استعادة قلعة نجم التاريخية في محافظة حلب من تنظيم داعش

تعتبر من أجمل القلاع الأثرية.. وكان الخليفة المأمون يمارس فيها هوايته في علم الفلك

استعادة قلعة نجم التاريخية في محافظة حلب من تنظيم داعش
TT

استعادة قلعة نجم التاريخية في محافظة حلب من تنظيم داعش

استعادة قلعة نجم التاريخية في محافظة حلب من تنظيم داعش

تعد مدينة حلب من أهم المدن السورية التاريخية التي تعاقب عليها ومنذ آلاف السنين كثير من الحضارات، وخلفت وراءها المئات من أبرز المعالم التاريخية، وتأتي في مقدمتها قلعتها الضخمة وأسواقها المسقوفة، والتي يزيد طولها على خمسة عشر كيلومترًا في وسط المدينة، حيث سجلت في موسوعة «غينيس» للأرقام القياسية بوصفها أكبر وأطول أسواق قديمة في العالم. كما سجلت قلعتها في الموسوعة نفسها بوصفها أكبر قلعة تاريخية في العالم.
وتم قبل عدة أيام تحرير واستعادة قلعة نجم الأثرية التاريخية التي تقع في محافظة حلب على الضفاف الشرقي لنهر الفرات، التي كان يسيطر عليها تنظيم داعش الإرهابي، حيث عانى موقع القلعة من حفريات وتنقيبات لا شرعية من قبل لصوص وعصابات الآثار، كما ذكرت التقارير الواردة من هناك أن أعمال الحفر تركزت في الجهة اليمنى من القلعة باستخدام التركسات الثقيلة، وذلك بحثًا عن الآثار كما طالت التنقيبات السرية عددًا من المواقع الأثرية أمام القلعة وفي جهة البحيرة التابعة لها، وسبقتها أيضًا أعمال حفر وتنقيب سري في موقع الكنيسة الواقعة في الجهة الجنوبية من القلعة.
وقالت مصادر مديرية الآثار السورية لـ«الشرق الأوسط» إن داعش استخدمت القلعة أثناء سيطرتها عليها لأغراض عسكرية وإدارية، ومن خلال الشهادات الأولية المتوفرة لدى مديرية الآثار منذ أشهر فإن وضع القلعة ليس سيئًا ولكن كان هناك محاولات للتنقيب الغير شرعي فيها، حيث لم يجد اللصوص شيئًا لأنه لا يوجد في القلعة كنوز ومقتنيات أثرية. وأضاف المصدر «قد فرحنا عندما علمنا بتحرير القلعة وأنها لم تتحول لساحة معركة، وسيتم إرسال فريق أثري خلال الأيام القليلة المقبلة لتشخيص واقع القلعة، وإذا كان هناك أضرار سنعمل على إصلاحها والقيام بأعمال ترميم سريعة».
وتعتبر قلعة نجم من أجمل القلاع التاريخية في سوريا، حيث تقع على ضفاف النهر وعلى مسافة نحو 115 كلم شمال شرقي مدينة حلب عاصمة الشمال السوري وعلى مسافة 30 كلم عن مدينة منبج التابعة لمحافظة حلب، وتقع القلعة التي تتميز بعمارتها الجميلة والمكتملة وموضعها على تل مرتفع يعلو نحو 68 مترًا عن منسوب النهر ونحو 377 مترًا عن سطح البحر. وتعود القلعة للعصر الروماني، حيث أطلق عليها الرومان اسم (كايسيليان) وهي تتبوأ مركزًا استراتيجيًا من خلال كونها محطة للعبور على طريق حلب - حرّان ومنها إلى بلاد الرافدين، وقد بنيت لحماية الممر الاستراتيجي المهم الذي يربط مناطق البحر المتوسط ببلاد الرافدين وجنوب الأناضول بمناطق سوريا الداخلية، حيث برزت أهميتها كحصن استراتيجي بعد انتصار الحمدانيين عام 941م.
وهل مباني القلعة الباقية حتى اليوم شاهدة على مكانتها التاريخية والمعمارية؟، الجواب كما يؤكد عليه الاختصاصيون في مجال العمارة التاريخية في مديرية الآثار أن في قلعة نجم يتناغم موقعها الهام مع تنوع عمارتها الداخلية، فهي ذات شكل مستطيل طوله من الشمال إلى الجنوب 95 مترًا وعرضه من الشرق إلى الغرب 64 مترًا، وتتألف من ثلاثة طوابق موزعين على الشكل التالي: طابق تحت الأرض يضم المستودعات وأبراج الدفاع والصهاريج والممرات السرية، يليه طابق أرضي فيه قصر الإمارة مع ملحقاته المكونة من حمام وفرن ومجمع مياه، وهناك الطابق العلوي الذي يضم مبنى القيادة والمسجد ويعلو الطابق الثاني من القلعة غرف وممرات سرية، تقول بعض المصادر إنها ذات منافذ سرية تفضي إلى النهر. وتشمل بقايا القلعة قصرًا صغيرًا وساحة مركزية يحيط بها سور خارجي ضخم يطوقه خندق محفور في الصخر يتراوح عرضه بين 8 - 9 أمتار وعمقه سبعة أمتار، كما يميز القلعة الأبراج الموزعة على محيطها بأشكال كثيرة فمنها مربعة ومستطيلة ومضلعة، وهناك الأبراج المزودة بمرام للسهام التي يصل بينها أسوار قوية وهناك المنحدر المبلط المائل، كما يوجد فوق مدخل القلعة مخططات باللغة العربية تتحدث عن القلعة، وهو مما يميز التقنية التي استخدمها الأيوبيون وهذا الأسلوب - حسب الباحثين - يعتمد على بوابة القلعة الوحيدة الذي لا يسمح بمرور إلا عدد قليل من الجنود المهاجمين مما يجعلهم تحت مرمى السهام.
لقد شهدت قلعة نجم محطات تاريخية هامة، وفي الفترة من 1146 - 1174م أعاد نور الدين زنكي تشييدها وتجديد ما تهدم من أسوارها ومبانيها بعد الزلزال الذي ضرب المناطق الشمالية من بلاد الشام، واستمر التجديد أيضًا في عهد الملك الظاهر غازي حاكم حلب 1208 إلى 1215م. وفي أواخر القرن الثالث عشر والرابع عشر الميلاديين بدأت القلعة تمر بفترة من الإهمال والاضمحلال نتيجة لغزوات المغول للمنطقة.
وفي النصف الثاني من القرن التاسع عشر سكنتها قبائل بدوية قاموا باستعصاء على الوالي العثماني، فكانت النتيجة أن قصفت القلعة بالمدافع من الطرف الغربي.
ويذكر المؤرخون أن الخليفة العباسي المأمون كان يتردد على القلعة باستمرار لممارسة هوايته في علم الفلك، كما زار القلعة كثير من الرحالة العرب والغربيين، ومنهم ابن جبير وماوندرل وبوكوك ودروموند وسخاو وأوبنهايم وملكة بريطانيا غير المتوجة جرتوديل.
قبل بدء الأحداث السورية في عام 2011 كانت قلعة نجم محطة هامة ومقصدًا للسياح ولبعثات أثرية أوروبية ومحلية، وكانت على موعد مع مشروع أثري مهم وهو تنفيذ متحف فيها يضم مقتنيات حضارات نهر الفرات وواديه بتكلفة تصل لنحو ( 500 ألف دولار أميركي) بعد أن قامت مديرية الآثار السورية العامة في عام 2005 بتنفيذ أعمال إصلاح تضمنت معالجة المناطق الخطرة والمعرضة للانهيار، وتم ترحيل الأتربة والأنقاض، وإنارة جزء من القلعة لتسهيل حركة السياح، كما تم العثور فيها على أضخم كتابة موجودة في بناء إسلامي في العالم، حيث تجاوز عرض خط الكتابة 10سم وتعود للعصر الأيوبي.



مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري
TT

مبارك العامري... صوت الحب في القصيدة العُمانية

مبارك العامري
مبارك العامري

«أشعر أن القطار السريع شارف على الوصول إلى محطته الأخيرة / وأن رحلة الآلام المريرة حان لها أن تنتهي / دون إخلال بسيرها المتعرج / وما دام الأمر كذلك / تركت ورداتي الأثيرات / أصول كتابات لم تُنشر / شعراً ورواية ومقالات ونصوصاً مفتوحة / في بطن مندوس صغير / مطعّم بأنجم مذهبة / اقتنيته قبل شهر مضى / من سوق نزوى».

في تقديمه للأعمال الكاملة للشاعر العماني مبارك العامري (1959 - 2020)، الصادرة عن دار «منشورات كلمات» ببغداد، يتساءل الشاعر سيف الرحبي؛ لماذا تلح عليه تلك الأسطر الشعرية أعلاه كلما تذكر العامري واستعاد مع سيرته بهاء الأدب ونزوعه الطليعي وأحلامه الشاسعة التي تتجاوز شروط الواقع الصعب في تجربة مبدع اختطفه الموت وهو في ذروة عطائه ونضجه الإبداعي؟!

«هكذا فقط من غير أسئلة ولا أجوبة، لا فواصل ولا نقاط، يختتم الشاعر مسيرة حياة حافلة بالإبداع ودفق المخيلة التي لا تعرف الحدود والتصنيف، مع ما تيسر من الأحلام وصخب العائلة والعالم بعد آلام المرض المبرحة الشاقة التي كان يعاني منها».

ويلاحظ الرحبي أنه رغم كل هذا الخضم المأساوي للفراق والبين، جاءت تلك الأبيات هادئة تتأمل وتذكّر أحبته وأبناءه الأوفياء والأصدقاء مجتمعين بذكريات حبه ولطفه وهدوئه المتأمل لما حوله ولأحوال الوجود.

ليست هناك نبرة بوح وشكوى، انثيال عاطفي لشاعر يودع الأحبة وكل هذا البريق الأخاذ، خاصة أن أحلام الشاعر في الإنجاز والإبداع كانت لا تزال في منتصفها، رغم ما حققه من ريادة وإضافة على صعيد الحساسية الجمالية، وجاء مغايراً لما كان سائداً ومستقراً.

أخذ على عاتقه التجديد والتجريب في روح القصيدة وبنيتها ولغتها، وجاءت أشعاره مخالفة للذائقة المتوارثة منذ قرون، التي كانت لا تقبل المساس أو الاقتراب النقدي من معاييرها الصارمة وتصنيفاتها الجاهزة، لذلك كانت المقاومة شديدة والعداء عنيفاً لكل ما هو جديد وتجريبي.

وكان العامري من هذه القلة المبدعة، التي لا بد أن تدفع ثمن الاختلاف عن السائد في الأدب، فقد شاء له التاريخ والقدر أن يكون ضمن الطليعة الصدامية الأولى مع التقليدي من الرؤى والتصورات والأشعار التي يُلبسها أصحابها لباس القداسة، تحصيناً وترويعاً كي لا تُمس.

وعن الجانب الإنساني في حياة الشاعر الراحل، يرى الرحبي أن العامري كان يميل إلى العزلة والانتقائية في علاقاته الشخصية، فالرهافة والصدق لا ينسجمان مع الحشد والقطيع الذي يتطلب كثيراً من التنازل وإجبار الذات على محو الصفات الفردية التي تشكل تميز المبدع وجوهر وجوده وكتابته، خاصة في مجتمعاتنا التي ترى في توسل الفردية والعزلة عرضاً مرضياً يتطلب القدح والإدانة.

كما كان على حزنه وألمه العميقين، محباً للحياة ولأسرته التي أولاها جلّ حبّه واهتمامه كجزء من حبه الشاسع لهذه الحياة، مهما كانت عابرة ومأساوية، وكان السفر من بين هذه النعم لديه، إذ يرى فيه برهة تحرر وتحليق في الفضاءات اللامحدودة للمخيلة والجسد.

ويجزم الشاعر عبد الله الريامي أنه لم يقرأ شاعراً عمانياً تفيض من قصائده كلمة الحب، تصريحاً أو تضميناً أو تورية أو اغترافاً من تشبيهاتها واستعاراتها ومغذياتها جميعها في تفاعل جمالي، كما في تجربة مبارك العامري.

يستحضر العامري الحب ويمارسه في مدى نفسي وفلسفي يتفوق على الحسي، الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته التي بلا حدّ. يتحول هنا إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش، وخلاص من التحديات الوجودية في الحياة الشخصية والعامة، فإن كان الجسد منهكاً والخيارات مهزومة فالحب عنده انتصار الروح، وهو سعي دائم إلى الحرية والاستمتاع بها.

تقع الأعمال الكاملة لمبارك العامري في 536 صفحة من القطع المتوسط، وتضم 4 دواوين، هي «بسالة الغرقى» و«مرايا تستنطق الغيم» و«رجع النواقيس» و«شرفة خضراء»، بالإضافة إلى 4 نصوص متفرقة وغير مصنفة، هي «رؤى الأمس» و«معين بسيسو» و«مطر فسفوري» و«زيتونة مباركة».

ويمكن القول إجمالاً إن العالم الشعري للعامري يندرج ضمن تجربة الجيل الذي أسهم في ترسيخ قصيدة النثر في سلطنة عُمان منذ ثمانينات القرن الماضي، حيث تميزت تجربته بالمزج بين الحس الفلسفي والبعد الإنساني واللغة المكثفة، مع انفتاح واضح على الرمز والأسطورة والتأمل الوجودي.

في ديوان «بسالة الغرقى» يحضر البعد الفلسفي بوصفه جزءاً من النسيج الشعري، لا مجرد فكرة خارجية، أما في «مرايا تستنطق الغيم» فينتقل العامري من التأمل الوجودي إلى مساءلة الواقع الثقافي والسياسي العربي، متوقفاً عند أزمات الهوية والتحولات الحضارية، بالتوازي مع انعكاسات معاناته الصحية التي عاشها في سنواته الأخيرة.

وفي «رجع النواقيس» يخوض الشاعر تجربة شكلية مختلفة، إذ يتجه إلى كتابة مقاطع قصيرة ومكثفة، تتجاور داخل النص الواحد في هيئة أجزاء مرقمة، بما يمنح الإيقاع الداخلي للنص دوراً أكبر من السرد الشعري التقليدي.

ويبلغ المشروع الشعري ذروة رقته في «شرفة خضراء»، وهو آخر دواوينه، حيث تغلب على النصوص مفردات الطبيعة والطفولة والأحلام والاخضرار، فيكتب قصائده دون عناوين مستقلة، في محاولة لمنح النص انسياباً أكبر وحرية في التلقي... مثلما يقول في قصيدة «مأوى العجزة» بديوان «مرايا تستنطق الغيم»:

«نحن الطاعنون في الصمت / ماذا ننتظر بعد / غير قيامة تبارك الخراب / منفيون في جلودنا / ممعنون في التيه / نستغيث بالشمس / المطلة علينا من صهريجها الأزلي / أن تلهب دمنا / فتدير وجهها الفسفوري / ناحية البحر / وتوغل عميقاً في اللجة / هي هناك / ربما لتستحم / من وعثاء السفر الطويل».

يتفق النقاد على أن العامري استطاع بناء لغة شعرية تجمع بين البساطة والعمق، بعيداً عن الغموض المفتعل أو الزخرفة البلاغية، عبر نبرة سلسة، لكنها مشحونة بالدلالات، تتنوع فيها الأساليب الخبرية والإنشائية، ولا سيما الاستفهام والتعجب، بما يخلق حالة من الدهشة ويفتح النص على احتمالات متعددة للتأويل، ما منح قصيدته خصوصيتها داخل تجربة قصيدة النثر العُمانية.

يستحضر العامري الحب بمستوياته الإنسانية المختلفة ومساراته ويتحول عنده إلى فعل مقاومة ضد القبح وإكراهات العيش


كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟
TT

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟

ينطلق الباحث العراقي الدكتور سعد التميمي في كتابه «بنية الحكي وتحولاته في سرديات سعيد بن محمد السيابي»، من أن الحكاية ليست شكلاً ثابتاً، بل هي كيان حيّ يتبدل عبر مسارات السرد محتفظاً بجوهره الإنساني؛ وهو ما يفتح تجربة السيابي على أفق التجريب ويعيد مساءلة حدود الأجناس الأدبية.

ويضم الكتاب الصادر حديثاً عن «الآن ناشرون وموزعون» بالأردن في نحو 130 صفحة، دراسة تحليلية تأويلية لمقاربة التجربة السردية للكاتب العُماني الدكتور سعيد السيابي، بوصفها مشروعاً حكائياً متكاملاً، لا مجموعة تجارب متفرقة تتوزع بين أجناس أدبية مختلفة.

وتنطلق الدراسة من فرضية مركزية مفادها أن القصة القصيرة جداً عند السيابي هي مختبر أولي لتكثيف الحكاية واختزالها إلى حدها الأدنى، حيث تتقاطع المفارقة مع الإيحاء، بينما تشكّل القصة مساحة أوسع لتنامي الحدث وتداخل الأصوات، في حين تتيح الرواية عنده فضاءً رحباً لتجريب أشكال أكثر تعقيداً من السرد، أبرزها الميتاسرد وتفكيك البنية الحكائية.

ويجمع الكتاب ثلاثة فصول، مع مدخل نظري لكل منها يضيء الإطار المفاهيمي للجنس الأدبي المدروس؛ تمهيداً للانتقال من التنظير إلى التطبيق النصي. يحمل الفصل الأول عنوان «المفارقة في القصة القصيرة جداً عند سعيد السيابي»، ويقرأ فيه التميمي نصوص هذا الجنس بوصفها فضاءً للمفارقة وبنية عميقة تنظم الحكاية وتعيد توزيع عناصرها، بما يفضي إلى انزياح في التوقع وخلق توتر بين ما يُقال وما يُضمر.

ويكشف هذا الفصل أيضاً عن الخلفية المسرحية التي يستثمرها السيابي في بناء نصوصه القصيرة جداً؛ إذ يوظّف حساسية المشهد وكثافة الحوار الضمني واقتصاد الحركة، بما يجعل النص أقرب إلى لقطة درامية مكتملة تُبنى على لحظة انكشاف حاسمة. ويستعين التميمي في تحليله بمرجعيات نظرية متنوعة، من جيرار جينيت في مفهومَي «المدة» و«الحذف» السرديين، إلى رولان بارت في فكرة «لذة النص»، وتزفيتان تودوروف في مفهوم «التحول السردي»، إضافة إلى آراء نقاد عرب من بينهم صلاح فضل ويوسف وغليسي، في مقاربة تجمع بين الأدوات السردية الحديثة والحساسية النقدية العربية.

أما الفصل الثاني، فيحمل عنوان «حين تتلألأ النجوم تنبثق الحكاية: قراءة في المجموعة القصصية (اثنتا عشرة نجمة)»، ويعالج فيه المؤلف بنية القصة عند السيابي، من خلال تتبع أنماط بناء الحكاية، والعلاقة بين العنوان والنص، وتوظيف الرمز والصورة، إلى جانب التركيز على تمثيلات الذات والعالم. ويسبق هذا الفصلَ تمهيد نظري حول القصة بوصفها جنساً سردياً يمتاز بالتوازن بين التكثيف والامتداد، وبالقدرة على التقاط لحظة دالة ضمن سياق إنساني أوسع.

ويخصص الفصل الثالث، الذي يحمل عنوان «تحولات الحكي في روايات السيابي: من تمثلات التراث إلى أفق الميتاسرد... العبور المزدوج»، وقفتين قصيرتين عند روايتي «جبرين وشاء الهوى» و«الصيرة... تحكي»، تليهما دراسة مفصلة بعنوان «من الرحلة إلى الميتاسرد... قراءة في رواية (جسور متداعية)»، حيث يُقارب المؤلف النص الروائي بوصفه بنية مركّبة تتداخل فيها مستويات الحكي، ويتحول فيها السرد موضوعاً لذاته، ويقدم هذا الفصل عبر تمهيد نظري حول الرواية بوصفها جنساً مفتوحاً قادراً على استيعاب مختلف الأشكال والخطابات، وعلى مساءلة ذاته عبر تقنيات الميتاسرد والتشظي البنيوي.

في مقدمته، يوضح التميمي أن ما يجمع فصول الكتاب، على اختلاف موضوعاتها، هو الانشغال بسؤال الحكي: كيف تُبنى الحكاية؟ وكيف تتحول؟ وكيف تُنتج معناها عبر تقنيات سردية مختلفة؟ كما يجمعها الاهتمام برصد العلاقة بين الشكل والمضمون، وبين التقنية والدلالة، وبين البنية والتمثيل، منوّهاً إلى أن النصوص المدروسة لا تُقرأ كأنساقٍ دلالية تتشكل عبر اللغة والسرد.

ويرى التميمي أن اختيار تجربة سعيد السيابي موضوعاً للكتاب جاء من قناعة ترى أن هذه التجربة تمثل نموذجاً جديراً بالدراسة في السرد العربي المعاصر؛ لما تنطوي عليه من تنوع في الأشكال وجرأة في التجريب وقدرة على استثمار الإمكانات التعبيرية لكل جنس أدبي، فهي تجربة تتحرك بين الاقتصاد اللغوي في القصة القصيرة جداً، والتوازن البنيوي في القصة، والانفتاح التركيبي في الرواية.

ويقول التميمي في مقدمته إن الكتاب لا يدّعي الإحاطة بكل جوانب هذه التجربة، بل يقدّم قراءة ممكنة تنفتح على قراءات أخرى، ويطمح إلى الإسهام في إغناء النقاش حول السرد العربي المعاصر وحول الأجناس الأدبية وحدودها وتحولاتها؛ آملاً أن يلفت الانتباه إلى أهمية دراسة التجارب السردية التي لم تحظَ بعد بما تستحقه من اهتمام نقدي رغم ما تنطوي عليه من إمكانات جمالية ومعرفية.


السيسي يراجع ضوابط «البكالوريا» المصرية عقب شكوك بشأن «الجاهزية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع وزيرَي التعليم والتعليم العالي بحضور رئيس مجلس الوزراء (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع وزيرَي التعليم والتعليم العالي بحضور رئيس مجلس الوزراء (الرئاسة المصرية)
TT

السيسي يراجع ضوابط «البكالوريا» المصرية عقب شكوك بشأن «الجاهزية»

الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع وزيرَي التعليم والتعليم العالي بحضور رئيس مجلس الوزراء (الرئاسة المصرية)
الرئيس عبد الفتاح السيسي خلال اجتماعه مع وزيرَي التعليم والتعليم العالي بحضور رئيس مجلس الوزراء (الرئاسة المصرية)

استعرض وزير التربية والتعليم المصري محمد عبد اللطيف، الاثنين، أمام الرئيس عبد الفتاح السيسي، كل التفاصيل المتعلقة بتطبيق نظام «البكالوريا» (بديل الثانوية العامة)، قبل أيام من بدء العام الدراسي الجديد في سبتمبر (أيلول) المقبل، إثر حالة من «التشكيك في القدرة على تطبيق النظام الجديد، مع إتاحة المناهج الخاصة به وانسحاب عدد من المعلمين من تدريسها بدعوى صعوبتها».

وقال وزير التعليم إن مناهج «البكالوريا» حصلت على اعتماد «مؤسسة البكالوريا الدولية التعليمية»، وهو تطور نوعي يعكس التحديث الجاري في المناهج المصرية، وفق بيان للرئاسة المصرية.

ووجّه الرئيس السيسي بـ«التزام الوزارة بأن تأتي الامتحانات حصراً من الكتب المدرسية وكتب التقييمات الصادرة عنها، إضافة إلى الاختبارات الاسترشادية ذات الصلة»، مؤكداً «أهمية الاهتمام بمواد اللغة العربية والتربية الدينية والتاريخ وتدريسها وفق مناهج الوزارة».

جدل «البكالوريا»

وتصدر الجدل حول نظام «البكالوريا» في مصر «السوشيال ميديا» خلال اليومين الماضيين، إثر إعلان وزارة التربية والتعليم تغيير منظومة الامتحانات الثانوية من 85 في المائة بنظام الاختيار من متعدد و15 في المائة أسئلة مقالية، إلى المناصفة بين أسئلة الاختيار من متعدد والمقالية، ما اعتبره البعض «تضليلاً للطلاب الذين اختاروا النظام على طريقة معينة، ثم تم تغييره».

و«البكالوريا» هو نظام اختياري للطلاب في المرحلة الثانوية، ويتاح فيه عدة مسارات تؤهل للالتحاق بالجامعات، كما تتاح فيه فرصة تحسين المجموع بإجراء الاختبار مرة أخرى بعد دفع رسوم لذلك.

وزير التربية والتعليم خلال شرح مزايا نظام «البكالوريا» في وقت سابق (وزارة التربية والتعليم)

ومع صدور مناهج «البكالوريا» بما تحتويه من تغيّرات كبيرة في الصف الأول الثانوي مقارنة بالعام الماضي، بالإضافة إلى مناهج الصف الثاني الثانوي التي تظهر للمرة الأولى مع الدفعة الجديدة، تصاعد الجدل خصوصاً مع إعلان عديد من المدرسين انسحابهم من تدريس «البكالوريا» والبقاء في المنظومة القديمة للثانوية العامة.

انسحاب معلمين

وانتقدت داليا الحزاوي، الخبيرة التربوية وأدمن «ائتلاف أولياء أمور مصر»، انسحاب بعض المعلمين من تدريس «البكالوريا»، معتبرة القرار انعكاساً لعدم مواكبتهم للتغيير والتطوير الذي يحدث للعملية التعليمية، وعدم رغبتهم في بذل المجهود اللازم من جانبهم للتدريب على المواد الجديدة ونقلها للطلاب.

وأرجع معلمون منسحبون عبر «السوشيال ميديا» قراراتهم إلى تحمّلهم المسؤولية، وعدم خداع أنفسهم أو الطلاب بتدريس مناهج لم تتح لهم الفرصة الكافية للتدريب عليها.

وتساءل بعضهم عن سبب تأخر ظهور المناهج إلى ما قبل بدء العام الدراسي بأسابيع مع أن منظومة «البكالوريا» دخلت التطبيق العام الماضي، في حين أشار آخرون إلى أن المعلمين كانوا يطلعون في السابق على المناهج قبل بدء العام الدراسي على الأقل بأربعة أشهر وليس عدة أسابيع.

وزير التعليم المصري وسط طلاب في المرحلة الثانوية (أرشيفية - وزارة التربية والتعليم)

وحدد بعض المعلمين أسباب انسحابهم بـ«عدم جاهزية الطلاب لاستيعاب المواد الجديدة، باعتبارهم غير مؤهلين لها من البداية خلال السنوات الدراسية السابقة». ولم تقتصر الانتقادات على المعلمين؛ إذ انتقد أولياء أمور المناهج، وعبّر آخرون عن قلقهم من جاهزية المعلمين لتدريس أبنائهم. كما قدم بعض أعضاء مجلس النواب أسئلة برلمانية حول تطبيق «البكالوريا».

قلق أولياء الأمور

مُعلمة اللغة الفرنسية، التي لديها ابنة في نظام «البكالوريا»، رحاب الزيات، لاحظت القلق الكبير الذي ينتاب أولياء الأمور من تطبيق النظام الجديد بعد انسحاب المعلمين عبر «السوشيال ميديا»، غير أنها على عكسهم ينتابها حالة من الثقة والطمأنينة بأن نظام «البكالوريا» يعد «نقلة نوعية وإنسانية في نظام التعليم الثانوي بدلاً من منظومة التعليم السابقة التي كانت تضغط على أعصاب الطلاب والأهالي، ولا تنتج معرفة».

وأضافت الزيات، وهي مدربة لعدد من الأساتذة، أن «المناهج الجديدة جيدة جداً، ولديها أهداف ومخرجات تعليمية واضحة تسعى إلى تطبيقها». وتوقعت أن يكون «المنسحبون من غير التربويين»، داعية وزارة التعليم إلى «إعداد مقاطع فيديو توعوية عبر (السوشيال ميديا) لشرح النظام ببساطة لمواجهة حملات التشويه الحالية».

أيضاً الخبيرة التربوية داليا الحزاوي ترى أنه «من المبكر الحكم على التجربة. ومن ينسحب الآن يثير الجدل أكثر من إحداث تغيير حقيقي».