الفكر العربي وطور «داعش» في دراسة الأصوليات الإسلامية

أركون في إلحاحه على خطر القراءة الصحافية والتسطيحية والخبرية دون الفكرية للحركات الأصولية

في الاطار الراحل محمد أركون
في الاطار الراحل محمد أركون
TT

الفكر العربي وطور «داعش» في دراسة الأصوليات الإسلامية

في الاطار الراحل محمد أركون
في الاطار الراحل محمد أركون

مع صعود الحركات الأصولية، بتنوعاتها واتجاهاتها المختلفة، صعدت مسألتها في الفكر العربي المعاصر ومشاريعه التجديدية، كأولوية تتقدم حتى على التأسيس للنهضة أو التمكين لها، كون الأصولية تمثل إعاقة عميقة للنهضة والحداثة أولا، ليس فقط على مستوى الحقوق الإنسانية (حقوق المرأة وحقوق الأقليات) بل على مستوى المؤسسات في إصرار بعض اتجاهاتها العنيفة على الانقلاب وابتلاع الدولة، وهو ما لم يشفها منه انتكاساتها ولا متتابعة غلوائها وقتالها بعضها بعضا، ولا ثورات ما عرف بالربيع العربي الذي انتهى خريفا!
نشط الكثير من مفكرينا في قراءة الأصوليات، بدءا من ناصيف نصار الذي سطر فيها كتابه «من التفكير إلى الهجرة: نحو سبيل لنهضة عربية ثانية» وكتب فهمي جدعان عددا من الدراسات والكتب في هذا الاتجاه، وقد انفرد باهتمام خاص بالسلفية وتحديد ملامحها وهويتها، كما درسها علي أومليل في «الإصلاحية والدولة الوطنية» ووضع الراحل عابد الجابري كتابا لدراستها، وأكثر من الاهتمام بها بالخصوص رضوان السيد في «الصراع على الإسلام» وقبله في «سياسات الإسلام» عادل ضاهر في «أولية العقل» وأصدر عبد الجواد يس مؤخرا الجزء الأول من كتابه «الدين والتدين» واهتم بها نقديا عبد الحميد الأنصاري والراحل أحمد البغدادي في الخليج، وغيرهم كثيرون.
لنا ملاحظتان على تعاطي الفكر العربي المعاصر في تقييمه لدراسات الحركات الإسلامية في العالم، تعيق تأثير الحداثة الفكرية وقيمها وتبقيها فوقية غير ملتحمة ميدانيا مع طرح التطرف، وإن كان المثقفون لا يتحملون مسؤولية ذلك وحدهم ولكن السياسات الثقافية والإعلامية في المقام الأول، وإلى الملاحظتين:
1 - اهتمامه بالنقد البراني دون الجواني لخطاب هذه الحركات في الغالب، وأنه لم يلتحم بغير خطاب الإخوان والقطبية في الأغلب الأعم، دون التحام نقدي حقيقي بالحركات العنفية والجهادية بالخصوص، بدءا من الجماعات الجهادية القطرية وصولا لـ«القاعدة» و«داعش».
2 - غلبة النقد غير المباشر عبر الاهتمام بالآيديولوجيا ونقدها، أو الاهتمام بالتراث الكلامي والفلسفي دون الفقهي - ربما باستثناء رضوان السيد وفهمي جدعان - مما جعل المنازلة الفكرية نظرية وغير ملتحمة بنقد هذه الحركات الحديثة نسبيا.
خصص المفكر الكبير الراحل محمد أركون (1 فبراير/ شباط 1928 - 13 سبتمبر/ أيلول 2010) جزءا من كتابه «أين الفكر الإسلامي المعاصر» الصادر أوائل التسعينات لمناقشة دراسات الحركات الإسلامية، وقد ظلت الملاحظتان، وإن ألح على ضرورة تفكيك البنى الخطابية لهذه التيارات والالتحام بها نقديا وقراءة ظاهرة الأصولية أفقيا في ضوء التاريخ الأصولي العالمي، ورأسيا في تكرار ظواهرها وتمثلاتها في التاريخ الإسلامي.
ونتفق مع أركون في إلحاحه على خطر القراءة الصحافية والتسطيحية والخبرية دون الفكرية للحركات الأصولية، دون هذا الالتحام النقدي والفكري، حيث يصنع ما يسميه «الامتثالية الثقافية» بمعنى عدم مناقشة مقولاتها وأفكارها والاكتفاء بأخبارها، استخدام طريقة الصحافي الوصفية والسردية والإخبارية دون طريقة الفقيه والناقد البنيوي.
ويضرب أركون مثالا على ذلك بكتاب جيل كيبل «انتقام الله» وأنه ترجم لتسع عشرة لغة أوروبية، منذ صدوره في سبتمبر 1991 ونال اهتماما إعلاميا كبيرا رغم أنه لا يحمل أي جديد إعلامي كما يشير أركون.
يمكننا اختزال مشكلة دراسة الحركات الإسلامية الحالية في اهتمامها بالأخبار لا بالأفكار، وبالتنظيمات أكثر من التنظيرات، وبالممارسات أكثر من الأسس النظرية لها، ورغم غزارة ما كتب عن قادة هذه التنظيمات بدءا من جماعات الجهاد القطري لـ«القاعدة» وزعيمها الراحل وصولا لـ«داعش» وخليفتها المزعوم لا نجد مثل هذا الاهتمام بأدبياتها ومطوياتها ورسائلها المطبوعة والمنشورة ونقدها النظري والشرعي، الذي كثيرا ما يأتي من خارجها منفصلا عنها وغير محاجج لها.
يرى أركون أن ما واجهته الحداثة العربية التي بزغت في أخريات القرن التاسع عشر وطوال القرن العشرين، تشبه تلك التي حدثت في أوروبا المسيحية أثناء عصر التنوير، وقد تعاطى الإسلام مع الحداثة كما تعاطت الحداثة عبر طريقين: إما أسلمة المعايير والقيم الحداثية أو الصراع الحاد معها، ولكن هذا الصراع الحاد كان أقوى في الإسلام لعدد من العوامل يحددها أركون فيما يلي:
1 - العامل السكاني والديموغرافي: فقد تضاعف عدد المسلمين خلال خمسة وثلاثين عاما بنسبة بين 60 في المائة إلى 70 في المائة، وخلال ثلاثين عاما بعد الاستقلال منتصف القرن المنصرم كانت الزيادة السكانية بنسبة ثلاثة أضعاف أو حتى أربعة أضعاف! فعدد سكان المغرب مثلاً أو الجزائر لم يكن يتجاوز الستة أو سبعة ملايين عام 1950 فأصبح الآن أكثر من ثلاثين مليونا، وأما مصر فقد أصبحت سبعين مليونا أوائل التسعينيات. ولم تكن الدول ولا الاقتصادات ولا المجتمعات مهيأة لاستقبال هذه الأجيال الغزيرة من الشبيبة المتحمسة.
2 - الحداثة الأوروبية قرون وحداثة المسلمين عقود: يرى أركون أنه مما زاد من أزمة النهضة العربية الحديثة أنه بينما نضجت الحداثة الغربية عبر ثلاثة أو أربعة قرون، قد توترت الحداثة الإسلامية والعربية في عقود قليلة، أربعة أو خمسة، منذ توترت فيها علاقتها مع الغرب الذي رأته حديثا كما رأته مستعمرا وكذلك مع الذات بعد أن انقطعت تاريخيا عن الإسلام الكلاسيكي بين القرنين الأول والسادس الهجري، ويرى أركون أن هذه النقطة تمثل «إحدى أكبر نقاط الضعف الخاصة بكل الأدبيات الصحافية والسياسية بل وحتى السوسيولوجية المرتكزة على الحركات الإسلامية الحالية».
3 - افتقاد الجهاز الفكري للحداثة: يشير أركون أن الفكر الإسلامي المعاصر يفتقد الجهاز الفكري والمصادر والإمكانات الثقافية والعلمية للحداثة، بينما شجعت عليها الديمقراطية الليبرالية والرأسمالية الفاتحة وفلسفة حقوق الإنسان في الغرب.
ويرى أركون أن هذا أنتج عربيا صرخات انفعال وعنفا هائجا ورفضا مسعورا لخطاب الإسلاموية المعاصرة، ولكن دون خطاب نقدي وجذري قادر على إزاحتها، لبعثرة ممثليه الحقيقيين وفقدانه الأطر والقواعد الاجتماعية القادرة على التعبئة التي يمتلكها الإسلاميون.
4 - ترييف المدن وتحويل الفلاحين لبروليتاريا: يرى أركون أن تحويل الفلاحين والبدو إلى بروليتاريا رثة في المدن التي تعشعش فيها الفوضى وازدحام السكان، ثم الطلاق الكائن بين الدولة والمجتمع المدني والهيمنة الشمولية للحزب الواحد تشكل علامات على حصول وتفاعلات غير مسيطر عليها.
من النقاط المهمة كذلك التي يلح عليها الراحل محمد أركون هو وجود متخيل ديني مشترك بين مختلف الحركات الأصولية، اليهودية والمسيحية والإسلامية على السواء، مجتمعات الكتاب كما يسميها، وأنه ليس الإسلام حالة خاصة في ذلك، إلا بالمعنى السوسيولوجي والثقافي والاقتصادي ليس غير.
يستخدم أركون في مقاربته المنهجية التي لم تستمر لدراسة الحركات الإسلامية عددا من المفاهيم التي تفيد البحث الراهن في هذا المجال، ويمكننا أن نشير لثلاثة منها:
1 - مفهوم «المتخيل»: وهو المفهوم القادم من حقل الأنثروبولوجي أحد المفاهيم المهمة التي يستخدمها أركون وينتقد عدم استخدام الاستشراق الأنثروبولوجي المعاصر له، فالإنسان لا تسيره فقط الحوافز المادية والاجتماعية والاقتصادية ولكن تسيره أيضا الصور الخيالية واليوتوبيات التي يؤمن بها وباستعادتها.
2 - مفهوم الدين والتدين أو التأسيس والآيديولوجيات الفرعية: حسب مصطلحات فوكو، عبر تفريقه بين مستوى القرآن ومستوى التركيبات الكلامية والفقهية والتفسيرية التأويلية له، فينزع عنها احتكار المقدس، وهو ما كثر استخدامه بتعبيرات مختلفة من عدد من الباحثين والمفكرين العرب الآخرين، ويدعو في ذلك للاستفادة من مخرجات تاريخ الأديان المقارن وتاريخ الأصوليات المقارنة.
3 - مفهوم مجتمعات أم الكتاب: حيث يرى أركون أن هناك متخيلا مشتركا لكل المجتمعات المشكلة من تراث الكتب السماوية أو الكتاب الموحى، فالتوراة والأناجيل والقرآن كتب كونية أدخلت رؤيا ما عن التـأله وعن مكانة الإنسان وعلاقته بإله حي متعال، وعممتها وحملتها ثقافات كبرى، بلورتها تدينا وقوانين فقهية مثلت فيما بعد «قاعدة ارتكازية من أجل التوسع الآيديولوجي للحق، وبالتالي من أجل تشكل وانتشار المتخيلات الاجتماعية ضمن خط الأصولية والتزمت».
حيث تحول الأصولية ويستهدف خطابها تحويل الخطاب الديني المفتوح، والمتعدد الدلالات والاتجاهات، إلى أصل لكل قانون صحيح يوجه البشر في دنياهم وأخراهم، وينزع ممثلوها نحو التمامية أي المحافظة على نزاهة الوحي وشموليته وبلوغهم درجة التطابق معه أو مع ما يتصورونه هو. ومن الرؤى التفسيرية التي يطرحها أركون أن العلمانية الديكتاتورية تنتج مع الوقت أصوليات منغلقة، ومثل لذلك بأربعة نماذج، هي نموذج الدولة والآيديولوجية الناصرية (1954 - 1970) ونموذج الدولة وآيديولوجيا جبهة التحرير الوطني (1962 - 1991) ونموذج الدولة والآيديولوجيا البعثية في العراق وسوريا (1968 - 1991) ونموذج الثورة الخمينية على نظام الشاه سنة 1979.
ويشير أركون: «إن فرحة الظفر باستعادة السيادة والاستقلال السياسي والآمال التي علقها البشر على (الدولة - الوطن - الحزب الواحد) قد فعلت فعلها في الجماهير بواسطة الموضوعاتية الإسلامية والشعارات الإسلامية، بعد الفشل الكبير الذي حدث في نكسة 1967». ويضيف عن الحالة الخومينية أن الإيرانيين قد وجدوا في سيرة النبي والأئمة وما حملته الشعاراتية الخومينية سبيلا لحقوق الإنسان وتحقيق آمالهم بعيدا عن الدولة التي أهملتهم وفشلت في تحقيق وعودها لهم.
ويربط أركون بين التصورات التاريخية المثالية المشتركة بين القوميين الذين حكموا في فترات ما بعد الاستقلال والحركات الأصولية التي صعدت وتسعى للحكم على أنقاضهم! فكلاهما يمتلك رؤيا متزمتة تفترض في مجال الثقافات والحضارات وجود استمرارية تاريخية تمجدها وتنفي أي نقص عنها، دون تمحيص علمي للوقائع التي تكذب هذه الصورة المتخيلة للماضي المراد إسقاطه على الواقع، وهو ما يمثل الرأسمال الرمزي لهذه الحركات التي تستثمر فيه وتوظفه، حسب تعبير أركون الذي اقتبسه عن بيير بورديو.
ونحت أركون مصطلح الحركات التمامية للتعبير عن طموح الأصوليات الدينية للتوصل إلى إسلام العصر التأسيسي (610 - 632-661 ميلادية) بتماميته وكليته، وقد أجاد مترجمه الأستاذ هاشم صالح نحت هذا المصطلح تعبيرا عن ذلك، وهو تعبير مناسب جدا لبعض الحركات الأصولية غير السياسية التي تحاول التمام عبر سلوكيات وشكليات في تفاصيل حياتها من مأكل وملبس تتماهى فيها مع المثال التاريخي بالخصوص.
طور «داعش» وجهود الفكر العربي:
بعيدا عما ألح عليه أركون من ضرورة الالتحام النقدي والفكري مع الظاهرة الأصولية العربية، واختلافنا معه أن كثيرا منها جاء مع تناقض الاستعمار والحداثة في الوعي العربي، حيث نراها منتجا انفعاليا لسقوط ما يسمى «الخلافة» سنة 1924 وتراجع الحضور العربي والإسلامي واستنفارها الهوياتي ثم الحركي في مواجهة أخطار سياسية ودينية - تبشير وما شابه - مصبوغا بحلم وحدوي قديم وجديد وراهن رأوا في الخلافة وسيطا محتملا لتحققه.. إلا أننا نرى أن ما طرحه أركون وما طرحه غيره من المفكرين سواء القادمين من خلفية كلامية أو فقهية في غاية الأهمية في القراءة المعاصرة لحركات العنف الديني والسلفية الجهادية لخطورة ما تطرحه وما تستند إليه من مقولات تراثية، فهي سلفية المصدر جهادية المنهج، وليست كلامية أشعرية كما كانت حركات الإسلام السياسي، مما يستعيد وبقوة أهمية التراث وقراءته في الالتحام معها، بعيدا عن الترويج التسطيحي والسجالي معها فقط.



«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
TT

«قلبي مليان بحكايات» تستعيد اليوم الأخير في حياة داليدا

كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)
كريمة نايت في جزء من العرض (الشرق الأوسط)

تستعيد مسرحية «داليدا... قلبي مليان بحكايات» اليوم الأخير في حياة المطربة العالمية، وتقدِّم قراءة درامية لمشاعر الوحدة والخذلان التي سبقت وفاتها في منزلها بحي مونمارتر في باريس، قبل 39 عاماً. فقد توفيت في 3 مايو (أيار) 1987، عن 54 عاماً، وتركت رسالة كتبت فيها: «سامحوني، الحياة لم تعد تُحتمل».

يُستهلّ العرض بعزف على الكمان لأغنيتها الشهيرة «حلوة يا بلدي»، التي يستمد عنوانه من أحد مقاطعها، وتعبّر عنها طفلة ترقص الباليه. وتبدأ الأحداث قبل ساعات من رحيل داليدا، وسط شعورها بالوحدة والضياع، لكن العرض لا يسقط في فخ الميلودراما، بل يقدّم رؤية موسيقية غنائية استعراضية صاغها المخرج حمدي العربي.

الفنانة داليدا (أرشيفية)

وتجسّد الفنانة الجزائرية كريمة نايت شخصية داليدا، فيما تحضر المطربة الراحلة في خلفية المسرح، عبر مشاهد من حفلاتها وصور لها بتقنيات الذكاء الاصطناعي.

في المشاهد الأولى للمسرحية، التي قُدّمت على مسرح الهناجر بدار الأوبرا المصرية، تستيقظ داليدا وداخلها شعور خانق بالوحدة والضيق، وكأنها تتعرض للمطاردة من وجوه عديدة غير واضحة الملامح، تكثّف حضورها شاشة العرض في خلفية المسرح. وتمزّق ملابسها التي تظهر بها في الحفلات، وتستعيد حواراً مع والدتها حين كانت طفلة.

وتتوالى المشاهد بين الإبهار في أزياء البطلة وبقية المشاركين والإضاءة اللافتة، ولحظات تتسم فيها داليدا بالحيوية، وأخرى تبدو خلالها منكسرة وضعيفة.

وتغنّي «أنا الديفا»، معبّرة عن إحساسها بالنجاح واعتزازها بما قدّمته، قبل أن يلاحقها الإحباط وتحيط بها مشاعر الوحدة بعدما ضاقت بقيود الشهرة؛ فتغنّي: «أنا مش مانيكان، أنا روح إنسان، مش وردة بلاستيك على رسمة فستان».

وتقدّم كريمة نايت أغنيات لداليدا بصوتها، من بينها «Je suis malade»، التي تعبّر عن حزنها وإحساسها بالمرض، وترافق أداءها بالرقص الإيقاعي والاستعراض مع فريق من راقصي الباليه. وتشارك في الأداء التمثيلي شيري أحمد وتمارا مصطفى حجاج.

وأكد مخرج العرض، الفنان حمدي العربي، الذي يقيم بين مصر وألمانيا، في حديث مع «الشرق الأوسط»، أنه ظل يعمل على العرض منذ سنوات، عادّاً المطربة الراحلة مصدر إلهام له. وقال: «صدمني مثل كثيرين خبر انتحارها رغم أنها حققت أمجاداً عالمية».

ملصق العرض المسرحي (الشرق الأوسط)

وأضاف: «رحلتها جمعت بين القوة والضعف، وهذه القوة مكّنتها من تحقيق كل هذه المكانة العالمية، ثم حين تعود إلى بيتها تجد نفسها وحيدة وضعيفة رغم كل الحب الذي أحاطها به الجمهور في كل مكان. فقد كانت تتوق لكي تكون أمّاً ولم تستطع، كما أن الذين أحبتهم أنهوا حياتهم».

وأوضح العربي أنه أنتج العرض بشكل مستقل، وأنه يسعى إلى تقديمه كلما توافرت له فرصة، متطلعاً إلى عرضه في مدن عربية وأجنبية خلال الفترة المقبلة.

وعن اختياره بطلة لا تشبه داليدا في الشكل، قال إنه قصد ذلك، ولا يعنيه التطابق الشكلي بينهما؛ لأنه لا يقدّم بطلة تقلّد داليدا وتتشبّه بها، بل يهمّه أن تعبّر عن روح الفنانة الراحلة.

وأضاف: «كريمة نايت تتمتع بطاقة فنية عالية مطربة وراقصة للرقص الحديث وممثلة لها مسيرة طويلة، وقد جعلتها أيضاً تغنّي أغنيات داليدا دون الاستعانة بتسجيلات صوتية للفنانة الراحلة».

ولعبت الموسيقى دوراً كبيراً في العرض المسرحي، بمشاركة شريف الوسيمي، الذي عَدّه المخرج شريكاً رئيسياً في جميع عروضه، لما يتمتع به من موهبة، ولما يجمعهما من تفاهم.

المخرج وفريق العمل يوجهون تحية للجمهور في نهاية العرض (الشرق الأوسط)

وأشار المخرج إلى عمله في بداياته عارضاً في فيديوهات أغنيات عدة لمطربات، من بينها «وحياتي عندك» لذكرى، و«كل دي إشاعات» لسميرة سعيد. كما أخرج عروضاً مسرحية في مصر، من بينها «فاوست»، التي قدّمها برؤية شعبية مصرية، وتناول سيرة أسطورة الباليه «نورياف» في عرض مسرحي قام ببطولته ممدوح حسن.

وُلدت المطربة الإيطالية الأصل يولاندا كريستينا جيجليوتي، الشهيرة بـ«داليدا»، في حي شبرا بالقاهرة، وشاركت ممثلة في الفيلم المصري «سيجارة وكأس» للمخرج نيازي مصطفى عام 1955. وحققت نجاحاً منقطع النظير مطربة بعد وصولها إلى فرنسا، وغنّت بلغات عدة، من بينها العربية والفرنسية والإيطالية واليونانية والألمانية، ولها رصيد يتجاوز ألف أغنية. كما لعبت بطولة فيلم «اليوم السادس» للمخرج يوسف شاهين عام 1986.

ويخلّد ذكراها تمثال نصفي برونزي أبدعه النحات أسلان، ونُصب عام 1997 في ساحة داليدا بحي مونمارتر في باريس.


«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
TT

«حزب الله» العراق... صورة حول الفرات بأهداف تتجاوز الأصل اللبناني

أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)
أعلام صفر لـ«كتائب حزب الله» العراق خلال مشاركتها في إحدى الفعاليات (الشرق الأوسط)

ارتبط مسمى «حزب الله» بنوعين؛ أعلام صفراء في لبنان، وحسن نصر الله أمين عام حزب الله، لبنان، لكن النوع العقائدي الأكبر خطورة يسير في دماء العراق، حزب هو بذات الاسم، عقائديون أكبر أثراً في سفك الدماء، حيث يرعون الأمر أكبر من مجرد حزب أصفر له الضاحية الجنوبية في لبنان؛ مسكن ومقر ومشيعون.
بين دجلة والفرات، حزب يسمى كتائب «حزب الله العراق»، له أكثر من 13 عاماً وهو في تشكيله الحالي، ليس بالهين عوضاً عن ميليشيات «الحشد الشعبي» التي أخذت كل الوهج الإعلامي كونها مرتبطة بنظام إيران، لكن «حزب الله العراق» وكتائبه تمر في أزقة السواد وبأخطر من دور ميداني تمارسه «الحشد الشعبي»، لأن العقائدية ونشرها أشد خطورة من ميدان يتقهقر فيه الأضعف، نظراً للضربات الآمنة التي يقودها الحلفاء أولو القوة من غرب الأرض لوقف تمدد النزيف، دائماً ما يكون مصنع الوباء يمر بحزب الله العراق.

قبل أشهر، كان الحزب تعرض لواحدة من أعنف الغارات على مواقعه، بعد هجوم صاروخي استهدف قاعدة التاجي في العراق، وقتل فيها جنديين أميركيين وبريطانياً، وجاء الرد خلال ساعات قليلة بفعل غارات أميركية - بريطانية مشتركة، ضد منشآت لميليشيات حزب الله العراقي في محافظتي بابل وواسط ومنطقة سورية محاذية للحدود العراقية.
نظرة سريعة على حزب الله العراق، من التاريخ، كان عماد مغنية (قتل في 2008 بغارة إسرائيلية في دمشق) الإرهابي اللبناني التابع لإيران، وحزب الله لبنان، كان أحد صنّاع هيكل هذا الحزب في العراق، حيث بدأ في العمل وفقاً لتوجيهات وأوامر نظام الملالي في تكوين حزب يشبه حزب الله اللبناني، وهو ما يبدو أن الأوامر جاءته في تجويد هذا الحزب ليكون بذراعين: عسكرية وعقائدية، ويبدو أن مغنية تجاوز أخطاء عديدة في تشكيل ووهج حزبه اللبناني، فصنع بهدوء هيكلة مختلفة للحزب، جعلت كل المساجد والحسينيات وقوداً يضخ فيها البذور التي يرغبها أولو العمائم.
ظهر الحزب بحضوره الأول بقوام تجاوز 4 آلاف شخص، منتمين بعضويات عدة داخله، وتنامى العدد حتى قبل تصنيف الولايات المتحدة له كـ«تنظيم إرهابي»، لكنه جعل دوره التسويقي للحشد والتنظيم أكبر من مجرد عسكرة، بل فكرة أكثر ارتباطاً في نشر آيديولوجيا عبر مواقع عدة، ومنها تفريخ عناصر في قطاعات مهمة داخل العراق؛ منها وزارة التعليم ووضع لبنات التعاون مع أحزاب دينية؛ منها «الحزب الإسلامي» الذي يتغذى بمنهج الإخوان المسلمين.
ربما ما يدور أن الحزب هو جزء في تكوين «الحشد الشعبي» لكن ذلك يمر بتقاطعات، حيث يشير عبد القادر ماهين، المتخصص في شؤون التنظيمات الإرهابية، إلى أن الحزب يظهر كونها جزءاً من تكوين الحشد، لكنه جزء يصنع الكعكة الميليشياوية ويشارك في تسميمها ويعمل على توزيعها في المناطق المجاورة.
يشير ماهين في اتصال هاتفي مع «الشرق الأوسط» إلى أنه لا أمين عاماً للحزب أسوة بحزب الله اللبناني، حيث يظهر فيه حسن نصر الله، مبرراً ذلك أن الفرق بين تكوين الحزبين هو الحاجة والدور، حيث يتمركز في جنوب العراق بعتاد عسكري، له هدف في وضع حضور طاغٍ يحاول تفخيخ الحدود، لأن الهدف يرتبط مع إمبراطورية إيران الكبرى الممتدة، ولا يظهر له الأثر السياسي كممثلين له كما هو الحزب اللبناني ليكون أثره في تشكيل الحكومات والبرلمانات.

إذن ما الدور الذي يلعبه الحزب؟

الحزب كما يرى ماهين، أنه ذو دور عسكري في الأصل، لكن الترتيبات ما بعد 2009 جعلته أكثر قدرة في تكوين فريق احتياط عسكري ليس أكثر وفق الحاجة، يدعم التوجهات والسياسات الإيرانية، لكن ما أخل بتلك القاعدة مشاركته المباشرة في دعم نظام الرئيس السوري بشار الأسد، وأصبح أكثر من 4 أو 5 آلاف جندي مشاركين في السيطرة على مدن سورية تحت إمرة إيران في سوريا التي تتشكل من 4 فصائل مسلحة.
الحزب ليس عسكرياً فقط؛ كان ولا يزال صاحب دور في الترويج العقائدي، وتصوير الحضور الإيراني بشكل إيجابي مزعوم، إضافة إلى عمله الاقتصادي، حيث يدخل عناصره الكبرى في مفاصل مهمة في الاقتصاد العراقي، من شركات اتصالات وشركات نفطية، وأخرى ذات علاقة بقطاع الطيران، وإدارة المطارات والمنافذ، وبعض الأشخاص أبرزهم هادي العامري الذي كان صاحب صولات وجولات حين حمل حقيبة وزارة النقل العراقية في وقت سابق، وكان أبرز مهددي الاستمرار الكويتي في بناء ميناء مبارك الكبير، حيث هددت كتائب الحزب الشركات من الاستمرار بالعمل، وحينها ظهر العامري بأن ذلك المشروع «يغلق القناة الملاحية لموانئ العراق».
مرحلة مختلفة ظهرت، حين عاودت الآلة العسكرية الحزبية لكتائب حزب الله العراق، بالعمل من خلف الصفوف، حيث كانت أبرز مهددي السفارات وأكثر ملغمي مسارات الحلول السياسية، بل ومن رمى بقادة العراق اليوم في تحدي أن يرضخوا أمام شعب بدأ في كراهية الحضور الإيراني، وكان الحزب أبرز علامات استهداف المتظاهرين في العراق في كل البلاد، بغية كسر حدة السيوف الشعبية لتصبح مجرد مقبض دون رأس حربة كي يحافظ الحزب على الوجود الإيراني، خصوصاً أنه أبرز متلقٍ للأموال من نظام إيران وأكثرها غناءً.
الدور الاقتصادي لكتائب حزب الله العراق أصبح أكثر وضوحاً، حيث كان أكبر المنتفعين في عام 2015، من «الفدية القطرية» التي وصلت إلى أكثر من مليار دولار، مقابل إطلاق سراح قطريين كانوا يقضون وقتهم في الصيد جنوب العراق، ورغم أن الأنباء قالت إن الخاطفين لعدد من أبناء الأسرة الحاكمة القطرية ومعاونيهم الذي بلغ 28 شخصاً، كانوا من تنظيم «داعش»، لكن التقارير المسربة لاحقاً في بدايات 2016 حيث جرى تخليصهم وعودتهم إلى قطر، كانوا يتبعون لكتائب حزب الله العراق، وهو ما ينافي الرواية الرسمية القطرية التي تقول إنها دفعت المبلغ للحكومة العراقية.
الدور المستقبلي لن ينفك عن منهجية تتقاطع مع حزب الله اللبناني، حيث لدى الحزب اليوم الرؤى ذاتها، خصوصاً في اعتماد سياسة «افتعال الأزمات»، كي لا ينكسر الحضور الإيراني ونفوذه في المؤسسات الدينية وبعض السياسية، التي يجد فيها بعضاً من رجاله الذين يقبعون في سياسة تخفيف الضغط على النظام السياسي ومحاصصته التي تستفيد منها ميليشيات إيران في العراق، وما بعد مقتل قاسم سليماني، غربلة يعيشها الحزب الذي يجرب يوماً بعد آخر أسلوب التقدم خطوة بخطوة، مستفيداً من تكتيك الفأر في نشر طاعون على أرض هي الأهم لإيران.


«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
TT

«داعش» يسعى بقوة إلى {إثبات وجوده} في 2020

تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)
تدريبات للقوات النيجيرية تحت إشراف القوات الخاصة البريطانية خلال مناورة مكافحة الإرهاب السنوية في السنغال فبراير الماضي (أ.ب)

ارت طموحات تنظيم «داعش» الإرهابي للتمدد مجدداً تساؤلات كثيرة تتعلق بطبيعة «مساعيه» في الدول خلال العام الجاري. واعتبر مراقبون أن «(أزمة كورونا) جددت طموحات التنظيم للقيام بعمليات إرهابية، واستقطاب (إرهابيين) عقب هزائم السنوات الماضية ومقتل زعيمه السابق أبو بكر البغدادي». ووفق خبراء ومتخصصين في الشأن الأصولي بمصر، فإن «التنظيم يبحث عن أي فرصة لإثبات الوجود»، مشيرين إلى «مساعي التنظيم في أفريقيا عبر (الذئاب المنفردة)، ومحاولاته لعودة نشاطه السابق في العراق وسوريا عبر تبني عمليات القتل»، موضحين أن «المخاوف من العناصر (الانفرادية) التي تنتشر في أوروبا وأميركا تتزايد، خاصة وأنها تتحرك بانسيابية شديدة داخل محيطهم الجغرافي».
وقال أحمد بان، الخبير في شؤون الحركات الأصولية، إن «(داعش) مثل تنظيمات الإرهاب تبحث عن فرصة مُناسبة للوجود، ومن الفُرص المُناسبة، وجود أي شكل من أشكال الفوضى أو الارتباك، وعندما تكون جهود الدول موجهة لمحاربة (كورونا المستجد)، فيبقى من الطبيعي أن يسعى التنظيم للحركة من جديد، وانتظار فرصة مناسبة لتنفيذ أهدافه، خاصة أن (داعش) في تعامله مع الفيروس روج لفكرة (أن كورونا عقاب إلهي لأعدائه، على حد زعم التنظيم)، خصوصاً أن (كورونا) كبد أوروبا خسائر كبيرة، وأوروبا في الدعايا الداعشية (هذا الغرب الذي يحارب الإسلام، على حد تصور الداعشيين)، لذا فـ(داعش) يستغل هذا، في مواجهة بعض الارتكازات الأمنية، أو الأكمنة، أو الاستهدافات بالشوارع، لإثارة فازعات، ومن الوارد تنفيذ بعض العمليات الإرهابية».
وأكد عمرو عبد المنعم، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) استغل (أزمة الفيروس) بالادعاء في بيان له مارس (آذار) الماضي، بأن الفيروس (عذاب مؤلم من الله للغرب، خاصة للدول المشاركة في العمليات العسكرية ضده، على حد زعمه)، ويحاول التنظيم نشر الخوف من الوباء، والبحث عن إيجاد مصارف لتمويل العمليات الإرهابية».
ووفق تقرير سابق لمجموعة «الأزمات الدولية» في نهاية مارس الماضي، أشار إلى أن «التنظيم أبدى مع ظهور الفيروس (نبرة شماتة)، وأخبر عناصره عبر افتتاحية جريدة (النبأ) التابعة له في نهاية مارس الماضي، بضرورة استمرار حربهم عبر أرجاء العالم حتى مع تفشي الوباء... وادعى أن الأنظمة الأمنية والدولية التي تسهم في كبح جماح التنظيم على وشك الغرق، على حد قول التنظيم».
ويشير عبد المنعم في هذا الصدد، إلى أنه «بالعودة لزاوية (حصاد الأجناد) في عدد (النبأ) الأخير، زعم التنظيم أنه شن 86 هجمة إرهابية في شهر واحد، هو مارس الماضي، وهو أعلى رقم منذ نهاية نوفمبر (تشرين ثاني) الماضي، الذي سجل 109 هجمات، فيما عُرف بـ(غزوة الثأر) للبغدادي وأبو الحسن المهاجر اللذين قُتلا في أكتوبر (تشرين أول) الماضي في غارة جوية».
ووفق تقارير إخبارية محلية ودولية فإن «(داعش) يسعى لاستعادة سيطرته على عدد من المناطق في سوريا والعراق من جديد، وأنه يحتفظ بنحو من 20 إلى 30 ألف عضو نشط، ولا ينقصه سوى توفر المال والسلاح». وأشارت التقارير ذاتها إلى أن «التنظيم يحاول استغلال انشغال سوريا والعراق بمكافحة الفيروس، لاستعادة سيطرته على مناطق من الصحراء السورية في الغرب، إلى وادي نهر الفرات شرقاً، مروراً بمحافظة دير الزور والمناطق ذات الأغلبية السنية في العراق، والتي لا يزال يوجد فيها بعض عناصره».
ويشار أنه في أبريل (نيسان) الماضي، هاجم التنظيم بلدة السخنة في صحراء حمص، وأسفر عن مقتل 18. وفي دير الزور أعلن التنظيم مقتل اثنين... وفي العراق، قتل ضابط شرطة عند نقطة تفتيش في الحويجة غرب كركوك على يد التنظيم، كما قتل اثنان من مقاتلي البيشمركة الكردية في هجوم للتنظيم أبريل الماضي، كما أسفر هجوم للتنظيم على مطار الصادق العسكري عن مقتل اثنين.
وفي هذا الصدد، قال عمرو عبد المنعم، إن «أكثر هجمات (داعش) كانت في العراق أخيراً، وشهد التنظيم نشاطاً مكثفاً هناك»، مضيفاً: «في نفس السياق دعت فتوى نشرها التنظيم على (تلغرام) للهروب من السجون السورية، وهذا ما حدث، فقد هرب 4 نهاية مارس الماضي، من سجن تديره قوات سوريا الديمقراطية، وفقاً لتقارير إخبارية».
وسبق أن طالب أبو حمزة القرشي، متحدث «داعش» في سبتمبر (أيلول) الماضي، «بتحرير أنصار التنظيم من السجون ...»، وسبقه البغدادي «وقد حرض بشكل مُباشر على مهاجمة السجون في سوريا والعراق».
وبحسب المراقبين «حاول (داعش) أخيراً زيادة حضوره الإعلامي على منصات التواصل الاجتماعي مجدداً، بعد انهيار إعلامه العام الماضي». ورصدت دراسة أخيرة لمرصد الأزهر لمكافحة التطرف في القاهرة «تداول التنظيم تعليمات لعناصره عبر شبكات التواصل الاجتماعي، بالادعاء بأن الفيروس يمثل (عقاباً من الله، ويحتم اتخاذ خطوات لتكفير الذنوب)، وجعل التنظيم الإرهابي - على حد زعمه - السبيل الوحيد للخلاص من الفيروس، والقضاء عليه، هو (تنفيذ العمليات الإرهابية)، ولو بأبسط الوسائل المتاحة». اتسق الكلام السابق مع تقارير محلية ودولية أكدت «تنامي أعداد حسابات أعضاء التنظيم وأنصاره على مواقع التواصل خصوصاً (فيسبوك)، حيث تمكن التنظيم مجدداً من تصوير وإخراج مقاطع فيديو صغيرة الحجم حتى يسهل تحميلها، كما كثف من نشر أخباره الخاصة باستهداف المناطق التي طرد منها في العراق وسوريا، وتضمين رسائل بأبعاد عالمية، بما يتوافق مع أهداف وأفكار التنظيم».
ووفق عبد المنعم فإن «(داعش) يستغل التطبيقات الإلكترونية التي تم تطويرها في الفترة الأخيرة في المجتمع الأوروبي، والتي قدمتها شركات التكنولوجيا والذكاء الصناعي في أوروبا مثل تطبيق Corona-tracker لجمع البيانات عن المصابين، وتوجيه بعض الأسئلة لتحديد نسبة الخطورة، وفرض التنظيم على الأطباء والممرضين في الرقة الحضور اليومي الإجباري، ومن خالف تعرض لعقوبات شديدة».
وعن الواجهة التي يسعى «داعش» التمدد فيها خلال الفترة المقبلة. أكد الخبير أحمد بان، أن «أفريقيا هي الواجهة المفضلة لتنظيمي (داعش) و(القاعدة)، والفترة الأخيرة شهدت تصاعدا لعمليات في الغرب الأفريقي وداخل الساحل، وعمليات داخل موزمبيق، فـ(داعش) في حالة سباق لتصدر المشهد هناك، مع توفر آليات تساعده على ذلك من بينها، تهريب السلاح، وحركة العصابات». فيما أبدى عمرو عبد المنعم، تصوراً يتعلق بـ«زيادة العمليات الإرهابية في نيجيريا، وأنه طبقاً لبيانات صدرت أخيراً عما يُعرف باسم (ولاية غرب أفريقيا) أفادت بوجود أكثر من مائة مقاتل هاجروا لنيجيريا من سوريا والعراق».
وتجدد الحديث في فبراير (شباط) الماضي، عن مساعي «داعش» للوجود في شرق أفريقيا أيضاً، بعدما أظهرت صوراً نشرها التنظيم عبر إحدى منصاته تتعلق بتدريبات على أسلحة تلقاها عناصره في مرتفعات «غل غلا» الوعرة بولاية بونتلاند الواقعة شمال شرقي الصومال.
تعليقاً، على ذلك أكد أحمد زغلول، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، أن «(داعش) يهدف إلى السعي لمناطق بالقارة السمراء، بعيداً عن سوريا والعراق، لـ(تفريغ قدرات عناصره القتالية)، فضلاً عن تأكيد عبارة (أنه ما زال باقياً)».
تقديرات سابقة لمراكز بحثية غربية أشارت أيضاً إلى أن «عدد الذين انضموا لـ(داعش) من أفريقيا منذ عام 2014 في سوريا والعراق يزيد على 6 آلاف مقاتل». وقال المراقبون إن «عودة هؤلاء أو ما تبقى منهم إلى أفريقيا، ما زالت إشكالية كبيرة على أمن القارة، خصوصاً أن كثيراً منهم شباب صغير السن، وأغلبهم تم استقطابه عبر مواقع التواصل الاجتماعي».
فيما قال خالد الزعفراني، الباحث في شؤون الحركات الأصولية، إن «مساعي التنظيم للتمدد داخل أفريقيا سوف تتواصل عبر (الذئاب المنفردة)»، مضيفاً أن «ما يقوم به التنظيم في أفريقيا، والعراق وسوريا أخيراً، لإثبات أن لديه قدرة على تحقيق إنجازات، وأنه (عابر للحدود)، وأنه غير مُتأثر بهزائم سوريا والعراق».
وكان أبو محمد العدناني، الناطق الأسبق باسم «داعش» قد دعا في تسجيل صوتي عام 2014 المتعاطفين مع التنظيم، إلى القتل باستخدام أي سلاح متاح، حتى سكين المطبخ من دون العودة إلى قيادة «داعش»... ومن بعده دعا البغدادي إلى «استهداف المواطنين». وتوعد التنظيم عبر مؤسسة الإعلامية «دابق» بحرب تحت عنوان «الذئاب المنفردة».
في ذات السياق، لفت أحمد بان، إلى أن «التنظيم يسعى لاكتشاف أي ثغرة لإثبات الوجود أو تجنيد عناصر جُدد، خاصة وأن هناك عناصر (متشوقة للإرهاب)، وعندما يُنفذ (داعش) أي عمليات إرهابية، تبحث هذه العناصر عن التنظيم، نتيجة الانبهار».
من جانبه، قال الخبير الأمني اللواء فاروق المقرحي، مساعد وزير الداخلية المصري الأسبق، إن «تنظيمات الإرهاب خاصة (داعش) و(القاعدة) لن تتوانى عن سياسة التجنيد، ومن هنا تنبع فكرة الاعتماد على (الذئاب المنفردة) أو (العائدين) بشكل كبير».
وبينما رجح زغلول «حدوث بعض التغيرات داخل (داعش) عام 2020». قال اللواء المقرحي: «لا أظن عودة (داعش) بفائق قوته في 2020 والتي كان عليها خلال عامي 2014 و2015 نتيجة للحصار المتناهي؛ لكن الخوف من (حرب العصابات) التي قد يشنها التنظيم، لاستنزاف القوى الكبرى»، لافتاً إلى أن «كثيرا من العناصر (الانفرادية) تتحرك في أوروبا وأميركا بانسيابية داخل الدول، وهذا هو الخطر».