إصدارات

إصدارات
TT

إصدارات

إصدارات

طبعة جديدة من «موسوعة السياسة»

بيروت: «الشرق الأوسط» عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر، صدرت طبعة جديدة من «موسوعة السياسة»، في 9 مجلدات. يقول الدكتور خليل أحمد خليل في مقدمته للمجلد التاسع: في هذا الجزء الثاني من ملاحق «الموسوعة السياسية»، الفريدة بنوعها وبمنهجها العلمي الدقيق في عالم عربي ما برح يجدد نفسه على طريق العولمة أو الأنسنة، سعينا إلى تغطية ما استجد من تغيرات في العقد الأول من القرن الواحد والعشرين. فكلما تغير العالم تغيرت الكلمات وتبدلت الأسماء وتسلسلت المفاهيم والمصطلحات، وتكاثر العالم الإنساني في هذا الكون المخلوق منذ 13.4 مليار سنة، على ضفاف التطور الزمني المتدفق فينا وحولنا كأنهار تجري دائما إلى الأمام.
أما جديد الملحق - 2 - فهذا هو توسيع المشهد السياسي المحلي، العربي والعالمي، ليشمل فضلا عن الدول أو البلدان وحكامها (ما بين 2003 و2013)، عباقرة محكوميها من كتاب وشعراء وروائيين ورسامين (خصوصا الرسوم المتحركة) وفنانين مبدعين في المسرح والسينما والتلفزة والصحافة، وصولا إلى أجهزة الاتصال وأدوات التواصل التي جعلت المعمورة (عالمنا بسكانه البالغين 7 مليارات فرد سنة 2013) تترابط بشكل غير مسبوق، فالسياسة لم تعد تدبيرا إداريا ملموسا يؤديه بعض الحاكمين، بل صارت ثقافة أكثر اهتماما بالإنسان وكباكيب عقده التي نفثها التجمع البشري الراهن عبر وسائل اتصاله التي غلبت الوهم أو الخيال على العلم أو الواقع.
إلى ذلك، حاولنا استدراك بعض ما فاتنا من معلومات عن أحداث وأشخاص وابتكارات، أسهمت في جعل السياسة حوكمة وحوسبة معا. فالمحكوم بات من الآن فصاعدا أقدر على معرفة الحاكم وأمهر في محاسبته على أقواله وأفعاله، والحاكم صار في مهب النقد، وحتى الهجاء التهكمي، لدرجة جعلت بعض الحاكمين يتمنون – بعد فوات الأوان – لو كانوا هم المحكومين! ومع ذلك، نلاحظ تفاوت الدول بمساحاتها وسكانها، وتفاقم التغالب على استثمار موارد المعمورة على حساب التسالم بين قاطنيها، وعليه، من أصل عشرة آلاف جماعة إثنية في عالم اليوم، هناك نحو 198 دولة تحظى بأممية أو عالمية وجودها السياسي وفيها الفلسطينيون، وكذلك الكرد، من الجماعات التاريخية المغلوبة على أمرها، لا يزالون يبحثون عن استقلالهم من وراء احتلال أو اقتسام ظالم. بعد الحداثة، التي عرفها معظم سكان الأرض كاستعمار، جاء (ما بعد الحداثة) منذ سنوات 1970 في إهاب ما سمي (ما بعد الاستعمار)، نعني استعمار الآخر باستثمار موارده، ودفعه إلى حروب تدميرية داخلية كما هي الحال، منذ 2001، في العالمين العربي المسلم والإسلامي، لكأن أمة «اقرأ» أحيلت إلى جماعة «اقتل».
ولذا رأينا من المفيد إدخال نصوص، مطولة أحيانا، تغطي بالتحليل العلمي ما يحدث في غير بلد عربي و / أو مسلم. فهل تكفي الكلمات لرصد المتغيرات، أم أن هناك أشياء كثيرة تغيب عن كلماتنا، فلا يبقى على متابعي هذا العمل الرصدي سوى البحث عن المزيد من الأشياء التي تمضي بلا كلمات؟
تقع الموسوعة في نحو 5000 صفحة من القطع الكبير في 9 مجلدات.

تجليات العمارة الإسلامية في القصور الأموية

لندن: «الشرق الأوسط» صدر عن دار «الأديب» بالأردن كتاب «عمارة القصور الأموية: تجلي (العمارة المدنية) الإسلامية وتمثلاتها» للدكتور خالد السلطاني، وجاء في 464 صفحة من القطع الكبير (28 × 29.5 سم)، وبغلاف فني سميك.
يهدي د. السلطاني كتابه الجديد إلى «البناة الأوائل وفنانيهم، الذين اجترحوا لنا مفهوم (العمارة المدنية) الإسلامية، مؤسسين بذلك الاجتراح أحد تجليات منجز العمارة الإسلامية الحصيف، ومرسخينه في المشهد.. والخطاب».
وتعد الموضوعة التي يتعاطى معها الكتاب، من المواضيع الهامة والرائدة في منجز العمارة الإسلامية، لكنها، مع الأسف، لم تحظ باهتمام كاف من قبل الدارسين العرب وحتى الأجانب، يتساوق مع أهميتها وريادتها. ونرى أنه قد آن الأوان، لتناول هذه الموضوعة المعمارية الرائدة والذكية، التي أغنت منتج العمارة الإسلامية بتنويعات تصميمية كثيرة، ساهمت في إثراء الثقافة الإنسانية وأضافت الكثير إلى الحضارة العالمية.

الفن الحديث في العراق

بيروت: «الشرق الأوسط» صدر عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر ببيروت كتاب «الفن الحديث في العراق: التواصل والتمايز». وهو، كما تقول المؤلفة «قراءة جمالية لتجارب منتقاة من أجيال مختلفة أراها متواصلة في امتدادها وأخذ بعضها من البعض الآخر، للتمرد عليها ورفدها بتجارب مبتكرة قد تبدو مفارقة لكنها مرتبطة بالجذر ارتباطا عميقا. وهو يتناول جوانب من التنوع في الاتجاهات والأساليب والرؤى في الحركة التشكيلية الحديثة في العراق، وأكرر هنا أنه بلا شك يفتقر إلى بعض التجارب المهمة التي من حقها أن تقف بجدارة مع هذه المجموعة، وكلي أمل في إضافتها لاحقا».
يقع الكتاب في 312 صفحة من القطع الكبير، تحتوي على ملزمة للوحات ملونة.
سبق للمؤلفة العراقية مي مظفر أن أصدرت عن المؤسسة العربية للدراسات والنشر عدة مؤلفات نذكر منها: «غياب» (شعر)، و«رافع الناصري رسام المشاهد الكونية»، و«رافع الناصري حياته وشعره»، و«ألم يبق منهم أحد؟» (قصص)، و«من تلك الأرض النائية» (شعر)، و«محنة الفيروز» (شعر)، و«سفر في المدى - ناصر الدين الأسد ملامح من سيرته وأدبه» (سيرة)، و«حياتي مع بيكاسو» (ترجمة)، و«نصوص في حجر كريم» (قصص)، و«بريد الشرق» (قصص).

«السينما بين الواقع والخيال» للعمري

لندن: «الشرق الأوسط» صدر عن دائرة الثقافة والإعلام في الشارقة كتاب جديد للناقد السينمائي المصري أمير العمري بعنوان «السينما بين الواقع والخيال». يقع الكتاب في 368 صفحة من القطع المتوسط ويحتوي على مجموعة من الدراسات والمقالات النقدية التي تطلع القارئ على الصورة الدقيقة لطبيعة الفيلم الفني الذي يبحر في عوالم وأجواء خيالية، وفي الوقت نفسه، تتطرق إلى أسس فهم واستيعاب وتحليل السينما التسجيلية والوثائقية التي أصبحت تعرف اليوم باسم «السينما غير الخيالية».
وقد اختار المؤلف أن يطلق هذا العنوان على كتبه أي (السينما بين الواقع والخيال) تأكيدا على التداخل الكبير بين الجنسين السينمائيين، وبعد أن أصبح الفيلم «التسجيلي - الوثائقي - غير الخيالي» يطرق الكثير من المناطق الإبداعية الخيالية أيضا، ويستخدم مخرجوه أساليب تقنية وفنية، لا تتفق مع الصورة التقليدية التي شاعت لعقود عدة، للفيلم الذي يصور الواقع كمعادل.
يضم الكتاب مقدمة وثلاثين فصلا تجمع بين الدراسات النظرية حول الفيلم الروائي والتسجيلي (11 فصلا) و19 فصلا أخرى في النقد التطبيقي من خلال دراسات الأفلام التسجيلية والروائية التي انتقاها المؤلف بعناية لكي تعبر عن مفهومه النقدي ومنهاجه في تقويم الأفلام.
يناقش الكتاب بالتفصيل الأسس التي ينبني عليها القول بأننا أمام فيلم فني، ثم يتوقف طويلا أمام ما شاع كثيرا في النقد السينمائي العربي حول مفهوم الفيلم الجيد، وهل هو بالضرورة الفيلم «صاحب الرسالة» أو «الهدف». ثم يناقش المؤلف طبيعة الفيلم الذي يبتعد عن التصنيفات المعهودة (الأنواع السينمائية genres) ليتوقف أمام مفهوم «السينما الشعرية» ويتساءل هل لهذا المصطلح معنى أم أنه تعبير يقصد به النقاد التهرب من التصنيف بعد أن يستعصي عليهم.
ومن السينما الشعرية ينتقل المؤلف إلى مناقشة ما يسمى بـ«السينما الخالصة» فيبحث في هذا المصطلح ومعناه، وما إذا كان للسينما الخالصة وجود حقيقي، وما الذي يميزها عن غيرها. وعن الفيلم التسجيلي يطرح المؤلف السؤال التالي: هل من الممكن أن يكذب الفيلم التسجيلي؟ ويناقش هذا الموضوع المثير للجدل، مع بعض الأمثلة المحددة. ومنه ينطلق إلى مناقشة العلاقة بين الفيلم التسجيلي والجمهور، كيف كانت وكيف تطورت، وما ضمانات بقاء الفيلم التسجيلي، وآفاق وصوله إلى جمهور أوسع.
وبعد ذلك يناقش طبيعة ودور النقد السينمائي.. كيف يكون الحكم على الأفلام، هل ينطلق من التذوق الشخصي فقط، أم من أسس محددة، أم يستند إلى ثقافة أخرى تمتد خارج ثقافة الفيلم، وما الذي يجعلنا نتوصل في النهاية، أي بعد أن نجهد أنفسنا في المشاهدة والتأمل والتحليل، إلى اعتبار فيلم ما فيلما جيدا أو رديئا.
ومن خلال مجموعة الأفلام التي يحللها المؤلف في كتابه تفصيلا، وهي تنتمي إلى بلدان وثقافات عدة متنوعة، ولمخرجين من أجيال مختلفة، ولسينمائيين من العالم العربي ومن العالم الخارجي، يتوقف أمام الملامح المميزة لكل منها، وما الذي يجعلها أفلاما مهمة في تاريخ مبدعيها، ولماذا حققت ما حققته من نجاح في العالم كله.
ويقول المؤلف إن هدفه من الجمع بين النظري والتطبيقي في هذا الكتاب، هو خلق جسر تأملي بين الناقد والقارئ، وحث القارئ على العودة لمشاهدة ما فاتته مشاهدته من هذه الروائع الحديثة، والعودة إلى طرح التساؤلات النظرية على نفسه والسعي للعثور على إجابة عنها من عنده، في ضوء استيعابه لها.



«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري
TT

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

«القالوفة»... رواية تحفر في جذور الواقع الجزائري

تزاوج رواية «القالوفة: عشرية عبد القادر صابونة»، للروائي الجزائري الشاب عبد الباسط باني، بين اللعب الفني والجمالي، والنقد السياسي والاجتماعي الحاد والجذري من جهة أخرى، متكئة على كثير من حس السخرية المتغلغلة في نسيج البناء السردي، لكنها كثيراً ما تكون سخرية سوداء، مرة ومفعمة بالأسى، إذ تراوح الأحداث كثيراً بين المأساة والملهاة. ويتبدى هذا اللعب منذ العنوان «القالوفة»، كلمة دارجة في الجزائر معناها (القفص الذي توضع به الكلاب الضالة عقب التقاطها من الشوارع)، فالعنوان الجانبي الشارح، «عشرية عبد القادر صابونة»، يظل معلق الدلالة، إذ يمكن أن يشير إلى العشرية السوداء في التسعينيات، والتي انضم فيها (عبد القادر) إلى الجماعات الإسلامية المسلحة، حين كان يقتل باسم الدين، كما يشير من جانب آخر، وعبر دوال نصية كثيرة، إلى عشرية جديدة، عقب المصالحة الوطنية في مطلع الألفية، وصعود (صابونة) الراديكالي التائب سُلّم السلطة، ليمارس انتقامه من المجتمع، لكن عبر بوابة الدولة كمسؤول كبير فيها، وباسم القانون وحماية الوطن هذه المرة، مدشنا عشريته الخاصة، المليئة بالفساد والنهب الممنهج.

الرواية صدرت في القاهرة عن «منشورات الربيع»، وبدأت بمشهد صادم وقاسٍ يعود إلى بدايات العشرية السوداء، في مدينة «مليانة»، حيث تقتحم جماعة تنتمي لتنظيم إسلامي منزل (رشيد)، الصحافي المستنير الذي يهاجمهم في مقالاته، فيقتلونه، ويقتلون ابنته (بديعة)، ويختطفون (فتيحة) زوجته الحبلى معهم إلى الجبل، في حين ينجو ابنه (محمد)، بسبب دفاع كلبه عنه بقوة، وعقر الملثمين، فيموت الكلب فداءً لصديقه الطفل ويتلقى الرصاصة نيابة عنه. وتتضاعف القسوة عندما يرى رشيد قبل مقتله شقيقه الأصغر (منصوري) بين الملثمين، بعد أن انزلق إلى هوة العنف، جاء معهم وفق مبدأ السمع والطاعة، والولاء والبراء، ليشارك في قتل أخيه الذي تعتبره جماعة الجبل «كافراً»، لمجرد أنه يحب الفنون والغناء، ويدافع عن الحرية، لكن منصوري لم يقوَ نفسياً على تنفيذ أمر أمير الجماعة بأن يقتل شقيقه بنفسه، فيكون مصيره القتل هو الآخر، بدعوى أن إيمانه منقوص ورخو.

هذا المشهد الافتتاحي الدموي، يبدو مرجعاً لكثير من الأحداث التي تتأسس عليها الرواية بعد ذلك، ثم ينفتح السرد، بدءاً من الفصل التالي على مساحات من التخييل، عبر تبئير شخصية (محمد)، الناجي الوحيد من مذبحة أسرته، فقد «ضاقت به مليانة، فغادرها نحو عين الدفلي، يجر خلفه قافلة الكلاب التي صارت أسرته الجديدة»، فقد أسماه الناس (الملياني)، نسبة إلى بلدته، وأصبح يعيش مشرداً، لا يأمن سوى للكلاب، يصاحبها، ويأتنس بها، ويحنو عليها، حتى عثر على الكلب (النيطوش)، البائس المشرد مثله، ويصطفيه صديقه المقرب، ونبدأ في رؤية العالم بعيون (الملياني) و(النيطوش)، بوصفهما ممثلين للهامش المقموع، الصوت المسكوت عنه، المطارد، لكنه يرى ويعرف حقيقة مجتمع المدينة، ومثالبه، ورموزه المصطنعة، فالاثنان في حالة تعارض مع شخصية «عبد القادر صابونة». الملياني وهو طفل كان ضحية (صابونة) وجماعته في سنوات العشرية السوداء، وبعد المصالحة ظل أيضاً ضحية (صابونة) نفسه في عشريته الجديدة.

تمتد الرواية زمنياً على مدار ثلاثين عاماً، ويتراوح فضاؤها المكاني بين مدينتي مليانة وعين الدفلي، وترتكز على التوثيق عبر إيراد أخبار صحافية ومقالات وأغاني لمطربين جزائريين معروفين. كما تعتمد بشكل رئيس على تقنية تعدد الأصوات، وهو ما يبدو من عنوان الفصول السردية، ليس فقط صوت الهامش ممثلاً في (الملياني)، وصوت المركز ممثلاً في (عبد القادر)، لكن الطريف هو منح مساحات كبرى لأصوات الحيوانات التي تقدم خطابها وصوتها، سواء ضد السلطة التي تطاردها وتقمعها، وتضعها في القالوفة، أو ضد سلطة الإنسان وتجبّره على الحيوانات بشكل عام، كما يقول أحد القرود: «من المفترض أن تكون هناك حدائق للبشر، بدل حدائق الحيوانات، ونحن من نزورهم ونطعمهم، كل حيوان يربي بشرياً. قد لا نجيد فعل ذلك، لكن على أسوأ تقدير لن نبصق عليهم ونهينهم مثلما يفعلون».

فالفصل الثاني من الرواية يأتي على لسان (حمو)، وهو كلب يروي معاناته مع (مبارك) السادي الذي يهوى تعذيبه، وكذلك صوت القط (مخطار)، فضلاً عن أصوات كثير من الحيوانات من الكلاب والحمير والدجاج والقرود والغربان وغيرها، ويتسع حضور الحيوانات في المتن السردي، حتى تأخذ مركز البطولة مع تنامي السرد، بل تقوم بثورة على تسلط البلدية، وتملأ الشوارع والميادين، بعد فشل الحراك الشعبي في الجزائر إبان الربيع العربي، فتنهض الحيوانات في حراك بديل، ضد العسف والقمع والتجويع الذي يطالها يومياً.

تحفل الرواية بحالة من الكرنفالية، بالمفهوم الباختيني، فالفضاء الروائي يتحول إلى سيرك، ويجري تبادل الأدوار، فالحيوانات تصبح أكثر إنسانية من الإنسان، وتثور على السلطة بمعانيها كافة، وتجريد الإنسان من مركزيته، كما يجنح السرد، وفق هذا المفهوم الكرنفالي، إلى نزع هيبة رجال السلطة ممثلة في (عبد القادر)، ويسلبه قوته وفتوته المزعومة، ويمنحه الاسم الساخر (صابونة)، الذي التصق به منذ كان متمرداً راديكالياً مختبئاً في الجبل، وحاول إفراغ شهوته في كلبة، لكنها عقرته، وانتزعت عضوه الذكري، وتركت مكانه مستوياً وناعماً، مثل الصابونة، بلا أي نتوءات، لذا أصبح له ثأر مع الكلاب، يفرح بقتلها بعد المصالحة وعمله في البلدية، كما كان يفرح بقتل البشر عندما كان «جهادياً»، ولم يكتفِ السارد بنزع ذكورته، بل أضفى عليه صفات أنثوية، ليحوله إلى أضحوكة، وينزع عنه كل هيبة. كما تتبدى الكرنفالية أيضاً في سخرية (مبارك)، الروائي السادي، من الناقد الذي ينقد أعماله، فيذبح كلبه (حمو)، ويطبخ كبده كوجبة للناقد، في محاولة للسخرية من سلطته. فالرواية، إجمالاً، كرنفال ساخر، يفكك كل سلطة، وينزع القداسة عن كل مدعٍ، معيداً إنتاج ثنائية المركز والهامش، مانحاً البطولة لكل مقموع.

تبدو كل شخصيات الرواية معاقة ومشوهة، جسدياً أو نفسياً، بدءاً بعبد القادر، مروراً بـ«مبارك» الذي فقد قدمه ويعيش بقدم بلاستيكية، كما يعاني نفسياً من معرفته أن أمه كانت غانية، ووضعته في كيس قمامة أسود على باب إحدى المؤسسات، و(الملياني) المشرد المسكون بمشهد مقتل أسرته أمام عينيه، و(ليندا) التي تكتشف أنها ابنة (رشيد) و(فتيحة)، فعندما اختطف الملثمون أمها كانت حبلى فيها، وماتت بعد ولادتها، وهربت بها إحدى النساء من الجبل، ووضعتها أيضاً على باب إحدى المؤسسات.

هذه الشخصيات الممزقة جسدياً ونفسياً، في عام 2019، حيث تدور الوقائع الرئيسة للرواية، وقت ثورة الحيوانات، كلها شخصيات منحدرة من فترة العشرية السوداء في تسعينيات القرن الماضي، فما يحدث في الواقع اليوم، هو نتاج ذلك التاريخ الذي يبدو بعيداً، لكنه يظل مطموراً وفاعلاً في نفوس الشخوص، تاركاً ندوبه العميقة في نفوسهم، بل في أجسادهم أيضاً، لذا يراوح السرد في حركة بندولية بين الحاضر والماضي، كأنه يفكك الحاضر، ويحفر في الماضي بحثاً عن الجذور المؤسسة لهذا الواقع وهذه الشخوص الشائهة، وما قاله الصحافي رشيد قديماً: «لم يعد أمامي سوى أن أموت كاتباً أو أعيش صامتاً. اخترت أن أرحل. ليال كثيرة قضيتها في التفكير. العاصمة صارت مصيدة، كل ركن فيها له عين أو فوهة بندقية» لا يختلف كثيراً عما يقوله ابنه (الملياني) المشرد بعد ما يقارب ثلاثين عاماً: «اعلموا أن البلاد صارت مقبرة كبيرة، بل قالوفة كبيرة، تبتلع في أقفاصها كل صوت رافض للقمع والإذلال والجوع والتطرف». ومن ثم، لا فارق بين «مصيدة» العشرية السوداء و«قالوفة» عشرية عبد القادر صابونة.


تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش
TT

تجليات البيت في شعر محمود درويش

تجليات البيت في شعر محمود درويش

يركز الباحث رامي مصطفى هلال في كتابه «ملامح السرد في الخطاب الشعري عند محمود درويش»، الصادر أخيراً عن «الهيئة المصرية العامة لقصور الثقافة»، ضمن سلسلة «كتابات نقدية»، على «تجليات البيت» في قصيدة الشاعر الفلسطيني الأشهر، باعتباره رمزاً يختصر الوطن ويفيض بالحميمية والعذوبة.

ويشير إلى أن البيت وُظّف سردياً في شعر درويش؛ فهو ليس بيتا ذا أبعاد هندسية، لكنه يحمل ذاكرة الوطن المستلب في الخروج والعودة، ويظل مفتاحه الدائم في أيدي الفلسطينيين تاريخاً وشاهداً على الحق الثابت، وأملاً في العودة إليه مرة أخرى.

يسرد درويش في حوارية مع الأب، في سهل من سهول فلسطين، في قصيدة «لماذا تركت الحصان وحيداً؟» سيرته الذاتية إبان النكبة، حين الخروج القسري من بيته ووطنه، ربما تكون قرية «البروة» التي وُلد فيها نابتة في حضن هذا السهل. ومن خلال راوٍ عليم، كليّ المعرفة، وشخصَيْن يقوم عليهما السرد والحوار، هما الأب والابن، تتوالى سردية ذات شحنة درامية مؤثرة إنسانياً.

يقول درويش في افتتاحية سينمائية لقصيدته يتشابك في فضائها فعلُ الحدث والكشف عن نفوس الشخصيات من خلال الاستفهام البريء للطفل واستحضار صيغة الاستفهام المكاني الذي يقوم عليه فعل السرد في القصيدة كلها:

«إلى أين تأخذني يا أبي؟

إلى جهة الريح يا ولدي»

يتوقف الحدث عند الحوار الكاشف الذي وهب المتلقي في ومضة واحدة شخصيتَي «الأب والابن»، والحدث الغامض «إلى جهة الريح»، والحوار المنتمي إلى روح اللحظة التاريخية وكثافتها وموقع الراوي وبنية الدراما السردية داخل القصيدة، ثم يصف الراوي لحظة الخروج فيقول:

«وهما يخرجانِ من السهلِ حيثُ

أقام جنودُ بونابرت تلّاً لرصد

الظلال على سور عكا القديم

يقول أب لابنِهِ: لا تَخَفْ لا تَخَفْ

من أزيز الرصاصِ التصِقْ بالترابِ لتنجو

سننجو ونعلو على جبل في الشمال

ونرجع حين

يعود الجنود إلى أهلهم في البعيد»

يعيد التاريخ نفسه على الأرض؛ فمثلما رحل الغرباء من قبل، فإن سيرة الأرض تؤكد أن الغرباء الجدد راحلون أيضاً، والوصف يعمّق النص، ويضيف إلى القصيدة أبعاداً جديدة تسهم في تشكيل فضائها المضموني، وتساعد على تصوُّر الأحداث، حيث السرد في جوهره تقطيع لبنية الحكاية وإعادة تشكيلها من خلال التغيير في بنية الزمان والمكان.

إنه اليقين التاريخي الذي ينقله الأب إلى الابن من خلال الحوار، مستدعياً جنود بونابرت الذين كانوا يرصدون الظلال، ولذا فإن الشاعر – الراوي - يطلعنا على يقين الأب، وهو الشخصية المحورية في سَرْد درويش، وهو يؤكد بـ«سين المستقبل»: «سننجو ونعلو ونرجع»، وأن عودة الجنود القادمين من البعيد حتمية، هذا ما تقوله الأرض والتراب عندما يلتصق به الفلسطينيون:

«ومن يسكن البيت في بعدنا

يا أبي؟

سيبقى على حاله مثلما كان

يا ولدي».

وعبر التناوب بين ضمائر السرد في القصيدة؛ من ضمير المتكلم إلى ضمير الغائب، وهما يخرجان، وكذلك التناوب بين تقنية الوصف والحوار، تتوتر القصيدة درامياً، وتتنقل لتخلق سرديتها الخاصة الممزوجة بوعي تاريخي. هنا تبرز مفردة «البيت» لتضارع الوطن؛ فهو البيت الكبير، ومَن يسكن البيت فإنه يسكن الوطن، ويأتي صوت الأب الواثق من العودة، فيطمئن الابن على الوطن.

وهذه اللغة الشعرية الدرامية تعطي الجمهور أو القارئ شعوراً بأن الفكرة تتكوَّن؛ إذ تتكلم الشخصية تحت ضغط الوضع الذي تجد نفسها فيه، ويُبرِز الاستفهام ملمحاً أسلوبياً في القصيدة يعبر به السارد عن مأساة الحاضر من خلال الماضي، ويدل على صدق الشخصيات وقربها من السرد الواقعي:

«تحسس مفتاحه مثلما يتحسس

أعضاءه واطمأن»

في سؤال آخر يسأل الطفل أباه قائلاً:

«لماذا تركتَ الحصانَ وحيداً؟

لكي يؤنس البيت يا ولدي

فالبيوت تموت إذا غاب سكانها»

يعبر السارد، من خلال فعل التحسُّس المفاجئ عن مفتاح البيت كعضو من أعضاء الجسد، عن قيمة البيت وتداخله في الجسد الفلسطيني؛ فالتراب ينبت داخله كأعضاء جديدة، وكرد فعل على الغياب، فالبيت مكان يؤطر لفعل الحدث، ويصبح بطلاً في السرد، بل شخصية أثيرة من شخصيات السرد داخل القصيدة، يأبى لها الأب أن تموت في الغياب، فيترك له الحصان كي يؤنس وحدته.

يأبى السارد أن يتحول البيت إلى أطلال مهجورة، لذا فالبيت الفلسطيني لم يتحول في سردية درويش إلى أطلال تستحق الرثاء، ولكنه يظهر في الرؤية السردية كائناً حياً يقاوم فعل الزمن والأحداث، ويستعصي على المحو والتذويب، وقد جعله الشاعر السارد عضواً حياً في الجسد الفلسطيني، يستمدّ حياته من روح هذا الجسد، ووعيه وذاكرته الحية التي لا تغيب.

هكذا ظل البيت «في تجربة محمود درويش الشعرية حالة وجودية تتجاوز الحيز الجغرافي أو الجدران الإسمنتية، لتتحول إلى استعارة كبرى للهوية والذاكرة والمنفى، كما تجاوز فكرة المأوى، ليصبح نوعاً من (الفردوس المفقود) والصراع الجدلي المستمر بين الحضور والغياب».

جاء ذلك بمثابة تطوُّر لافت، بعد أن ارتبط في البدايات الأولى بمسقط الرأس في قرية البروة، حيث رُسمت ملامحه من خلال تفاصيل حسية بسيطة: رائحة القهوة وخبز الأم، وشجر الزيتون، ليكون البيت هنا متطابقاً مع «الوطن» في صيغته الرومانسية المباشرة، حيث تسود علاقة عضوية بين الشاعر والأرض.

ومع نضج تجربة الشاعر وتعمق مأساة الاقتلاع من الأرض، خضع مفهوم البيت لتحوُّل جذري ليُعرّف بضده، أي بالمنفى، أي أنه لا يتحقق ولا يُدرك إلا من خلال فقدانه، وهو ما يسميه النقاد بـ«شعرية الفقد».

إنه ليس ذلك الحيز الذي نسكن فيه، بل هو الذي يسكن فينا كجرح أو كحلم. يظهر البيت أحياناً كفضاء مثير للجدل والمشاعر المتناقضة، على نحو يجمع بين الألفة والوحشة؛ فالمبنى الذي استولى عليه «الآخر» لم يعد بيتاً، بل صار مكاناً غريباً، ما خلق حالة من «الاغتراب في المكان» تستدعي استحضار الأدوات المنزلية البسيطة وتحويلها إلى رمز لمقاومة النسيان، كالمزهريات والشبابيك، والمفاتيح الصدئة، وغيرها من عناصر تعيد بناء الذاكرة في مواجهة محاولات المحو.

في المراحل الأخيرة من أعمال درويش، اتسع مفهوم البيت ليشمل البُعد الكوني والأسطوري، ليتجاوز كل فلسطين وتتقاطع صورته مع القبر والرحم والمطلق. إنه يمثل «العودة الأبدية» إلى الذات، والتصالح مع فكرة أنه قد يكون «قصيدة» أو «إيقاعاً». كما يظهر البيت في هذه المرحلة وكأنه يجسد حالة من «الخفة»، بعد التخلص من «ثقل» الطين، حيث تصالح درويش مع فكرة «الشتات الوجودي»، معتبراً أن الاستقرار الحقيقي يكمن في النص لا في المكان.


«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية
TT

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

«لم يتبق غيرها»... سرد يحبس أنفاس القارئ حتى النهاية

تعد رواية «لم يتبق غيرها» الصادرة عن دار «الكرمة» بالقاهرة للكاتب الأميركي رايلي ساجر، ترجمة عبد الرحيم يوسف، بمثابة نص نموذجي للقارئ الباحث عن حبكة درامية تمزج الإثارة بالرعب، من خلال سرد تشويقي متصاعد ومفاجآت لا تنتهي، ونهاية صادمة غير متوقَّعة، لكاتب مشهور بقدرته على حبس أنفاس القارئ حتى اللحظة الأخيرة، وتُرجمت أعماله إلى أكثر من 35 لغة حول العالم.

تحكي أحداث الرواية كيف أنه في ليلة دامية عام 1929 هزَّت الجريمة المروعة لقتل عائلة هوب ساحل ولاية مين، فيما يعتقد الجميع أن الابنة لينورا ذات الأعوام السبعة عشر هي الفاعلة، ولكن الشرطة لم تتمكن من إثبات ذلك قط، ومنذ ذلك الحين لم تنبس الفتاة بكلمة عن تلك الليلة، ولم تغادر القصر المنعزل حيث وقعت المأساة.

في عام 1983، بعد أربعة وخمسين عاماً تصل كيت مقدمةُ الرعاية الصحية الجديدة إلى القصر لرعاية لينورا، التي باتت عاجزة ومقيَّدة إلى كرسي متحرك، بعد سلسلة من السكتات الدماغية التي أفقدتها صوتها، ولم يعد بمقدورها التواصل إلا عبر آلة كاتبة قديمة.

وذات ليلة، تنقر لينورا مفاتيح تلك الآلة برسالة لم تكن تتوقعها كيت:« أريد أن أخبرك بكل شيء... لم تكن أنا»، هكذا أقسمَتْ، لكنها الوحيدة التي لم تَمُت. وبينما تساعد «كيت» العجوز المقعدة في سرد الأحداث التي سبقت الجريمة المروعة، وتتكشف أسرار دفينة، يبدو أن الحقيقة أكثر غموضاً مما يعتقده الجميع، حتى تبدأ كيت في الشك: هل لينورا العاجزة ضحية حقّاً، أم أنها تخفي وجهاً آخر أكثر خطورة؟

ومن أجواء الرواية نقرأ:

«أول ما أتذكره، الشيء الذي ما زالت تنتابني الكوابيس حوله، هو عندما انتهى كل شيء. أتذكر هدير الريح وأنا أخطو على الشرفة، كانت تهب من المحيط في زوابع عاوية تحتكّ بالمنحدر، قبل أن تصفعني مباشرة وأنا أهتزّ واقفة على كعبي شاعرةً كأن حشداً جامداً غير مرئي يدفعني للوراء نحو المنزل.

آخر مكان أردتُ أن أكون فيه!

استعدتُ توازني مزمجرةً، وبدأت أشقّ طريقي عبر الشرفة التي صارت أرضيتُها زلقةً بفعل المطر المنهمر. كانت تُمطِر بغزارة وحبات المطر شديدة البرودة كأن كل قطرة منها وخزة إبرة، وبسرعة شديدة وجدت نفسي وقد أفقت من حالة الذهول التي كنت فيها، وانتبهت فجأة، وبدأت ألاحظ الأشياء، قميص نومي ملطخ بالأحمر، ويداي دافئتان ولزجتان بالدم.

السكين ما زالت في قبضتي، كانت هي أيضاً ملوثةً بالدم، لكن المطر البارد طفق ينظفها بسرعة. الآن ظللت أتقدّم مخترقةً الريح التي كانت تدفعني إلى الوراء، وأنا ألهث مع كل قطرة مطر حادة، وأمامي كان المحيط وقد أهاجته العاصفة بسياطها، وصارت أمواجه تتحطم على سفح المنحدر تحتي بخمسين قدماً، لا يفصلني عن هوة البحر المظلمة إلا السياج الرخامي القصير الممتد بطول الشرفة. عندما بلغتُ السياج أصدرتُ صوتاً غريباً مخبولاً مخنوقاً نصف ضحكة ونصف نشيج.

استدرت عائدة إلى المنزل، كل نافذة في كل غرفة كانت مضاءة متوهجة مثل الشموع التي زينت كعكة عيد ميلادي متعددة الطوابق قبل ثمانية أشهر، لكني كنت أعرف أن المظاهر خادعة، وأنه حتى السجون قد تبدو جميلة لو أضيئت على نحو صحيح».