ميركل تنجح في تهدئة شركائها بسبب سياسة الانفتاح تجاه اللاجئين

فرنسا تستقبل أول دفعة من طالبي اللجوء.. وكندا تعتزم قبول 25 ألف سوري

مهاجرة تحمل طفلها بعد وصولها رفقة عدد كبير من المهاجرين إلى جزيرة ليسبوس اليونانية أمس (رويترز)
مهاجرة تحمل طفلها بعد وصولها رفقة عدد كبير من المهاجرين إلى جزيرة ليسبوس اليونانية أمس (رويترز)
TT

ميركل تنجح في تهدئة شركائها بسبب سياسة الانفتاح تجاه اللاجئين

مهاجرة تحمل طفلها بعد وصولها رفقة عدد كبير من المهاجرين إلى جزيرة ليسبوس اليونانية أمس (رويترز)
مهاجرة تحمل طفلها بعد وصولها رفقة عدد كبير من المهاجرين إلى جزيرة ليسبوس اليونانية أمس (رويترز)

نجحت المستشارة الألمانية أنجيلا ميركل أمس في تهدئة شركائها الذين ينتقدونها بسبب سياسة الانفتاح تجاه اللاجئين، وذلك بعد صدور قرار بتسريع إعادة المهاجرين لأسباب اقتصادية، لكن التنفيذ سيبقى رغم ذلك أمرا صعب التحقيق بسبب ضغط التدفق الهائل للاجئين.
فبعد أسابيع من التوتر الناتج عن تدفق عدد هائل من المهاجرين إلى ألمانيا هربا من الحروب والفقر، قررت المستشارة المحافظة وحليفها البافاري هورست شيهوفر، ونائبها الاشتراكي الديمقراطي سيغمار غابرييل، حصر المهاجرين الأقل أهلية للحصول على اللجوء، أي مواطني البلدان التي تعتبر آمنة، في عدد قليل من المراكز تكون مهمتها بت مصيرهم سريعا، وتنظيم عودتهم إلى بلدانهم الأم. وقد عبر مسؤولو الائتلاف الحكومي الثلاثة مساء أول من أمس عن ارتياحهم بالحديث عن هذه «الخطوة المهمة» و«الاتفاق الجيد»، حيث تبنى غابرييل ما اعتبره انتصارا للاشتراكيين الديمقراطيين، طالما أنه لن يتم احتجاز المهاجرين كما كان يأمل المحافظون، بل سيخضعون لـ«إقامة إلزامية» تحت طائلة خسارة المساعدات الاجتماعية. وفي السياق نفسه، دعا غابرييل الأسبوع الفائت المعسكر المحافظ إلى إعادة تنظيم صفوفه، معتبرا أن هذه الانقسامات تهدد «قدرة الحكومة على العمل».
ويشكل اتفاق أول من أمس دليلا جديدا على سياسة التسويات التي واظبت ميركل على انتهاجها منذ توليها الحكم قبل نحو عشرة أعوام.
لكن يبدو أن الاتفاق لن يؤدي عمليا إلى تذليل الصعوبات الناجمة عن استقبال عشرات آلاف الرجال والنساء والأطفال كل شهر، وخصوصا مع توقع الاتحاد الأوروبي وصول ثلاثة ملايين شخص بحلول العام 2017.
وإذا كانت ميركل قد تمكنت من إرساء الهدوء داخل الائتلاف الحكومي، إلا أن شعبيتها ما زالت مستمرة في الانحدار. وقد تراجعت الخميس إلى 49 في المائة بحسب استطلاع لصحيفة «دويتشلاند بوست»، غير أن المستشارة التي انتقدت طويلا في الماضي لاعتمادها نهجا مراوغا في ملفات حساسة حفاظا على شعبيتها، لم تتنازل عن خطابها المنفتح إزاء اللاجئين، رافضة باسم «القيم» الأوروبية تحديد سقف لعدد المهاجرين في ألمانيا. لكن رغم اعتبارها الزعيمة الأكثر نفوذا في أوروبا، لم تتمكن ميركل من إقناع شركائها في الاتحاد الأوروبي بتحمل عبء أكبر في هذه الأزمة.
ومباشرة بعد التوصل إلى هذا الاتفاق بادر اليسار الألماني إلى انتقاد أطراف الائتلاف الحاكم بشأن سياسة اللجوء، حيث اعتبر حزب اليسار الألماني اتفاق الحل الوسط الذي توصل إليه أطراف الائتلاف الحاكم في برلين مؤشرا على السير في الاتجاه الخطأ.
وذكرت معلومات صادرة عن الحزب أن رئيس الحزب بيرن ريكسينجر قال: إن «الاتفاق يدل على ترحيل المهاجرين بأي ثمن، وبهذا تقتطع قصاصة أخرى من مضمون قانون اللجوء، وهناك ثمة خطر في ألا تكون هناك ضمانات نزيهة بالنسبة لهؤلاء الناس بإجراءات لجوء عادلة، تقوم على مبادئ دولة القانون فعلا».
وكانت أحزاب الائتلاف الحاكم برئاسة ميركل قد أخفت أن المؤسسات ذات الصلة باللاجئين مثقلة بأعباء معالجة طلبات اللجوء لقلة عدد العاملين فيها، ولذلك طالب ريكسينجر الحكومة بإصلاح هذا الوضع بقوله «على الحكومة الاتحادية أن تتدخل وتكمل النقص الذي حدث خلال الأعوام الماضية في مجالات الاستثمار في الإسكان الاجتماعي، والبنية التحتية، ونقص الموظفين في المجال التعليمي والعاملين في مجال معالجة طلبات اللجوء».
وعلى صعيد متصل أعلنت وزارة الداخلية الفرنسية أمس أن 19 من طالبي اللجوء الإريتريين القادمين من مراكز التسجيل في إيطاليا وصلوا أمس إلى غرب فرنسا في إطار أول عملية «لإعادة إسكانهم» بموجب الاتفاق الأوروبي، الذي تم التوصل إليه في نهاية سبتمبر (أيلول) الماضي، إذ قال وزير الداخلية الفرنسي برنار كازنوف في بيان إن فرنسا «اقترحت على إيطاليا واليونان التكفل بمائتي شخص في نوفمبر (تشرين الثاني) الحالي، و300 في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، و400 في يناير (كانون الثاني) 2016»، وذلك في إطار هذا البرنامج الذي ينص على استقبال ثلاثين ألف شخص على الأراضي الفرنسية.
وأضافت الوزارة أنه في إطار «أول عمل تجريبي» سيتم استقبال 19 منهم في منطقة لوار.
وبعدما أكد كازنوف «ترحيب فرنسا» بهؤلاء اللاجئين، أوضح أن «طلباتهم للجوء ستدرس في أسرع وقت ممكن»، وأنه سيتم استقبالهم في مبان مخصصة لاستقبال طالبي اللجوء بالقرب من نانت.
وكانت فرنسا قد استقبلت 600 لاجئ، معظمهم من السوريين وصلوا من ميونيخ سبتمبر الماضي، لكن في عملية منفصلة تهدف إلى التخفيف عن ألمانيا التي تواجه تدفقا للمهاجرين منذ الصيف.
وفي كندا أعلن رئيس الوزراء الكندي جاستن ترودو مساء أول من أمس أن بلاده ستستقبل 25 ألف لاجئ سوري قبل مطلع العام المقبل عملا بوعوده الانتخابية.
وقال ترودو متحدثا لإذاعة راديو كندا في مقابلته الأولى منذ تولي مهامه الأربعاء إن «الهدف ما زال استقدام 25 ألف لاجئ سوري هنا إلى كندا قبل الأول من يناير» المقبل.
وتابع موضحا أنه من أجل تحقيق هذا الهدف في فترة قصيرة «تمت تعبئة عدد من الوزارات» ومن الضروري «أن يكون لنا شركاء في المقاطعات والبلديات»، مؤكدا أن «الكنديين يريدون أن نتصرف تصرفا مسؤولا ومتعقلا.. وهم اختاروا إعطاء تفويض للانفتاح والمسؤولية من أجل تجديد التزامنا وبشكل متين على الساحة الدولية». ولفت إلى أن استقبال 25 ألف لاجئ ليس أصعب ما في الأمر، بل ينبغي أيضا «منحهم القدرة على تحقيق النجاح من أجل عائلاتهم» حتى ينعكس ذلك فائدة «على المجموعة» وعلى البلاد برمتها «مثلما فعلت جميع موجات المهاجرين واللاجئين السابقة».



فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
TT

فرنسا: دور ثانٍ من الانتخابات البلدية لحسم المدن الكبرى

رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)
رشيدة داتي مرشحة اليمين الكلاسيكي تدلي بصوتها في مركز اقتراع بباريس الأحد (رويترز)

توجَّه الناخبون إلى صناديق الاقتراع للإدلاء بأصواتهم في الدور الثاني من الانتخابات البلدية بفرنسا، الأحد، في عملية ستحسم معارك المدن الكبرى وتشكل اختباراً لقوة اليمين المتطرف وقدرة الأحزاب الرئيسية على الصمود قبل الانتخابات الرئاسية المقررة العام المقبل.

وبينما يخوض اليسار معركة للاحتفاظ بالعاصمة باريس، يختار الناخبون رؤساء بلديات أكثر من 1500 مدينة وبلدة، منها باريس ومرسيليا.

ويدير رؤساء البلديات في فرنسا ما يقرب من 35 ألف منطقة، تشمل مدناً كبرى وبلدات وقرى لا يزيد عدد سكانها على بضع عشرات، وهم المسؤولون المنتخبون الذين يحظون بالثقة الأكبر لدى السكان في أنحاء البلاد. وحصل الكثير منهم على أصوات كافية للفوز في الدور الأول الذي أجري يوم 15 مارس (آذار) الحالي، لكن المنافسة الشديدة في المدن الكبرى أفضت إلى جولة ‌ثانية.

إيمانويل غريغوار مرشح الحزب الاشتراكي يغادر مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوته في باريس الأحد (إ.ب.أ)

معارك المدن الكبرى

ففي باريس، يتنافس اليساري إيمانويل غريغوار، النائب السابق لرئيسة البلدية الاشتراكية المنتهية ولايتها آن إيدالغو، ومنافسته الوزيرة السابقة المنتمية إلى اليمين رشيدة داتي. وعززت داتي حظوظها بعد انسحاب مرشح من يمين الوسط وآخر من اليمين المتطرف. لكن غريغوار رفض التعاون مع مرشح من اليسار المتشدد؛ ما أدى إلى تشتيت أصوات اليسار في السباق.

وتحالف اليساريون والوسطيون في الانتخابات الماضية بباريس ضد اليمين المتطرف، لكن اليسار يشهد انقساماً منذ تعرّض ناشط يميني متطرف لضرب مبرح أدى إلى مقتله الشهر الماضي، وذلك على هامش فعالية للنائبة ريما حسن، المنتمية إلى اليسار المتشدد.

وقال باتريس لوران (77 عاماً) بعدما أدلى بصوته في شمال شرق باريس التي قادها اليسار منذ نحو 25 عاماً: «لا أريد للمدينة أن تعود إلى اليمين».

رئيس بلدية مرسيليا المنتهية ولايته يدلي بصوته في المدينة الساحلية بجنوب فرنسا الأحد (أ.ف.ب)

كذلك، تُعدّ مرسيليا، ‌ثاني أكبر مدن فرنسا، إحدى المحطات الرئيسية في الانتخابات؛ ‌إذ يتنافس فيها مرشح حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف مع مرشح الحزب الاشتراكي، وهو رئيس البلدية الحالي. وسيمثل فوز حزب التجمع الوطني، في حال حدوثه، انتصاراً كبيراً له.

وقال آلان فايولا (71 عاماً) وهو متقاعد من مرسيليا، إنه سيصوّت لصالح حزب التجمع الوطني بعد أن كان يدعم سابقاً الحزب اليميني السائد. وأضاف: «أريد التغيير. تدهورت أوضاع مرسيليا منذ تولي رئيس البلدية الحالي منصبه». وفي مركز الاقتراع نفسه المطل على الميناء القديم للمدينة، قال آخرون إنهم مصممون على وقف اليمين المتطرف.

وفي مناطق أخرى من فرنسا، يأمل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، في تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حصل عليها في الاستحقاقات المحلية السابقة.

ويؤكد التجمع أن مرشحيه وحلفاءه أُعيد انتخابهم يوم 15 مارس، في 10 بلديات، بينها مدينة بيربينيان الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة، وهي أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب اليميني المتطرف.

ويقول الحزب أيضاً إنه فاز للمرة الأولى في 14 دائرة أخرى. لكنه يأمل كذلك في الفوز بمناطق أكبر.

ونال مرشحه أعلى عدد من الأصوات بفارق كبير في طولون، وهي مدينة في جنوب البلاد يقطنها 180 ألف نسمة.

اختبار لليمين المتطرف

ويواجه حزب التجمع الوطني المناهض للهجرة ‌والمتشكك في الاتحاد الأوروبي في هذه الانتخابات ‌صعوبة في تحقيق مكاسب مهمة في انتخابات البلدية.وجاءت نتائجه في الجولة الأولى متباينة؛ إذ ‌حظي مرشحوه بإعادة الانتخاب في مدن عدة، لكنه لم يحقق انتصارات ‌كبرى خارج المناطق التي يحظى فيها بتأييد كبير في شمال البلاد وجنوبها.

وقالت آن موكسل، مديرة أبحاث العلوم السياسية في جامعة ساينس بو: «صحيح أن انتخابات البلدية في 2026 لن تجلب فوزاً ساحقاً لحزب التجمع الوطني، بل هي أبعد ما تكون ‌عن ذلك. لكن من المتوقع أن ترسخ (وجوده) في أنحاء فرنسا».

وتركز الانتخابات البلدية عادة على ملفات وقضايا محلية ونتيجتها لا تتوقع بمن سيفوز في انتخابات رئاسية تجرى في أبريل (نيسان) 2027، لكنها تقدم مؤشرات وتوجهات تتعلق بالتأييد الشعبي ونوع التحالفات التي يمكن أن تعقد في مشهد سياسي منقسم.وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية لكونها معياراً لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للامساك بالحكم.


موسكو تراهن على صمود طهران وتصدّع المعسكر الغربي

الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
TT

موسكو تراهن على صمود طهران وتصدّع المعسكر الغربي

الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)
الرئيس الروسي لدى مشاركته في فعاليات يوم «المدافعين عن الوطن» بموسكو يوم 23 فبراير (أ.ب)

بدت توقعات الكرملين متشائمة للغاية في الأسبوع الرابع من حرب إيران. ومع ازدياد القناعة بتراجع فرص موسكو للتأثير على مسار الصراع، وتداعياته المحتملة على أحد أبرز شركاء روسيا، بدا أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب، خصوصاً بشأن اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، وفقاً لتعليق دبلوماسي روسي مخضرم.

وقد تَختصر عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف: «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ مما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل بري مباشر يبدو مكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

الآخر أن سيناريو وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة حرب الأيام الـ12 2025، بمعنى أن كل طرف سوف يعلن «إنجاز الأهداف» من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

إيرانيون أمام مبنى متضرر من الحرب في العاصمة طهران (أ.ف.ب)

وهذا السيناريو كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحدة تحت سقف قيادتها.

ورغم التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية، وحولت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات وقدرات المهاجمين، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، وأيضاً على تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضررة من هذه الحرب.

وهذا يوضحه حديث بيسكوف المتكرر عن أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وقال الناطق الرئاسي: «نرى، للأسف، أن الحرب تميل إلى توسيع حدودها. ونعلم أن الهدف من هذه الحملة؛ هذا العدوان، في بدايته كان تغيير النظام في طهران. لكن يبقى أمر واحد واضحاً الآن: كل عمل من هذا القبيل يؤدي إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادته».

أيضاً، حدد بيسكوف موقف بلاده حيال استمرار حملات اغتيال القادة الإيرانيين بإشارة قوية إلى أن «هذا وضع غير طبيعي، وله عواقب وخيمة، وسيستمر في أن تكون له عواقب وخيمة. لا يمكن أن يمر هذا الوضع دون عواقب».

وفي عبارة لها دلالة، أكمل الناطق أن إيران «تدافع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارات أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين على خط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وفي الأسبوع الأول، أجرى سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

الرئيس الروسي لدى ترؤسه اجتماعاً لمجلس الأمن الروسي يوم 20 مارس (د.ب.أ)

كما أعاد طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، والتي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَيْ «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران. في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصب ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بعدم استخدام القدرات الصاروخية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

وكان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب. لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصر على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبر ترمب عن موقفها بوضوح عندما قال إن على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى.

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودةُ للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدم مساعدات استخباراتية قيمة إلى الإيرانيين.

الرئيسان الروسي فلاديمير بوتين والإيراني مسعود بزشكيان يصلان لحضور حفل توقيع بعد محادثاتهما بموسكو 17 يناير 2025 (أ.ب)

ولم تقتصر الاتهامات على مبالغات إعلامية أو تسريبات بعض الأجهزة؛ إذ شكل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي، ستيف ويتكوف، الذي وجه تحذيراً قوياً إلى موسكو، إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد، فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

رغم ذلك، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وتقول مصادر إعلامية روسية إن هذا العون، الموجه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصب في اتجاهين رئيسيين:

الأول: استمرار تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحركات الإسرائيلية، وعدم الانخراط في تقديم عون قد يضر مباشرة بالأميركيين، حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلق بدعم غير مباشر يقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يقدَّم عبر مؤسسات تجارية ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني، وعلى مواقف البلدان الأوروبية التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

رئيسة المفوضية الأوروبية أورسولا فون دير لاين تتحدث خلال مؤتمر صحافي في نهاية قمّة أوروبية ببروكسل يوم 20 مارس (إ.ب.أ)

هنا، لا يَخفى الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب خلال هذه الحرب، خصوصاً على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وأظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حل محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي هذا السياق: «لم يعد همّهم الأول (الأوروبيون) أوكرانيا، بل كيفية سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء».

3 قوى عالمية

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتر في العلاقات عبر الأطلسي».

وبينما حاول الحلفاء الأوروبيون و«الاتحاد الأوروبي» إقناع ترمب بعدم التخلي عن أوكرانيا خلال عملية التسوية الأوكرانية، جاء رفض المستشار الألماني، فريدريش ميرتس، بشدة طلب واشنطن المشاركة في تأمين مضيق هرمز عسكرياً ليشكل إشارة إلى عمق مأزق العلاقات بين الطرفين.

وقد وعد ترمب بعدم نسيان ذلك، واصفاً «حلف شمال الأطلسي (ناتو)» بأنه «نمر من ورق».

دمى «الماتريوشكا» الروسية التقليدية وبعضها يصور فلاديمير بوتين وشي جينبينغ ودونالد ترمب معروضة للبيع داخل متجر في موسكو يوم 10 فبراير (أ.ف.ب)

وفقاً لذلك، ترى أوساط روسية أن «كل الدلائل تشير إلى أن الأسبوعين أو الأسابيع الثلاثة المقبلة ستكون حاسمة بالنسبة إلى العملية ضد إيران؛ فهي ستحدد التطورات اللاحقة وعمق عواقبها المتعددة الأوجه».

ويقول ياكوفينكو، الذي كان مكلفاً ملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، إن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه أزمة حادة، والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النخب الأوروبية إلى الرغبة في هزيمة ترمب، مما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينها، يمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا».

وتظهر هذه العبارات جوهر الحسابات الروسية حالياً.

ويتابع: «لا تقل إقلاقاً في أوروبا تبعات أخرى لفشل ترمب في مغامرته مع إيران... إذ يكمن جوهر الأمر في أن الهزيمة في إيران تحرم الولايات المتحدة من أي فرصة للتعامل مع بكين من موقع قوة. وقد وقع أول الأخطاء العام الماضي، عندما استخدمت الصين ضوابط التصدير على المعادن النادرة بوصفها دفاعاً ضد عدوان ترمب الجمركي».

أرشيفية للرئيس الروسي فلاديمير بوتين يصافح نظيره الإيراني مسعود بزشكيان في موسكو (رويترز)

وهكذا، وفقاً للدبلوماسي الروسي، تواجه أوروبا احتمال تشكل «3 قوى عظمى» جديدة، «هي الولايات المتحدة والصين وروسيا؛ 3 قوى تثبت مكانتها عملياً، ولا خيار أمامها سوى التفاوض فيما بينها».

تعيد هذه القراءة إلى الأذهان سابقة الحرب العالمية الثانية و«نظام يالطا - بوتسدام» في أوروبا، على أن يحل زعيم صيني محل ونستون تشرشل. وسيكون هذا تحالفاً ثلاثياً عالمياً دون مشاركة أوروبا «القديمة»، التي ستجد نفسها على هامش السياسة العالمية. سيكون هذا أيضاً نهاية 200 عام من احتواء الغرب روسيا.


جولة ثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية لحسم معارك المدن الكبرى

مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
TT

جولة ثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية لحسم معارك المدن الكبرى

مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)
مانويل غريغوار (يسار) مرشح الحزب الاشتراكي والائتلاف اليساري في انتخابات بلدية باريس 2026 ولوسي كاستيت (يمين) مرشحة الدائرة الثانية عشرة يغادران مركز اقتراع بعد الإدلاء بصوتيهما خلال الجولة الثانية من الانتخابات البلدية الفرنسية في باريس (إ.ب.أ)

بدأ الناخبون الإدلاء بأصواتهم اليوم (الأحد) في الدورة الثانية من الانتخابات البلدية في فرنسا، في وقت يخوض اليسار معركة للاحتفاظ بباريس بينما يتطلع اليمين المتطرف إلى تحقيق مكاسب تعزز موقعه قبل الانتخابات الرئاسية لعام 2027.

وانتخب معظم سكان نحو 35 ألف قرية وبلدة وحي في البلاد مسؤوليهم في الدورة الأولى، الأحد الماضي، لكن السباقات انتقلت إلى جولات إعادة في نحو 1500 بلدية بينها مدن كبرى.

وتكتسب الانتخابات أهمية إضافية لكونها معياراً لقياس المزاج الشعبي ورصد إمكانات التحالف بين الأحزاب قبل عام من نهاية ولاية إيمانويل ماكرون، في ظل شعور اليمين المتطرف بأنه أمام فرصة غير مسبوقة للإمساك بالحكم.

وقال باتريس لوران (77 عاماً) بعدما أدلى بصوته في شمال شرق باريس التي قادها اليسار منذ نحو 25 عاماً: «لا أريد للمدينة أن تعود إلى اليمين»، وفقاً لما ذكرته وكالة الصحافة الفرنسية.

ويتنافس في العاصمة اليساري إيمانويل غريغوار، النائب السابق لرئيسة البلدية الاشتراكية المنتهية ولايتها آن إيدالغو، ومنافسته الوزيرة السابقة المنتمية لليمين رشيدة داتي.

وعززت داتي حظوظها بعد انسحاب مرشح من يمين الوسط وآخر من اليمين المتطرف. لكن غريغوار رفض التعاون مع مرشح من اليسار المتشدد، ما أدى إلى تشتيت أصوات اليسار في السباق.

وتحالف اليساريون والوسطيون في الانتخابات الماضية ضد اليمين المتطرف، لكن اليسار يشهد انقساماً منذ تعرّض ناشط يميني متطرف لضرب مبرح أدى إلى مقتله الشهر الماضي، وذلك على هامش فعالية للنائبة ريما حسن المنتمية إلى اليسار المتشدد.

وفي مناطق أخرى من فرنسا، يأمل حزب التجمع الوطني اليميني المتطرف بزعامة مارين لوبن، في تحقيق نتائج أفضل من تلك التي حصل عليها في الاستحقاقات المحلية السابقة.

ويؤكد التجمع أن مرشحيه وحلفاءه أُعيد انتخابهم، الأحد الماضي، في 10 بلديات، بينها مدينة بيربينيان الجنوبية التي يبلغ عدد سكانها 120 ألف نسمة، وهي أكبر مدينة في فرنسا يديرها الحزب اليميني المتطرف.

ويقول الحزب أيضاً إنه فاز للمرة الأولى في 14 دائرة أخرى. لكنه يأمل كذلك في الفوز بمناطق أكبر.

ونال مرشحه أعلى عدد من الأصوات بفارق كبير في طولون، وهي مدينة في جنوب البلاد يقطنها 180 ألف نسمة.

وفي مدينة مرسيليا، حلّ مرشح التجمع الوطني في المركز الثاني الأسبوع الماضي، بفارق نقطة مئوية واحدة فقط عن رئيس البلدية اليساري الحالي، والذي قد يتمكن من الاحتفاظ بموقعه بعد انسحاب مرشح من اليسار المتشدد.