فلسطين.. الخيار الأخير

بعد أحداث الأقصى.. أوساط واسعة في المجتمعين الإسرائيلي والفلسطيني لم تعد تثق بحل الدولتين ولا حتى الدولة الواحدة

فلسطين.. الخيار الأخير
TT

فلسطين.. الخيار الأخير

فلسطين.. الخيار الأخير

منذ عودة بنيامين نتنياهو إلى رئاسة الحكومة الإسرائيلية، في سنة 2009، دلت استطلاعات الرأي التي أجريت في صفوف الإسرائيليين والفلسطينيين على معادلة ثابتة، مفادها أن الغالبية الساحقة جدا تؤيد حل «الدولتين للشعبين» لتسوية الصراع بينهما، لكن غالبية أكبر منها لا تؤمن بأن هذا الحل واقعي. ولكن، في السنة الأخيرة، وحتى قبل انفجار الهبة الشعبية الفلسطينية الأخيرة، بدأت نتائج الاستطلاعات تتغير وتدل على بداية موجة يأس من حل الدولتين. وترى أن الأمور تسير في اتجاه معاكس، وأن هذا الحل قد مات. وأن البديل عنه واحد من اثنين: إما بقاء الوضع الحالي وإما التوجه إلى حل الدولة الواحدة، البعض يراها دولة ديمقراطية تسود فيها حقوق متساوية للعرب وبعضهم يرى أن العرب فيها سيعيشون مواطنين من الدرجة الثانية.

ففي آخر استطلاع مشترك، أجراه معهد ترومان الإسرائيلي للبحوث في الجامعة العبرية في القدس الغربية والمركز الفلسطيني للبحوث السياسية والمسحية في رام الله (PSR)، ونشر في 15 يونيو (حزيران) 2014، جاء أنه رغم توقف المفاوضات الفلسطينية - الإسرائيلية فإن 62 في المائة من الإسرائيليين و54 في المائة من الفلسطينيين يؤيدون حل الدولتين. ولكن 68 في المائة من الإسرائيليين و72 في المائة من الفلسطينيين لا يؤمنون بأن هذا الحل ممكن. وفي آخر استطلاع فلسطيني أجراه المركز المذكور، ونشر في شهر سبتمبر (أيلول) 2015، جاء أن 48 في المائة فقط من الفلسطينيين باتوا يؤيدون حل الدولتين و51 في المائة يعارضونه. وقال 57 في المائة من الفلسطينيين إنهم يؤيدون العودة لانتفاضة مسلحة.
وكما هو متوقع، فإن الثقة بين الطرفين بلغت الحضيض، حيث إن 57 في المائة من الفلسطينيين يخشون من الأطماع الإسرائيلية للسيطرة على كامل التراب الفلسطيني وترحيل الفلسطينيين منها أو وضعهم تحت سياسة أبرتهايد. وقال 37 في المائة من الإسرائيليين إنهم يخشون من أطماع الفلسطينيين الذين يريدون دولة في حدود 1967 كمقدمة لدولة واحدة والقضاء على اليهود، وقال 17 في المائة من الإسرائيليين إنهم واثقون من أن الفلسطينيين يريدون تدمير إسرائيل.
ولكن، مع ذلك، قال 63 في المائة من الإسرائيليين و69 في المائة من الفلسطينيين إنهم يعارضون التسوية على أساس دولة واحدة للشعبين ويرون أن الحل الأفضل هو دولتان للشعبين على أساس حدود 1967 مع تبادل أراض.
وفي آخر استطلاع إسرائيلي، أجراه المعهد الإسرائيلي للديمقراطية في مطلع شهر أكتوبر (تشرين الأول) 2015، وسينشره في الأيام القريبة، جاء أن 46 في المائة من اليهود و57 في المائة من العرب يعتقدون أن حل الدولتين قد مات.
فكيف يفكر السياسيون والخبراء في هذا الموضوع؟ وهل هم أيضا يعتقدون أن حل الدولتين قد مات، وما هي الحلول البديلة عندهم؟

القرار بيد نتنياهو
في السادس والعشرين من أكتوبر (تشرين الأول)، عرض نتنياهو أمام لجنة الخارجية والأمن البرلمانية، توقعات متفائلة بشأن فرص التقدم السياسي مع الفلسطينيين. وقال: «أنا لا أريد دولة ثنائية القومية، بل أريد حل الدولتين، ولكن في المستوى المنظور في هذا الوقت، يجب السيطرة على كل الأرض». وحسب ما قاله بعض النواب الذين شاركوا في الجلسة فقد لمح نتنياهو إلى النقاش حول الذكرى العشرين لقتل رابين، وقال: «تجري هذه الأيام مقولات حول ما كان سيحدث لو بقي هنا شخص كهذا أو ذاك (رابين). لكن هذا ليس ذا صلة. توجد هنا تيارات دينية وإسلامية لا ترتبط بنا». وتوجه نتنياهو إلى نواب المعارضة وقال: «أنتم تعتقدون أنه توجد عصا سحرية ولكنني أرفض ذلك. يسألونني إذا كنا سنعيش إلى الأبد على حافة السيف - الجواب هو نعم». وتوجه النائب بتسلئيل سموطريتش (البيت اليهودي) إلى نتنياهو سائلا: «لماذا تتحدث أصلا مع أبو مازن؟ لماذا نضحك هكذا على كل العالم؟»، وأضاف زميله في القائمة يانون مغال: «لن تقوم دولة فلسطينية، يجب قول هذا بوضوح». ورد نتنياهو عليهما قائلا: «نحن لا نتحدث مع بن لادن وداعش، ولكنني سأتحدث مع من لا يدعو إلى إبادتنا». وأضاف نتنياهو أنه خلافا لما يقوله الكثير من رفاقه في اليمين، فإنه مستعد لتقسيم البلاد. ولكن المشكلة هي أن الجانب الثاني ليس مستعدا لذلك. وحسب رأيه فإن «نصف الفلسطينيين يخضعون لسيطرة الإسلام المتطرف الذي يريد إبادتنا. ولو جرت الانتخابات لديهم غدا فإن حماس ستنتصر».
بكلمات أخرى، قال نتنياهو إن تسوية الصراع تتم بحل الدولتين، ولكن هذا الحل بعيد عن التطبيق وإنه ما دامت توجد قوى إسلامية مسيطرة في المنطقة وليس فقط عند الفلسطينيين، فإنه لن يتقدم نحو هذا الحل. وحتى لو تقدم، فإنه يعد الإسرائيليين بأنهم سيعيشون إلى الأبد على الحراب.
صحيفة «هآرتس»، التي تقود المعارضة الإسرائيلية الجادة لسياسية نتنياهو، فسرت أقواله على النحو التالي: نتنياهو يتمسك بهذا الخط طوال فترة حكمه: موافقة كلامية على تقسيم البلاد، تميزه عن اليمين المتطرف وقادة المستوطنين، إلى جانب سياسة عملية تحبط إمكانية تحقيق هذا التقسيم. لقد رفض نتنياهو بشكل متواصل الحديث مع الفلسطينيين عن الحدود المستقبلية، وطالبهم بالاعتراف بالدولة اليهودية، وطور ووسع المستوطنات في الضفة الغربية، وعرض الرئيس الفلسطيني محمود عباس كمحرض وعدو. في الحياة الحقيقية، خارج خطاباته يبدي نتنياهو استعداده لإجراء محادثات واهية مع الفلسطينيين، أو «خطوات لتقليص الاحتكاك»، دون أن يتخلى عن السيطرة على الأرض. في تصريحه هذا الأسبوع، اعترف نتنياهو بالسيطرة الإسرائيلية المطلقة على كافة المناطق وأزال القناع المزدوج «للسيطرة الحربية المؤقتة» - الذي تعرضه الدولة منذ عشرات السنوات في المحكمة العليا - ولقيام السلطة الفلسطينية كمتمتعة ظاهرا بالحكم الذاتي وتدير شؤون السكان كما تدعي الدعاية الإسرائيلية. يمكن التوصل إلى استنتاج واحد فقط من معارضة نتنياهو للدولة الثنائية القومية: طالما تواصلت «سيطرة إسرائيل على الأرض» سيبقى ملايين الفلسطينيين في المناطق في مكانة متدنية كرعايا يفتقدون إلى حقوق المواطنة التي يتمتع بها دون أي عائق جيرانهم اليهود في المستوطنات. هناك اسم للنظام الذي وصفه رئيس الحكومة في رؤيته وهو «الأبرتهايد». تصريحات نتنياهو يجب أن تزعزع من يقلقون على مصداقية إسرائيل ومستقبلها - وأن توحدهم في جبهة إنقاذ قومي تعمل على استبدال السلطة» («هآرتس» - 29 أكتوبر - 2015).
المدير العام الأسبق لوزارة الخارجية الإسرائيلية، د. ألون لئيل، يقول لـ«الشرق الأوسط» إن «الطريق الذي يقوده نتنياهو يدل على نوايا خبيثة من جهة وعلى رسم طريق التدهور نحو جهنم من جهة ثانية. فهو يدفع ضريبة شفاه للمجتمع الدولي كي لا يتعرض للضغوط فيقول إنه يريد حل الدولتين. ولكنه، في الحقيقة يخاف من ضغط المستوطنين أكثر. فهؤلاء منحوه أصواتهم في الانتخابات الأخيرة. عشرات الألوف منهم تركوا الحزب الذي يمثلهم مباشرة (/البيت اليهودي/، برئاسة نفتالي بنيت)، ومنحوا أصواتهم مباشرة لليكود، وبهذه الطريقة فقط نجح نتنياهو في دورة إضافية في الحكم. إلا أنه بهذه الطريقة، يقود البلاد - شاء أم أبى - إلى حل الدولة الواحدة. وليس صدفة أن هناك قوى في اليمين، ولا أقول في اليمين المتطرف فحسب، بل أيضا في اليمين التقليدي، يوجد تيار قوي ويزداد قوة، يرى اليوم أن حل الدولة الواحدة هو الحل الأفضل للصراع. ومع أن في هذا التيار يوجد من يتحدث عن دولة ديمقراطية تتسم بالمساواة، إلا أن اليمين المتطرف يتحدث عن دولة أبرتهايد يكون فيها الفلسطينيون مواطنين من الدرجة الثانية، شركاء في التعايش ولكن ليس في الحكم».
أحد أبرز المنادين بحل الدولة الواحدة يعتبر الأب الروحي لنتنياهو، إذ كان أول من فتح الباب أمام الشاب (نتنياهو) لأن يدخل المعترك الحزبي ويدخل إلى عالم القيادة السياسية. إنه موشيه أرنس، الذي شغل منصب وزير الدفاع في الماضي. وأرنس كان قد عرض موقفه هذا بالتفصيل في حديث سابق مع «الشرق الأوسط»، فدعا إلى إحداث انعطاف في المفاوضات مع الفلسطينيين وهدم الجدار العازل بين إسرائيل والضفة الغربية، والتفاوض على دولة واحدة للشعبين، وعدم الخوف من إقامة دولة واحدة يعيش فيها اليهود والفلسطينيون معا. ولقيت دعوة أرنس، دعما من اليمين المتطرف في إسرائيل والمستوطنات. وقال أرنس، مفسرا دعوته: «في فترة موجة العمليات الكبيرة (يقصد عمليات التفجير في القدس وتل أبيب وغيرهما من المدن الإسرائيلية، التي نفذها فلسطينيون قدموا من الضفة الغربية)، اقتنع الجهاز السياسي بضرورة بناء جدار أمن من دون مبرر حقيقي. فقد كانت هناك حالة من الهستيريا في حينه، بعدما أصبحت تنفذ عملية كل يوم تقريبا، وأحيانا عمليتان. وفي ذلك الوقت خرج جهاز الأمن العام (الشاباك) ليستنتج، أنه من دون جدار لا يمكن وقف الإرهاب. وعندما تقول المخابرات هذا، أنت تقتنع فورا. والصحيح أنني اقتنعت أنا بذلك أيضا، ولكن من الواضح اليوم، أنه لا توجد علاقة بين الجدار وصد العمليات».
وأضاف أرنس: «من الواضح اليوم أن مساهمة الجدار في وقف العمليات تقترب من الصفر. فهو لا يوفر الأمن، وإنما يسبب أضرارا لصورة إسرائيل في العالم، ويصعب الحياة اليومية للفلسطينيين، بحيث لا يستطيعون الوصول إلى أراضيهم القائمة غرب الجدار». وأضاف: «أنا لا أريد أن يتحول الجدار مع الأيام إلى خط حدود سياسي». فهو لا يوافق على قيام دولة فلسطينية مستقلة، ومستعد لأن تكون هناك دولة واحدة للفلسطينيين والإسرائيليين، شرط ألا تشمل قطاع غزة. وقال إنه مستعد لأن تكون هذه الدولة ديمقراطية تماما يشارك فيها الفلسطينيون في التصويت للكنيست (البرلمان الإسرائيلي)، إذا كانوا يقبلون بأن تكون دولة الشعب اليهودي. وقال أرنس: «لا تبدو المفاوضات مع الرئيس محمود عباس مجدية، والرئيس أوباما بالتأكيد يفكر بطريقة أخرى، وعباس يكاد لا يتحدث باسم نصف الفلسطينيين. ولو كان الأردن على استعداد لاستيعاب أراض وسكان آخرين لكان ذلك أسهل، ولكن الأردن لا يوافق، ولذلك يمكن التوجه نحو إمكانية أخرى، وهي أن يسري القانون الإسرائيلي على الضفة الغربية، وأن يتم منح المواطنة الإسرائيلية لمليون ونصف المليون فلسطيني. أنا أدرك أن هناك من يخشى لدينا من أن تتحول إسرائيل إلى دولة (ثنائية القومية). أنا لا أخشى ذلك. إن إسرائيل باتت ثنائية القومية، وفيها اليوم 20 في المائة أقليات. فما المشكلة؟ نحن نتحدث عن دولة واحدة ديمقراطية، لا دولة أبرتهايد، بل دولة سيادة يهودية في واقع مركب، تكون ديمقراطية بلا احتلال وبلا حواجز، يستطيع اليهودي فيها أن يعيش في الخليل ويصلي في الحرم الإبراهيمي، كما يستطيع أن يكون الفلسطيني ابن رام الله سفيرا أو وزيرا وأن يعيش في تل أبيب أو يلعق البوظة على شاطئها».
ويحظى موقف أرنس بدعم من عدة شخصيات يمينية متطرفة، لدوافع مماثلة أو مختلفة، مثل عضو الكنيست يوني شطبون من حزب «البيت اليهودي»، الذي يقول إن «الجدار يرفع من حافزية الفلسطينيين لتنفيذ عمليات إرهابية، لكونه يبث رسالة ضعف وهزيمة ودفاع، ومثل هذه الرسالة تستدعي الإرهاب والهجمات». ويضيف أن «الجدار ساعد فعلا في صد موجة العمليات التفجيرية على المدى القصير، ولكن الضرر على المدى البعيد يفوق الفائدة».
وكانت نائبة نتنياهو في وزارة الخارجية، تسيبي حوطبيلي، قد نظمت، قبل أربع سنوات، حملة في الكنيست تحت شعار «البديل لحل الدولتين»، وطالبت علانية ولمرتين، بمنح المواطنة للفلسطينيين بشكل تدريجي. ونشر أوري أليتسور المدير العام للمجلس الاستيطاني في الضفة الغربية ومدير مكتب نتنياهو في ولايته السابقة، مقالا قبل عام، دعا فيه إلى البدء بعملية يمنح الفلسطينيون في نهايتها بطاقة الهوية الزرقاء، ورقما أصفر (للمركبات) وتأمينا وطنيا، وحق تصويت في الكنيست. كما أن إميلي عمروسي الناطقة بلسان المجلس الاستيطاني سابقا تشارك في لقاءات تجمع مستوطنين مع فلسطينيين، وتتحدث صراحة عن «دولة واحدة يسافر فيها ابن المستوطن مع الطفل الفلسطيني في حافلة واحدة».
وحتى رئيس الدولة، رؤوبين ريفلين، كان قد صرح قبل فترة، بأنه يفضل منح المواطنة للفلسطينيين سكان الضفة الغربية على تقسيم البلاد. وهو أيضا معروف بمعارضته إقامة دولة فلسطينية مستقلة إلى جانب إسرائيل ويعتبر حل الدولة أكبر تحد للشعب اليهودي ولا يرى مشكلة في الشراكة بين اليهود والفلسطينيين في دولة واحدة.
ولكن هذا الحل يعتبر كابوسا بالنسبة للغالبية الساحقة من المجتمع اليهودي. ففي اليسار والوسط واليمين يرفضون هذا الحل ويؤكدون أنه يدمر فكرة الصهيونية في جعل إسرائيل دولة يهودية ويبني دولة تبدأ بأكثرية يهودية صغيرة ثم تتحول إلى أكثرية عربية.
وأما الجمهور الإسرائيلي، فهو - وفقا لاستطلاع الرأي للمعهد الإسرائيلي للديمقراطية - منقسم على نفسه بصورة حادة: 46 في المائة يقولون إن وضع إسرائيل سيكون أفضل إذا تم تقاسم البلاد وقامت دولة فلسطينية إلى جانب إسرائيل، لكن هناك نسبة عالية أيضا (36 في المائة) للذين يطالبون بضم المناطق الفلسطينية إلى إسرائيل مع اعتبارها «دولة يهودية». وعندما سئلوا إن كانوا يؤيدون منح الفلسطينيين حقوقا متساوية لليهود في حال تم ضم الأراضي الفلسطينية، أجاب 66 في المائة بالرفض. وقال 87 في المائة إنه سيكون من الصعب على اليهود والعرب أن يعيشوا معا في دولة واحدة.
وسئلوا عن رأيهم في احتمالات تعرض إسرائيل إلى ضغوط دولية للقبول بحل الدولتين في حال استمرت الأوضاع كما هي اليوم، خصوصا أن الفلسطينيين يهددون بتسليم المفاتيح، فأجاب 73 في المائة بأن الفلسطينيين لن ينفذوا تهديدهم بتسليم المفاتيح وأجاب 48 في المائة بأنه لن يكون هناك تدخل دولي (41 في المائة قالوا إنهم يخشون من التدخل الدولي).

التدخل العسكري
إزاء هذه المعطيات، وعجز نتنياهو عن مواجهتها بخطوات جريئة تحدث الانعطاف المطلوب، يبرز موقف قيادة الجيش والمخابرات الإسرائيلية، المطالب بمبادرات سياسية. فقد حرص هؤلاء القادة على إبقاء موقفهم سريا واكتفوا بطرحه في المؤسسات الضيقة، كالمجلس الوزاري الأمني المصغر في الحكومة أو في اللجنة السرية للجنة الخارجية والأمن. ولكنهم في الآونة الأخيرة يحرصون على نشره على الملأ. ففي 23 أكتوبر ذكرت صحيفة «يديعوت أحرونوت» نقلا عن «مصادر عسكرية»، أن قادة الجيش والمخابرات أبلغوا رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، أن الهبة الفلسطينية الحالية لن تهدأ، حتى لو تم التوصل لاتفاق حول الأقصى، وأنه في غياب أفق سياسي واضح يحدث انعطافا في العلاقات بين الشعبين ستتحول هذه الهبة إلى انتفاضة واسعة. وقالت هذه المصادر إن الجيش الإسرائيلي بدأ يعد نفسه لوضع تستمر فيه الهبة الفلسطينية عدة شهور، مما يعتبره حرب استنزاف، مع أنه ليس معدا ليكون جيش قتال في حرب استنزاف.
وفي 28 أكتوبر، ألقى العقيد غاي غولدشطاين، نائب منسق عمليات الحكومة الإسرائيلية في الضفة الغربية، محاضرة علنية في نتانيا أطلق فيها رسالة الجيش بشكل صريح فقال إنه «من دون حل سياسي لن تهدأ الموجة الحالية من التوتر مع الفلسطينيين. ربما تخف وطأتها، لكنها لن تتوقف». وعلى نقيض ما يقوله نتنياهو، ذكر غولدشطاين أن الرئيس الفلسطيني، محمود عباس: «لا ينتهج سياسة تحرض على العنف والإرهاب، بل على العكس، هو يحاول التهدئة أيضًا، لكن من دون مبادرة لحل سياسي بين إسرائيل والسلطة الفلسطينية، لن يستطيع أحد وقف الموجة الحالية، بل إننا سنظل على فوهة برميل بارود لا أحد يستطيع تقدير نتائج انفجاره».
ويرى المراقبون أن الجيش قرر إخراج صوته إلى الملأ لأنه يعتقد بأن مواصلة النهج الحالي للحكومة سوف يقضي على حل الدولتين ويعيد المنطقة إلى التفكير بدولة واحدة تكون دولة أبرتهايد ولا تكون دولة يهودية. وعندما يتحرك الجيش في إسرائيل، لا بد أن يحدث شيء في السياسة المحلية.



ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
TT

ليبيا بعد سيف القذافي... أفُول «الخيار الثالث» وتمدّد الصراع

سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)
سيف الإسلام في خضم معركة ترشحه للانتخابات (وكالة أنباء الأناضول)

تغييب سيف الإسلام القذافي عن المشهد السياسي الليبي، ليس مجرد خروج لفاعل سياسي من «لعبة الكراسي» المتآكلة، بل هو إيذان بأفول «الخيار الثالث» الذي لطالما عُد، من وجهة نظر كثيرين، «القوة القادرة» على كسر ثنائية الصراع التقليدي بين شرق البلاد وغربها. وبسقوط هذا «الرهان»، لم تعد العملية السياسية في ليبيا تُقرأ بوصفها خريطة نفوذ انتخابي مقسّمة بين «الثلاثة الكبار» كما كانت. إذ زاد «زلزال» اغتيال سيف من تعقيدات المشهد المعقّد بالأساس، ما يؤثر أولاً على مسار «المصالحة الوطنية»، ومن ثم يمدّد الصراع السياسي ويطيل أمد عقد الانتخابات المأمولة.

هاتا تيتيه (وكالة الأنباء الليبية)

 

سيف الإسلام القذافي، الذي رحل عن عمر (53 سنة)، ظل ليبيون - من بينهم أنصاره - يعدونه الوجه الإصلاحي لنظام والده، والوريث المحتمل للسلطة، و«الخيار الثالث» في مواجهة المشير خليفة حفتر القائد العام لـ«الجيش الوطني»، وعبد الحميد الدبيبة رئيس حكومة «الوحدة الوطنية» المؤقتة في طرابلس.

أما الآن، فيتوقّع لهذه المساحة التي تركها «الخيار الثالث» خلفه أن تتحوّل إلى ساحة للصراع بين القوى المهيمنة التي تسابق الزمن لاستقطاب ما تبقى من هذا التيار، في محاولة لإعادة التوازن لمركب سياسي بات يغرق في لجة التجاذبات الإقليمية والجمود الدستوري.

مع هذا، يرى سياسيون ومحللون التقتهم «الشرق الأوسط» أن موت سيف «لن يترتب عليه أي شيء يتعلق بحلحلة الأزمة، ما دام بقيت الأطراف والأجسام السياسية الحالية تتصدر المشهد العام»، بينما يَعِدُ موالون لتياره بـ«لملمة شملهم والاصطفاف من جديد خلف قيادة مرتقبة».

مفترق طرق تاريخي

والحقيقة، أن ليبيا تقف اليوم عند مفترق طرق تاريخي؛ فإما أن يؤدي التشظي السياسي إلى ولادة بدائل وطنية جديدة تنقذ البلاد، وإما تظل الأوراق مبعثرة بانتظار معجزة تلمّ الشمل في مشهد لم يعد يحتمل مزيداً من المغامرات أو المماطلة.

فليبيا تعاني منذ إسقاط نظام معمر القذافي عام 2011، صراعاً مريراً على السلطة بين جبهتي غرب ليبيا وشرقها. وتسعى البعثة الأممية منذ قدومها إلى ليبيا من أجل العمل على تسوية سياسية بين الأطراف المتنازعة، من دون تقدم حتى الآن.

والمبعوثة الأممية هانا تيتيه تواصل مسارها التحاوري مع الساسة والنخب الليبية، سعياً من أجل التوصل إلى نتيجة قبل الاتجاه إلى مجلس الأمن الدولي في 18 فبراير (شباط) الحالي لتقديم إحاطتها الجديدة، بينما يتمسك المتحكمون في السلطة بـ«اشتراطاتهم» من أجل إجراء الانتخابات. كذلك يستبق ذهاب تيتيه إلى مجلس الأمن تعقيدات عدة تتحكم في المشهد العام، وتصلّب في المواقف بين رئيسي مجلس النواب و«الأعلى للدولة» عقيلة صالح ومحمد تكالة، فضلاً عن دم سيف المسفوح، الذي لم يُعلم - حتى الآن - قاتله، وسط استنتاجات عدة بتمدد الصراع وليس طيه.

بمناطق عدة في وسط وشمال وجنوب ليبيا، لا يزال أنصار سيف الإسلام والقبائل المحبّة له يتلقون فيها العزاء، آملين في «الاقتصاص لدمه» قريباً، وعاقدين العزم على «رصّ الصفوف من جديد». إذ ظلت مدينة الزنتان (غرب ليبيا) تأوي سيف القذافي منذ اعتقلته «كتيبة أبو بكر الصديق» في نوفمبر (تشرين الثاني) عام 2011، وبقي تحت حمايتها حتى سقط قتيلاً بعد اغتياله مساء 3 فبراير الحالي.

التحقيق في الاغتيال

النيابة العامة في طرابلس فتحت تحقيقاً في مقتل سيف. إذ أوفد مكتب النائب العام الصديق الصور فريقاً يضمّ أطباء شرعيين وخبراء إلى الزنتان وفحصوا جثته، التي أفادت تقارير غير رسمية بأنها تلقت 18 رصاصة.

وخلّفت جنازة سيف الحاشدة، التي احتضنتها مدينة بني وليد، حالة من التجاذب الحاد؛ فالأنصار - ومن بينهم شقيقه الساعدي - عدّوها «استفتاءً شعبياً ووطنياً على شعبية الرجل الذي فاز بالانتخابات وهو ميت»، بينما رآها المعارضون «صُنعت على مواقع التواصل وبواسطة الذكاء الاصطناعي».

«التهويل» و«التهوين» اللذان اكتنفا الجنازة عكسَا قدراً من الاحتقان المتراكم والمرشح للظهور أكثر في مقبل الأيام، الأمر الذي استدعى الشيخ علي أبو سبيحة، رئيس الفريق السابق لسيف القذافي بملف «المصالحة الوطنية»، للدخول على خط الأزمة. أبو سبيحة عدّ «الجموع الزاحفة» لحضور جنازة سيف، أنها «تريد القول بصوت واحد للذين يحلمون بسقوط مشروعه: أنتم واهمون»، مصعداً من حديثه توبيخاً دون أن يأتي على اسم أحد: «لقد سقط مشروعكم بإذلال الشعب الليبي وتفتيته ورهن خيراته وإرادته وحريته واستقلاله لأعدائه».

إرباك المشهد السياسي

كان ظهور سيف الإسلام - بعد اختفائه لدى الزنتان قرابة 10 سنوات، لتقديم ملف ترشحه للانتخابات الرئاسية عام 2021 - قد تسبب في إرباك المشهد السياسي وحسابات «خصومه». وفي هذه الأثناء، طعنت مفوضية الانتخابات بترشحه، لكن بعد مداولات ومظاهرات من أنصاره قضت محكمة سبها (جنوب ليبيا) برفض الطعن وإلزامها بإعادته إلى السباق، علماً بأن الانتخابات أُجلت بداعي وجود «قوة قاهرة» حالت دون استكمالها.

حينها، قال عماد السايح، رئيس المفوضية، إن عقبات أمنية وقضائية وسياسية شكّلت «قوة قاهرة» منعت عقدها في موعدها، مشترطاً زوالها ومصادقة مجلس النواب لإجرائها، وذلك بالنظر إلى وجود ما سميت «شخصيات جدلية» أرادت خوض السباق الانتخابي.

أما الآن، بعد خروج سيف من دائرة الضوء، لم يتبقَّ من تلك الشخصيات، وفق مراقبين، سوى رئيس حكومة «الوحدة»، بالإضافة إلى القائد العام لـ«الجيش الوطني». ويسود اعتقاد لدى بعض المتابعين أنه برحيل سيف الإسلام، زالت إحدى العقبات التي كانت تعترض إجراء الانتخابات في ليبيا، لكن هذه النظرة التفاؤلية تصطدم بواقع يكرّسه العداء والجهوية و«الدم الجديد» الذي سال في مكان قصي بالزنتان.

محللون كثيرون، منهم ناصر أبو ديب، يرون أن الوضع في ليبيا بعد موت سيف لا يختلف عما قبله، ويعتقدون أن الأمر «سيبقى على ما هو عليه» ما دام ارتبط بـ«سلطة الأمر الواقع». بل إن محمد عمر بعيو، رئيس المؤسسة الليبية للإعلام التابعة للحكومة المكلفة من مجلس النواب، وصف الوضع في ليبيا بأنه «عدميٌّ وعبثيٌّ». ودافع بعيو عن وجهة نظره في حوار مع «الشرق الأوسط» بأنه «لا يوجد شيء يسمى كتلة النظام السابق، وأن سيف الإسلام كان يمثل نتوءاً للغاضبين». وأردف: «هؤلاء ليسوا كتلة بقدر ما هم حالة هلامية، ومَن حضر جنازته ليسوا ملايين بقدر ما كانوا 20 ألفاً على الأكثر». ثم تابع: «لم يكن لدى سيف أي حظوظ لحكم البلاد؛ وليبيا لن يحكمها أحد بعد معمر القذافي؛ وكنت أقول هذا الكلام وهو على قيد الحياة... وأعتقد الوضع في ليبيا سيظل هكذا في حالة سيولة بعيداً عن سلطة موحدة؛ فالدولة لن تتشكل في المدى المنظور، وستكون البلاد ساحة صراعات دولية وتصفية حسابات».

الأسرة القذافية... والولاءات المحلية

تنتمي أسرة القذافي إلى مدينة سرت (وسط ليبيا) الخاضعة حالياً لحكم المشير حفتر، في حين تقع مدينة بني وليد في (شمال غرب)، وكان سيف الإسلام يحظى فيها بدعم اجتماعي وسياسي.

وظلّ فريق سيف القذافي - الذي يقوده أبو سبيحة - منخرطاً في كل الفعاليات السياسية المتعلقة بـ«المصالحة الوطنية» حتى قبل اغتيال سيف بقرابة شهر، إذ حضر الاحتفال الذي عقده المجلس الرئاسي في 7 يناير (كانون الثاني) الماضي للتوقيع على «الميثاق الوطني للمصالحة».

راهناً، يتخوّف متابعون من عودة العنف السياسي على خلفية غضبة موالين لسيف، خصوصاً إذا ما عُرف الطرف الذي قتله، لكن هذا التخوّف يترجم إلى معطى آخر يتمثل في تعطّل مسار «المصالحة» الذي كان يشارك فيه أنصاره، وهو ما يراكم الضغينة والغضب في النفوس.

وحقاً، تتصارع في المشهد الليبي المعاصر عدة تيارات آيديولوجية وسياسية، يسعى كل منها لفرض رؤيته وتثبيت سيطرته على مفاصل الدولة، ما خلق حالة من الاستقطاب الحاد. وتتوزّع الولاءات في ليبيا بين ثلاث كتل رئيسية تمثل محطات مفصلية في تاريخ البلاد الحديث، هي:

- التيار «السبتمبري» أو «الخضر»، وهم الموالون لنظام القذافي.

- تيار «17 فبراير» وتمثله القوى التي ثارت عام 2011، وترفض أي عودة لحكم الفرد أو «النظام الجماهيري».

- وتيار «الكرامة»، وهو التكتل الذي يلتف حول عملية الكرامة والقوات المسلحة بشرق ليبيا.

وهنا يسلّط أبو ديب الضوء على الوضع الراهن، معتقداً أن ليبيا «لن تشهد أي حلحلة سياسية ما دام بقيت ما تسمى (الأجسام الفاعلة في المشهد) التي تحرك الخيوط في شرق البلاد وغربها»، ومن ثم تُمدِّد الصراع، وقال إن «سيف القذافي على مدى 15 عاماً لم يفعل شيئاً، ولم يقدم مشروعاً سياسياً لوطنه». وأضاف: «الأجسام الموجودة في المشهد تعطّل أي حراك سياسي، وتبدد أي نقطة ضوء في الأفق البعيد؛ وبالتالي أعتقد أن المشهد سيبقى على ما هو عليه».

«ليبيا الغد»

جدير بالذكر، أن سيف الإسلام القذافي أطلق مشروع «ليبيا الغد» قبل عام 2011 بوصفه رؤية إصلاحية شاملة لبناء دولة حديثة عبر مشاريع تنموية، تتضمن جامعات ومناطق حرة، أبرزها تطوير «زوارة - رأس أجدير». وهو المشروع الذي توقف بسقوط نظام والده.

ويرجع أبو ديب خلال كلامه إلى «الشرق الأوسط» إشكالية ما يجري في بلده «إلى الليبيين أنفسهم؛ وتأزّم الأمر بوجود بعثة الأمم المتحدة وما تسميه الحوار المهيكل، والتدخلات الأميركية من جهة ثانية، وصفقات البيزنس»، ويزيد: «لن تكون هناك حلحلة سياسية بوجود هذه الأطراف، بل أعتقد أن المسألة ستزداد تعقيداً».

وانتهى أبو ديب إلى أن «الخيار الثالث ذهب دون رجعة؛ ولن يجد أنصار سيف رمزية يضعونها في المقدمة لصعوبة التوافق على شخصية يمكن أن تقود هذا الخيار. فبمقتل سيف انتهى هذا الخيار، وسيذوب المؤيدون في المجتمع الليبي من أجل الإصلاح».

هذا، ولا تزال في ليبيا مدن عدة على ولائها للنظام السابق، من بينها سرت (في الوسط) وبني وليد (شمال غرب)، بالإضافة إلى غات وأوباري (جنوباً) وزليتن وصبراتة (غرباً). وكل عام تلوّح بصور القذافي ونجله سيف الإسلام، والرايات الخضراء المعبرة عن الحقبة «الجماهيرية» أثناء الاحتفال بـ«ثورة الفاتح». ويُعتقد تصادم أصحاب هذه المشاريع الثلاثة وهم: «السبتمبريون» و«الفبرايريون» و«الكرامة». يبقى الصراع على السلطة هو المحرك الأساسي الذي يعيق الوصول إلى توافق وطني شامل يجمع شتات هذه التوجهات تحت مظلة دولة مدنية واحدة. ويخلص الدكتور مصطفى الزايدي، رئيس حزب «الحركة الوطنية» أمين «اللجنة التنفيذية للحركة الشعبية» إلى أن جريمة اغتيال سيف الإسلام سيكون لها تأثير مدمر على عملية «المصالحة الوطنية»، ذلك أن «الرصاصات الغادرة التي أُطلقت عليه أصابت، فيمن أصابت، مشروعَ المصالحة الذي رُفع كشعار من كثير من القوى الوطنية للخروج من المأساة التي سببتها (مؤامرة 2011) على ليبيا والليبيين».

وأضاف الزايدي في مقال لصحيفة «الموقف الليبي» عن أن «نسبة كبيرة من (الخضر)، وفي مقدمتهم الشهيد الدكتور سيف الإسلام، صدَّقوا أو تقبَّلوا لأسباب أخلاقية، كذبة روّجها المجتمع الدولي بأن انتخابات حرة ونزيهة قد تكون نقطة البداية لعملية مصالحة تاريخية، هدفها مساعدة الليبيين في طيِّ ملف الأزمة». واختتم: «لكن مع مضي الوقت ثبت أن ذلك لم يكن سوى دعاية في محاولة لمكياج وجه المؤامرة، وإعادة تقديمها في صورة مقبولة لليبيين».

 

حقائق

ليبيا: جرائم كثيرة... و«الفاعل مجهول»

اتسعت قائمة الجرائم التي تعذّر التوصل إلى مرتكبيها في ليبيا لتشمل فئات متنوعة من المجتمع، بجانب عمليات الإخفاء القسري منذ إسقاط النظام السابق في عام 2011، لكنها تبرز نمط «الإفلات من العقاب» الذي ساد في فترات كثيرة.

وخلال الحروب والمعارك التي شهدتها ليبيا، حدثت اشتباكات واسعة وانتهاكات ضد المدنيين أدّت إلى قتل واختفاء عشرات الأشخاص في مناطق متعددة، وأحياناً بقيت هويات من ارتكبوا أعمال القتل مجهولة بسبب تداخل الجماعات المسلحة وتغيّر السيطرة على الأراضي. واستهلت عملية الاغتيالات في ليبيا بمقتل اللواء عبد الفتاح يونس رئيس أركان الجيش الوطني الليبي الأسبق عام 2011، في ظروف غامضة بعد استدعائه للتحقيق، رغم وجود اتهامات لجهات معينة، من بينها ما كان يسمى «مجلس شورى ثوار بنغازي». وفيما يلي بعض أبرز جرائم الاغتيال:

- عام 2013: اغتيال المحامي والناشط السياسي عبد السلام المسماري، في مدينة بنغازي.

- عام 2014: اغتيال كل من الصحافية نصيب ميلود وخطيبها في مدينة سبها. ومفتاح بوزيد رئيس تحرير صحيفة «برنيق»، وسلوى بوقعيقيص المحامية والناشطة الحقوقية البارزة في بنغازي. والشيخ محمد بن عثمان في مصراتة. وفريحة البركاوي عضو «المؤتمر الوطني العام» السابقة، في درنة.

- عام 2016: اختطاف الشيخ نادر العمراني عضو دار الإفتاء بطرابلس، وتصفيته في ظروف غامضة.

- عام 2019: تصفية عضوة مجلس النواب سهام سرقيوة في بنغازي.

يضاف إلى ما سبق، صُدم المجتمع الليبي عام 2025 إثر مشاهدة مقاطع مصورة «مسربة» للنائب إبراهيم الدرسي، وهو على ما يبدو معتقلاً في زنزانة، والأغلال معلقة في عنقه، وكانت أسرته أعلنت عن خطفه في 18 مايو (أيار) 2024 من منزله ببنغازي، ومذاك التاريخ لم يكشف عن مصيره ولا عن الجناة.

 


أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
TT

أنطونيو سيغورو... اشتراكي معتدل كبح فوزه مؤقتاً زحف اليمين المتطرف على البرتغال

يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة
يشكّل انتصار سيغورو عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد 20 سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية على رأس الدولة

منذ الأحد الماضي، تهبّ على البرتغال «رياح ثورية» جديدة، فيها من نكهة «ثورة القرنفل» التي أطاحت ديكتاتورية الدكتور أنطونيو سالازار في ربيع عام 1974 من غير إطلاق رصاصة واحدة، وتجدّد الأمل المتلاشي منذ سنوات في تغليب الخطاب السياسي المعتدل والجامع على جموح التطرّف اليميني والشعبوي الذي يهدد بإعادة أوروبا إلى عهد الظلمات الذي قطّع أوصالها في النصف الأول من القرن الفائت. هذه الرياح الثورية الجديدة تحمل اسم الاشتراكي أنطونيو خوسيه سيغورو، الذي كان غائباً عن المشهد السياسي البرتغالي مند عشر سنوات، لكنه عاد ليقرّر، ضد رغبة القيادات التاريخية للحزب، خوض الانتخابات الرئاسية التي أجريت دورتها الثانية مطلع هذا الشهر. وهذا ما حصل، بالفعل، وحقق سيغورو فوزاً كاسحاً على منافسه الشعبوي أندريه فنتورا، حامل لواء اليمين المتطرف والمفعم بالحنين إلى الحقبة الديكتاتورية التي طوى البرتغاليون صفحتها منذ خمسين سنة.

ثمة انتصارات عدة في الانتصار الذي حققه أنطونيو سيغورو، الأحد الماضي، في انتخابات البرتغال الرئاسية، منها: انتصار الأسلوب التوافقي الرزين على أسلوب التفرقة والتحريض الذي اتسم به الخطاب اليميني والشعبوي المتطرّف. ومنها أيضاً انتصار النهج اليساري الوسطي الذي يواجه أصعب مراحله في البرتغال منذ سقوط الحكم العسكري، ويعاني من تراجع مطّرد على امتداد المشهد السياسي الأوروبي. وهذا، ناهيك من انتصار الرجل الذي قرّر وحده الإبحار عكس رياح حزبه وخاض معركته منفرداً ضد الزعامات الاشتراكية الراسخة.

بالتالي، ليس مستغرباً أن قوى وأوساطاً أوروبية عدة، يسارية ومحافظة، سارعت إلى الإعراب عن ارتياحها لهذا الفوز، كونها ترى فيه تباشير انعطاف في المشهد السياسي الأوروبي القلق من تمدّد اليمين المتطرّف الذي بات يدقّ أبواب الحكم في أكثر من عاصمة.

النشأة والمسيرة

أبصر أنطونيو خوسيه سيغورو النور قبل 63 سنة في واحدة من أفقر القرى البرتغالية. وكان قد قرر العودة إليها عام 2014 عندما تخلّى عن النشاط السياسي بعدما خسر الانتخابات الأولية في حزبه ضد أنطونيو كوستا، الرئيس الحالي للمجلس الأوروبي.

تلك كانت معركة قاسية جداً، بل من أبشع المعارك التي دارت داخل «البيت الاشتراكي» البرتغالي، شبيهة بتلك التي دارت ذات يوم بين الزعيم التاريخي خورخي سامبايو وأنطونيو غوتيريش، الأمين العام الحالي لمنظمة الأمم المتحدة. ويومذاك انتهت بشرخ حزبي عميق بقيت آثاره حتى اليوم، وساعدت اليمين المتطرف على مواصلة صعوده.

سيغورو تولّى حقائب وزارية عدة في الحكومات الاشتراكية السابقة، وكان عضواً في البرلمان الأوروبي. وهو ينتمي إلى «تيار» غوتيرّيش الذي سبق أن ترأس عدة حكومات برتغالية نهجت خطاً يسارياً معتدلاً، وتميّز بالانفتاح على الحوار مع القوى الأخرى. وعندما وقعت البرتغال تحت وطأة الأزمة المالية والاقتصادية الطاحنة - وكانت حينذاك تخضع لحكومة يمينية محافظة - أيّد سيغورو التدابير التقشّفية القاسية التي فرضها الاتحاد الأوروبي وصندوق النقد الدولي والبنك الدولي. وبرّر موقفه هذا بأن رئيس الوزراء الاشتراكي السابق جوسيه سقراط هو الذي كان تقدّم بطلب المساعدة من المؤسسات الدولية للخروج من الأزمة. وأطلق يومها عبارته الشهيرة التي تحولّت إلى شعاره السياسي الذي خاض به الانتخابات الرئاسية؛ إذ قال: «الحوار هو الأداة الأساسية لأي عمل سياسي».

لغة الحوار

من ثم، لعل انفتاح سيغورو الدائم على الحوار كان السبب الرئيس في حصوله على دعم قوى سياسية أخرى، من كتل اليمين واليسار؛ إذ أيّده كل من الرئيس اليميني السابق هنيبعل كافاكو سيلفا، والمرشح الشيوعي أنطونيو فيليبي الذي نافسه في الجولة الأولى. لكن الأغرب من ذلك كان الدعم الذي حصل عليه من أنصار رئيس المجلس الأوروبي والأمين العام السابق للحزب الاشتراكي، أنطونيو كوستا، الذي يعدّ ألدّ خصومه السياسيين داخل الحزب منذ سنوات. وكان كوستا قد سرّب عشية الانتخابات قراره دعم سيغورو، رغم تمايز الأخير عن نهجه، مردّداً: «كوستا يمثّل رجال الأعمال والشركات داخل الحزب الاشتراكي».

ما يُذكر أنه عندما أعلن سيغورو، مطالع الصيف الماضي، ترشحه للانتخابات الرئاسية، واجه معارضة واسعة وشديدة داخل الحزب الاشتراكي الذي ما زال يخضع لتأثير قوي من أنطونيو كوستا والقيادات الموالية له. إلا أن إصراره على الترشّح سواء بتأييد من الحزب أو من دونه، دفع معارضيه إلى التراجع، خاصة أن الشخصيات الاشتراكية النافذة فشلت في التوافق حول مرشح آخر، بل ربما لأن حظوظ أي مرشح اشتراكي في الفوز بدت شبه معدومة، كما كانت تظهر استطلاعات الرأي.

التدريس بعيداً عن السياسة

خلال السنوات الـ12 التي انكفأ سيغورو طيلتها عن العمل السياسي، انصرف إلى التدريس في جامعة لشبونة المستقلة والمعهد العالي للعلوم الاجتماعية والسياسية. وأسّس عدة مؤسسات صغيرة للسياحة الريفية والتصنيع الزراعي في مسقط رأسه بيناماكور. إلا أنه لمح بعد إعلان فوزه في الانتخابات أنه سيتخلّى عن أنشطته التجارية قبل تسلّم مهامه، مدركاً أن الحكومة السابقة التي شكّلها اليميني لويس مونتينغرو بعد هزيمة الاشتراكيين الأخيرة، إنما سقطت بسبب تضارب المصالح الذي نشأ عن إبقائه على المؤسسة العائلية التي كان يديرها بعد توليه رئاسة الحكومة.

لكن يبدو سيغورو مصراً على ألا يتخلّى عن حياته العائلية العادية؛ إذ أفاد بأن زوجته ستواصل نشاطها المهني في إدارة الصيدلية التي تملكها في العاصمة، وأنه لن يقيم في قصر بيليم (بيت لحم) الرئاسي إلا في الحالات الاستثنائية، بل سيقيم في منزله الواقع على بعد 90 كيلومتراً من لشبونة.

وللعلم، الرئيس المنتخب أمضى الأسبوعين الأخيرين من حملته الانتخابية في زيارات إلى المناطق المنكوبة بسبب الأعاصير المتلاحقة التي ضربت البرتغال وما زالت تداعياتها الكارثية ظاهرة إلى اليوم. ولقد وعد بتخصيص قدر كبير من اهتمامه في الأسابيع الأولى من ولايته لمتابعة ملف الأضرار التي نجمت عن تلك الأعاصير.

فوز تحدّى التوقعات

أبرز ما في الفوز الذي حققه سيغورو، ضد كل التوقعات، كان حصوله على ضعفي الأصوات التي نالها في الجولة الأولى من الانتخابات. وهو ما يؤكد تضافر الغالبية الساحقة من الناخبين لتأييد مرشح رئاسي يحترم قواعد اللعبة الديمقراطية بمواجهة منافسه الشعبوي المتطرف فنتورا، الذي أظهر غير مرة مناسبة ازدراءه بهذه القواعد واستعداده لتجاوز الأحكام الدستورية من أجل تحقيق أهداف مشروعه السياسي.

ناهزت حصيلة سيغورو 67 في المائة من الأصوات، بينما لم يتعدّى فنتورا الـ33 في المائة، مع أن هذا الأخير كان جمع في الجولة الأولى نسبة 31 في المائة متقدماً على 11 مرشحاً.

انعكاسات وتوقعات

في تصريحاته الأولى بعد الفوز، أعرب سيغورو عن شديد تأثره بالدعم الواسع الذي ناله من «الناخبين الذين يحرصون على القيم والمبادئ الدستورية التي رسختها ثورة القرنفل»، مذكراً ومفتخراً بانتمائه إلى الطبقة المتواضعة. وقال إن الغالبية التي صوّتت له أصبحت اليوم مجمل الشعب البرتغالي، وكرّر ما ردده مراراً خلال الحملة الانتخابية: «أنا حرّ، أعيش حياتي من غير مَراسٍ، وحريتي هي ضمان استقلاليتي». وكذلك شدّد على التزامه الثابت بـ«ثقافة الوفاق» لمعالجة المشاكل التي تعاني منها البلاد، معترفاً بأن نتيجة الاقتراع تجاوزت توقعاته.

وحقاً، يشكّل انتصار سيغورو أيضاً عودة الاشتراكيين إلى رئاسة الجمهورية بعد عشرين سنة من التعاقب المتوالي لشخصيات يمينية محافظة على رأس الدولة، لكنه بالتأكيد ليس انتصاراً للحزب الاشتراكي. أولاً، لأن الترشيحات لمنصب رئيس الجمهورية لها طابع شخصي وليست حزبية بموجب الدستور. وثانياً لأن ترشح سيغورو كان مرفوضاً في المرحلة الأولى من القيادات الاشتراكية.

واللافت أن اعتراض زملائه على ترشحه في البداية، تبدّد فور إعلان فوزه؛ إذ سارع الجميع إلى إعلان اصطفافهم بجانبه، بينما كان هو يؤكد طي صفحة الماضي بقوله: «ما يهمني هو المستقبل الذي سنبنيه معاً».

في المقابل، لا شك في أن هذا الفوز يعطي جرعة زائدة من التفاؤل للحزب الاشتراكي الذي يمرّ في أصعب مرحلة من تاريخه، لا سيما بعد الهزيمة القاسية التي تعرّض لها في الانتخابات العامة الأخيرة عندما حلّ في المرتبة الثالثة، وراء حزب «شيغا» اليميني المتطرف الذي أسسه فنتورا عام 2019.

وكان أوّل المحتفلين بفوز سيغورو، زعيم الحزب الاشتراكي جوزيه لويس كارنيرو، الذي وصف هذا الفوز بأنه انتصار «لجميع الديمقراطيين وللحقوق الدستورية»، ونوّه بالدعم الواسع الذي حظي به سيغورو خارج الدائرة الاشتراكية، بدليل نيله دعم العديد من الشخصيات اليمينية.

وعلى غرار ما فعل خلال الحملة الانتخابية، تعهّد سيغورو باحترام الولاء الدستوري للحكومة التي يقودها اليميني لويس مونتينغرو. وقال إنه لن يقف حجر عثرة في وجه تنفيذها برنامجها، لكنه نبّه إلى أنه سيكون حازماً في مطالبتها بالحلول الناجعة للمشاكل الاقتصادية والاجتماعية، وكان تفاقم بعضها بفعل الأعاصير الشديدة التي ضربت البرتغال خلال الأسابيع المنصرمة، وأحدثت دماراً واسعاً في المصانع والمحاصيل الزراعية والبنى التحتية. وشملت الخسائر وفاة العشرات وتشرّد الآلاف من المواطنين، ما استوجب تدخل القوات المسلحة إلى جانب أجهزة الدفاع المدني والإسعاف.

وفي المقابل، لقد أكد الرئيس المنتخب أنه لن يصادق على مشروع تعديل قانون العمل الذي وضعته الحكومة ولاقى معارضة شعبية واسعة انتهت بإضراب عام شلّ الحركة في البلاد.

أما فنتورا، فقد سارع من ناحيته إلى الاعتراف بفوز سيغورو، لكنه اعتبر أن نيله أكثر من ثلث الأصوات يشكّل إنجازاً بحد ذاته؛ لأنه كان يواجه «كل المنظومة التي أعلنت الحرب» ضد ترشحه.ويطمح فنتورا، الآن، من خلال هذا التأييد الذي ناله إلى تجاوز شعبية التحالف الحاكم بقيادة رئيس الحكومة مونتينغرو، ثم تشكيل الحكومة بعد الانتخابات المقبلة، معتبراً أن حصوله على 1.7 مليون صوت بعد ست سنوات فقط من تأسيس «شيغا»، يمنحه الحق في قيادة اليمين البرتغالي، ومتوقعاً الوصول إلى سدة الحكم قريباً.


«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
TT

«ثورة القرنفل» البرتغالية... في ذكراها السنوية الـ50

الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)
الزعيمان اليساريان البرتغاليان السابقان ماريو سواريش (يمين) وآلفارو كونيال في صورة جامعة لهما (تي في آي)

شاعت تسمية «ثورة القرنفل» (Revolucao dos Carvos) على الانقلاب العسكري الذي أطاح النظام الديكتاتوري في البرتغال الذي كان يُعرف باسم «الدولة الجديدة»، وكان يحكم سيطرته على البلاد منذ عام 1926. أما سبب التسمية فكان أن الضبّاط والجنود الذين نفّذوا الانقلاب - والذين ينتمون إلى «تيار القوات المسلحة» - كانوا يجوبون شوارع العاصمة لشبونة صباح 25 أبريل (نيسان) 1974 واضعين أزهار القرنفل في فوهات بنادقهم ومدافع دباباتهم، بعدما أسقطوا النظام من غير إطلاق رصاصة واحدة.

ذلك الانقلاب قادته مجموعة من الضباط الشيوعيين واليساريين الذين سئموا الحروب التي زجّهم فيها النظام ضد الانتفاضات الشعبية والحركات المسلحة في المستعمرات البرتغالية. ولقد كانت إشارة انطلاقه أغنية بعنوان «وبعد الوداع» منتصف ليل 24 أبريل.

كان الانقلاب بداية مسار سريع تمخّض عن إعادة النظام الديمقراطي، وإجراء أول انتخابات حرة في العام التالي. وقبل نهاية ذلك العام، كانت جميع مستعمرات البرتغال في أفريقيا وآسيا؛ أي أنغولا والرأس الأخضر وغينيا بيساو وموزامبيق وسانتو تومي/ برنسيبي وتيمور الشرقية، قد نالت استقلالها. وبجانب ذلك تنازلت السلطة البرتغالية الجديدة عن جزيرة ماكاو لصالح الصين الشعبية (التي ضمّت الجزيرة رسمياً إليها عام 1999).

بعد أيام قليلة من إسقاط الديكتاتورية أطلق الانقلابيون سراح جميع المعتقلين السياسيين، وعاد الزعماء المنفيون في الخارج، يتقدّمهم الاشتراكي ماريو سواريش، والشيوعي آلفارو كونيال، اللذان لعبا دوراً سياسياً رئيساً في السنوات اللاحقة.

بعدها حاول الضباط الشيوعيون في الحركة الانقلابية توجيه دفّة التغيير نحو نظام اشتراكي إثر تأميم القطاع المصرفي بكامله، ومعظم الشركات الصناعية الكبرى. ولكن في الانتخابات الأولى التي أُجريت ربيع العام التالي كان الفوز حليف الاشتراكيين الديمقراطيين الذين كانوا يتمتعون بدعم من الحزب الديمقراطي الاجتماعي (الاشتراكي) في ألمانيا، ومن الحزب الاشتراكي الفرنسي.

وفي خريف عام 1975 فشلت مجموعة من الضباط الشيوعيين في محاولتها لقلب النظام، فأجرت الحكومة حملة تطهير واسعة في صفوف القوات المسلحة؛ أبعدت الشيوعيين عن المراكز القيادية، وأحالت المسؤولين عن المحاولة الانقلابية إلى المحاكمة.

وكان من الطبيعي أن يكون لـ«ثورة القرنفل» تأثير على الوضع في «الجارة» إسبانيا، حيث كان النظام الديكتاتوري يعيش مرحلة صعبة مع تدهور صحة الجنرال فرنشيسكو فرنكو، وبات يخشى تكرار التجربة البرتغالية التي شكّلت قفزة نوعية في الانتقال السلمي والسريع إلى الديمقراطية.

وهذا ما حصل فعلاً بعد وفاة فرنكو خريف عام 1975؛ إذ انتقلت إسبانيا بشكل سلمي إلى نظام ملكي دستوري، في عملية انتقال مثالية أصبحت مادة تدرّس في العديد من كليات العلوم السياسية في العالم.