حداد في البحرين بعد مقتل ثلاثة رجال أمن بتفجير إرهابي

عنصر أمن إماراتي من قوة {أمواج الخليج} بين الضحايا

حداد في البحرين بعد مقتل ثلاثة رجال أمن بتفجير إرهابي
TT

حداد في البحرين بعد مقتل ثلاثة رجال أمن بتفجير إرهابي

حداد في البحرين بعد مقتل ثلاثة رجال أمن بتفجير إرهابي

أعلنت البحرين الحداد أمس، بعد مقتل ثلاثة من رجال الأمن في تفجير إرهابي شمال العاصمة المنامة أثناء تصديهم لمجموعة وصفت بـ«الإرهابية»، في وقت أعلنت جماعة مجهولة تدعى «سرايا الأشتر» مسؤوليتها عن الحادث.
ووقع الحادث بعد خروج مجموعة من المحتجين عن مسار مظاهرة احتجاجية دعت لها قوى المعارضة السياسية في ختام عزاء شاب تؤكد الحكومة أنه مات نتيجة إصابته بـ«السكلر»، وهو مرض وراثي يصيب الدم، بينما تدعي المعارضة أنه قضى تحت التعذيب. وفي حين لم يفصح الأمن البحريني عن تفاصيل حادث مقتل رجال الأمن، نعت دولة الإمارات أحد ضباطها العاملين في مملكة البحرين ضمن قوة «أمواج الخليج» المنبثقة عن اتفاقية التعاون الأمني الخليجي المشترك والذي قتل في التفجير. وصفت وزارة الداخلية الإماراتية الحادث الذي استهدف أحد منسوبيها بـ«الغادر». وبحسب الداخلية الإماراتية فقد وقع الحادث جراء تفجير عبوة ناسفة استهدفت الملازم أول طارق محمد الشحي واثنين من زملائه العاملين في الشرطة البحرينية خلال أدائهم لمهامهم الوطنية بحفظ الأمن.
من جهته أكد الشيخ سيف بن زايد آل نهيان نائب رئيس مجلس الوزراء وزير الداخلية الإماراتي مقتل الملازم أول طارق محمد أحمد الشحي واثنين من رفاقه ضمن قوات حفظ النظام أثناء تصديهم لمجموعة إرهابية في منطقة الدية في إطار مهمة دعم الأمن والاستقرار في البحرين ضمن اتفاقية التعاون الامني الخليجي المشترك.
واستنكر وزير الداخلية الإماراتي بشدة هذه الجريمة النكراء مؤكدا أن الإرهاب آفة ويجب محاربته أينما كان والتصدي له بكل صوره وأشكاله.
وأعلن الديوان الملكي البحريني أن الملك حمد بن عيسى آل خليفة ملك البحرين وجه الأجهزة الأمنية، باتخاذ التدابير اللازمة والصارمة لتطبيق القانون، على كل من قام بالتفجير الإرهابي قاصدا إزهاق الأرواح والذي راح ضحيته ثلاثة من أفراد الأمن الذين كانوا يؤدون واجبهم في الدفاع عن الحق وفي حفظ الأمن والنظام. وتقدم الديوان الملكي بتعازي الملك حمد بن عيسى آل خليفة إلى أسر «شهداء الواجب» الذين ضحوا بأرواحهم للذود عن الحق وحماية الأبرياء ضارعا إلى المولى أن يلهم أهلهم وذويهم الصبر والسلوان، وتمنياته للمصابين بالشفاء العاجل بعون الله. كما وجه العاهل البحريني بإعلان الحداد في البلاد يوم غد الثلاثاء.
وأعرب الامير سلمان بن حمد آل خليفة ولي العهد البحريني عن إدانته لمثل هذه الاعمال الإرهابية التي تسعى لإزهاق الأرواح وأحداث سلسلة من أحداث العنف التي لا تأتي بالخير على الوطن.
وقال الامير سلمان بن حمد «إننا ممتثلون للأوامر الملكية السامية باتخاذ التدابير اللازمة لتطبيق القانون على كل من حرض ونفذ هذا العمل الارهابي المشين».
وأضاف أن محاولات المساس بأمن الوطن لن تثنينا يوماً عن تعزيز مقومات الأمن والاستقرار الراسخة القوية «في ظل قيادة الوالد، وتكاتف أبناء الوطن، ودعم أشقائنا في دول مجلس التعاون لدول الخليج العربية».
وأعرب مجلس الشورى البحريني عن إدانته الشديدة لحادث التفجير الإرهابي، مطالباً الجهات الأمنية بتتبع مرتكبي هذا العمل الإجرامي والمحرضين عليه وتقديمهم للعدالة، لما يمثله هذا الجُرم من عبث مرفوض وغير مسؤول بأرواح الناس والممتلكات.
ودعا مجلس الشورى جميع الأطراف إلى تحمل مسؤولياتها في هذه المرحلة واتخاذ خطوات جادة للعبور بهذا الوطن إلى بر الأمان، من خلال إبداء التجاوب مع المبادرات والحلول المطروحة لتجاوز هذه الأزمة مع ضرورة الالتزام بنبذ العنف بمختلف أشكاله وصوره
هذا وقد أدانت الولايات المتحدة الأمريكية تفجيرات « الدية» وأعربت في بيان اصدرته السفارة الامريكية في المنامة امس عن خالص تعازيها لعائلة وأصدقاء و زملاء الشرطة القتلى كما أعربت عن خالص تعاطفها و تمنياتها بالشفاء العاجل للمصابين.
ووصف البيان الهجمات القاتلة بغير المبررة تماما تحت أي ظرف من الظروف و في أي وقت مؤكدا أنها تقوض الجهود المبذولة لإعادة بناء الثقة وتحقيق مصالحة حقيقية في البحرين. واكدت وجوب ادانة جميع أفراد المجتمع البحريني هذه الهجمات بشكل قاطع ونبذ كل أشكال العنف.
ودعا البيان جميع شرائح المجتمع البحريني الى دعم الحوار الوطني والمشاركة فيه، و ادانة أعمال العنف والتحريض، والمساهمة في تهيئة مناخ مؤات للمصالحة مشددا على أن المصالحة والحوار هو السبيل الوحيد للمضي قدما لجميع البحرينيين من أجل تحقيق تطلعاتهم المشروعة.
أمام ذلك قال الشيخ خالد آل خليفة وزير الخارجية البحريني على مدونته الشخصية في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر): «من قتل رجال الأمن ومن وراءهم من محرضين يتحملون المسؤولية، رفعت الأقلام وجفت الصحف». كما قال في تغريدة ثانية «من يقف ضد الفتنة عليه أن يترحم على الشهداء رجال الأمن قبل أي شيء، وإلا فلن يصدقه أحد». بدورها قالت سميرة رجب وزيرة الدولة لشؤون الإعلام المتحدثة باسم الحكومة البحرينية: «إن البحرين لديها قانون لمكافحة الإرهاب ستطبقه بحق الإرهابيين الذين قتلوا رجال الأمن»، كما قالت: إن بيانات المعارضة لا تكفي فصفات العنف كثيرة لا تختزل في بيان بعد كل جريمة.
وفي ذات السياق أعلنت جمعيات المعارضة السياسية «الست» بعد وقوع الحادث مباشرة إدانتها لمقتل رجال الأمن، وقالت: إنها تدين الانفجار، وتأسف لوقوع ضحايا من أي طرف بما فيهم قوات الأمن فحرمة الدم تشمل كل إنسان. كما أعلنت أنها تنبذ العنف والإرهاب وأنها تتبرأ من «سرايا الأشتر أو المقاومة أو أي جهة تتبنى التفجيرات وأعمال العنف».
وقال خليل مرزوق القيادي في جمعية الوفاق الإسلامية كبرى جمعيات المعارضة السياسية لـ«الشرق الأوسط» بأن بيانات أصدرتها جهة مجهولة تدعى أنها «سرايا الأشتر» تبنت الحادث، كما أكد أن أهالي منطقة الدية التي شهدت الحادث أصدروا بيانا أعلنوا فيه إدانتهم للحادث والتبرؤ من الجهة التي تقف خلف التفجير.
وقالت وزارة الداخلية البحرينية بأن الحادث وقع أثناء أداء رجال الشرطة لمهامهم في التصدي لمجموعة وصفتها بـ«الإرهابية»، في منطقة الدية، شمال العاصمة البحرينية المنامة. وذكرت الوزارة على صفحتها الرسمية في موقع التواصل الاجتماعي (تويتر)، أن أفراد الشرطة الثلاثة قتلوا في انفجار، أثناء تصدي قوة حفظ النظام لعدد ممن وصفتهم بـ«الإرهابيين» في المنطقة. وقالت وزارة الداخلية بأن قوات حفظ النظام تصدت لمجموعة ممن تصفهم بـ«المخربين» خرجت عن خط سير ختام عزاء متوفى بالمنطقة حيث قامت بأعمال شغب وتخريب وإغلاق الشوارع ما استوجب اتخاذ الإجراءات القانونية حيالهم.
وبالعودة إلى المتحدثة باسم الحكومة البحرينية التي قالت: «إن الوفاق كانت تدعو إلى الخروج في مسيرة كبرى لشاب توفي بالسكلر وتدعي أنه قضى تحت التعذيب، وهذا بحد ذاته فبركة وتحريض ودعوة إلى العنف».
وتابعت: «نبذ العنف يبدأ من اللفظ إلى الفعل، ومن المؤسف أنه بعد كل حادث أليم تخرج المعارضة ببيان لا يقول الحق، وعند تطبيق القانون بحق الإرهابيين تخرج جمعيات المعارضة السياسية مدافعة عنهم ومحرضة ضد البحرين أمام الرأي العام الدولي»، وتضيف «للعنف صفات كثيرة لا تختزل في بيان بعد كل جريمة».
وقالت: إن تصرف البحرين هو تطبيق القانون بحق الإرهابيين، وأضافت: «لدى البحرين قانون مكافحة الإرهاب هو الذي سيطبق». وقالت: إن «سرايا الأشتر أو المقاومة» التي نص عليها بيان المعارضة السياسية، مسميات لمنظمات إرهابية أخذت صبغة دينية لممارسة الإرهاب في البحرين.
ويجدد حادث مقتل رجال الأمن في البحرين الجدل حول نبذ العنف والإرهاب وتأثيره على حوار التوافق الوطني البحريني. يشار إلى أن الديوان الملكي البحريني أعلن يوم الأربعاء الماضي أنه ينتظر من جميع المشاركين في الحوار رفض العنف صراحة ونبذ كل خطاب ينطوي على الكراهية للتأسيس لأرضية مشتركة لاستكمال الحوار. وأكد أن على الجميع تبني خطاب جديد يدعو إلى التعايش والانفتاح على الآخر البحريني، كما أشار الديوان الملكي إلى أن الاجتماعات مع الأطراف المعنية باستكمال حوار التوافق الوطني في شقه السياسي، مستمرة من أجل التوصل إلى جدول أعمال توافقي للدخول في مرحلة جديدة.



غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
TT

غروندبرغ يحذر من انتكاس المكاسب اليمنية واتساع الصراع

غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)
غروندبرغ يحيط مجلس الأمن الدولي بشأن التطورات اليمنية في جلسة سابقة (الأمم المتحدة)

قدّم المبعوث الأممي الخاص إلى اليمن، هانس غروندبرغ، الخميس، إحاطته الدورية أمام مجلس الأمن، واضعاً في صدارة حديثه التحسن النسبي في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، لكنه ربطه بتحذير صريح من هشاشة هذه المكاسب وإمكانية الانزلاق إلى صراع أوسع.

وبينما أعاد غروندبرغ التذكير بوجود 73 موظفاً أممياً في سجون الحوثيين، جدد الدعوة إلى الإفراج الفوري عنهم دون قيد أو شرط، مطالباً الجهات الإقليمية والدولية باستخدام نفوذها لتحقيق ذلك.

وأشار المبعوث إلى مؤشرات إيجابية في مناطق سيطرة الحكومة الشرعية، من بينها تحسن إمدادات الكهرباء وصرف رواتب القطاع العام، معتبراً أن الخطوات الرامية إلى تحسين ظروف المعيشة «تكتسب أهمية بالغة»؛ لأنها تعيد قدراً من الاستقرار وقابلية التنبؤ في حياة اليمنيين. ولفت إلى أن هذه الإجراءات، إذا ما ترسخت في مؤسسات خاضعة للمساءلة، يمكن أن تمهّد لبيئة أكثر ملاءمة لتسوية سياسية أوسع.

غير أن غروندبرغ لم يغفل عن هشاشة الوضع، محذراً من أن استمرار التوترات والحوادث الأمنية، إلى جانب المظاهرات التي شهد بعضها أعمال عنف وسقوط ضحايا، يعكس قابلية هذه المكاسب للتراجع.

المبعوث الأممي إلى اليمن هانس غروندبرغ (الأمم المتحدة)

وفي هذا السياق، حمّل المبعوث الحكومة الجديدة بقيادة رئيس الوزراء شائع الزنداني، مسؤولية حماية المكاسب عبر «ترسيخها في مؤسسات معززة وإصلاحات اقتصادية»، مشدداً على ضرورة توفير بيئة تحمي مجلس الوزراء والبنك المركزي من التسييس وتعيد بناء ثقة الجمهور.

كما أشاد بتعيين ثلاث وزيرات بعد سنوات من غياب النساء عن مجلس الوزراء اليمني، معتبراً أن إشراك النساء بصورة كاملة وفعالة يعزز شرعية أي عملية سلام، ويزيد فرص استدامتها.

إطلاق عملية سياسية

انتقل المبعوث بعد ذلك إلى جوهر الإحاطة، وهي الحاجة إلى إعادة إطلاق عملية سياسية جامعة برعاية الأمم المتحدة، وأكد أن النزاع أصبح أكثر تعقيداً، مع تعدد خطوط التنازع وتداخل الديناميكيات المحلية والوطنية، فضلاً عن تأثير التوترات الإقليمية المتبادلة.

وشدد على أن الهدف المشترك لم يتغير، وهو التوصل إلى تسوية سياسية تفاوضية تنهي النزاع بشكل مستدام، لكنه دعا الأطراف إلى تبني «نهج مستقبلي» يقوم على البناء على ما لا يزال ناجعاً، وإعادة النظر في الافتراضات القديمة، وتصميم عملية تعكس واقع اليوم لا خرائط الأمس.

وطرح المبعوث ثلاث نقاط رئيسية للمضي قدماً؛ أولاها الاعتراف بتعقيدات الحرب وتطوراتها وعدم الاكتفاء بأطر سابقة لم تعد تستجيب بالكامل للتحولات، وثانيها ضرورة التعامل المتزامن مع الملفات السياسية والاقتصادية والأمنية، محذراً من أن معالجتها بمعزل عن بعضها لن تؤدي إلا إلى نتائج جزئية وغير مستدامة، ومؤكداً أهمية عدم ربط الانخراط في مسار بالتقدم في مسار آخر.

سيارة أممية ضمن موكب المبعوث الأممي غروندبرغ خلال زيارة سابقة لصنعاء (إ.ب.أ)

وتمثلت النقطة الثالثة في اشتراط أن تحقق أي عملية ذات مصداقية نتائج ملموسة على مستويين زمنيين؛ الأول من خلال اتفاقات قريبة المدى تخفف المعاناة وتظهر تقدماً عملياً، بما في ذلك تدابير لخفض التصعيد الاقتصادي، والثاني عبر مسار أطول أمداً يتيح التفاوض حول قضايا جوهرية مثل شكل الدولة والترتيبات الأمنية ومبادئ الحوكمة.

وفي هذا الإطار، قدّم غروندبرغ ملف الأسرى والمحتجزين نموذجاً لما يمكن أن يحققه الحوار. وأشار إلى المفاوضات المباشرة الجارية في عمّان لاستكمال قوائم المحتجزين تمهيداً للإفراج، داعياً الأطراف إلى إنجاز العناصر المتبقية «دون تأخير»، والمضي نحو التنفيذ، ولا سيما مع اقتراب شهر رمضان، بما يتيح للعائلات لمّ الشمل. كما جدد الدعوة إلى الالتزام بمبدأ «الكل مقابل الكل»، مثمّناً دور الأردن واللجنة الدولية للصليب الأحمر.

تحذير من مواجهة أوسع

من ضمن أكثر فقرات الإحاطة أهمية، تطرق غروندبرغ إلى تصاعد التوترات الإقليمية، معرباً عن أمله في خفض التصعيد، لكنه شدد على ضرورة ألا يُجرّ اليمن إلى مواجهة أوسع. كما شدد على أن مسألة السلم والحرب «في جوهرها مسألة وطنية»، لا يمكن تفويضها أو احتكارها من قبل جهة واحدة، ولا يحق لأي طرف يمني جرّ البلاد من جانب واحد إلى صراع إقليمي، وفق تعبيره.

وأكد المبعوث أن المسؤولية الأولى تقع على عاتق صانعي القرار اليمنيين تجاه أمن الشعب وسبل عيشه ومستقبله، داعياً إلى أن تبقى حماية المصالح الوطنية وتطلعات جميع اليمنيين هي البوصلة في أوقات التوتر. وختم هذه الرسالة بالتشديد على أن «ضبط النفس، في هذا السياق، واجب».

ولفت إلى استمرار الحوثيين في احتجاز 73 من موظفي الأمم المتحدة، إضافة إلى آخرين من المجتمع المدني والبعثات الدبلوماسية، بعضهم بمعزل عن العالم الخارجي، مع إحالة بعضهم إلى المحكمة الجزائية المتخصصة في إجراءات «لا ترقى إلى مستوى الإجراءات القانونية الواجبة».

وأكد غروندبرغ أن الاستقرار الدائم يتطلب بناء مؤسسات تخدم اليمنيين على قدم المساواة، بحيث تُدار الخلافات عبر الحوار والمشاركة السياسية السلمية بدلاً من العنف.


تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
TT

تدخل قضائي يوقف العبث بالمعالم الأثرية في عدن

الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)
الحي القديم في عدن يتميز بالنمط المعماري الأصيل (الشرق الأوسط)

في خطوة تعكس تصاعد الاهتمام الرسمي بحماية التراث الثقافي والمعماري، تدخلت الجهات القضائية في العاصمة اليمنية المؤقتة عدن لوقف ممارسات عبث وتعديلات غير قانونية طالت مباني تاريخية ومعالم أثرية، في مقدمتها مواقع في حي كريتر بمديرية صيرة، إضافة إلى محاولة اعتداء على معبد هندوسي يُعد من أبرز شواهد التعايش الديني في المدينة.

ويُعد حي كريتر من أقدم أحياء عدن وأكثرها ثراءً من حيث القيمة التاريخية والمعمارية، إذ يضم عشرات المباني والمواقع التي تعكس ملامح النمط العدني الأصيل، الممتد عبر مراحل مختلفة من تاريخ المدينة. ومع اقتراب شهر رمضان، كثّف مختصون في الحفاظ على التراث جهودهم لترميم عدد من هذه المباني، بدعم من جهات محلية ودولية، في محاولة لإعادة الاعتبار للهوية المعمارية للمدينة القديمة.

غير أن هذه الجهود اصطدمت، حسب مصادر مختصة، بتجاوزات قام بها بعض الملاك، الذين أقدموا على إدخال تعديلات حديثة لا تنسجم مع الطابع التاريخي للمباني التي خضعت للترميم، ما استدعى تدخلاً قضائياً حاسماً لوضع حد لتلك المخالفات.

وأكدت نيابة الآثار في عدن دعمها الكامل للجهود الحكومية والمجتمعية الرامية إلى حماية المباني التاريخية؛ حيث نفّذ وكيل نيابة الآثار، عشال المسبحي، نزولاً ميدانياً إلى عدد من المواقع الأثرية لمتابعة مستوى الالتزام بالمعايير المعتمدة في الحفاظ على الطابع التراثي.

كنائس عدن شاهد على عقود من التعايش بين مختلف الديانات (إعلام محلي)

وأوضح المسبحي أن بعض المباني التي جرى ترميمها بدعم من منظمة الأمم المتحدة للتربية والعلم والثقافة (اليونيسكو) تعرّضت لاحقاً لتعديلات مخالفة، أبرزها تركيب نوافذ مصنوعة من الألمنيوم بدلاً من الخشبية التقليدية، وهو ما يُعد تشويهاً مباشراً للهوية المعمارية التاريخية للمدينة القديمة.

وشدد وكيل النيابة على ضرورة التزام الملاك بإعادة تركيب العناصر المعمارية الأصلية، وفي مقدمتها النوافذ الخشبية، بما يتوافق مع الطابع العدني الأصيل، مؤكداً أن النيابة لن تتهاون في اتخاذ الإجراءات القانونية بحق المخالفين.

وأشار إلى أن بعض السكان رفضوا إزالة التعديلات غير القانونية، ما دفع النيابة إلى الشروع في استدعائهم رسمياً، مع التلويح بإحالتهم إلى القضاء في حال استمرار المخالفات، استناداً إلى القوانين النافذة الخاصة بحماية الآثار والمدن التاريخية.

منع الاعتداءات

وفي سياق متصل بهذه التطورات، ترأس وكيل نيابة الآثار فريقاً من السلطة المحلية للتصدي لمحاولة اعتداء على محيط معبد «هنجراج متاجي» الهندوسي الأثري في منطقة الخساف، بعد ادعاء أحد الأشخاص ملكيته لحرم الموقع الذي تبلغ مساحته نحو 4200 متر مربع.

وأكدت النيابة أن المعبد مسجّل رسمياً ضمن قائمة المعالم الأثرية، وأن أي محاولة للتعدي على حرمه أو الاستيلاء عليه هي مخالفة صريحة للقانون. وأوضحت أن الجهات المختصة باشرت اتخاذ إجراءات رادعة بحق المتورطين، لضمان حماية الموقع وصون قيمته التاريخية.

جانب من أكبر معبد هندوسي في عدن (الشرق الأوسط)

ووفق مسؤولين محليين، رُصدت خلال الفترة الماضية أعمال عبث داخل محيط المعبد، شملت سرقة أبواب ومقتنيات واقتلاع بعض أحجار البناء، إلى جانب تراكم النفايات، في مشهد يعكس حجم التهديد الذي يواجه أحد أبرز رموز التعايش الديني في عدن. وأكدوا أن النيابة ستواصل متابعة القضية حتى استكمال الإجراءات القانونية والإدارية اللازمة.

دور رقابي

وعلى صلة بالقضية، شدد وديع أمان، مدير مركز تراث عدن، على أن المعبد يُمثل شاهداً حياً على تاريخ التعايش الديني في المدينة، مشيراً إلى أن حماية هذا الموقع تأتي في إطار الدفاع عن هوية عدن المتعددة ثقافياً ودينياً.

وأضاف أن الجهود ستتواصل، كما حدث سابقاً في الدفاع عن معبد «جين سويتامبر»، لحماية جميع مواقع التراث الديني، كونها معالم حضارية وإنسانية تتجاوز رمزيتها البُعد الديني.

مع الدعم السعودي في كل المجالات تتجه عدن لاستعادة الاستقرار الأمني وتحسين الخدمات (إعلام حكومي)

وأكد مسؤولون محليون أن هذا التحرك القضائي يندرج ضمن الدور الرقابي للنيابة العامة في حماية المواقع الأثرية ومنع التعديات، وتعزيز سيادة القانون للحفاظ على الممتلكات العامة. كما أوضح مركز تراث عدن وملتقى الحفاظ على المعالم الأثرية أنهما يعملان بالتنسيق مع الجهات الرسمية لمواجهة أي تهديد يطول هذه المواقع.

يُذكر أن المعبد الهندوسي أُغلق نهائياً عام 2015 عقب سيطرة الحوثيين على عدن، وتعرّض لأعمال تدمير جزئي، شأنه شأن عدد من المباني الدينية. ويعود تاريخ بنائه إلى نحو عام 1865، خلال فترة الحكم البريطاني التي شهدت ازدهاراً للتنوع الديني والثقافي في المدينة، وهو ما تسعى عدن اليوم إلى استعادته وحمايته بوصفه جزءاً من ذاكرتها التاريخية.


الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
TT

الحكومة اليمنية الجديدة أمام اختبار الثقة والاستقرار

الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)
الحكومة اليمنية الجديدة أدت اليمين الدستورية وبدأت مواجهة التحديات (سبأ)

تبدأ الحكومة اليمنية الجديدة أداء مهامها وسط أوضاع سياسية واقتصادية شديدة التعقيد، بعد توجيهات رئاسية لها بصناعة نموذج مختلف واستعادة ثقة المجتمع، في ظلّ تراجع حضور مؤسسات الدولة.

ورغم الرضا الشعبي عمّا أسفر عنه إنهاء تمرد المجلس الانتقالي الجنوبي من تحسن ملحوظ، فإن التحديات المعيشية والأمنية أكثر عمقاً، والمطالب المجتمعية أشدّ إلحاحاً من قدرة أي سلطة تنفيذية على تحقيق اختراقات سريعة.

فعلى المستوى الخدمي، تتراكم أمام الحكومة أزمات الكهرباء والمياه والصحة والتعليم، إلى جانب تعثّر انتظام صرف المرتبات في عدد من المناطق، وتمثل هذه الملفات اختباراً عملياً لأداء الحكومة، في ظل محدودية الموارد المالية، والتهديدات الحوثية باستهداف مصادرها، وتفاوت السيطرة الإدارية، وضعف البنية التحتية التي تأثرت بسنوات من النزاع.

واقتصادياً، ترى الحكومة مؤشرات مقلقة تشمل تراجع الإيرادات العامة، ومخاطر كبيرة تهدد استقرار سعر العملة المحلية، وارتفاع مستويات التضخم والفقر. وبينما يربط شركاء دوليون أي دعم محتمل بتنفيذ إصلاحات مالية وإدارية؛ تبقى قدرة الحكومة على إبطاء التدهور الاقتصادي رهناً بتوازنات سياسية وأمنية معقدة تتجاوز نطاق السياسات الاقتصادية وحدها.

الأزمة الإنسانية إحدى أولويات الحكومة اليمنية في ظل تراجع التمويل الدولي (غيتي)

وفي لقائه الأول بالحكومة بعد أدائها اليمين الدستورية، الاثنين الماضي، أكد رشاد العليمي، رئيس مجلس القيادة الرئاسي، أن المرحلة الحالية لا تحتمل إدارة تقليدية، وأن الحكومة مطالبة بـ«صناعة نموذج» يعيد بناء ثقة المواطنين بمؤسسات الدولة، كجزء من المعركة الوطنية الشاملة، والبناء على التحسن النسبي في بعض الخدمات الأساسية خلال الفترة الماضية.

ووضع العليمي تنمية الموارد العامة في صدارة الأولويات، بصفتها شرطاً موازياً للجبهة العسكرية في تغيير ميزان القوى، منوهاً إلى الاختلالات الاقتصادية المتراكمة، والتضخم المتصاعد، والتراجع في الثقة بإدارة المال العام، مشدداً على الانضباط المالي الصارم، ودعم استقلالية البنك المركزي؛ لكبح التضخم وحماية العملة وضمان حد أدنى من الاستقرار المعيشي. كما ورد في الخطاب التوجيهي.

اختبار الاستقرار والخدمات

تقف الحكومة اليمنية حالياً أمام ضغوط شعبية ودولية للعودة بأعضائها كافة إلى العاصمة المؤقتة عدن لممارسة مهامها بشكل مباشر وتفعيل المؤسسات الخدمية والرقابية.

من لقاء العليمي بالحكومة الجديدة بعد أدائها اليمين الدستورية (سبأ)

ويرى يوسف شمسان، الباحث الأكاديمي في الاقتصاد السياسي للحرب، أن خطاب العليمي أثبت إدراكه العميق للمشاكل الاقتصادية والخدمية، وإحساسه بمعاناة الدولة منها؛ ما يشير إلى تراكم الخبرة القيادية لديه، حيث لامس القضايا الاقتصادية المهمة والملحة بشكل مستفيض، وربط الإصلاحات بإدارة الدولة، وتطرق إلى اقتصاد الحرب للربط بين إسقاط التمرد وتحقيق ثنائية الدولة والحوكمة.

ويمثل خطاب العليمي، حسب حديث شمسان لـ«الشرق الأوسط»، خروجاً لافتاً عن الخطاب السياسي التقليدي في بلد أنهكته الحرب، فبدلاً من الاكتفاء بسرد المواقف أو إعادة إنتاج خطاب الشرعية، قدّم العليمي إطاراً أقرب إلى برنامج إدارة دولة في زمن نزاع، واضعاً الاقتصاد والخدمات في قلب المعركة السياسية والأمنية.

كما شدد رئيس مجلس القيادة الرئاسي على أن يُقاس أداء الحكومة بقدرتها على دفع الرواتب بانتظام، وتوفير الكهرباء والمياه، وضبط الأسعار، وعدم تسييس الخدمات، وعلى أهمية توجيه الدعم والمنح عبر القنوات الرسمية، ودعم القطاع الخاص، وحماية قطاعات الزراعة والثروة السمكية والصناعات التحويلية والاتصالات والنقل.

يقول عتيق باحقيبة، القيادي الاشتراكي في محافظة حضرموت، لـ«الشرق الأوسط» إن أهالي المحافظة ينتظرون من هذه الحكومة التي جاءت بعد فترة صراع سياسي وعنف عسكري شهدته محافظة حضرموت تحقيق الكثير من المطالب المشروعة، ومنها دعم الأجهزة الأمنية والعسكرية في الجوانب المادية واللوجيستية كافة والتدريب والتأهيل لجميع منتسبيها؛ حتى تتمكن من تأمين كل مدنها ومناطقها المترامية الأطراف.

القطاع الصحي في اليمن ينتظر إصلاحات عاجلة وتدخلات حكومية فاعلة (أ.ب)

ويضيف: «كما يأمل الحضارم دعم الخِدْمات كافة مع أولوية خاصة للكهرباء والمياه والصحة والتعليم، وانتظام دفع المرتبات لموظفي الدولة، وتطوير البنى التحتية لتهيئة المحافظة لتكون ملاذاً آمناً للاستثمار، ويسعون إلى الحصول على مشاركة فاعلة وعادلة في كل مؤسسات الدولة المركزية، بعد إنهاء آثار الصراع كافة بفضل الدعم السعودي».

رهانات الحوكمة

ركز العليمي في خطابه أمام الحكومة الجديدة على أنه لا دولة دون أمن وسيادة قانون، داعياً إلى انتقال واضح من المعالجة اللاحقة إلى العمل الاستباقي، عبر انتشار أمني مدروس، وضبط السلاح المنفلت، وتجفيف بؤر الجريمة، وحماية المواطنين دون تمييز.

وعدّ العليمي الشراكة مع السعودية ركيزة أساسية لتوحيد القرار الأمني والعسكري، وصناعة الفارق في العاصمة المؤقتة عدن والمحافظات المحررة، بما يعزز حضور الدولة ويمنع تقويض المكاسب المحققة.

ويعلق بشير عزوز، وهو أحد موظفي إعلام قطاع الصحة في محافظة مأرب، آمالاً على الحكومة بمواجهة الأزمة الإنسانية التي تبرز كأكبر تحدٍ يقف أمامها؛ حيث تشير تقارير الأمم المتحدة الحديثة إلى ما يُسمى «نقطة الانكسار الصحي» التي وصلت إليها البلاد، مع تراجع التمويل الدولي، ليصبح أكثر من 1000 مرفق صحي مهدداً بالإغلاق؛ ما يضع حياة ملايين الأطفال المصابين بسوء التغذية الحاد على المحك.

آمال شعبية يمنية في استثمار الدعم السعودي لزيادة الجودة واستدامة الخدمات (واس)

ويوضح لـ«الشرق الأوسط» أن كل محافظة وكل مديرية تواجه منفردة أزمات واختلالات خاصة بها صنعتها الحرب والانقسامات الأمنية والاقتصادية، إلى جانب الأزمات الطويلة في كل البلاد بفعل استمرار الصراع، وعدم التوصل إلى حسم عسكري مع الجماعة الحوثية أو الدخول معها في اتفاق سلام جاد وحقيقي.

وتجد الحكومة الجديدة نفسها مطالبة بالانتقال من «الاعتماد الكامل على الإغاثة» إلى «الإدارة الذاتية للموارد»، وهو تحدٍ معقد في ظل اقتصاد منهك وعملة متدهورة.

يشيد الأكاديمي شمسان بانتقاد العليمي الواضح، ولأول مرة، للدور الهدام للمؤسسات الدولية، وفرضها قيود التجارة العالمية وقيود التعويم في أسعار الصرف، وهو نقد شجاع ويكشف عن نقلة مهمة في خطاب الرئيس ووعي تام بوضع اليمن الهش الذي يعيش اقتصاد الحرب، والذي لا ينطبق عليه شروط هذه المنظمات الدولية وإملاءاتها.

من المنتظر أن تسعى الحكومة الجديدة بشكل عاجل إلى تثبيت الأمن وتعزيز حضور الدولة ومؤسساتها (غيتي)

كما عدّ حديث العليمي عن وقف الريع الحربي، وضرورة كسر مصالح اقتصاد الحرب، خطوة متقدمة تبين إدراكاً عميقاً لأسباب معاناة اليمن واليمنيين خلال السنوات الماضية؛ وهو ما يفرض على الحكومة التعامل مع هذا الخطاب بوصفه برنامج عمل للمرحلة المقبلة.

ويبرز انسداد أفق السلام وتعثر المسار السياسي مع الجماعة الحوثية كأحد أبرز التحديات أمام الحكومة الجديدة، في ظل انعدام فاعلية المبادرات الدولية والتوترات التي تشهدها منطقة الشرق الأوسط.