتات، إلى «غاثري ثياتر» الذي يُعدّ مؤسسة مسرحية مركزية في المدينة. وتضم عدداً كبيراً من مقار الشركات والمؤسسات، مثل شركة «تارغت» و«يو إس بان كورب» وغيرهما؛ ما يعزّز ثقلها كعقدة أعمال ومال وخدمات في مينيسوتا.

لكن شهرة مينيابوليس اليوم ليست سياحية فقط؛ فهي تُصنَّف مدينة تقدّمية؛ لأن سياساتها المحلية تراكمت لسنوات على قاعدة «خفض العوائق» أمام المشاركة والخدمات، والتوسّع في الحماية الاجتماعية. تعتمد المدينة «التصويت التفضيلي» في كل الانتخابات البلدية منذ 2009، وهو ما يُقدَّم كإصلاح ديمقراطي يعزز التمثيل ويحد من الاستقطاب داخل السباقات المحلية. وفي الاقتصاد الاجتماعي، كانت من أوائل مدن الغرب الأوسط التي أقرّت مسار رفع الحد الأدنى للأجور وصولاً إلى 15 دولاراً، مع مراحل تطبيق امتدت حتى 2024. وفي يناير (كانون الثاني) 2026 برزت المدينة مسرحاً مباشراً للصراع بين ترمب والديمقراطيين عبر ملف الهجرة.

عمليات «آيس» في مينيابوليس، وما ارتبط بها من حوادث مثيرة للجدل، من مقتل الأميركية رينيه نيكول غود (37 سنة)، ثم أليكس بريتي، الممرّض الأميركي (37 سنة) أيضاً، ومحاولة عناصر «آيس» دخول القنصلية الإكوادورية وما أثارته من احتجاج دبلوماسي، قدمت للبيت الأبيض فرصة لإظهار «قبضة إنفاذ» أمام الجمهور المحافظ. في المقابل، منحت الديمقراطيين مادة تعبئة حول «تغوّل السلطة الفيدرالية» وحدودها داخل المدن الملاذ. وحقاً، لم تعُد المدينة ساحة مواجهة بين ترمب والديمقراطيين فقط، بل غدت مرآة انقسام الديمقراطيين: بين تيارٍ مؤسساتي - براغماتي يركز على الأمن والخدمات وإدارة المدينة، وتيار يساري يرى أن زمن «الترقيع» انتهى. وإعادة انتخاب العمدة جاكوب فراي في 2025 عبر التصويت التفضيلي بوجه تحدٍ يساري بارز، بيّنت أن المدينة، ولو أنها أكثر تقدمية، لا تمنح تفويضاً تلقائياً للشعارات، بل تبحث عن توازن صعب بين العدالة والسلامة.

لهذا كله؛ تبدو مينيابوليس (مع سانت بول) بالنسبة لمينيسوتا «عاصمة سياسية» بقدر ما هي عاصمة اقتصادية. وإذا أراد ترمب أن يثبت أن الدولة الفيدرالية قادرة على فرض أجندتها داخل المدن، فهي المكان الأكثر رمزية. وإذا أراد الديمقراطيون أن يبرهنوا على أن الدفاع عن الحقوق لا ينفصل عن قدرة الحكم المحلي على إدارة الأزمات، فهي أيضاً مختبرهم الأكثر شهرة.