ما بين القومية والطائفية.. وقود إشعال نيران التطرف والأصولية

قراءة حول التدخل الروسي في سوريا

طائرة سوخوي الروسية لدى هبوطها في مطار حميميم قرب الاذقية (رويترز)
طائرة سوخوي الروسية لدى هبوطها في مطار حميميم قرب الاذقية (رويترز)
TT

ما بين القومية والطائفية.. وقود إشعال نيران التطرف والأصولية

طائرة سوخوي الروسية لدى هبوطها في مطار حميميم قرب الاذقية (رويترز)
طائرة سوخوي الروسية لدى هبوطها في مطار حميميم قرب الاذقية (رويترز)

أعاد التدخل العسكري الروسي في سوريا فتح الباب على مصراعيه للنظر إلى حالة التضاد القومي والصدام الديني التي شغلت العالم لفترات متقطعة عبر التاريخ، لعل آخرها كان إبان الفترة التي أعقبت أحداث 11 سبتمبر (أيلول) عام 2001 في الولايات المتحدة الأميركية. يبدو اليوم وكأن المشهد البشع يكرر نفسه بصورة مقلقة، لا سيما أن احتمالات الصدام قائمة بين القطبين العالميين موسكو وواشنطن. والخوف كل الخوف في هذه الأيام ألا توجد في الأفق بوادر حلول حقيقية، ناجعة وقابلة للحياة.

هل باتت القوميات المتصاعدة والهويات المتنازعة، عطفًا على المذهبيات المتصارعة، مجالاً لإذكاء نيران التطرف والأصولية حول العالم، لا سيما بعدما تداخلت خيوط السياسي مع خطوط الدين والعرقي؟ وهل أضحى العالم رقعة شطرنج، يحاول البعض عليها تحقيق انتصارات كاذبة، حتى ولو كلف الأمر شعوب بأكملها دمارًا وخرابًا، قتلاً وتهجيرًا غير مسبوقين؟
حكما أن مسألة القوميات في حد ذاتها ليست شأنًا طارئًا أو حديثًا، بل أمر يتصل بالتوزيعات الديموغرافية والجيوبوليتيكية للإنسانية منذ بداية الخلق وحتى الساعة، فقد عاش البشر أقوامًا في شرق الأرض وغربها، وتمايز بعضهم عن البعض باللون أو المعتقد أو طريقة العيش. وعليه، فلا مشكلة إطلاقا في أن يسعى المرء لتعزيز الروح الإيجابية للقومية، أما الخطر الفادح فيتصل بالتعصّب الأعمى لقوم، ومنهجية العزل والإقصاء عند آخرين، وصولاً إلى المعادلة الدوغمائية المطلقة التي تنفي الآخر من الحياة ذاتها، وتحرمه منها دفعة واحدة.
ولعل القرآن الكريم قد أشار إلى مسألة القومية بعين ملؤها الإيجابية، حيث لا تمايز بين البشر وبعضهم البعض إلا بالتقوى والعمل الصالح: «يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ إِنَّ اللَّهَ عَلِيمٌ خَبِيرٌ» (الحجرات: 13).
المؤكد أن العمليات العسكرية الروسية على الأراضي السورية فتحت الباب واسعًا، ومن جديد، للنظر إلى حالة التضاد القومي، والصدام الديني، التي شغلت العالم لفترات متقطعة عبر التاريخ، ربما كان آخرها في الفترة التي أعقبت أحداث الحادي عشر من سبتمبر عام 2001. اليوم يبدو وكأن المشهد يعاد إنتاجه وبصورة تدعو إلى القلق الزائد، لا سيما أن احتمالات الصدام القطبي قائمة بين موسكو وواشنطن، من جراء تصادم في الزحام، أو احتكاك في الظلام، وهذا يعني أن الإنسانية ومن جرّاء صراعات عرقية في الأصل والجوهر، وسياسية وعسكرية في المظهر والمنظر، تواجه في مرحلة تطوّرها الراهنة أخطارًا جديدة لا مثيل لها في التاريخ، والخوف كل الخوف من أن تنعدم بوادر حلول.
هل العودة الروسية إلى الشرق الأوسط، والانطلاق نحو بقية أرجاء المسكونة لا يخلو من انتقام قوميات ومقاصّة عرقيات لما لحق بها من الذلة والمهانة ذات يوم؟
من دون تطويل مُملّ أو اختصار مُخلّ، يرى البعض أن روسيا تحديدًا هي «حجر الزاوية» في الفضاء «الأورو - آسيوي» لهذه الصحوة.. صحوة الهويات القاتلة، الممتزجة بمرارة القوميات التي امتهنت كرامتها في نهاية الثمانينات وأوائل تسعينات القرن الماضي، غداة تفكّك الاتحاد السوفياتي السابق.
قبل سنتين تقريبًا تحدث ديمتري روغوزين نائب رئيس وزراء روسيا، على هامش احتفالات الروس بأعيادهم الوطنية، فقال: «إن هذا اليوم يدفع محبي روسيا للعمل معًا وبجهد فائق من أجل جمع حجارة الصخرة السوفياتية المتناثرة». وكتب على موقع التواصل الاجتماعي «تويتر» ما يلي: «ظهر أول شرخ في الصخرة السوفياتية قبل 24 سنة، ثم تساقطت حجارتها.. وحان لنا أن نلتقط هذه الحجارة».
والشاهد أن صحوة القومية الروسية كانت أمرًا تستتبعه حتمًا موجات من المد الأصولي الديني، داخل أرجاء الجمهوريات السوفياتية السابقة. والمثير أنه حدث داخل أتباع الدين الواحد، أي بين المسيحيين وبعضهم بعضًا، وقبل أن يكون التدخّل الروسي في سوريا مدعاة لأحاديث قومية ومذهبية إسلامية. وهو ما يوضح تمامًا أن خطر صعود القوميات والعرقيات وارتفاع صوت الطائفيات والمذهبيات خطرٌ مهدّد للعالم بأكمله لا عربيًا أو إسلاميًا فقط.
إن الناظر إلى المشهد الروسي - الأوكراني يدرك أبعاد الأمر، إذ كان تصادم القوميات هناك مثارًا لصراع أصوليات طائفية مسيحية، مع الأخذ في عين الاعتبار انتماء معظم الروس والأوكرانيين معًا، للمذهب المسيحي الأرثوذكسي. فلقد انطلقت النزعات بين أرثوذكسيي روسيا وأرثوذكسيي أوكرانيا، وشمل الفراق والشقاق لاحقًا البروتستانت والكاثوليك لا سيما في أوكرانيا. وبلغ الأمر ببطريرك الأرثوذكس الأوكراني فيلاريت إلى التنديد بما سماه «العدوان على أوكرانيا» والدعم الذي تقدمه روسيا إلى الإرهابيين والانفصاليين.
وهنا للمرء أن يرى كيف أن النزعة القومية تجاوزت الشراكة الإيمانية، وربما باتت الثانية عاملاً محفّزًا مرة، ومفجّرًا مرات أخر ضد الأولى. ولعل المثير هنا أن البطريرك الأوكراني، الذي دفعته الحماسة القومية لوصف «الروس الأرثوذكس» بـ«الإرهابيين»، قد نسي أو تناسى تحت ضغوط العرق والقومية، أن الكنيسة الأرثوذكسية الروسية عملت طوال سبعة عقود كـ«حاضنة» للهوية الروسية القيصرية طوال سبعين سنة من حكم البلاشفة الشيوعيين، وحديثًا، دعمت فلاديمير بوتين في مواجهة الأوليغارشيات المتعددة في الداخل الروسي.
لقد أطلق الصراع القومي الذي يخفي في عباءته تجاذبًا جيو - استراتيجيًا عالميًا بين روسيا وحلف شمال الأطلسي (ناتو) حالة من الأصولية الدينية المسيحية المتنامية، التي بلغت حدًا مخيفًا حدا بالانفصاليين الداعمين لروسيا إلى إطلاق النيران على بعض الكنائس الكاثوليكية والاعتداء الجسدي العنيف على القس البروتستانتي سيرغي كوسياك، الذي أقر علانية بتنامي التعصّب الديني في البلاد.
ثمة من يرى أن «قومية» بوتين و«صحوته» على النحو الذي نراه هما في واقع الأمر مدخل سلبي بالمطلق يدعم موجة اليمين الصاعد في أوروبا والمتنامي في أميركا دينيًا وعرقيًا، وأصوليًا ومنهجيًا في فكر الإقصاء.
ويبدو أن ذلك كذلك بالفعل. فاليمين الأصولي المتطرّف في أوروبا اليوم لا يداري أو يواري إعجابه بالرئيس الروسي، بل الأخطر أنه يكاد يغدو رمزًا مقبولاً للفاشية السياسية أو العرقية الجديدة، وكأن آفة أوروبا النسيان. ذلك أن غلاة القوميين اليمينيين يرون في خطاباته الجماهيرية وتوجّهاته السياسية «المثال النموذجي» لازدراء الليبرالية الغربية، وهو ما يؤشر إلى مولد نموذج جديد لسياسة عظمى يقودها حكّام يعملون على استرجاع الماضي التليد لإمبراطورياتهم.
ولا يتوقف «الفيروس الروسي» في واقع الأمر عند حدود أوروبا، بل يعبر المحيط الأطلسي ليجد الجمهوريين في الولايات المتحدة الأميركية في حالة جهوزية فكرية لا تخلو من المرض الأميركي التقليدي «تكافؤ الأضداد في الروح الواحدة». ذلك أنهم بينما يكرهون سياسات بوتين ومغامراته ولا سيما الأخيرة في سوريا، فإنهم يستشهدون بشكل روتيني ببوتين كمثال لـ«الزعيم الحقيقي» على النقيض من رئيسهم باراك أوباما الذي يصفه بعضهم بـ«الضعيف» أو «الهزيل».
الناظر بعين الفحص والتمحيص يلحظ أنه منذ انطلاق أول صاروخ روسي على مواقع «داعش» أو غيرها من الجماعات المعارضة السورية المسلحة على الأرض، نظر الرأي العام في منطقة الهلال الخصيب التاريخية - على الأقل، في جانب كبير منه - إلى الأمر على أنه نزعة قومية روسية تحاول الثأر من الماضي الذي لا يموت حتى وإن أشعل هذا الثأر نيران الطائفية. تلك الطائفية التي هي الوقود المثالي للتطرف والأصولية في الحال والاستقبال.
وفي الواقع، يمكن تفكيك المشهد وقراءته على أكثر من صعيد، فالروس - الذين هم الوريث الشرعي للاتحاد السوفياتي السابق - يتطلعون لقلب الموازين على واشنطن، التي كانت سببًا رئيسيًا في البلاء الأعظم الذي حاق بهم، وبالمذلة التاريخية التي أمسكت بتلابيب الإمبراطورية السوفياتية التي انكفأت على ذاتها لعقدين من الزمان. وفي هذا الإطار بدا وكأن جنرالات الحقبة السوفياتية قد وجدوا في المعركة السورية فرصة للقصاص من الذنوب الأميركية والاقتصاص منها لما عانوه.
على أن المشهد وإن كان قوميًا، ويخلو في تقدير بوتين من تبعات أو استحقاقات دينية وطائفية، كان لا بد له من أن ينفجر على الصعيد الطائفي ليذكي من جديد نيران الأصوليات، ويزخم الراديكاليات في سوريا والعراق، وغيرهما من دول الشرق الأوسط. كيف لا وهي التي لا تزال ذاكراتها الجمعية تعي وتحفظ دون نسيان أو تناسي أزمنة الحروب الغربية التي أطلق عليها البعض «حروب الفرنجة» في تدليل واضح على المسحة والهوية القومية، وقال آخرون إنها «الحرب الصليبية» في دلالة لا تخطئها العين على البعد الديني، وكلاهما يشعل أوار المعركة بشكل أو بآخر.
في الحادي عشر من أكتوبر (تشرين الأول) الحالي أجرت قناة «روسيا» التلفزيونية مقابلة حصرية مع الرئيس فلاديمير بوتين ضمن برنامج «سهرة الأحد». وضمن كلام كثير قاله بوتين أشار إلى أنه «بشكل عام، لا تفرّق بلاده بين الشيعة والسنّة، وأن روسيا في سوريا لا تريد بأي حال من الأحوال أن تنجرّ إلى نزاعات دينية»، ودلل بوتين على صحة كلامه بالقول إن «10 في المائة من سكان روسيا يعتنقون الإسلام، وهم مواطنون روس، مثلهم مثل المسيحيين واليهود».. لكن يبدو أن السيف قد سبقه العذل كما يقال، وأن نيران الاشتباكات الدينية كانت قد انطلقت بطريقة أو بأخرى، مما يؤكد المخاوف التي نتحدث عنها في هذا المقال. وحدث ذلك من خلال ما نسب إلى البطريرك كيريل، بطريرك الكنيسة الأرثوذكسية الروسية، من قوله إن «الحرب الروسية في سوريا حرب دينية هدفها مساعدة مسيحيي الشرق». ومع هذا المنطوق، كان لا بد من النظر إلى المشهد بعين الحرب الدينية. ومع أن المركز الأنطاكي الأرثوذكسي للإعلام في العاصمة اللبنانية بيروت أعاد نشر تصريحات البطريرك كيريل، ودقّق في ترجمتها، ومن ثم أكد بيان صادر من هناك أن «فكر الحرب الدينية لا تشجع عليه الكنيسة الروسية»، ففي الوقت نفسه من غير المسموح أن يبقى أحد غير آبه بمعاناة الشعب السوري.
وعليه، عبّرت الكنيسة الأرثوذكسية الأنطاكية وعبّر بطريركها «عن الأمل في أن تقود المشاركة الروسية في حل القضية السورية إلى جلب السلام المنتظر للمنطقة»، إلا أن ذلك لم يغيّر من اعتبار البعض التصريحات «محاولة دبلوماسية لتمييع الغزو الصليبي الروسي الديني».
والثابت أيضًا أن هناك التباسًا آخر في المسألة السورية. ذلك أن المشهد لا يتوقّف عند القومية الروسية أو الطائفية الأرثوذكسية فحسب، بل ينسحب كذلك على العرق الفارسي وخلفياته التاريخية الدينية المجوسية، ولهذا اعتبر فريق واسع من أصحاب «المنحنيات الأصولية» أن روسيا بالشراكة مع إيران يمثلان حلفًا «مجوسيًا صليبيًا». وفي رأس هؤلاء يمثل هذا «الحلف» مزيجًا قاتلاً من العدائين القومي والديني لا همّ له ولا غاية سوى العمل على إبادة الإسلام والمسلمين في الشرق الأوسط بدءًا من سوريا.
وكانت الردود، كما هو متوقع، سريعة، ولديها من المبرّرات ما يكفي لإقناع الكثيرين بوجهة النظر الطائفية. في مصر وسوريا والعراق وغيرها من الدول العربية اعتبر البعض، وربما للمرة الأولى، أن باراك أوباما كان على حق حين أشار في خطابه من على منصة الأمم المتحدة إلى أن التدخل الروسي في سوريا «سيذكر العالم الإسلامي بالتدخل والاحتلال السوفياتي السافر قبلاً في أفغانستان»، في نهاية السبعينات. وأنه على هذا النحو «يفتح باب الجهاد الديني والراديكالي واسعًا» ما يعيد إنتاج فكرة الجماعات الإسلامية المتطرفة التي تجد لها معينًا وحاضنة فريدة في سوريا اليوم.
ولعل الجرح يتعمّق الآن داخل الإسلام ذاته من جراء التدخل الروسي، إذ وجد تيار من الشيعة «مدخلاً شرعيًا» لإثبات وجوب التدخل الروسي في سوريا، وفي تضامن مع الإيرانيين وبقية الشيعة حول العالم، إذ تم تداول أحاديث كثيرة روّجت لها وسائط التواصل الاجتماعي، ونسبتها إلى بعض أئمة الشيعة قالوا فيها أن بوتين هو حفيد مقاتل نصراني يُدعى «وهب» قاتل مع الحسين ضد يزيد. وأن هناك أحاديث عن أنه من «صلب وهب النصراني هذا سيخرج من ينصر شيعتنا ويجاهد أعداءنا». وبلغ الشطط الفكري والعقائدي عند جماعات متشددة شيعية للقول على موقع «تويتر» أن «وهب الأنصاري اتبع الأمام بعد رؤيته معجزة تدفق البئر من تحت الصخور التي أزالها الحسين، في حين كرّر بوتين مناصرة الشيعة بعدما شاهد صمودهم الأسطوري في وجه (داعش) ومن تحالف مهم».
وفي العراق، جاء الرد سريعًا من قبل مرجع سنّي هو الشيخ عبد الملك السعدي، الذي أشار إلى أن تدخّل إيران وروسيا في العراق «يهدف إلى القضاء على المسلمين من أهل السنّة وتصفيتهم في العراق وسوريا واليمن بذريعة محاربة (داعش) والقضاء على الإرهاب».
ما سبق، في الاتجاهين، من شأنه من دون شكّ تعميق الشرخ الحادث في النسيج الاجتماعي العراقي، المحمول على الوجه الطائفي بين السنّة والشيعة، ويعقّد إلى أبعد حد إمكانية نشوء وارتقاء حالة من السلم الاجتماعي، أو وحدة الكلمة العراقية في مواجهة «داعش». بل أبعد من ذلك أنه يمثل عقبة كؤود في طريق حيدر العبادي، رئيس وزراء العراق، إن فكر في تكرار تجربة الغارات الروسية في العراق، كما حدث مع سوريا.
حديث المؤامرة يبقى خلف الباب رابضًا متشوقًا لأن يتسيّد على العالم برمته. وعليه لا بد من التساؤل: هل من طرف بعينه حول العالم له مصلحة ما في إذكاء نيران القومية وإشعال فتيل الطائفية داخل روسيا ومن خلالها ليضرب أكثر من عصفور بحجر واحد؟ والقصد: هل من طرف يريد أن يحتوي الصحوة الروسية القومية بدايةً، ويفتتها لاحقًا على صخرة العرقيات والمذهبيات، ويوحلها في أوحال الشرق الأوسط الظلامية من جديد؟ وإذا كان ذلك كذلك لماذا يسمح الروس لمثل هذه المخططات بأن تمضي قدمًا؟
في مطلع أكتوبر الحالي، تحدث ديريك شوليه، كبير مستشاري السياسة الأمنية والدفاعية في «صندوق مارشال» الألماني للولايات المتحدة، وخلال فترة إدارة الرئيس أوباما تولى منصب مساعد وزير الدفاع للشؤون الأمنية الدولية، فقال عبارة بالغة الدلالة: «لا تلاحقوا بوتين في سوريا لندعه يفشل من تلقاء نفسه».
حقيقة، لا تعنينا الانتصارات الكاذبة لكل منهما، ذلك أن الحصيلة النهائية هي إشعال الشرق الأوسط بالمزيد من نار الأصوليات، وتركها إرث للأجيال المقبلة.
وهنا أقول إنه في مؤلفه القيم «اختلال العالم» يحدثنا الروائي الفرنسي الجنسية - اللبناني الأصل أمين معلوف عن أوهام الانتصارات التي خيّل للغرب أنه أحرزها غداة سقوط «جدار برلين» وانهيار الاتحاد السوفياتي. غير أن حال العالم المختلّ اليوم يبيّن لنا أن ما جرى كان انتصارًا زائفًا.. وأن المعركة لا تزال دائرة. إنها صراع عالمي وقوده القوميات والأديان.



«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».


ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
TT

ألمانيا... صعود {اليمين المتطرف}

انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)
انتشار أمني عقب وقوع مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة وسقوط 9 قتلى في مدينة هاناو الألمانية قبل بضعة أيام (إ.ب.أ)

عندما وصف رجل ألماني في شريط على «يوتيوب» سوسن شبلي، السياسية الألمانية الشابة من أصل فلسطيني، والتي تنتمي للحزب الاشتراكي الديمقراطي، بأنها: «دمية متحدثة باسم الإسلاميين»، ظنت أن محكمة ألمانية سترد لها حقها بعد «الإهانة» التي تعرضت لها، ولكنها فوجئت عندما حكمت المحكمة بأن هذه الصفة وغيرها من التي ألصقها بها الرجل، هي «ضمن حرية التعبير التي يصونها القانون الألماني»، وليست إهانة ولا تحريضاً على الكراهية.

في الواقع، لم تكن تلك المرة الأولى التي تتعرض لها شبلي لتوصيفات عنصرية كهذه. فهي وغيرها من السياسيين المسلمين القلائل في ألمانيا، والسياسي الأسود الوحيد كرامبا ديابي، معتادون على سماع كثير من الإهانات، بسبب ديانتهم ولونهم فقط؛ حتى أنهم يتلقون تهديدات عبر البريد الإلكتروني والاتصالات، تصل أحياناً لحد التهديد بالقتل.
ورغم أن هذه التهديدات التي يتعرض لها السياسيون المسلمون في ألمانيا تجلب لهم التضامن من بقية السياسيين الألمان، فإن أكثر من ذلك لا يُحدث الكثير.
في ألمانيا، تصنف السلطات ما يزيد على 12 ألف شخص على أنهم من اليمين المتطرف، ألف منهم عنيفون، وهناك خطر من أن ينفذوا اعتداءات داخل البلاد.
يشكل اليمينيون المتطرفون شبكات سرية، ويتواصلون عادة عبر الإنترنت، ويتبادلون الأحاديث داخل غرف الـ«تشات» الموجودة داخل الألعاب الإلكترونية، تفادياً للمراقبة.
وفي السنوات الماضية، ازداد عنف اليمين المتطرف في ألمانيا، وازداد معه عدد الجرائم التي يتهم أفراد متطرفون بارتكابها. وبحسب الاستخبارات الألمانية الداخلية، فإن اعتداءات اليمين المتطرف زادت خمسة أضعاف منذ عام 2012.
وفي دراسة لمعهد «البحث حول التطرف» في جامعة أوسلو، فإن ألمانيا على رأس لائحة الدول الأوروبية التي تشهد جرائم من اليمين المتطرف، وتتقدم على الدول الأخرى بفارق كبير جداً. فقد سجل المعهد حوالي 70 جريمة في هذا الإطار بين عامي 2016 و2018، بينما كانت اليونان الدولة الثانية بعدد جرائم يزيد بقليل عن العشرين في الفترة نفسها.
في الصيف الماضي، شكل اغتيال سياسي ألماني يدعى فالتر لوبكه، في حديقة منزله برصاصة أطلقت على رأسه من الخلف، صدمة في ألمانيا. كانت الصدمة مضاعفة عندما تبين أن القاتل هو يميني متطرف استهدف لوبكه بسبب سياسته المؤيدة للاجئين. وتحدث كثيرون حينها عن «صرخة يقظة» لأخذ خطر اليمين المتطرف بجدية. ودفن لوبكه ولم يحدث الكثير بعد ذلك.
فيما بعد اغتياله بأشهر، اعتقل رجل يميني متطرف في ولاية هسن، الولاية نفسها التي اغتيل فيها السياسي، بعد أن قتل شخصين وهو يحاول الدخول إلى معبد لليهود، أثناء وجود المصلين في الداخل بهدف ارتكاب مجزرة. أحدثت تلك المحاولة صرخة كبيرة من الجالية اليهودية، وعادت أصوات السياسيين لتعلو: «لن نسمح بحدوثها مطلقاً مرة أخرى»، في إشارة إلى ما تعرض له اليهود في ألمانيا أيام النازية. ولكن لم يحدث الكثير بعد ذلك.
وقبل بضعة أيام، وقعت مجزرة في مقهيين لتدخين النارجيلة في مدينة هاناو في الولاية نفسها، استهدفا من قبل يميني متطرف لأن من يرتادهما من المسلمين. أراد الرجل أن يقتل مسلمين بحسب رسالة وشريط فيديو خلَّفه وراءه بعد أن قتل 9 أشخاص، ثم توجه إلى منزله ليقتل والدته، ثم نفسه. أسوأ من ذلك، تبين أن الرجل كان يحمل سلاحاً مرخصاً، وينتمي لنادي الرماية المحلي.
بات واضحاً بعد استهداف هاناو، أن السلطات الألمانية لم تولِ اليمين المتطرف اهتماماً كافياً، وأنها لا تقدر حقيقة خطره على المجتمع، رغم أنها كشفت قبل أيام من جريمة هاناو عن شبكة يمينية متطرفة، كانت تعد لاعتداءات على مساجد في أنحاء البلاد، أسوة بما حصل في كرايستشيرش في نيوزيلندا.
وجاء الرد على اعتداء هاناو بتشديد منح رخص السلاح، وبات ضرورياً البحث في خلفية من يطلب ترخيصاً، على أن يرفض طلبه في حال ثبت أنه ينتمي لأي مجموعة متطرفة، ويمكن سحب الترخيص لاحقاً في حال ظهرت معلومات جديدة لم تكن متوفرة عند منحه. كما يبحث وزراء داخلية الولايات الألمانية تأمين حماية للمساجد وللتجمعات الدينية للمسلمين واليهود.
ولكن كل هذه الإجراءات يعتقد البعض أنها لا تعالج المشكلة الأساسية التي تدفع باليمين المتطرف لارتكاب أعمال عنف. وفي كل مرة تشهد ألمانيا اعتداءات، يوجه سياسيون من اليسار الاتهامات لحزب «البديل لألمانيا» اليميني المتطرف، بالمسؤولية عنها بشكل غير مباشر. ويواجه الحزب الذي دخل البرلمان الفيدرالي (البوندستاغ) للمرة الأولى عام 2018، وبات أكبر كتلة معارضة، اتهامات بأنه «يطبِّع سياسة الكراهية»، وبأنه يحرض على العنف ضد اللاجئين والمهاجرين، من خلال ترويجه لخطاب الكراهية. وحتى أن البعض ذهب أبعد من ذلك بالدعوة إلى حظر الحزب للتصدي للعنف المتزايد لليمين المتطرف.
والواقع أن مشكلة اليمين المتطرف تزداد منذ أن دخل «البديل لألمانيا» إلى «البوندستاغ». فهو - كما حملته الانتخابية - يركز خطابه على مواجهة سياسة اللاجئين التي اعتمدتها حكومة المستشارة أنجيلا ميركل. وكثير من الأسئلة التي يتقدم بها نوابه في البرلمان تهدف لإثبات خطأ هذه السياسة، وعدم قدرة اللاجئين على الاندماج. ورغم أن نوابه في البرلمان يحرصون على عدم تخطي القانون في خطاباتهم، فإن كثيراً من السياسيين المنتمين لهذا الحزب؛ خصوصاً في الولايات الشرقية، لا يترددون في الحديث بلغة لا يمكن تمييزها عن لغة النازيين. أبرز هؤلاء السياسيين بيورغ هوكيه الذي لم يستطع أعضاء في حزبه تمييز ما إذا كانت جمل قرأها صحافي لهم، هي مقتطفات من كتاب «كفاحي» لهتلر، أم أنها أقوال لهوكيه.
كل هذا خلق أجواء سلبية ضد المسلمين في ألمانيا، وحوَّل كثيرين من الذين ولدوا لأبوين مهاجرين إلى غرباء في بلدهم. في هاناو، يقول كثيرون من الذين فقدوا أصدقاءهم في المجزرة، بأنهم لم يعودوا يشعرون بالأمان، ولا بأنهم جزء مقبول من المجتمع. وبعضهم يرى أنه ما دام حزب «البديل لألمانيا» مقبولاً بين الأحزاب الأخرى، فإن خطاب الكراهية سيستمر، والجرائم كالتي حصلت في هاناو ستتكرر.
ما يزيد من هذه المخاوف ومن الشبهات، أن السلطات الألمانية لم تأخذ خطر اليمين المتطرف على محمل الجد طوال السنوات الماضية. وهناك فضائح متتالية داخل المؤسسات الأمنية تظهر أنها مليئة بمؤيدين أو متعاطفين مع اليمين المتطرف؛ خصوصاً داخل الشرطة والجيش. ويواجه رئيس المخابرات الداخلية السابق هانس يورغ ماسن اتهامات بأنه متعاطف مع اليمين المتطرف، وهو ما دفع جهازه لغض النظر عن تحركاتهم طوال السنوات الماضية، والتركيز عوضاً عن ذلك على خطر الإسلام المتطرف. ومنذ مغادرته المنصب، أصدرت المخابرات الداخلية تقييماً تقول فيه بأن خطر اليمين المتطرف بات أكبر من خطر الإسلام المتطرف في ألمانيا.
وطُرد ماسن الذي ينتمي للجناح المتطرف في حزب ميركل (الاتحاد المسيحي الديمقراطي) من منصبه، بعد اعتداءات كيمنتس في صيف عام 2018، بسبب رد فعله على التطورات هناك. وعارض ماسن ميركل في قولها بأن شريط فيديو من هناك أظهر ملاحقة نازيين جدد للاجئين، شتماً وضرباً. وخرج ماسن ليقول بأنه لم يتم التثبت من الشريط بعد، ويشكك في وجود نازيين جدد هناك. وكانت تظاهرات كبيرة قد خرجت ضد لاجئين في كيمنتس، بعد جريمة قتل ارتكبها لاجئان (عراقي وسوري) بحق أحد سكان البلدة.
وتعرض كذلك لانتقادات بعد جريمة هاناو لقوله بأن الرجل يعاني من اضطرابات عقلية، وهو الخط نفسه الذي اتخذه حزب «البديل لألمانيا» عندما رفض طبع المجرم بأنه يميني متطرف؛ خصوصاً أن الأخير تحدث في شريط الفيديو عن «التخلص» من جنسيات معينة من دول عربية ومسلمة.
ويعيد ماسن صعود عنف اليمين المتطرف لموجة اللجوء منذ عام 2015، إلا أن ألمانيا شهدت عمليات قتل وملاحقات عنصرية قبل موجة اللجوء تلك. ففي عام 2011 كشف عن شبكة من النازيين الجدد عملت بالسر طوال أكثر من 12 عاماً، من دون أن يكشف أمرها، ما سبب صدمة كبيرة في البلاد. ونجح أفراد هذه الشبكة في قتل تسعة مهاجرين لأسباب عنصرية بين عامي 2000 و2007، إضافة إلى تنفيذهم 43 محاولة قتل، و3 عمليات تفجير، و15 عملية سرقة.
وقبل اكتشاف الخلية، كانت الشرطة تستبعد أن تكون عمليات القتل ومحاولات القتل تلك تتم بدوافع عنصرية، رغم أن جميع المستهدفين هم من أصول مهاجرة. وعوضاً عن ذلك، كانت التخمينات بأن الاستهدافات تلك لها علاقة بالجريمة المنظمة والمافيات التركية.
ورغم أن الكشف عن ارتباط هذه الجرائم باليمين المتطرف زاد الوعي الألماني لخطر هذه الجماعات، وأطلق نقاشات في الصحافة والمجتمع والطبقة السياسية، فإن التعاطي مع الجرائم التي لحقت، والتي اشتبه بأن اليمين المتطرف وراءها، لم يكن تعاطياً يحمل كثيراً من الجدية.