مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

كان أقل إنتاجًا من زملائه في «جماعة كركوك» لكنه الأكثر تأثيرًا

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي
TT

مؤيد الراوي.. حياة على الحافة

مؤيد الراوي
مؤيد الراوي

«ليس هذا مؤيد» قلت لنفسي وأنا أهيئها للقاء أخير. ففي الضوء النحاسي الداكن نحو عمق المقهى شبح ينش بيمناه أشباحًا تقطع عليه مجال الرؤية، وبعكازته يتلمس الأرض التي تتموج تحته. مالت قامته وهو يستدير حول نفسه ليستدل على مصدر الصوت الذي يناديه (مؤيد!). تحت الطاقية الشتائية هناك شعاع محرق مس هذا الوجه وأخذ الدم والشعر منه. وفي العينين وقد ضاقتا تيها يغلب العجب. ليقطع علي هاجسي ويؤكده، قال قبل أن يجلس: «هذا ليس مؤيد الذي تعرفه، إنه الربع المتبقي منه». قالها دون أسى كأنه يتحدث عن الآخر. كذبت عليه حين قلت له إنني وجدته أفضل مما تصورت وصور لي، وفي حقيقة الأمر كنت أمرن نفسي على هذه الحقيقة وأنا أدقق في وجهه وأتحاشاه في الوقت نفسه.
لقاؤنا كان في مقهى Semci في حي Kreutzberg التركي ببرلين. هو الذي اختار المكان لأنه يذكره بمقاهي كركوك التركمانية. المكان أليف لمؤيد ولا يريد أن يغادره لمكان آخر. زواياه موجودة في خبايا مخيلته حتى وإن لم يعد يراها. لا ضرورة لأن ينكشف سر المكان لأن سر المكان «لم يستكشف، لأنه صار أليفًا» كما يقول سركون بولص في قصيدة مهداة إلى مؤيد. المشاهد خارج المقهى لا تهم مؤيد، ولا طبيعة المقهى وجلاسه، ما يحتاجه هو مكان لا يستنكر التدخين، خال من الموسيقى أو التلفزيون. ينحي مؤيد المشاهد حوله ويتحاشاها فما يهمه هو الحديث وتبادل الأفكار. سنواتنا الطويلة معًا علمتني أن أقدح المشاهد في ذهنه وأترك له أن يحتويها بالانطباع والفكرة. والأفكار عنده ثابتة ومتغيرة:
الأفكار ممالك تقترن بنا فتوشم جبيننا
نضن بأننا ندعوها كأعراس تدوم، نحتفل بها، أو نطردها عندما لا نريد، لكنها تستملكنا
تأتي إلينا بخفة لص وبسلطة سجان
نجهل كيف تأتي لتسكن فينا
وكيف تصل لتحجرنا
من سجن الأفكار يخرج مؤيد خلال الحديث إلى رحابة الحقل أو سعة البحيرة:
نحن حقل فسيح، تربة خصبة
مفتوحة للبرق وللمطر، تعطي الثمار وتترك الملح
حين أسترجع علاقتي مع مؤيد بوجوده أمامي أو بغيابه عنى يغيب عني للقاء الأول تحت وطأة اللقاء الأخير. أنسى الشاب الطويل الأجعد الشعر المنهمك في الحديث ويأتيني هذا التائه الذي يزيح الأشباح بيده ويطرق الأرض بعكازه.
أتوهم نفسي وأنا في الخامسة والعشرين من عمري قادمًا كما في كل يوم إلى ذات المقهى. أقول لنفسي: مالك ذاهب لنفس المكان ولنفس الشلة ولتسمع ذات الأحاديث؟ ثم أخادع نفسي بأنني ذاهب لاستعارة كتاب، معرفة رأيهم في تحريك ركود مخيلتي من خلال النقاش.. المهم أني أذهب للمقهى، كما في كل ليلة، وأجد كما في كل ليلة، مؤيد وسط الشلة المدمنة عليه والمتأثرة بأفكاره، بجمله القصيرة القاطعة، وحتى بثغرات عربيته عند الكلام.
في مقهى إبراهيم التقيت مؤيد للمرة الأولى في النصف الثاني من الستينات، وفي المرة الثانية ذهبت إلى شقته على مسافة أمتار من مقهانا. الشقة تطل على شاع أبي نواس وربما استوحاها القاص برهان الخطيب في روايته «شقة على شارع أبي نواس». في هذه الشقة يساكنه أنور الغساني الذي كان مشغولاً، بجانب مقاماته العراقية، بنحت مزهرية من الجبس بلون الكفن وإلى جانبه راديو قديم وكبير الحجم قدمه لي أنور «ميزته أنه لا يتكلم». كل ما في الشقة ينضح بكسل الساكنين.. الأفرشة لم تطو ولم تعدل منذ… الله أعلم. والغبار يغطي الأرض وزجاج النوافذ. وكل شيء مبعثر ومتروك في مكانه.
في زاوية غرفة الجلوس تابوت أسند إلى الجدار قال لي مؤيد وهو يحبس ابتسامته «أنام فيه أحيانًا».
في هذه الشقة تلتقي أحيانًا الجماعة التي سميناها «جماعة كركوك». بدت هذه الجماعة (مؤيد الراوي، وفاضل العزاوي، وسركون بولص، وأنور الغساني، وجليل القيسي، وجان دمو، وصلاح فايق، ويوسف الحيدري…) جماعة غريبة ومقطوعة، كأنها قذفت هكذا لبغداد من مدينة أقرب إلى ماكوندوا في «مائة عام من العزلة» لماركيز. وكانت جماعة كركوك تزيد المدينة غرابة في خيالنا. كأنها مدينة صنعت من أساطير وحكايات. في قصص جليل القيسي ويوسف الحيدري تبدو كأنها خرجت من قصص إدغار آلان بو. لا يكتفي مؤيد بالوصف الدائم لمدينته بأنها «خرافية»، إنما يجرد الأسطورة من زمنها «وكركوك، خارج مدينة ما، كانت بالنسبة لي كونًا يؤلف مفاتيح وأقفالاً، بحارًا عميقة القاع، وماكينة للحياة. ليل تجيء إلى نجومه لتفاتحني بأسرارها وبولائمها المضيئة، تجلب لي ملائكتها وتطلق أرواحها المبهمة لكي تحاورني وأحاورها».
حين يتحدثون عن مدينتهم يأتيني خيال القلعة التي نمنا أنا ووالدي تحتها في سطح فندق صغير وقديم. قبل أن أغمض عيني من تعب السفر بدت القلعة فوقي داكنة الجدران، واقفة وحدها وسط سماء فيروزية مغبرة. تزداد ظلمة وتتضخم ظلال جدرانها. ومن الأفق الشمالي يأتي لون جهنمي من النار التي تنفثها الأرض عاليًا فيترك لونه على جدران القلعة ويزيدها هولاً. وقبل أن تخرج المردة السود من مداخلها الضيقة وتنزل إلى عبر سلالمها العريضة نمت من خوف وإحساس بالرهبة. هل هي نفس المدينة التي يتحدثون عنها؟
لاحقًا، رأيت كركوك خارج الضباب حين كتب فاضل العزاوي روايته «آخر الملائكة» بشخصياتها الأليفة: حميد نايلون، وبرهان عبد الله، وخضر موسى، وكتب مؤيد سيرة «المكان الأول» فتعرفنا على شخصيات مثل نيازي بيك، وبديعة خاتون، وقره حسن. آنذاك عرفنا المدينة بتضاريسها وشخصياتها الأليفة.
كما مدينتهم كان كل ما في الجماعة التي جاءت منها غريبًا:
ألقابهم من لبة العروبة (الغساني، الراوي، الحيدري، العزاوي) وهم ليسوا عربًا، بل ثقافتهم عربية.
كل واحد من المجموعة، عدا أنور الغساني، له علاقة ما بشركة النفط عن طريق أخ أو والد كان يعمل فيها وله علاقة ما بالحي الذي أنشأته الشركة للعاملين فيها. مع ذلك كانوا شيوعيين أو يساريين سجنوا وتعذبوا من أجل فكرتهم.
هم فرادى معنا، ولكن حين تكون لهم أسرارهم الخاصة كأبناء مدينة واحدة، ينفصلون عنا ويتحدثون مع بعضهم البعض بلغات تحوي شفرات سرية (بالتركمانية، بالكردية، أو السريانية).
إنهم مختلفون في قومياتهم وأديانهم (تركمان، وأكراد، وآشوريون، وكلدان، وعرب) لكنهم يتعاملون مع بعضهم كأبناء ثقافة عربية، يقرأون ويكتبون بها.. هذه اللغة الأوسع انتشارًا تكاد تغطي أصولهم الأخرى وتشكل لهم هوية أخرى موازية. غرباء كان الكركوكيون الذين أتوا بغداد قبلي وبعدي بأيام، يخزنون قصصًا وحكايات بلغات غريبة. مؤيد كان أقلهم إنتاجًا، لكنه كان أكثرهم تأثيرًا. بكسله العميق، كان مستعدًا لأن يبقى على طول اليوم في المكان الأليف على نفس الكرسي عندما يكون هناك موضوع للنقاش، ناسيًا طعامه ومهرجان الحياة الكبير على مسافة أمتار منه. لم يكن متعالمًا ولا متعاليًا خلال الحديث فهو يجيد الإصغاء، ساحر بهدوء أعصابه، لم أره يومًا غاضبًا أو في خصام حاد، يسخر عندما حتى يعتدى عليه. لا ضغائن تحكمه ولا يجذبه حب يتيه عقله. ساحر بأحكامه المفاجئة والمغايرة. فبعد وصول البعث للسلطة الثانية عام 1968 بدا مؤيد أقلنا فزعًا «ليأخذوا الدولة كلها على أن يتركوا لنا هذه الكومونة!». ففي الزقاق الضيق الذي يقع فيه مقهانا يتوفر كل ما نحتاجه.. المطاعم، والمقهى، والحلاق أبو كاميران، وباعة الفول والفلافل الفلسطينيون. وفي النهاية اليمنى للزقاق وعلى امتداد أبي نواس تتوزع الأماكن التي نرتادها، وفي النهاية اليسرى المكتبات التي نشتري منها الكتب بالدين المقسط.. ماذا نريد أكثر من هذا؟!
كانت مسيرات الفرح تجوب بغداد 1971 احتفالاً بالبيان الذي يمنح حق الحكم الذاتي للأكراد. وكنا أنا ومؤيد على مسافة أمتار من المسيرات فمط مؤيد جسمه ضجرًا: «عجيب! لديهم الحرية في الجبل ويريدون أن يتقاسموا معنا العبودية هنا؟».
في تلك الأعوام نشط المثقفون البعثيون ولديهم السلطة والمال في مساع محمومة لكسب المثقفين لإدارة مكنة البعث الإعلامية. وكان في مواجهتهم التفاف المثقفين حول الحزب الشيوعي، الذي دخل معهم في جبهة (قومية وطنية تقدمية). وفي مواجهتهم رواد هذا المقهى الذين تعاملوا مع البعث ومع الجبهة بارتياب. كنت قليل التردد على اتحاد الأدباء رغم أنه على مسافة دقائق من شقتي في البتاويين. اتحادي هو هذا المقهى الرث وشلتي المحببة ووسطها مؤيد الراوي.
منتصف عام 1969 عمت الصحف حملة ضد البيان الشعري الذي وقعه فاضل العزاوي وسامي مهدي وخالد علي مصطفى وفوزي كريم. كانت الحملة موضوع نقاش مقلق بين مؤيد ورحمان الطهمازي وأنا. مؤيد هو الذي رفع الحملة إلى حافة الخطر ورأى أنها تجاوزت فاضل العزاوي إلى هجوم على الحداثة ككل، وأنها تحمل أبعادًا تتجاوز الأدب إلى السياسة لأن مشروع الحداثة يتناقض مع الفكر المتخلف للجناح العسكري من البعث الذي يرى في كل ما لا يفهمه نوعًا من التآمر على القومية.
يبدو مؤيد عارفًا بما نتحدث عنه، لكنه لن يقبل إلا بما لا يعرف، عارفًا في الوقت نفسه أن هناك شيئًا خبيئًا وراء الباب، لن تطاله الأضواء التي لن نعرف سرها ولن نراها بعد. في مكان آخر وعلى مائدة طرفية في مكان لا أتذكره كنت أتتبعه نقاشًا بين منعم حسن ومؤيد.. مؤيد كان يتحدث بالأفكار العريضة المجردة، بينما يغور منعم في تشخيصاته إلى الأعماق الرطبة، ميال للاعتراف. حين يرتفع حاجباه وتضيق عيناه ويميل في جلسته، أعرف أن مؤيد الذي سيتحدث بعد قليل يتفحص الآن أفكاره وذاته وأن شيئًا مهمًا سيخرج عنه هو الصمت. بين الأفكار الكبيرة والأعماق الضيقة الداكنة كنت معلقًا بين الاثنين.
عدا النقاشات لم أكن أعرف ماذا يكتب مؤيد في تلك الشقة المعلقة فوق شارع أبي نواس. أرى لوحاته غير المنجزة تجمع بين التعبيرية المتوترة والتجريد. على عكسنا جميعًا لم يرني مؤيد يومًا ما يكتبه، وحتى لا يتحدث عن موضوعاته. حين أسأله يقلب الموضوع محرجًا من قلة إنتاجه.
ما يجمعني مع مؤيد في تلك الفترة هو أننا كنا نتحرك على ذات المساحة المربكة بين ذاتنا الوجودية وبين بقايا الالتزام الماركسي. معظم نقاشنا يدور بين قطبي المغناطيس.
بعد كل لقاء مع مؤيد أرجع للبيت وحدي، أطرق أحجار الرصيف قاطعًا المسافات الطويلة وأطرق في الوقت نفسه ذاتي وأفكاري. ذات مرة، وفي جدال مع أصدقاء آخرين اكتشفت فجأة أنني أردد نفس جمله وبنفس لكنته التركمانية فقلت لنفسي: «حذار!». هو الذي حذرني من نفسه، فقد طلب أن أسلم واحدة من رسائله إلى أنور الغساني بعد سفره لألمانيا. الرسالة كانت، ويا للغرابة، مفتوحة، ولم يمنعني حين سألت من قراءتها. حين دخلت قبو الرسالة أفزعتني فيها جملة واحدة (مسوخ كلهم). أغلقت الرسالة ومعها أغلقت نفسي عليه.



«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان
TT

«ملتقى نالا للسرد» يحتفي برائد القصة السعودية محمد علي علوان

الأديب الراحل محمد علوان
الأديب الراحل محمد علوان

تنطلق اليوم (الأربعاء) في الرياض الدورة الأولى من «ملتقى نالا للسرد»، بمشاركة عدد من الأدباء والنقاد والباحثين والمبدعين. وتنظّم جمعية آداب وفنون السرد «نالا» الملتقى على مدى يومين.

وتُخصَّص باكورة دورات الملتقى للقصة القصيرة، التي تحمل اسم «دورة القاص محمد علي علوان»، للاحتفاء بتجربة أحد رواد القصة السعودية، وما قدَّمه من منجز أدبي أسهم في إثراء المشهد السردي المحلي.

وقال يوسف المحيميد، رئيس مجلس إدارة الجمعية والمشرف العام على الملتقى، إن الدورة الأولى تجمع عدداً من الأدباء والأكاديميين والكتّاب والمهتمين بالسرد، مشيراً إلى أن اختيار تجربة القاص علوان يأتي وفاءً لمنجزه الإبداعي وإسهاماته في تطور القصة السعودية. وأكد أن الملتقى يسعى إلى فتح مساحات للحوار والنقد في التحولات التي يشهدها هذا الفن الأدبي، وقضاياه الفنية والجمالية.

ويحتفي الملتقى في برنامجه بالأديب السعودي محمد علي علوان، أحد أبرز كتّاب القصة القصيرة في السعودية، الذي توفي في أغسطس (آب) 2024 عن عمر ناهز 73 عاماً.

وُلد محمد علوان في أبها عام 1950، وحصل على درجة البكالوريوس في الأدب العربي من كلية الآداب بجامعة الملك سعود عام 1974. وعمل في وزارة الإعلام منذ تخرجه، وتولى الإشراف الثقافي في عدد من الصحف والمجلات، كما شغل منصب وكيل الوزارة لشؤون الإعلام الداخلي.

نشر الراحل 6 مجموعات قصصية، وأشرف على الصفحات الثقافية في كل من مجلة «اليمامة» وصحيفة «الرياض» لسنوات عدّة. كما شارك في أمسيات قصصية نظَّمتها الأندية الأدبية وجمعية الثقافة والفنون، وكان عضواً مؤسساً في «مؤسسة عسير للصحافة والنشر».

ويتضمن الملتقى عرضاً مرئياً يتناول جوانب من سيرة القاص الأدبية، إلى جانب تكريمه وتدشين أعماله الكاملة، بما يسهم في توثيق تجربته وإبراز أثرها في مسيرة القصة السعودية.

وإلى جانب الاحتفاء بمسيرة الأديب السعودي علوان، يشتمل البرنامج العلمي في يومه الأول على قراءات نقدية تتناول تجربته، وجلسات تبحث الخصائص الفنية للقصة المعاصرة والثيمات البارزة في القصة القصيرة، إضافة إلى تقديم عدد من الشهادات والتجارب الإبداعية في مجال الكتابة القصصية.

ويبحث المشاركون في اليوم الثاني أثر التحولات المجتمعية والثقافية في القصة القصيرة، وحضور المدينة في السرد القصصي السعودي المعاصر، من خلال أوراق ومداخلات يقدّمها عدد من النقاد والباحثين والمبدعين، بينما تُختتم أعمال الدورة بإعلان التوصيات.

وأنهت اللجان التنظيمية والفنية والإعلامية استعداداتها لانطلاق الملتقى واستقبال المشاركين والضيوف، في خطوة تسعى الجمعية من خلالها إلى ترسيخه منصةً للحوار في فنون السرد، ودعم حضور القصة السعودية ومبدعيها في المشهد الثقافي.


من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري
TT

من يتذكر كلية التربية اللبنانية؟

إلياس خوري
إلياس خوري

إذا كان مقدّراً لكل جيل من الأجيال أن يواجه نصيبه من التحديات، وأن يحمل من السمات الثقافية والفكرية والاجتماعية، ما يمكن أن يصبح إنجازه الخاص وعلامته الفارقة، فإن الجيل الذي سمّي بجيل السبعينات في لبنان هو أحد أكثر الأجيال تميزاً في الدور، وثراءً في التجربة، وتمزقاً بين الخيارات.

على أن الطالع الدراماتيكي لأبناء ذلك الجيل، قد شاء لهم وهم في أوج التفتح أن يشهدوا بأمّ أعينهم هزيمة يونيو (حزيران) عام 1967، وقصف مطار بيروت بعدها بعام واحد، ومظاهرات أبريل (نيسان) الصاخبة بعدها بعامين، وأن يواكبوا في الآن ذاته صعود المقاومة الفلسطينية وحركة اليسار الجديد، بما جعلهم يقفون على التخوم الفاصلة بين لبنانين متبايني الهوية والدور، قبل أن يقضي الاثنان معاً على مذبح التناحر الأهلي.

عقل العويط

وحيث كان من الطبيعي أن تحتضن الجامعة اللبنانية في تلك الفترة الكثرة الكاثرة من أبناء الفقراء والبورجوازية الصغيرة، وفق التصنيف الماركسي التقليدي، وأن تتحول بالتالي إلى بؤرة للتغيير وحركات الاحتجاج على ما اعتُبر آنذاك فساد السلطة وخنوعها ومواقفها السياسية المتخاذلة، فإن كلية التربية بالذات كانت «درة» التاج الجامعي، وواسطة عقده الأثمن.

ولا يعني ذلك أن كل المنتسبين إلى الكلية، كانت لديهم الأهداف ذاتها والطموح إياه، حيث إن بعض الملتحقين بها لم يروا فيها سوى المحطة التي لا بد من اجتيازها، للالتحاق بسلك التعليم الثانوي، الذي يوفر لهم الحد المقبول من الاستقرار والأمن المعيشي. إلا أن البعض الآخر راهنوا من خلالها على ما يتعدى الجانب الدراسي التقليدي، مؤثرين تحويلها إلى واحة متنوعة للتحصيل المعرفي، وإلى مساحة لتلاقح الأفكار، وإلى حاضنة مثلى لمغامرة التجديد وتيارات الحداثة الوافدة.

علوية صبح

على أن الدور الذي أنيط بالكلية، لم يأت من الفراغ المحض ولم يكن وليد الصدفة المجردة، بل تضافرت على تحقيقه عوامل عدة، بينها الامتحانات الجدية والنزيهة، التي كان على الطلاب المتبارين خوضها، لكي يحظوا بفرصة الالتحاق بالكلية. وبينها أن المقبولين من الطلاب كانوا قادمين من كافة مدن البلاد وقراها، ومن مناطقها الزراعية وأطرافها النائية، بما حوّل الكلية إلى وطن مصغر، تتفاعل بين ظهرانيه صفوة منتقاة من الطلبة المتفوقين، وأصحاب المواهب الفتية، والمخيلات الباحثة عن التفتح.

كما أن المنحة المالية التي كان يتقاضاها الطلبة المنتسبون للكلية، قد لعبت دوراً غير قليل في جعلها تتبوأ دورها الريادي بين كليات الجامعة الأخرى. ليس فقط لأنها تمنح هؤلاء مكافأة مادية لا توفرها أي مؤسسة أكاديمية مماثلة، بل لأن إعفاء الطلاب من مشقة البحث عن وظيفة أو مهنة توفر لهم سبل العيش، هو ما أتاح لهم التفرغ الكلي للدراسة، بقدر ما أتاح للكلية أن تتحول إلى ورشة دائمة للتفاعل الثقافي والفكري بين مكوناتها المختلفة.

حسن داود

لم تعد الكلية بهذا المعنى مجرد مؤسسة رسمية لتدريب الطلاب وتهيئتهم لمهنة التعليم، وهي التي حملت عند تأسيسها عام 1951 اسم «دار المعلمين العليا»، بل تمكنت بعد ذلك بسنوات من أن تتجاوز دورها الأساسي، لتتحول إلى منارة ثقافية حقيقية، وإلى مشروع فريد للتغيير وصناعة المستقبل. اللافت بهذا الخصوص أن ما حدث في بيروت الستينات والسبعينات، قد حدث ما يشبهه تماماً في بغداد الأربعينات، إذ كانت دار مماثلة لإعداد المعلمين، تضم بين جنباتها كلاً من بدر شاكر السياب وعبد الوهاب البياتي ولميعة عباس عمارة، وتهيئ لهم الفرصة النموذجية والنادرة لإطلاق مشروع الحداثة الرائد، الذي لم يشهد الشعر العربي مثيلاً له عبر تاريخه.

ومع أن الفضل في ما أصبحت عليه الكلية، بنسختها اللبنانية، كان عائداً من بعض وجوهه إلى النخبة المنتقاة من أساتذتها، بينهم أدونيس وخليل حاوي وخالدة سعيد وأنطون غطاس كرم وأنيس فريحة والمطران جورج خضر ويمنى العيد وعلي شلق وريمون جبارة وميشال عاصي وغيرهم، فإنه كان عائداً من وجوه أخرى لنضالات الحركة الطلابية اللبنانية، كما للصفوة المختارة من الطلاب، الذين كان كلٌّ منهم يرسم للكلية دوراً يتجاوز دورها الأكاديمي، ويجعل منها صورة مصغرة عن الوطن الآخر، الذي كان يطمح لبنائه على مقاس أحلامه. ولن يعود من المستغرب تبعاً لذلك، أن يعمد العديد من الطلاب الناشطين والقياديين إلى الامتناع عن المشاركة في امتحانات نهاية العام، بهدف تمديد سنوات الدراسة لأقصى مدة ممكنة.

بول شاؤول

على أن سحر كلية التربية الفريد لم يكن متأتياً من قاعاتها الدراسية فحسب، بل كان منبثقاً بشكل خاص من ردهة الكافتيريا الواسعة، والواقعة أسفل المبنى الغربي، التي شهدت طاولاتها ومقاعدها أعمق النقاشات الفكرية والسياسية، وشهدت زواياها النائية ولادة الكثير من القصائد والنصوص النثرية، فيما شكلت من ناحية أخرى مسرحاً مناسباً لنشوء الصداقات وقصص الحب. اللافت في تلك الحقبة أن النجاح أو الفشل في نسج العلاقات العاطفية بين الطلاب والطالبات لم تكن معاييره متصلة بمنسوب الوسامة أو الثروة أو توفر السيارة والشقة السكنية، بل كان الطالب الأكثر صلة بالقراءة، والأكثراكتنازاً بالمعرفة، هو الأقدر من سواه على الفوز بقلوب الفتيات.

أما المهرجان الشعري السنوي الذي كان ينظمه ويشرف عليه بول شاوول، وآثر إعطاءه شكل المباراة بين الشعراء الشبان، فقد تحول من خلال مستوى المشاركين فيه، ولجنته التحكيمية المؤلفة من كبار الشعراء والنقاد اللبنانيين، إلى مناسبة دورية استثنائية، ينتظر انعقادها الكثيرون، ويقطع الفائز بجائزتها الخطوة الأولى على طريق الكتابة الشائك.

كلية التربية التي أُفرغت من الجدوى وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل 50 عاماً لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه

وإلى الشعراء والروائيين والمسرحيين والرسامين، كان ثمة نخبة واعدة موازية من القادة الطلابيين والمفكرين السياسيين والمناضلين من أجل التغيير. وإذا لم يكن بالمستطاع تسمية كل أولئك الذين تضافرت جهودهم لتضييق المسافة بين واقع وطنهم المتردي، وصورته المقابلة في نصوصهم ومخيلاتهم، والذين ما زال بعضهم يتصدر المشهدين الثقافي والسياسي في لبنان حتى يومنا هذا، يمكنني أن أسمي من بينهم، على سبيل المثال لا الحصر، عصام خليفة وأنور الفطايري وأنطوان سيف وبول شاوول ونصير الأسعد وإلياس عطالله وغسان شربل وجورج سمعان وإلياس خوري ورشيد الضعيف ومحمد العبدالله وعقل العويط وهاشم الأيوبي وحمزة عبود وعلوية صبح وهدى بركات وجودت فخر الدين وحسن داود وشربل داغر.

ولن تفوتني الإشارة في هذا الصدد إلى أن دور الكلية الثقافي لم يقتصر على الأنشطة الخاصة بأساتذتها وطلابها وحدهم، بل هي تعدت ذلك الدور لتجعل من قاعاتها المختلفة مساحة للثقافة والتنوير، يقف على منصاتها عشرات المبدعين اللبنانيين والعرب. وإذا كان البعض قد رأوا في وقفتهم تلك جواز مرورهم باتجاه التكريس، كما اعترف شاعر المحكية أسعد جوان، فقد استضافت الكلية سعيد عقل ومحمد الفيتوري وموريس عواد، إضافة إلى محمود درويش، الذي لم يتوان عن القول في الأمسية التي دعي لإقامتها، بأنه يشعر بالرهبة والخوف، لأنه يقف على المنبر الأكثر اتصالاً بمغامرة التجديد، معتبراً أن الأمسية تلك هي الامتحان الشعري الأصعب الذي يخوضه في حياته.

على أن ذلك الحلم الوردي لم يدم طويلاً، ليس فقط لأن الحرب الأهلية وما تلاها من كوارث قد أطاحت بجزء كبير منه، بل لأن السلطات المتعاقبة لم تستطع ابتلاع تلك الجرعة الفائضة من الحرية، وذلك المناخ غير المسبوق من الاندماج الوطني، فعملت على إجهاض التجربة من أساسها، لتقتصر مهمتها على تهيئة القادمين من الكليات الأخرى، للانخراط في مهنة التعليم، ولسنة واحدة لا أكثر، وليتوزع ما تبقى من المبنيين اللذين تشغلهما الكلية على مؤسسات جامعية أخرى. ومع ذلك فقد يبدو الأمر من بعض وجوهه، كما لو أن كلية التربية، التي أُفرغت من الجدوى، وتحولت إلى أطلال ما كانته قبل خمسين عاماً، لم تكن سوى صورة مصغرة عن الحلم الذي أضعناه، وعن الكيان الواعد الذي تعامل معه القائمون على مقدراته كغنيمة حرب، ولم يترددوا بعد ذلك في تحويله إلى حطام.


3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
TT

3 قامات مدرّعة من «قصر هشام» في شمال أريحا

ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا
ثلاثة مجسّمات أموية من محفوظات متحف روكفلر في القدس الشرقية، مصدرها موقع خربة المفجر في شمال أريحا

تبنّى الأمويون فن النحت، واعتمدوه بشكل خاص في ميدان العمارة المدنية، كما تشهد مجموعة من القطع الأثرية، أهمّها تلك التي خرجت من بين أطلال قصر يقع في قرية خربة المفجر، شمال أريحا، على الضفة الشمالية لوادي النعيمة. بدأ استكشاف هذا الموقع في نهاية القرن التاسع عشر، وجرت أعمال المسح فيه خلال ثلاثينات القرن الماضي، وتبيّن أنه بُني في عهد الخليفة هشام بن عبد الملك. أسفرت أعمال التنقيب عن العثور على عدد كبير من التماثيل المتنوّعة، منها 3 قطع يمثل كلّ منها رجلاً مدرعاً. ويوحي هذا الزي المشترك بأن هذه الأنصاب تجسّد قامات متنوّعة من العسكر، أي من «مجتمع الجيش» كما جاء في تعريف «لسان العرب».

لم يصل أيٌّ من هذه التماثيل الثلاثة بشكل كامل للأسف، غير أن ما تبقّى منها يسمح بتحديد تكوينها الأول، واللافت أنها تمثّل اختلافاً كبيراً في بنيتها كما في أسلوبها الفني. تحضر إحدى هذه القطع على شكل قامة منتصبة فقدت رأسها. وتقابلها قامة أخرى فقدت كذلك رأسها، وبقيت منها كتلتان مهشّمتان. تمثّل القطعة الثالثة نموذجاً مغايراً، وهي على شكل تمثال نصفي يضمّ الرأس والصدر. تحاكي هذه المجسّمات من حيث الحجم المقياس الطبيعي للإنسان، ويتبنّى كلٌّ منها طرازاً فنياً خاصاً يتجلّى في الشكل الخارجي كما في الصياغة المتبعة في النقش والنحت. تتميّز القطعة الأولى بقامتها المنتصبة، وتتبنّى الطراز الكلاسيكي الروماني بشكل لا لبس فيه، ويتجلّى هذا الطراز في البنية التشريحية الخاصة بها، كما في زيّها التقليدي.

تمثّل هذه القامة رجلاً يقف بثبات، رافعاً ذراعه اليمنى نحو الأعلى، شاهراً بيده سيفاً سقط القسم الأعلى منه وضاع. تتدلّى الذراع اليسرى وتبدو ملتصقة بالصدر، وتمسك اليد بترس دائري زُيّن بشبكة من النقوش الزخرفية، تتكوّن من سلسلة دوائر ملتفة حول ذاتها، أكبرها شريط مزيّن بالزخارف اللولبية، يليه شريطان نحيلان مجرّدان. وتحضر في الوسط كتلة ناتئة على شكل قبّة، تعلوها سلسلة من الخطوط العمودية المرصوصة على شكل أسنان المشط. يرتدي هذا العسكري اللباس الروماني التقليدي، ومقوّماته سترة مدرّعة تنسدل وتحجب أعلى الساقين، مع حزام معقود حول الخصر. تزيّن هذه السترة 4 سلاسل من المساحات البيضاوية المرصوصة، تحاكي ما يُعرف بـ«لبوس الحديد» في «لسان العرب»، وتعلو هذه اللبوس منصات الكتف التقليدية المزيّنة بمساحات مماثلة، تنعقد على شكل سوارين عريضين حول أعلى الذراعين. يبدو هذا التمثال رومانياً من حيث الأسلوب، ويعكس نموذجاً شاع في تدمر كما في البتراء خلال القرون التي سبقت ظهور الإسلام.

اتخذ هذا النمط طابعاً محلياً نتيجة لهذا الانتشار، ويحفل الميراث الأدبي بالشواهد التي تؤكّد ذلك، منها قول أبو الأخزر الحماني: «مقلصاً بالدرع ذي التغضن/ يمشي العرضنى في الحديد المتقن». وقول عمرو بن معديكرب الزبيدي: «إن تلقَ عمراً فقد لاقيت مدرعاً/ وليس من همه إبل ولا شاء».

تأتي القطعة الثانية على شكل كتلتين منفصلتين لم يتمّ جمعهما كما يبدو. تمثّل إحدى هاتين الكتلتين الصدر، وتمثّل الأخرى الساقين، وفيهما يبدو اللباس على شكل عباءة تمتدّ حتى حدود الركبتين، كاشفة عن سروال فضفاض. يتبنّى هذا اللباس الطراز الساساني، ويعلوه شريط مضفور بسلسلة من الدوائر ينسدل حول العنق، وحزام مماثل ينعقد حول الخصر. تزين السروال شبكة متجانسة من المربّعات الملتوية تُعرف باسم «المُعين»، وتزيّن العباءة سلسلة تحاكي التعزيزات القشرية، ممّا يجعل منها قميصاً مدرّعاً، أي «قميص من حديد يلبس وقاية من السلاح»، كما يقول «لسان العرب».

نصل إلى المجسّم الثالث، وهو كما أشرنا على شكل تمثال نصفي، يجسّد كما يبدو جندياً مدرّعاً يعتمر خوذة عريضة تعلوها قبة مزيّنة بشبكة من الخطوط العمودية. فقد هذا الجندي ذراعه اليمنى، وبدت ذراعه اليسرى مرفوعة في اتجاه صدره، غير أن يده تساقطت وبات من الصعب تحديد حركتها الأصلية. الوجه دائري ومكتنز، مع شاربين مقوّسين ولحية قصيرة تلتف حول ذقنه. الحاجبان مقوّسان ومنفصلان، والعينان شاخصتان، وهما لوزيتان، ويتوسّط كلاً منهما بؤبؤ دائري عريض، يعلوه ثقب دائري غائر. الأنف قصير وناتئ، والثغر صغير، مع شق أفقي بسيط يفصل بين شفتيه. يماثل هذا الوجه في تكوينه الوجوه العديدة التي خرجت من قصر هشام في خربة المفجر، ويعكس نسقاً محلياً طبع النتاج الفني الأموي الخاص بميدان النحت.

تؤلّف هذه القطع المنحوتة مجموعة صغيرة تعكس صورة مختزلة لـ«مجتمع الجيش» في العالم الأموي، وتقابلها صورتان تفصيليتان من جداريات قصير عمرة في الأردن، تظهر في كلّ منها صورة عسكري يعتمر كذلك خوذة عريضة مقبّبة. يتكرّر هذا النموذج في لوح مستطيل منجز بتقنية الجص الجيري المنحوت، مصدره موقع سكني يشكّل جزءاً من قصر الحير الشرقي، أكبر القصور الأموية في البادية السورية. تعلو هذا اللوح صورة فارس يظهر معتمراً خوذة مشابهة، ملتحفاً لباساً مدرّعاً، تعلوه شبكة من التعزيزات القشرية.

من ناحية أخرى، تشكّل هذه المجموعة الصغيرة رافداً من مجموعة كبيرة من الصور المنحوتة خرجت من موقع خربة المفجر في البادية الفلسطينية، وتقابل هذه المجموعة أخرى مشابهة خرجت من قصر الحير الغربي في البادية السورية. تشكل هذه الصور المنحوتة دليلاً حياً على استمرارية هذا الفن في بلاد الشام في ظل الحكم الأموي، بعد تراجعه في العهد البيزنطي، كما تؤكّد تبنّي السلطة الحاكمة لهذا التقليد في ميدان العمارة المدنية تحديداً.