سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

من الانكفاء على مدارس تحفيظ القرآن.. إلى المشاركات الإعلامية وحضور المحافل الدولية

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات
TT

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

سعوديات في النشاطات الدينية.. ثلث قرن من التحولات

عبرت طلائع النخب النسائية، النشطة ضمن الجماعات الدينية في السعودية منذ أن تشكلت قبل ثلث قرون بتحولات مختلفة كانت ترجمة لما هو موجود لدى النخب الدعوية الذكورية باعتبارهم بوصلة القيادة للدعوة النسوية.
كانت البداية لهذا النشاط النسوي الدعوي الاجتماعي والممنهج مع نهاية الثمانينات وبداية التسعينات، بحسب رصد بعض المؤرخين السعوديين، عبر التواصل بخطبها ورسائلها مع العلماء المعتبرين وشرح مشكلات النساء ومظاهر «الانحراف».
في هذا النوع من النشاط، اشتهرت أسماء عدد من الداعيات، تلاه ظهور المحاضرات الموجهة للمرأة من دعاة «الصحوة» وتوجيه فتيات الصحوة ومناقشة همومهن الدعوية، وتقديم بعض الأفكار لهن. بالتوازي مع ذلك، برز الخطاب الدعوي النسائي في السعودية أكثر فأكثر في مختلف المحافل النسائية، غير غافل عن اتباع الأساليب الحديثة وتوظيفها في المجال الدعوي، شمل ذلك شكل وبعض موضوعات الخطاب ذاته طالما حقق رضا الجماهير النسوية «العاطفية».
اليوم، نجد حصاد الماضي مترجما بتحقيق «عمل نسائي حركي منظم» بانضمام 77 جمعية نسوية تحت راية واحدة. قبل ذلك، نشير إلى أنه ورغم طبيعة التحفظ في العمل الدعوي النسوي ومحركاته وعدم شفافيته باعتماد مذهب «الاعتزال» الإعلامي باستثناء المنابر الخاصة، فإن نجاح الإخوان المسلمين، في العامين الأخيرين، في الوصول إلى الحكم في مصر وتونس ونفوذهم في ليبيا، وما تلاه من انتكاسة انتهت بعزل الدكتور محمد مرسي في مصر عن كرسي الرئاسة وتهديد حكومتهم في تونس - كانت كفيلة بكشف الأوراق لدى الكوادر الصحوية النسائية في السعودية؛ أكان ذلك بسبب التفاؤل المفرط بمستقبل «الإخوان» فيما يسمى «الربيع العربي» أو دعما لـ«رابعة العدوية» في اعتصامها، بعد سقوط السلطة الإخوانية. إطار عام، بدأ الحديث عن تشكيل «تنظيم نسائي دولي للإخوان المسلمين» في الظهور الإعلامي منذ 2009 عقب توجيه تهم للنائب الأول لمرشد «الإخوان» حينها محمود عزت بالسعي إلى تشكيل «تنظيم سري» للأخوات المسلمات.
في الأثناء، ظهرت أسماء داعيات سعوديات متهمات ضمن التنظيم الدولي السري للأخوات، بحسب ما نشرت صحيفة «الدستور» المصرية في 23-11-1431 هـ عن مشاركة 8 داعيات سعوديات ضمن التنظيم الدولي، إضافة إلى ما نشرته مجلة «روزاليوسف» 2012م في تقرير عنونته بـ«قائمة أسماء القيادات: التنظيم العالمي للأخوات المسلمات من الإسماعيلية إلى واشنطن».
داعيات سعوديات قياديات في تجمع غير سعودي
نشر مركز «التمكين للمستقبل للاستشارات والدراسات»، الذي يعنى بشؤون المرأة الاجتماعية والذي ترأسه الداعية الدكتورة نورة السعد، خبرا عن رعاية مركز «باحثات» في العاصمة السعودية الرياض إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية» واحتفاء مركز «آسيا» للدكتورة «الداعية» أسماء الرويشد عبر موقعه الإلكتروني بالخبر.
كان هذا الخبر كفيلا بإعادة الحديث عن «التنظيم الدولي للأخوات المسلمات» من جديد، ورصد إيقاعاته بين أوساط النخب الدعوية النسائية بالسعودية.
تعد «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، بحسب ما نشره الراعي الرسمي لها، مركز «باحثات»، تجمعا للمنظمات الإسلامية النسائية في العالم بأسره، وتتحد هذه المنظمات لتحقيق مجموعة من الأهداف والبرامج والأنشطة تحت مظلة ترسيخ الاهتمام بقضايا المرأة المسلمة على المستوى المحلي والإقليمي والدولي وصناعة المعايير المتعلقة بقضايا المرأة.
وتلخصت ضوابط هذه المؤسسة بالالتزام بالعمل المؤسساتي وقرارات الرابطة مع عدم إلغاء خصوصية كل منظمة أو مؤسسة تنتمي إلى عقيدة أهل السنة والجماعة والاهتمام بالعمل النسائي.
تركزت أهدافها في تحقيق التنسيق وتعزيز التعاون بين المنظمات النسائية الإسلامية في العالم وإيجاد قنوات اتصال وبناء شراكات بين المؤسسات الأعضاء في الرابطة والمنظمات الإقليمية والدولية العاملة التي تتقاطع معها في ذات المجال والاهتمام، وأخيرا بنشر التجارب الناجحة للمنظمات النسائية الإسلامية وتعميمها.
يتكون مجلس إدارة الرابطة من رئيس ونائب والأمين العام، وجرى الإعلان عن تشكيلته خلال استضافة مدينة إسطنبول التركية ملتقاه الأول بحضور 77 منظمة نسائية من أكثر من 26 دولة عربية وإسلامية.
وقع الاختيار لمنصب الأمين العام للرابطة والمتحدث الرسمي باسمها على المهندسة كاميليا حلمي، رئيس «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» ومسؤولة المرأة في حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمون في مصر، أما رئيس مجلس إدارة الرابطة فحازته الدكتورة نورة العمر مديرة الإدارة النسائية في مركز «باحثات» بالرياض، وفازت الدكتورة والداعية نورة السعد رئيسة مركز التمكين للمستقبل للدراسات والاستشارات في جدة بمنصب نائب الرئيس.
وضم مجلس إدارة الرابطة 8 عضوات هن: عائشة بلحجار رئيس «المنتدى الإسلامي العالمي للأسرة والمرأة» في بلجيكا، وبثينة عبد الله المدير التنفيذي لـ«الجنة العالمية لشؤون الأسرة» في قطر، وعزيزة البقالي من «منظمة تجديد الوعي النسائي» في المغرب المقربة من جماعة الإخوان المسلمين، والدكتورة أميرة الصاعدي من «مركز إسعاد النسائي» بمكة المكرمة، والدكتورة بثينة قروي المشرفة العامة على «منتدى الزهراء للمرأة المغربية»، وسيدة محمود رئيس قسم البحوث في «اللجنة الإسلامية العالمية للمرأة والطفل» وعضو لجنة الداعيات في «الجمعية الشرعية» بمصر، وحليمة شيث رئيسة «جمعية النساء المسلمات» الأفريقية، وأسماء القرشي من «الاتحاد النسائي العالمي» في اليمن.
الراعي الرسمي مركز «باحثات»
نشأ مركز «باحثات» لدراسات المرأة في الرياض منذ 2006م بتصنيفه مؤسسة خاصة غير ربحية بترخيص من وزارة التجارة ليعنى بقضايا المرأة، يرأسه الدكتور فؤاد العبد الكريم، وتلاه تأسيس القسم النسائي في 2008م، الذي من أبرز أنشطته إعداد البحوث والدراسات والاستشارات في قضايا المرأة الفكرية والثقافية والعلمية.
وتتلخص أبرز مشاريعه منذ تأسيسه في إقامة «ملتقى المرأة السعودية ما لها وما عليها»، ومشروع حياة «البناء الفكري». بحسب ما روج له المركز، يعد المشروع تعليميا وتدريبيا وتأهيليا، ويسعى، حسب شرحه، إلى «تزويد الفتاة بالوعي والفهم اللازمين لإدراك متغيرات وصراعات الساحة الفكرية المتعلقة بقضايا المرأة، عبر إعداد أكاديمي عالي المستوى، يقوم على البرنامج نخبة من الأكاديميين، ومن المتخصصين، من كلا الجنسين، الذين تم انتقاؤهم بعناية تتناسب مع حجم وأهداف المشروع.
تبرز أهمية المركز في إعلانه من إسطنبول رعاية إنشاء «رابطة المنظمات النسائية الإسلامية العالمية»، خاصة بما ضم في عضويته من أسماء بارزة على الساحة الدعوية النسوية، متغلغلا أيضا في الساحة التعليمية الجامعية عبر كوكبة من الأكاديميات في الجامعات السعودية من مختلف المناطق.
لتبدأ المراكز الدعوية النسوية السعودية بالاتجاه أكثر نحو خطاب أقرب للنهج الإخواني الدولي، بانضواء هذه المراكز تحت مظلة واحدة تعرف بمركز «باحثات»، كل ذلك بذريعة قضايا المرأة المسلمة، مع الاتجاه خطوة نحو ضم أسماء نسوية عربية قيادية من جماعة الإخوان المسلمين العالمية، أو قريبة النهج منها.
ظهر ذلك جليا بعد استقبال كل من مركز «تمكين» للداعية نورة السعد ومركز «آسيا» للداعية أسماء الرويشد المهندسة كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة» المصري في الرياض على مدار 3 أيام لإلقاء المحاضرات بعد أن استضافها أولا المركز الأم «باحثات» في يوليو (تموز) للعام الحالي.
وفي محاولة من «الشرق الأوسط» الحصول على رأي مركز «باحثات»، اعتذرت الدكتورة نورة العمر، رئيسة مركز «باحثات» ورابطة المنظمات النسائية، عن المشاركة «بسبب انشغالها»، لنتوجه إلى السيدة علا، مسؤولة العلاقات العامة في المركز، التي أكدت أن «الرابطة انفصلت عن المركز بمجرد الإعلان عنها وهي كيان مستقل بذاته عن المركز، رغم أن كلا من رئيسة المركز والرابطة هي سيدة واحدة»، لتخاطب «الشرق الأوسط» بعد ذلك الرابطة على الإيميل الخاص بها من دون الحصول على أي إجابة.
نفق التمويل النسائي
تعد المرأة السعودية تحديدا، والخليجية بشكل عام، صيدا ثمينا لدى مختلف التنظيمات والجماعات، سواء أكان على صعيد التجييش العاطفي أو التمويل المالي، وهو الأمر الذي وظف من قبل تنظيم القاعدة بتجنيد النساء، مستغلا ما سماه «الحرائر» للتعبئة.
العنصر الخليجي النسوي بدأ يشكل أهمية لدى جماعة الإخوان والتيارات القريبة منها في الداخل والخارج في صورة «نفق تمويلي» جديد يمكن المراهنة عليه في عملية جباية الأموال، واستغلت هذه الجماعات ما تدره عضوية المراكز النسوية وما تتضمنه من دورات وأنشطة، إلى جانب أرباح المجلات والمواقع الإلكترونية وما تقدمه من خدمات الرسائل النصية.
يتضمن مركز «باحثات»، كنموذج، أنواعا مختلفة من العضويات، منها الشرفية والرائدة (مجانية) والماسية، تبلغ قيمة رسومها السنوية (1500 ريال)، بالإضافة إلى عضوية عاملة (500 ريال) تتحصل على خصم 50% على إصدارات المركز وأنشطته، وعضوية منتسبة (300 ريال) بنسبة خصم 30%.
تحولات الخطاب النسوي
عصفت رياح التغيير بخطاب النخب النسوية المتدينة، منذ بدايتها وحتى سنوات الربيع العربي، إثر مصادرتها منذ نشأتها من قبل طلائع النخب الذكورية على الساحة الدينية، وذلك في محاولة لاغتنام مواقف نسوية أكثر تشددا تجاه قضاياها الاجتماعية التي طالما ظلت في مقدمة قضايا خطاب الصحوة.
فبعد انكفاء «المتدينات» عن الظهور الإعلامي، واقتصار أنشطتهن على مدارس تحفيظ القرآن وما يقام فيها من دروس شرعية وفقهية تحت إشراف وزارة الشؤون الإسلامية بالإضافة إلى مدارس الفتيات، كانت البداية بتشجيع «فتيات الصحوة» في منتصف الثمانينات من قبل رموزهن الذكورية في الساحة الصحوية الحركية لمناقشة همومهن الدعوية وحثهن على دخول المجال الإعلامي من خلال المشاركة في الكتابة عبر الصحف والمجلات أو من خلال حضور المؤتمرات.
الدكتور سلمان العودة له دور ريادي في «التفاعل» مع «هموم» الفتاة المتدينة ومناقشتها، بحسب الباحث السعودي عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع: قراءة في تجربة ثلث قرن من التحولات الفكرية والسياسية والتنموية». لذا، تواصل معه قطاع واسع من الناشطات، حيث كان العودة يبدو أكثر تسامحا مع المرأة المتدينة لتبدو بصورة عصرية لمصلحة الدعوة في مرحلة نجوميته الصحوية. وفي هذا السياق، انتقد العودة مبالغات المتدينات حول اللباس وتفاصيل الألوان.
واستثمرت بعد ذلك الداعيات شهرة أسمائهن في سماء الدعوة بإنشاء المجلات الإلكترونية والمراكز النسوية تحت اسم «مراكز للاستشارات التربوية والنفسية»، في خطوة لتوظيف اهتمام الشابات بمسائل التنمية الشخصية، وتطوير الذات ودورات الزواج الناجح كعوامل جذب يوظف من خلالها البعد الدعوي الحركي بالتنديد بـ«المؤامرة النسوية الغربية» و«تفكيك الأسرة»، والعزف بمقامات مختلفة على قضية القرن «اتفاقية سيداو» وعولمة «قضايا المرأة المسلمة» واعتبارها قضية «أممية».
كان الأبرز مركز «آسيا للاستشارات التربوية والنفسية» للداعية أسماء الرويشد، ومركز «التمكين للمستقبل» للاستشارات والدراسات للداعية نورة السعد، وموقع «لها أون لاين» الإلكتروني ومركز «النجاح للاستشارات» للداعية رقية المحارب. وجميع هذه المنابر تروج لمناشط ومحاضرات ودورات مختلفة، بالإضافة إلى اعتبارها صوتا إعلاميا خاصا بمالكاته.
أهداف تأسيس مراكز الدراسات والاستشارات النسائية والخطاب المروج له في أروقتها، لم تتضح معالمه لدى بعض الدارسين الغربيين، كما ظهر في أطروحة إميلي لورونار ودراستها الاستقصائية حول مجتمع النساء في السعودية الصادر بعنوان «النساء والفضاءات العامة في المملكة العربية السعودية» عن «الشبكة العربية للأبحاث والنشر». وبحسب رصد لورونار لخطاب الداعيات في المراكز النسائية، فهو لا يعد سوى خلط بين تحقيق الذات وتنمية الشخصية الإسلامية وعلم النفس والتدريب المهني، قائلة: «تجذب المحاضرات حول تنمية الشخصية كثيرات من طالبات علم النفس، لأنهن يعتقدن أن الشهادة التي سيحصلن عليها في نهاية المحاضرة ستكون صالحة في توظيفهن مستقبلا».. وتابعت قولها: «تقترح مراكز التدريب النسائي وهي في طور التكاثر دورات تدريبية حول مواضيع نمطية في هذه الآيديولوجيا ومشابهة لتلك التي يتم التطرق إليها في الفضاءات الدينية مثل (كيف نطور قدراتنا على التواصل وعلى المحاورة)، و(تحديد الأهداف)، و(إدارة الوقت)».
عبد العزيز البداح، وهو داعية سعودي، كان جليا بإيضاح أهمية اللجوء إلى البعد التنظيمي والحركي للعمل الدعوي النسائي من خلال مطالباته بإنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية في كتابه الذي نشرت ورقات منه في مكتبة مركز «باحثات» بعنوان «حركة التغريب بالسعودية.. تغريب المرأة أنموذجا». وهذا الكتاب في الأساس هو أطروحة دكتوراه قدمت لجامعة الأزهر، ومما قاله البداح في كتابه هذا: «من أساليب مواجهة حركة التغريب وبرامجها إنشاء مراكز الدراسات الأسرية والاجتماعية». وأبرز أهداف هذه المراكز، بحسبه، أن تستهدف ببرامجها ومشاريعها الحياة الاجتماعية بعامة والأسرة على وجه الخصوص وضرورة أن يكون العمل الموجه ضد حركة التغريب عملا منظما ومؤسسيا، خاصة أن الساحة الدعوية في السعودية ما زالت تفتقد العمل المنظم والمؤسسي.
وطالب البداح بتشجيع محاضن التربية والتوجيه النسائية، حيث لا يوجد من هذه المحاضن سوى مدارس تحفيظ القران، مؤكدا ضرورة زيادة أعدادها ودعمها ماديا ومعنويا وتنويع نشاطاتها وبرامجها، التي من أهدافها أيضا احتضان العاملات في الحقل الدعوي ورعاية العمل النسائي وتأهيل الداعيات. ومن ثم، أصبحت مراكز الاستشارات والدراسات، حسب الشرح السابق، بمثابة نقطة انطلاق جديدة ساهمت في تكثيف نشاط الداعيات، وعلى حجم تأثيرهن في الأوساط النسوية حتى بات لكل داعية جمهورها الخاص الذي سرعان ما يتم حشده فور الإعلان عن موعد محاضرة في حلقات الجوامع والمساجد، التي غالبا ما تنشط في شهر رمضان عقب صلاة التراويح وخلال حملات الحج التي لطالما كان التنافس على أشده في حجز شهيرات الدعوة النسوية كوسيلة لجذب وفود الحجيج.
وتبدأ بعد ذلك عملية تنقل الداعيات من بلد خليجي إلى قطر عربي آخر باسم مراكزهن النسوية الخاصة بالاستشارات النفسية والتربوية، وبالأخص، عقب ظهور فتاوى تساهلت في قضية مرافقة المحرم للمرأة خلال السفر، مجيزة ذلك «في حال أمنت الوجهة والمخاطر».
بحسب سهاد عكيلة، مديرة تحرير مجلة «منبر الداعيات» وعضو إدارة القسم النسائي في جمعية الاتحاد الإسلامي في لبنان، التي تحدثت لـ«الشرق الأوسط» عن طبيعة العمل الدعوي النسوي في لبنان الذي وصفته بالمنظم، مشتملا الدعوة والتعليم الشرعي، بالإضافة إلى ما تنبثق عنه من مؤسسات خيرية اجتماعية وتربوية وتحفيظ قرآن، حيث لكل قسم لجنة تقوم عليها مسؤولة وعضوات ومتطوعات وإداريات معنيات بوضع البرامج والخطط وأخوات تنفيذيات يجتمعن أسبوعيا.
وأوضحت عكيلة أنه في إطار العمل الدعوي النسوي في جمعية الاتحاد الإسلامية استضاف القسم النسوي عددا من الداعيات الشهيرات على الساحة العربية والخليجية، من بينهن الدكتورة سناء العابد والدكتورة فاطمة ناصيف والدكتورة سميرة جمجوم، وجميعهن سعوديات، مشيرة إلى أن طبيعة العلاقة مقتصرة فقط على الاستضافة للاستفادة من الطرح الشرعي، قائلة: «لدينا مؤتمر سنوي في فصل الربيع، نسعى خلاله للاستفادة بشخصيات من الخارج».
إحدى المسؤولات في جمعية الإرشاد والإصلاح الخيرية في لبنان، التي تركز أعمالها الدعوية في الاهتمام بالمرأة دينيا وثقافيا واجتماعيا، بالإضافة إلى الدورات الفكرية وأخرى لإعداد الداعيات حيث برنامج «موارد» وبرنامج «كن خير داع» - أبلغت «الشرق الأوسط» عن وجود شريحة واسعة لإدارة العمل النسوي في الجمعية من حيث الدروس الدينية والمحاضرات الفكرية والثقافية، إلى جانب المواضيع الشرعية والفقهية والعقائدية والشبهات ضد المرأة وواجبات المرأة ودخولها معترك العمل.
وفيما يتعلق بالتواصل مع الداعيات من خارج لبنان، وتحديدا السعودية، أكدت هذه المسؤولة أن التواصل يجري عبر حضور المؤتمرات والملتقيات الخارجية، مستشهدة بمؤتمر القيادة الاجتماعية في تركيا، فقالت: «بدأنا نجرب تطوير العمل الدعوي خارج لبنان بتركيا ومصر، وبعد أن كان هناك إشكال حول سفر المرأة وحدها دون محرم حيث كنا متشددين في هذا الأمر، لكن الأمر تغير بعد أن ظهرت فتاوى تسامحت في هذا الشأن». وقالت: «لقد استضفنا الدكتورة سميرة جمجموم لإلقاء محاضرات حال وجودها في لبنان»، مضيفة أنه بحكم حضورها المكثف إلى لبنان، فإن لها «علاقات قوية بالجمعيات الخيرية اللبنانية»، بالإضافة إلى إعداد الدكتورة بدرية المطوع، وهي داعية كويتية، مؤتمرا في تركيا وحضور مؤتمر بمصر أعدت له كاميليا حلمي عضو حزب «الحرية والعدالة»، الذراع السياسية لجماعة الإخوان المسلمين في مصر.
في هذا السياق، حاولنا التواصل هاتفيا مع الدكتورة فاطمة ناصيف، فأتى ردها على لسان سكرتيرتها: «الدكتورة فاطمة تقول إنها اعتزلت المشاركات والظهور الإعلامي عبر كافة وسائل الإعلام».
نورة السعد نموذجا
نورة السعد، الأكاديمية والناشطة في مجال التثقيف الدعوي ونائبة رئيس رابطة المنظمات النسائية الإسلامية، قد تصلح مثالا كاشفا لاستعراض التحولات التي طرأت على الخطاب الدعوي النسائي في السعودية. وهي كانت - كما يذكر عبد العزيز الخضر في كتابه «السعودية سيرة دولة ومجتمع» - اسما تنويريا «معتدلا» في الكتابة النسائية خلال الثمانينات والتسعينات، وكانت كتاباتها في تلك المرحلة عن مشاكل المرأة أكثر واقعية من دون روح تمرد عبثية - كما وصفها الخضر - ومن دون رؤية محافظة تقليدية، مقدمة الكثير من المقالات العقلانية المتوازنة بشأن المرأة بطرح غير متصنع أو متكلف.
ويستدرك الخضر عن نورة السعد: «مع مرور الوقت، أخذت رؤيتها المستقلة تتغير وتتأثر بالرؤية الدينية السائدة بعد أن تغير خطاب الصحوة هو الآخر، وكان هذا التحول في بدايته مقبولا ويناسب كونها كاتبة محافظة متعقلة في مرحلة مبكرة، لكن فيما يبدو أن تزايد الفاكسات والإيميلات التي تميز بها جمهور الصحوة في دعم أي كاتب ينتصر للآراء المحافظة - أدى إلى دخولها أجواء جديدة أكثر نشاطا وجماهيرية وحماسة، فأخذ خطابها يتغير نحو آراء أكثر محافظة وصنفها البعض أنها متشددة». هذا الوقت الذي ذكره الخضر كان سابقا للربيع العربي الذي سرعان ما كان شاهدا على تحولات جديدة لدى الأكاديمية والداعية السعد، التي نشطت من خلال تغريداتها على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر»، وحسابها يحمل 30 ألف تغريدة، مزينا بشعار اعتصام «ميدان رابعة» بلونه الأصفر وأصابعه الأربعة. وإضافة إلى تغريداتها التي تعيدها استحسانا لكلمات سيد قطب، كانت هناك تغريدات أخرى حول الأحداث المصرية ودعم جماعة الإخوان هناك، ومن بينها هذه التغريدات: «ليت من يهاجم (الإخوان) يعظ نفسه ويتقي الله فيها ويراقب عبادته لله، فالحياة قصيرة والقبر أقرب إليهم».. وأخرى: «الله وحده العالم بحقيقة إخلاص الإخوان المسلمين..». وثالثة: «ما يحدث في مصر كارثة دينية تاريخية ستغير النسيج الاجتماعي لـ92 مليون، إن استمر هؤلاء في الحكم». وهناك تغريدة تشير فيها إلى : «قصيدة رائعة تجسد ملحمة العزة والثبات في أرض الكنانة ضد عصابة السيسي»، شاهد «قصيدة رابعة». ومن تبحر أكثر في دهاليز السياسة بتساؤلها: «من الذي أمر السيسي بعدم مغادرة الفندق كي لا يكون ضمن راكبي الطائرة المصرية التي تم إغراقها وفيها ضباط مصريون».
هذه صورة عامة عن منطقة نشطة من الحراك في السعودية والخليج، حراك النساء المنخرطات في ثقافة إخوانية أو صحوية، لتصل إليها، في العادة، أشعة الإعلام.



كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
TT

كيف عادت باكستان إلى قلب الحسابات الأميركية؟

باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)
باكستان دخلت في حسابات واشنطن وسيطاً مهماً في حلبة الشرق الأوسط (آ ب)

لم يكن اختيار باكستان لاستضافة جولات التفاوض بين الولايات المتحدة وإيران أمراً بديهياً قبل سنوات قليلة. فالدولة النووية التي لا تعترف بإسرائيل رسمياً، والتي لطالما أثارت شكوكاً أميركية بسبب تاريخها النووي وعلاقاتها المعقدة مع الجماعات المسلحة، كانت حتى الأمس القريب تبدو أقرب إلى هامش النظام الإقليمي الجديد منها إلى مركزه. إلا أن الحرب على إيران، وطبيعة الرئيس الأميركي دونالد ترمب الشخصية والصفقية، والحاجة الأميركية إلى وسيط يجمع بين القدرة على مخاطبة طهران وعدم القطيعة مع واشنطن، كلها عوامل أعادت إسلام آباد إلى الواجهة دفعة واحدة.

عودة باكستان إلى الساحة الإقليمية الشرق أوسطية لا يجوز فهمها فقط من زاوية الوساطة الحالية، بل يجب قراءتها بوصفها نتيجة مسار أطول يتضمن:

1- إعادة تأهيل تدريجية للعلاقة الأميركية - الباكستانية بعد سنوات من التراجع لمصلحة الصين.

2- استثمار باكستان لعناصر قوتها الخاصة، من موقعها الجغرافي إلى وزنها العسكري والنووي، مروراً بعلاقاتها مع المملكة العربية السعودية ودول الخليج.

3- الأهم أن هذه العودة تطرح سؤالاً أكبر هو: هل تتحوّل باكستان من مجرد «وسيط ظرفي» إلى أحد اللاعبين الذين يسهمون في إعادة صياغة توازن القوة الإقليمي، في لحظة تتعرض فيها إيران إلى ضغط غير مسبوق، وتعيد فيها القوى الكبرى والإقليمية ترتيب مواقعها؟

مخاطبة ترمب بلغته

في ولايته الأولى، لم يُخفِ ترمب ضيقه من باكستان. اتهمها يومها بأنها لم تُقدم لواشنطن سوى «الأكاذيب والخداع»، في تعبير لخّص مرحلة من الفتور العميق بين البلدين. وحقاً، كانت واشنطن ترى أن باكستان تستفيد من المساعدات الأمنية والمالية الأميركية، لكنها تحتفظ في الوقت نفسه بهوامش واسعة في أفغانستان، وتُبقي علاقاتها بالصين أولوية استراتيجية. غير أن ما تبدل لاحقاً لم يكن فقط سلوك إسلام آباد، بل أيضاً إدراكها العميق لطبيعة ترمب نفسه.

وفق تقرير لصحيفة «واشنطن بوست»، أدركت النخبة الباكستانية مبكراً أن ترمب لا يتجاوب مع الخطاب التقليدي القائم على التحالفات الطويلة أو اللغة الدبلوماسية المجردة، بل مع ما يُمكن تسويقه إليه بوصفه إنجازاً مباشراً وملموساً. لذلك صاغت إسلام آباد عرضها بلغة «صفقة»، أي: التعاون في مكافحة الإرهاب، والانفتاح على «صفقات» المعادن الحيوية، والإشارة إلى «شراكات» في مجال العملات الرقمية عبر اتفاقات مرتبطة بجهات على صلة بعائلة ترمب.

هذا هو ما عبّر عنه المسؤول الباكستاني السابق مشاهد حسين سيد، حين قال إن بلاده قدّمت لترمب «الثلاثية»: العملة المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب.

هنا يكمن التحوّل الأساسي، إذ إن باكستان لم تُحاول إقناع واشنطن بأنها تغيّرت جذرياً، بل حاولت إقناع ترمب بأنها مفيدة له شخصياً وسياسياً. ولقد عزّزت هذا المسار بخطوات رمزية وسياسية مدروسة، منها الإشادة المتكررة بدوره في وقف النار مع الهند، وترشيحه لجائزة نوبل للسلام، والانضمام إلى مبادرات ذات طابع احتفائي مرتبطة بخطابه الدولي. وبحلول الخريف، كان ترمب قد انتقل إلى وصف قائد الجيش الباكستاني الجنرال عاصم منير بأنه «المشير المفضّل» لديه.

هذه ليست مجرد مجاملة.

إنها تعني أن باكستان نجحت في تحويل العلاقة مع واشنطن من ملف مؤسساتي ثقيل وموروث من «الحرب على الإرهاب»، إلى قناة شخصية مباشرة مع رئيس أميركي يُعلي من قيمة الولاء والجدوى الفورية أكثر من أي اعتبارات أخرى.

باكستان «وسيط» رغم عدم اعترافها بإسرائيل

المفارقة الظاهرية أن الدولة التي لا تعترف بإسرائيل أصبحت اليوم منصة للتفاوض في حرب تكون إسرائيل أحد أطرافها الرئيسيين. بيد أن هذه المفارقة تتلاشى إذا نظرنا إلى الوساطة من منظور وظيفي لا آيديولوجي. فإسلام آباد لا تلعب دور الضامن لاتفاق شامل بين طهران وتل أبيب، بل دور الميسّر لقناة أميركية - إيرانية، على قاعدة أن مفتاح التأثير الحقيقي موجود في واشنطن. ومن هذه الزاوية، فإن إحجامها عن الاعتراف بإسرائيل قد لا يكون عائقاً، بل ربما هو عنصر طمأنة إضافي للإيرانيين.

وفق الـ«واشنطن بوست» تمتلك باكستان ثلاثة عناصر تمنحها أهلية خاصة لهذا الدور: أولها، مستوى من الثقة النسبية مع إيران، بحكم الجوار البري الطويل، والحاجة المتبادلة إلى ضبط الحدود ومنع تحول المناطق المشتركة إلى بؤر فوضى دائمة. وثانيها، قدرتها على مخاطبة واشنطن من داخل علاقة أُعيد ترميمها مع دونالد ترمب شخصياً. وثالثها، ثقلها النووي والعسكري، الذي يمنحها مكانة تختلف عن مكانة الوسطاء التقليديين الأقل وزنًا.

ويُشير ذلك بوضوح إلى أن هذا الثقل النووي يضيف إلى «هيبة» باكستان في نظر مختلف الأطراف.

لكن الأهم من ذلك أن سلطة إسلام آباد ليست وسيطاً محايداً بالكامل، بل وسيط مصلحي. ذلك أنها معنية بمنع انهيار إيراني شامل أو تفكّك داخلي على حدودها الغربية، كما أنها معنية في الوقت نفسه بمنع طهران من ترجمة أزمتها إلى ضغط أمني أو مذهبي داخل الساحة الباكستانية. وبالفعل، أظهرت التطورات الأخيرة مدى هشاشة الداخل الباكستاني أمام ارتدادات الحرب، مع وقوع اضطرابات وأعمال عنف بعد مقتل المرشد الإيراني، ومحاولة اقتحام القنصلية الأميركية في كراتشي.

من هنا، لا تبدو الوساطة الباكستانية «عملاً خيرياً» أو مجرد إنجاز دعائي. إنها أيضاً محاولة دفاع متقدّم عن الأمن الوطني الباكستاني، فالدولة النووية الكبرى المجاورة لإيران لا تستطيع تحمل «سيناريو» الفوضى الطويلة الأمد، ولا «سيناريو» سيطرة مطلقة لـ«الحرس الثوري» على بلد مأزوم ومتفكّك، ولا كذلك «سيناريو» تدخّلات إقليمية متشابكة قد تفتح الخرائط على احتمالات يصعب ضبطها.

باكستان نجحت

في تحويل العلاقة

مع واشنطن من ملف ثقيل عن «الحرب

على الإرهاب» إلى قناة شخصية مباشرة

مع رئيس أميركي

السعودية بوابة العودة

من جهة ثانية، لم تعد العلاقة الباكستانية - الأميركية تُفهم بعيداً عن الدور السعودي. فخلال سنوات التراجع الأميركي النسبي في التعاطي مع باكستان، ومع تنامي الحضور الصيني الاقتصادي والاستراتيجي في البلاد، بقيت المملكة العربية السعودية ومعها دول خليجية صماماً مالياً وسياسياً أساسياً لإسلام آباد. ولقد اضطرت باكستان أخيراً للاعتماد على حزم إنقاذ وقروض من السعودية والإمارات، في ظل أزماتها النقدية وغلاء المعيشة، بعدما كانت تلجأ أيضاً إلى صندوق النقد الدولي.

ثم إن هذا البُعد المالي لا ينفصل عن البُعد الاستراتيجي، فالرياض كانت تاريخياً الجسر الذي يسمح لباكستان بالحفاظ على صلة وثيقة بالمنظومة الأمنية العربية الحليفة لواشنطن، حتى حين كانت العلاقات الباكستانية - الأميركية تمر بمراحل فتور. واليوم، مع توقيع «معاهدة الدفاع الاستراتيجية» بين الرياض وإسلام آباد، ومع ترجمة ذلك -ولو رمزياً- عبر إرسال طائرات حربية وقوات باكستانية إلى السعودية في رسالة ردع إلى طهران، باتت باكستان أقرب إلى موقع «الشريك الأمني المرِن» الذي يمكن توظيفه في التوازن الخليجي - الإيراني من دون وضعه في الواجهة الأولى للمواجهة.

هذا الدور المزدوج للسعودية مهم «ذهاباً وإياباً»، فهي من جهة تمنح باكستان دعماً مالياً وسياسياً يُخفف هشاشتها الداخلية، ومن جهة أخرى تفتح لها باب العودة إلى واشنطن عبر إبرازها بوصفها عنصر استقرار داخل المنظومة الإقليمية التي تريد الولايات المتحدة إعادة ضبطها. بهذا المعنى، فإن التقارب الباكستاني - الأميركي ليس بديلاً عن الصين بقدر ما هو عملية تنويع اضطرارية للمحاور، تقودها حاجة باكستان إلى تجنّب الارتهان الكامل لبكين، وحاجة واشنطن إلى شريك يملك مفاتيح في أفغانستان وإيران والخليج معاً.

والواقع أن هذه البراغماتية هي ما يُفسّر قدرة باكستان على الجمع بين خطوط تبدو متناقضة:

- شراكة وثيقة مع الصين.

- علاقة أمنية متقدمة مع السعودية.

- قناة مفتوحة مع واشنطن.

- لا جسور مقطوعة مع إيران.

إنها -أي باكستان- تُحاول أن تكون «دولة تقاطع» لا «دولة محور»، مستفيدة من موقعها الجغرافي، ومن لحظة سيولة إقليمية غير مسبوقة.

الرئيس الباكستاني شهباز شريف مع نائب الرئيس الأميركي فانس (آ ب)

توازن القوة الإقليمي

بالتوازي مع ما سبق، في حين لا تبدو باكستان مرشحة لأن تحل محل القوى الإقليمية التقليدية، فإنها باتت مرشحة جدّية لأن تصبح رقماً أصعب في معادلة التوازن. إذ إن السعودية تبقى «لاعب الثقل المالي والنفطي» العربي، وتركيا تملك أدوات نفوذ عسكرية وسياسية أكثر تمدداً في المشرق وشرق المتوسط، ومصر تحتفظ بثقل الدولة المركزية العربية، وإن كان دورها الإقليمي أكثر حذراً، في حين تبقى إسرائيل القوة العسكرية الأكثر تفوقاً تكنولوجياً والأكثر التصاقاً بالقرار الأميركي في هذه الحرب.

مع هذا، باكستان تضيف الآن شيئاً عناصر لا تتوفر مجتمِعةً لدى اللاعبين المذكورين، أبرزها: أنها دولة إسلامية نووية، وذات جيش كبير، وحدود مباشرة مع إيران، وذات قابلية للتحاور مع واشنطن وطهران والخليج في آنٍ معاً. وبهذا، المعنى، قد يتحوَّل دور إسلام آباد إلى أحد ثلاثة أشكال.

الأول: وسيط أمني - سياسي يسهّل التهدئة؛ حيث تعجز القنوات المباشرة، خصوصاً في الملفات التي تمس إيران والخليج.

الثاني: شريك ردع رمزي إلى جانب السعودية، يرسل إشارات أكثر مما يخوض مواجهات مباشرة.

والثالث: عنصر توازن يمنع أن تتحوّل أي تسوية إقليمية جديدة إلى ترتيب يستثني القوى الإسلامية غير العربية الكبرى.

إلا أن هذا الطموح يصطدم بقيود واضحة. وتقول الـ«واشنطن بوست» إن معظم الباكستانيين لن يلمسوا من هذه الوساطات شيئاً ما لم تنجح الدولة في معالجة أزماتها الاقتصادية البنيوية. كما ينبه مسؤولون وخبراء سابقون إلى أن بعض الصفقات المعلنة مع واشنطن قد يكون أقرب إلى الضجيج السياسي منه إلى التحوّل الاقتصادي الحقيقي. وفضلاً عن ذلك، فإن خصوم القيادة الباكستانية الحالية يرون في انخراطها الخارجي محاولة لصرف الأنظار عن الصراعات الداخلية، وتعزيز شرعية المؤسسة العسكرية.

لذلك، فإن السؤال الحقيقي ليس ما إذا كانت إسلام آباد نجحت في كسب ود ترمب؛ هي فعلت ذلك بالفعل إلى حد بعيد، بل السؤال هو ما إذا كانت قادرة على تحويل هذا الود إلى نفوذ مستدام، لا إلى لقطة دبلوماسية عابرة.

نجاحها في ذلك سيتوقف على ثلاثة شروط: أولاً، أن تُحافظ على خط توازن دقيق مع إيران يمنع التدهور الحدودي والفوضى. وثانياً، أن تترجم تقاربها مع واشنطن إلى مكاسب اقتصادية ومؤسساتية فعلية لا صفقات دعائية. وثالثاً، أن تدير شراكتها مع الرياض بطريقة تُعزز موقعها الإقليمي من دون أن تزجّ بها في مواجهة مباشرة مفتوحة مع طهران.

وهكذا، في المحصلة، عادت باكستان إلى أميركا؛ لأنها فهمت كيف تُخاطب ترمب، ولأن الحرب على إيران رفعت قيمة موقعها الجغرافي والسياسي في لحظة حرجة. لكنها عادت أيضاً لأن الإقليم نفسه بات يبحث عن قوى وسيطة تملك القدرة على وصل الخطوط المتباعدة.وإذا كانت السنوات الماضية قد كرّست صورة باكستان بوصفها دولة تتأرجح بين الأزمات، فإن الأشهر الأخيرة توحي بأنها تحاول إعادة تقديم نفسها بوصفها دولة مفصلية في إعادة تركيب توازنات المنطقة. غير أن هذه العودة، مهما بدت لافتة، ستظل ناقصة ما لم تنجح إسلام آباد في تحويل الدور الخارجي إلى استقرار داخلي، وفي إثبات أن الوساطة ليست فقط طريقاً إلى رضا ترمب، بل أيضاً إلى مكانة إقليمية يصعب تجاوزها.


أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
TT

أبرز الشخصيات الباكستانية التي لعبت دوراً كبيراً في تجديد العلاقة مع واشنطن

الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)
الجنرال عاصم منير (إ.ب.أ)

> برزت عدة شخصيات باكستانية في إخراج العلاقة مع واشنطن من مرحلة الفتور والقطيعة النسبية إلى مرحلة الانفتاح مجدداً. لكن الشخصية الأهم كانت، بلا شك، الجنرال عاصم منير، قائد الجيش، بوصفه الرجل الأقوى في باكستان وصاحب التأثير الأكبر في ملفات الأمن والسياسة الخارجية.

وأهمية منير لا تعود فقط إلى موقعه الداخلي، بل إلى نجاحه في بناء قناة مباشرة مع الرئيس الأميركي دونالد ترمب، إلى حد أن الأخير عدّه «المشير المفضل» لديه بحلول أكتوبر (تشرين الأول) الماضي، في إشارة رمزية إلى حجم التحول في العلاقة.

إلى جانب منير، لعب رئيس الوزراء شهباز شريف دور الواجهة السياسية لهذا التقارب. فالحكومة الباكستانية كثفت الإشادة العلنية بترمب، وشكرته مراراً على تدخله لوقف إطلاق النار مع الهند، كما رشحته إسلام آباد لجائزة نوبل للسلام، في خطوات هدفت إلى مخاطبة ترمب بلغته السياسية القائمة على التقدير الشخصي والرمزية الإعلامية.

مشاهد حسين سيد(فايسبوك)

كذلك برز مشاهد حسين سيد، الرئيس السابق للجنة الدفاع في مجلس الشيوخ الباكستاني، بوصفه من أبرز من شرحوا فلسفة هذا التحول. إذ قال إن باكستان «قرأت ترمب جيداً»، وقدمت له ما سماها «الثلاثية»: العملات المشفّرة، والمعادن الحيوية، ومكافحة الإرهاب. وتكشف هذه العبارة عن أن إسلام آباد تعمّدت إعادة «تسويق» نفسها في واشنطن من زاوية «المنفعة المباشرة»، لا من زاوية التحالفات التقليدية فقط.

وبالطبع، لا يقل أهمية عن هؤلاء فريق الدولة الاقتصادي والدبلوماسي، الذي أسهم في ترجمة الانفتاح إلى صفقات وممرّات تواصل، من اتفاق المعادن الحيوية إلى الترتيبات المالية والسياسية التي حسّنت صورة باكستان داخل إدارة ترمب. وعليه، يمكن القول إن عاصم منير كان «مهندس» القناة الاستراتيجية، وشهباز شريف واجهتها السياسية، فيما وفّر مشاهد حسين سيد الإطار التفسيري لهذا التحوّل.


روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
TT

روموالد واداني... مهندس «الاستقرار المالي» يتولّى الحكم في بنين ويعِد مواطنيه بالرفاه

تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي
تمكّن واداني من إجراء تغييرات مهمة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 % من إجمالي الناتج المحلي

مع تعهده بتحويل الدعم الانتخابي «إجماعاً وطنياً» على مواصلة مسار التحول لبناء «بنين حديثة تضمن الرفاه لجميع مواطنيها»، يتأهب الاقتصادي روموالد واداني، لتولي رئاسة جمهورية بنين، الواقعة في غرب أفريقيا. واداني يخلف الرئيس المنتهية ولايته باتريك تالون، الذي لا يحق له الترشح مجدداً بعدما أمضى ولايتين رئاسيتين مدة كل منهما 5 سنوات. وللعلم، حصل الرئيس الجديد، الذي يلقب بين أقرانه اختصاراً لاسمه بـ«رو»، على أكثر من 94 في المائة من الأصوات في الانتخابات الرئاسية التي أجريت يوم 12 أبريل (نيسان) الحالي، متفوقاً على منافسه المعارض بول هونكبي، في انتخابات بلغت نسبة المشاركة فيها 58.78 في المائة.

روموالد واداني، الذي كان يوصف بأنه «الخليفة المختار» للرئيس باتريك تالون، أعلن في أول تصريحاته عقب فوزه برئاسة بنين اعتزامه البناء على ما وصفه بـ«الأسس الصلبة» التي أرساها سلفه، وأنه سيكرس مساراً سياسياً يقوم على الاستمرارية أكثر من التغيير، مع تأكيد حرصه على «التماسك الوطني»، الذي مثّله حجم فوزه في الانتخابات.

الفوز كان متوقعاً

الفوز في حد ذاته لم يكن مفاجئاً، لا سيما أن واداني (49 سنة)، يمثل نموذج «التكنوقراطي الصاعد» في أفريقيا؛ إذ جاء إلى الحكم من بوابة الإدارة المالية لا السياسة التقليدية. وطوال عقد كامل شغل خلاله منصب وزير الاقتصاد والمالية، منذ عام 2016، ارتبط اسم واداني بتغييرات هيكلية أعادت ضبط المالية العامة، وخفّضت عجز الموازنة إلى نحو 3 في المائة من الناتج المحلي، في حين حقق الاقتصاد معدلات نمو تجاوزت 6 في المائة سنوياً في المتوسط. وهذه النتائج هي ما بنى عليه الرجل برنامجه الانتخابي للوصول إلى سدة الحكم، بعدما اكتسب ثقة المستثمرين مرسّخاً اسمه كمهندس «الاستقرار المالي» في واحد من أسرع اقتصادات غرب أفريقيا نمواً.

يوصف روموالد وادني بأنه «هادئ الطباع»، لا سيما مع قلة ظهوره الإعلامي، بيد أنه وفق محللين سياسيين كان «العقل المدبر» خلف التغييرات الاقتصادية في بنين طوال العقد الماضي؛ ما جعله يتصدّر المشهد كخليفة لتالون. وبالفعل، تحوّل «البيروقراطي» الذي لطالما عمل خلف الكواليس شخصاً جماهيرياً يجوب البلاد ويخطب في تجمّعات جماهيرية، متخلياً عن ربطة العنق والخطاب المكتوب، في محاولة للتقرّب من الشارع وكسر صورة «التكنوقراطي الاقتصادي الصارم».

نقلت وكالة «أ.ف.ب» الفرنسية، من جهتها، عن أحد حلفائه قوله إن الحملة «أظهرت وجه واداني الحقيقي كشخص قريب من الناس»، في تحوّل لافت لرجل ظل لسنوات يعمل بعيداً عن الأضواء. أما عن السباق الرئاسي نفسه، فقد خاضه واداني مدعوماً من أحزاب الائتلاف الحاكم. وأقرّ منافسه الوحيد، بول هونكبي، بالهزيمة قبل إعلان النتائج رسمياً، وهو ما اعتبره واداني بعد الفوز «مؤشراً على النضج الديمقراطي».

نشأة اقتصادية

وُلد روموالد واداني يوم 20 يونيو (حزيران) 1976 في مدينة لوكوسا بجنوب غربي بنين، قرب الحدود مع توغو، لأسرة متعلّمة ذات خلفية اقتصادية. ونشأ بين صرامة والده مهندس الإحصاء وأستاذ الرياضيات وروح المبادرة عند والدته رائدة الأعمال، وانعكس هذا الواقع فيما بعد على مسيرته التعليمية والمهنية.

إذ اتجه الشاب الطموح لدراسة الإدارة والمحاسبة والتمويل في «المدرسة العليا لإدارة الأعمال» بمدينة غرونوبل الفرنسية قبل أن ينتقل إلى الولايات المتحدة للدراسة في معهد إدارة الأعمال بجامعة هارفارد الأميركية العريقة. ولكن، مع أن تكوين واداني العملي والعملي الأساسي كان خارج البلاد، فإنه دائماً ما أبدى حرصه على تأكيد ارتباطه بجذوره، عبر إشارات متكرّرة إلى امتلاكه مزرعة في بنين.

مهنياً، يتمتع واداني بصفة محاسب قانوني معتمد في كل من فرنسا والولايات المتحدة، كما أنه حصل على درجة الماجستير في التمويل، وتلقى تدريباً متخصصاً في مجالات الاستثمار المباشر ومخاطر رأس المال. وقبل دخوله العمل الحكومي، راكم «رو» خبرة دولية عملية داخل شركة «ديلويت» المحاسبية العالمية الشهيرة، حيث بدأ مسيرته المهنية في فرنسا عام 1998، ثم انتقل إلى الولايات المتحدة عام 2003. وخلال هذه الفترة، طوّر واداني خبرات في مجالات عدة، وقدّم خدمات استشارية لقطاعات متنوعة من بينها: التعدين، والتكنولوجيا والإعلام والاتصالات، والقطاع المالي، والقطاع العام، والتجزئة، فضلاً عن تعاونه مع حكومات وجهات مانحة دولية.

ثم في عام 2012، عندما كان لا يزال في سن الـ36، رُقّي واداني إلى منصب شريك ومدير إداري في «ديلويت»، وبعد ذلك بثلاث سنوات، كُلّف إنشاء مكتب جديد للشركة في جمهورية الكونغو الديمقراطية، كما تولى مسؤولية إدارة التدقيق والممارسة المهنية لأنشطة «ديلويت» في دول أفريقيا الناطقة بالفرنسية.

وزيراً للاقتصاد والمالية

تجربة واداني المهنية الدولية دفعت لتعيينه في منصب وزير دولة للاقتصاد والمالية يوم 7 أبريل (نيسان) 2016 ضمن أول حكومة للرئيس باتريك تالون، وفيها كُلّف تنفيذ برنامج تغييري طموح، قبل أن يُعاد تعيينه في مايو (أيار) 2021، ويواصل لعب دور محوَري في رسم السياسات الاقتصادية لبنين.

بعد ذلك، تولى واداني حقيبة الاقتصاد عندما كانت بنين تشكو فيه ارتفاع عجز الموازنة، وسوء إدارة الدين العام، وتراجع ثقة المستثمرين. وبالفعل، قاد سياسة تغييرية تقوم على محورَين رئيسين: الأول يتمثل في إدارة مالية عامة تتّسم بالشفافية لتحقيق «انضباط» الميزانية وتعبئة التمويل الدولي وتعزيز ثقة المانحين الدوليين من القطاعين العام والخاص. والآخر يركّز على تحسين مناخ الأعمال وتعزيز قدرة القطاع الخاص على مواجهة الصدمات الخارجية.

بفضل هذه السياسة، سجلت بنين نمواً بنسبة 8 في المائة عام 2025، وهو مستوى غير مسبوق لمدة ثلاثة عقود، وفق ما ذكره موقع الحملة الانتخابية لواداني. وحسب الموقع أيضاً، سُجّل رفع نصيب الفرد من الدخل بنسبة 50 في المائة خلال أقل من عشر سنوات، وتحديث أكثر من 14 ألف كيلومتر من الطرق، وبناء مستشفيات ومدارس جديدة، بالإضافة إلى برنامج المقصف المدرسي الذي يسمح لنحو 1.3 مليون طفل بالاستفادة من وجبة ساخنة يومياً.

أيضاً، تمكّن واداني من إجراء تغييرات على المالية العامة وخفّض العجز بنحو الثلث إلى 3 في المائة من الناتج المحلي، كما أطلق خلال ولايته مشاريع بنية تحتية كبرى حققت نمواً اقتصادياً واستقراراً، عزّزا ثقة المستثمرين الدوليين، ورسّخا صورة بنين كنموذج إصلاحي صاعد في المنطقة.

وعلى الصعيد الإقليمي، لعب واداني دوراً بارزاً في غرب أفريقيا، حيث ترأس المجلس القانوني لوزراء مالية «الاتحاد الاقتصادي والنقدي لغرب أفريقيا»، وقاد مفاوضات مع فرنسا تُوجت بتوقيع اتفاق في ديسمبر (كانون الأول) 2019 لإنهاء العمل بعملة الفرنك الأفريقي (CFA) في المنطقة، في خطوة اعتُبرت تحولاً مهماً في مسار السيادة النقدية لدول الإقليم.

القائد الشاب... والمرشح الرئاسي

خلال أكتوبر (تشرين الأول) 2025 أعلن روموالد واداني اعتزامه الترشح للرئاسة رغبةً منه في إكمال مسار التغيير، وتحقيق مزيد من التقدّم. وتعهد أيضاً بتوفير فرص عمل والقضاء على الفقر لتصل ثمار التغيير إلى كل بيت في بنين رافعاً شعار «نبني معاً بنين أحلامنا».

واليوم، وفق صحيفة الـ«نيويورك تايمز» الأميركية، يعكس فوز واداني بالرئاسة «توجّهاً نحو تجديد الطبقة السياسية الحاكمة وتطوّراً للعقلية السياسية» في بنين «باختيار جيل من الحكّام أقرب للواقع». وهو بذا، ينضم إلى مجموعة محدودة من الرؤساء الشباب في قارة أفريقيا.

ثم إنه ممّا يزيد أهمية الحدث كون واداني وصل إلى قمة السلطة عبر انتخابات، اعتبر مراقبون دوليون أنها «أجريت بشكل سلمي ومنظم»، وأن ما سُجّل من ملاحظات محدودة لا يمسّ صدقية النتائج، وإن غابت عنها التعدّدية الفعلية.

التحديات الأمنية

من جهة ثانية، لانتخابات الرئاسة في بنين أهمية إضافية؛ كونها نُظّمت وسط تحديات أمنية كادت تهدّد إجراءها من الأساس. ففي ديسمبر الماضي، سيطر عدد من أفراد الجيش على محطة التلفزيون الرئيسة، وهاجموا قصر الرئاسة في محاولة انقلاب فاشلة احتجاجاً على تدهور الوضع الأمني في شمال البلاد وتصاعد تهديد الإرهاب. وبالتالي، جاءت الانتخابات بعد تعرّض بنين لإحدى أكثر سنواتها عنفاً على الإطلاق في 2025، وسلّطت المحاولة الانقلابية الضوء على هشاشة الأوضاع السياسية في دولة تعدّ واحدة من الديمقراطيات الأفريقية المستقرة نسبياً. وفي أي حال، نجحت الانتخابات الرئاسية الأخيرة في تحقيق خامس انتقال سلمي للسلطة منذ استقلال بنين عام 1960. كما أنه بالنسبة لمؤيدي واداني يمثل صعوده «بروز جيل جديد من القادة، أقل اهتماماً بالشعارات وأكثر تركيزاً على النتائج» حسب الـ«نيويورك تايمز»، لكن معارضيه يرون فيه «استمراراً لنظام سياسي يضيق فيه هامش التعدّدية».

إرث مثقل بالتحديات

في الواقع، يمكن القول إن روموالد واداني يتولّى محمّلاً بإرث مثقل بالتحدّيات السياسية والأمنية والاتهامات بتقييد المعارضة، ومسار اقتصادي تغييري حقّق قدراً من النمو والازدهار؛ ما يضعه أمام معادلة صعبة لاستكمال مسار التغيير الاقتصادي ومواجهة التحدّيات الأمنية مع الحفاظ على استقرار البلاد سياسياً.

ويُعدّ الفقر أحد أخطر التحديات التي تواجه واداني، لا سيما مع تجاوز نسبته أكثر من 30 في المائة من السكان. ويضاف إلى ذلك تصاعد الهجمات «الإرهابية» في الشمال؛ ما يفرض ضغوطاً على الجيش والسلطة، وانتقادات المعارضة لغياب التعددية و«الانفتاح السياسي الحقيقي».

وبينما يرى مراقبون أن الرئيس الجديد سيواصل النهج الاقتصادي الذي قاده خلال فترة سلفه تالون، فهم يؤكدون أن قياس نجاحه سيظل رهناً بقدرته على تحقيق تنمية أكثر شمولاً من جهة واحتواء التهديدات الأمنية وإعادة التوازن للحياة السياسية من جهة أخرى.وهكذا، بين الاستمرارية وضغوط الانفتاح والتغيير الديمقراطي، يدخل واداني عازماً على تحقيق مستقبل أفضل لشعب بنين. ويرى مراقبون أن سنواته الأولى في الحكم ستكون حاسمة في تحديد ما إذا كان سيُرسّخ نموذجاً ناجحاً للحكم الرشيد، أم سيواجه أزمات تعيد طرح الأسئلة القديمة حول الديمقراطية والتنمية في غرب أفريقيا.