موسكو تستهدف طرق إمداد «داعش» وتؤكد تدمير 819 موقعًا لـ«الإرهابيين»

المرصد السوري: الغارات الروسية قتلت 446 شخصًا بينهم فقط 75 مقاتلاً للتنظيم المتطرف

صورة مصدرها الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية يبدو فيها تقني في سلاح الجو الروسي وهو يزود طائرة حربية بالقنابل داخل قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية على الساحل السوري (إ.ب.أ)
صورة مصدرها الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية يبدو فيها تقني في سلاح الجو الروسي وهو يزود طائرة حربية بالقنابل داخل قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية على الساحل السوري (إ.ب.أ)
TT

موسكو تستهدف طرق إمداد «داعش» وتؤكد تدمير 819 موقعًا لـ«الإرهابيين»

صورة مصدرها الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية يبدو فيها تقني في سلاح الجو الروسي وهو يزود طائرة حربية بالقنابل داخل قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية على الساحل السوري (إ.ب.أ)
صورة مصدرها الموقع الرسمي لوزارة الدفاع الروسية يبدو فيها تقني في سلاح الجو الروسي وهو يزود طائرة حربية بالقنابل داخل قاعدة حميميم الجوية في محافظة اللاذقية على الساحل السوري (إ.ب.أ)

بالتزامن مع الحملة الجوية الواسعة التي تشنها الطائرات الحربية الروسية على مجمل المناطق السورية، التي طالت يوم أمس بشكل خاص وسط وشمال البلاد، ركّزت موسكو عملها العسكري في سوريا أخيرًا على استهداف طرق إمداد تنظيم داعش التي تنطلق في معظمها من العراق ومن معقله في مدينة الرقة.
هيئة الأركان الروسية أعلنت عن «نجاح» الطيران الحربي الروسي في قطع طريق جديد اعتمده «داعش» أخيرًا لنقل الأسلحة والذخيرة والعتاد من أراضي العراق إلى سوريا. وأوضح الجنرال أندريه كارتابولوف، رئيس المديرية العامة للعمليات في الهيئة، أن النقطة الأساسية على هذا الطريق كانت تتمثل في جسر على نهر الفرات بريف دير الزور، لافتا إلى أن طائرات روسية وجهت ضربة دقيقة إلى الموقع جعلت الجسر غير صالح لاستخدامه من قبل «الإرهابيين». وشدد كارتابولوف على أن الضربة الروسية وجهت إلى منطقة يؤكد البنتاغون أنها خاضعة لسيطرة «داعش» بصورة كاملة. وأضاف أن وحدات الجيش السوري التي كانت محاصرة في ريف محافظة دير الزور لمدة تزيد على عام، استفادت من الضربات الروسية وبدأت بمهاجمة مواقع «الإرهابيين»، وتمكنت من انتزاع أحد المواقع المهمة.
من جهة ثانية، أعلن رامي عبد الرحمن، مدير «المرصد السوري لحقوق الإنسان» في تصريح لـ«الشرق الأوسط» امتلاكهم معطيات دقيقة حول خطة روسية تقضي بضرب خطوط إمداد «داعش»، خاصة أن التنظيم حقق تقدما في الساعات الماضية في ريف حلب الجنوبي، وأوضح أن التحالف الدولي كان قد قصف أحد الجسور التي كان يستخدمها «داعش» كخط إمداد في ريف محافظة دير الزور، فيما دمّر حزب الله والنظام السوري جسرا آخر في المنطقة نفسها. وقال عبد الرحمن: «قد لا يكون من السهل في مكان استهداف كل خطوط الإمداد، خاصة أن (داعش) يعتمد بشكل خاص على منطقة البادية الشاسعة كطريق إمداد لنقل العناصر والسلاح».
وأوضح كارتابولوف أن «الخسائر الفادحة» التي يتكبدها تنظيم داعش في سوريا تدفع بقيادة التنظيم لإرسال تعزيزات جديدة من العراق. وأشارت وزارة الدفاع الروسية إلى أن تعزيزات «داعش» تتوجه من محافظة الرقة السورية ومن أراضي العراق إلى غرب سوريا، حيث يواجه التنظيم «ضغطا شديدا» على مواقعه بسبب الضربات الروسية المتواصلة وهجمات الجيش السوري. وتتقاطع المعلومات التي تحدث عنها كارتابولوف مع ما أعلنه رئيس لجنة الأمن والدفاع في البرلمان العراقي حاكم الزاملي عن «اتفاق روسي عراقي على ضرب جميع أرتال تنظيم داعش القادمة من سوريا إلى العراق». وتابع كارتابولوف أن الطائرات الروسية نفذت منذ بدء العملية الجوية الروسية في سوريا يوم 30 سبتمبر (أيلول)، 934 طلعة قتالية، ودمرت خلالها 819 موقعا لمن وصفهم بـ«الإرهابيين». وفي المقابل، قُتل 446 شخصا بينهم 151 مدنيا جراء الغارات الجوية التي تشنها روسيا في سوريا منذ نهاية الشهر الماضي، وفق حصيلة جديدة أعلنها «المرصد». والمفارقة أن 75 عنصرا فقط من «داعش» من مجمل الحصيلة المذكورة قتلوا نتيجة هذه الغارات التي قتلت أيضا 38 طفلا و35 امرأة و189 مقاتلا من فصائل المعارضة و31 على الأقل من «جبهة النصرة». وارتفع إلى 3650 على الأقل، عدد الذين تمكن المرصد من توثيق مقتلهم جراء غارات التحالف العربي - الدولي، وضرباته الصاروخية على مناطق في سوريا خلال الأشهر الـ13 الفائتة.
من جهة ثانية، ذكرت وكالة أنباء «فارس» الإيرانية أن حارسا شخصيا للرئيس الإيراني السابق محمود أحمدي نجاد قتل في سوريا قرب مدينة حلب.
وأوضحت الوكالة: «(استشهد) عبد الله باقري نياراكي، الذي كان لفترة حارسا للرئيس محمود أحمدي نجاد، قرب حلب الخميس»، زاعمة «كان يدافع عن مزار ديني».
أما على صعيد التطورات الميدانية، فقد أعلن ناشطون مقتل 14 مدنيا على الأقل جراء غارات جوية استهدفت مدينة تلبيسة في ريف محافظة حمص الشمالي جراء ثلاث غارات لم يعرف إذا كانت طائرات حربية تابعة لقوات النظام أم روسية نفذتها. وأفاد «المرصد» عن اشتباكات عنيفة بين قوات النظام والمسلحين الموالين لها من جهة والفصائل المقاتلة في مناطق عدة في ريف حمص الشمالي، تزامنا مع قصف جوي روسي على مناطق في ريف حماه الشرقي.
وأما ما يخص محافظة حماه، فأفاد «مكتب أخبار سوريا» سيطرة فصائل المعارضة المنضوية في غرفة عمليات «جيش الفتح» على قرية الحمرا في ريف حماه الشرقي، بعد اشتباكات مع قوات النظام التي كانت تتمركز داخل القرية، ما أسفر عن سقوط قتلى وجرحى في صفوف الطرفين.
وقال الناشط الإعلامي المعارض محمد الخلف من حماه، إن عناصر المعارضة سيطروا على القرية بعد أن دمّروا ثلاث دبابات باستهدافها بصواريخ من طراز «فاغوت»، وغنموا دبابتين كانتا بحوزة القوات النظامية، بالإضافة إلى مقتل عدد غير معروف من عناصر الطرفين. وتزامنت الاشتباكات مع غارات جوية شنّها الطيران الحربي الروسي مستهدفًا محيط قرية الحمرا، بعد سيطرة مقاتلي المعارضة عليها، كما استهدف الطيران الروسي بأكثر من 10 غارات كلاً من بلدة الزيارة وقرى تل واسط والمنصورة في منطقة سهل الغاب في ريف حماه الغربي، حيث اقتصرت الأضرار على المادية، على حد تعبيره. مع العلم أن «جيش الفتح» أعلن عن بدء ما سمّاها «غزوة حماه»، في 13 من الشهر الجاري من أجل السيطرة على مدينة حماه بشكل كامل.
وفي محافظة اللاذقية، أفيد عن «تنفيذ الطائرات الحربية الروسية سبع غارات على الأقل في منطقة سلمى ومحيطها في جبل الأكراد» وهي المناطق التي يتركز فيها وجود الفصائل المقاتلة.
وفي محافظة الرقة، بشمال وسط البلاد، أحصى «المرصد» مقتل سبعة مدنيين بينهم طفلان بالإضافة إلى 11 عنصرا من تنظيم داعش جراء أكثر من عشر ضربات جوية «نفذتها طائرات حربية يعتقد أنها روسية» على مناطق ومقار تابعة للتنظيم في مدينة الرقة، أبرز معاقل التنظيم في سوريا.
وفي محافظة حلب، استهدفت الطائرات الحربية الروسية وفق «المرصد» أمس الجمعة مناطق في ريف المحافظة الجنوبي، حيث تستمر الاشتباكات منذ أسبوع بين كتائب المعارضة من جهة وقوات النظام من جهة أخرى على محاور عدة. وتحدث «مكتب أخبار سوريا» عن استعادة فصائل المعارضة، السيطرة على قريتين في ريف حلب الجنوبي كانت القوات النظامية سيطرت عليهما في وقت سابق.
وأوضح القائد العسكري المعارض أبو الفداء السفراني، أن فصائل المعارضة المنضوية في غرفة عمليات فتح حلب، وأبرزها حركة أحرار الشام الإسلامية، شنت، هجومًا معاكسًا على قريتي المفلسة والأيوبية اللتين سيطرت عليهما القوات النظامية أمس، لافتا إلى أن المعارضة استعادت السيطرة على القريتين بعد اشتباكات عنيفة.
في المقابل، قالت وكالة الأنباء السورية الرسمية «سانا» أن اشتباكات اندلعت بين الجيش السوري وعناصر «داعش» بعد قيام الأخير بتفجير سيارة مفخخة على محور مراغة بطريق خناصر الواصل إلى مدينة حلب. ونقلت الوكالة عن مصدر عسكري مقتل 45 مسلحا في غارة جوية استهدفتهم خلال محاولتهم الهجوم على مواقع الجيش. وأفاد المتحدث بتحقيق «تقدم جديد» في العمليات المتواصلة بريف حلب الجنوبي الغربي عبر إحكام السيطرة الكاملة على قريتي الحويز والقراصي.
في هذا الوقت، لفت ما أعلنته «الجمعية الطبية الأميركية السورية» ليل الخميس عن شن طائرات روسية تسع ضربات جوية استهدفت خمسة مستشفيات ميدانية على الأقل في محافظات سورية عدة، مما أدى إلى مقتل مدنيين وعدد من الكوادر الطبية. وأفادت الجمعية في بيان نشرته على موقعها الإلكتروني أن «ضربات جوية روسية استهدفت عند الواحدة من ظهر الثلاثاء مستشفى ميدانيا تابعا لها في بلدة سرمين في محافظة إدلب بشمال غربي سوريا مما أدى إلى مقتل عشرة مدنيين على الأقل واثنين من طاقم المستشفى وإصابة 28 مدنيا بجروح». وأضافت الجمعية أن هذا الاعتداء يضاف إلى «نحو ثماني غارات روسية سابقة على مستشفيات في سوريا، بالإضافة إلى 313 اعتداء على مرافق طبية منذ اندلاع النزاع» في سوريا منتصف مارس (آذار) 2011. وتتولى هذه الجمعية إدارة ودعم سلسلة من المستشفيات والعيادات الطبية في محافظات سورية عدة، بالإضافة إلى عدد من دول الجوار التي تستضيف لاجئين سوريين.
وكانت قد تعرضت خمسة مستشفيات على الأقل تقع في محافظات حماه (وسط) واللاذقية (غرب) وإدلب (شمال غرب) بالإضافة إلى مستشفيين في حلب (شمال) لغارات روسية منذ مطلع أكتوبر (تشرين الأول) الحالي، بحسب الجمعية وناشطين و«المرصد السوري لحقوق الإنسان». لكن روسيا نفت بشدة الخميس صحة هذه التقارير. وقالت المتحدثة باسم وزارة الخارجية الروسية ماريا زاخاروفا في مؤتمر صحافي: «أريد أن أنفي كل هذه المعلومات».



بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

TT

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بن مخاشن لـ«الشرق الأوسط بودكاست»: حضرموت تسعى لقرارها بعيداً عن الهيمنة

بعد «عقود من التهميش» لا ينظر صبري بن مخاشن، مسؤول الإعلام في «حلف قبائل حضرموت»، إلى المشهد السياسي في حضرموت بوصفه صراع مكونات، بقدر ما يراه امتداداً لمسار تاريخي طويل يسعى فيه الحضارم لاستعادة قرارهم السياسي. ويجزم بأن «القضية الحضرمية» باتت اليوم أكثر وضوحاً ونضجاً من أي وقت مضى.

وبعد انتهاء أحداث حضرموت مطلع عام 2026 وقبل رمضان، تحدث مخاشن مع «الشرق الأوسط بودكاست» في حلقة قدمها الزميل بدر القحطاني؛ مسؤول تحرير الشؤون الخليجية بالصحيفة.

يتكئ بن مخاشن خلالها عند الحديث عن الشجن السياسي بحضرموت إلى ما قبل عام 1967 ومشاريع سياسية متعددة؛ من بينها مشروع الدولة المستقلة أو الشراكة مع المحميات الغربية، أو حتى الانضمام إلى السعودية، قبل أن «تنتصر المشاريع القومية والاشتراكية على المشروع الحضرمي»، ويتم ضمها بالقوة إلى الجنوب اليمني.

ويقول القيادي الحضرمي إن تلك المرحلة شهدت «ممارسات قمعية وعمليات قتل ومجازر» بحق أبناء حضرموت، استمرت حتى السبعينات من القرن الماضي، في سياق طمس الهوية الحضرمية وإضعاف حضورها السياسي، بحسب تعبيره.

إرث التهميش وبداية التحول

يعتقد مسؤول الإعلام في حلف قبائل حضرموت أن التحول الأبرز بدأ مع تأسيس «الحلف» عام 2013، بوصف ذلك رد فعل على ما وصفه بـ«تصاعد الظلم» في عهد نظام الرئيس الأسبق علي عبد الله صالح، مشيراً إلى أن الحلف «كيان قبلي حقوقي اجتماعي» قاد تحركاً مسلحاً أجبر الدولة على الاعتراف بمظلومية حضرموت.

ويضيف أن هذا الحراك أعاد إحياء الشعور بالهوية الحضرمية، ومنح أبناء المنطقة إحساساً بقدرتهم على «انتزاع حقوقهم»، بعد سنوات من التهميش و«اختيار مسؤولين من خارج إرادة أبناء حضرموت».

وفي السياق ذاته، يشير إلى أن الحلف قاد جهوداً لجمع المكونات الحضرمية، حيث تم إشراك أكثر من 40 مكوناً في حوارات استمرت 6 أشهر عام 2014، وأفضت إلى تأسيس «مؤتمر حضرموت الجامع»، الذي وصفه بأنه «أكبر مكون سياسي» في المحافظة.

«لا انفصال أو وحدة بهذا الشكل»

على الرغم من الطروحات المتعددة، يشدد مخاشن على أن حضرموت «لا تمتلك حتى الآن مشروعاً سياسياً نهائياً»، نافياً تبني خيار الانفصال، والهدف يتمثل في «مشروع تشاركي» يقوم على مبدأ السيادة المحلية.

ويقول: «نحن لا نرفض الشراكة؛ لكن نرفض الضم والإلحاق»، والمشكلة من وجهة نظره ليست في شكل الدولة، بقدر ما هي في «الاستحواذ وغياب العدالة».

ويلخص المطالب في أن يكون لأبناء حضرموت القرار في إدارة شؤونهم وثرواتهم. ويعلل ذلك بأن «50 عاماً من الفشل» تعود إلى مركزية القرار وحرمان المحافظة من الاستفادة من مواردها، رغم مساهمتها الكبيرة في الاقتصاد.

أي صيغة مقبلة وفقاً لما يراها، يجب أن تقوم على معايير واضحة؛ مثل السكان والثروة والمساهمة الاقتصادية، بما يضمن «ندية حقيقية» بين الأطراف، وليس تبعية.

ويتحدث بن مخاشن عن تعدد المكونات الحضرمية، مشيراً إلى وجود كيانات مثل «مجلس حضرموت الوطني» و«العصبة الحضرمية»، لكنه يؤكد أن الجهود الحالية تتركز على «توحيد الصف» عبر لجان مشتركة تعمل على إعداد رؤية موحدة.

علاقة خاصة مع السعودية

في حديثه عن العلاقة مع السعودية، يرى بن مخاشن أنها «علاقة تاريخية واستثنائية»، لافتاً إلى أن الحضارم يرون السعودية أكثر من مجرد «وطنهم الثاني»، نظراً للروابط الاجتماعية والتاريخية العميقة.

ويشير إلى أن الحضارم كان لهم حضور لافت في مراحل مختلفة بمؤسسات المملكة وحياتها التجارية، مؤكداً أن هذه العلاقة تعزز ثقة حضرموت في أي دور سعودي في رعاية الحلول السياسية.

ويضيف أن المملكة أكدت، وفق ما نقله عن لقاءات مع مسؤولين، أنها «لن تترك حضرموت وحيدة»، وهو ما يعزز - بحسب قوله - الثقة في مستقبل الشراكة.

تجربة شخصية مكلفة

على المستوى الشخصي، يستعرض مسؤول الإعلام في الحلف جانباً من تجربته، مشيراً إلى تعرضه لمحاولة اغتيال عام 2008، بسبب عمله الصحافي في مكافحة الفساد، حيث أصيب بطلقات نارية، وسكنت رصاصة في جسده، إضافة إلى سجنه لاحقاً على خلفية كتاباته.

ويقول إن تلك التجارب، رغم قسوتها، عززت قناعته بأهمية النضال من أجل «قضايا الناس»، مضيفاً أن «الألم يتحول إلى شعور بالفخر عندما يكون في سبيل الحقيقة».

ويختتم بالتأكيد على أن حضرموت تقف اليوم أمام مرحلة مفصلية، عنوانها الأبرز «استعادة القرار»، عبر مشروع يقوم على الشراكة والعدالة، بعيداً عن أي هيمنة أو إقصاء.


«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
TT

«محادثات القاهرة»... «حماس» تبحث عن «ضمانات» لسد فجوات «أزمة السلاح»

فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)
فلسطينيون يتفقدون مركبة استهدفتها غارة إسرائيلية في مخيم المغازي للاجئين الفلسطينيين وسط قطاع غزة (أ.ف.ب)

تشهد مصر جولة محادثات جديدة بين وفد «حماس» الذي وصل إلى القاهرة، السبت، والممثل الأعلى لقطاع غزة في «مجلس السلام» والوسطاء، من أجل بحث المضي قدماً في تنفيذ وقف إطلاق النار المتعثر من قبل حرب إيران، وفق مصدر فلسطيني مطلع تحدث لـ«الشرق الأوسط».

وبينما تطالب «حماس» بإنهاء المرحلة الأولى قبل البدء في نظيرتها الثانية، وضمانات لتنفيذ الاتفاق كاملاً، تتمسك إسرائيل بـ«نزع السلاح»، فليس أمام الوسطاء سوى التحرك نحو سد الفجوات، وفق المصدر ذاته.

ويعتقد خبراء تحدثوا لـ«الشرق الأوسط» أن الجولة الحالية من المحادثات تأتي بعد تباينات عديدة بشأن إطار ميلادينوف، وتعول فيها «حماس» على ضمانات واضحة، «وإلا فسنكون أمام مرحلة خطيرة تسعى لها إسرائيل لشن هجمات جديدة على القطاع تحت ذريعة نزع السلاح، وهو ما يتطلب تدخل الوسطاء بمقاربة وحلول وسط سريعاً».

ويُعدُّ نزع سلاح «حماس» أبرز بنود «خطة ميلادينوف» التي أعلنها في «مجلس الأمن» أواخر مارس (آذار) الماضي. وتتضمَّن، حسب بنود نشرتها وسائل إعلام أميركية، موافقة الحركة الفلسطينية على تدمير شبكة الأنفاق، والتخلي عن السلاح على مراحل خلال 8 أشهر، على أن يتم انسحاب القوات الإسرائيلية بالكامل عند «التحقُّق النهائي من خلو غزة من السلاح». وتقول إسرائيل إنَّها لن توافق على الانسحاب من غزة ما لم يُنزَع سلاح «حماس» أولاً.

وقبيل انطلاق المحادثات أثيرت روايات بشأن محددات ومخرجات محتملة للمحادثات، لا سيما من إسرائيل الغائبة عن الاجتماع والمحادثات التي تتكرر للمرة الثانية خلال أسبوع بالقاهرة.

وأفادت قناة «كان» الإسرائيلية، الجمعة، بأن «حماس» تشترط لأي حديث عن السلاح إنهاء الاحتلال بشكل كامل، وانسحاب قوات الاحتلال من قطاع غزة ورفع الحصار، رافضة الربط بين الملفات الإنسانية وإعادة الإعمار وبين المطالب الأمنية الإسرائيلية والدولية.

وبالتزامن، نقلت وكالات عن مصدر قيادي في «حماس» قوله إن «الحركة ستعرض على الوسطاء قبل الانتقال إلى المرحلة الثانية من اتفاق التهدئة، والتي تريد فيها إسرائيل و(مجلس السلام) نزع سلاح المقاومة في غزة، تنفيذ كامل البنود التي وردت في اتفاق المرحلة الأولى، وفي مقدمتها وقف الهجمات والخروقات ودخول المساعدات».

امرأة تجلس مع طفلين في حين يزحف رضيع بالقرب من خيمتهم بمخيم مؤقت للنازحين الفلسطينيين في منطقة نهر البارد بخان يونس جنوب قطاع غزة (أ.ف.ب)

المحلل السياسي الفلسطيني، الدكتور حسام الدجني، قال إن الفترة الماضية شهدت فجوة لا تزال كبيرة بين الرؤى الدولية ومطالب الفصائل الفلسطينية، والزيارة الحالية تأتي لردم الفجوة الكبيرة التي نتجت منذ تسليم ميلادينوف ورقته التي سُربت لوسائل الإعلام، مؤكداً أن «رؤيته تحقق رغبات تل أبيب بشكل كامل عبر ربط كافة الملفات بنزع السلاح، دون التطرق لأي مقاربة سياسية أو أفق للانسحاب الإسرائيلي».

وأشار إلى أن «التحركات الفلسطينية الحالية تسعى لإيجاد حالة منطقية ومقبولة ضمن رؤية متكاملة تنسجم مع تطلعات السلام، دون جعل سلاح المقاومة شماعة لإفشال المبادرات، خاصة مع إصرار الجانب الإسرائيلي على اقتران تسليم السلاح بإنهاء الصراع دون مقابل سياسي حقيقي».

وشدد الدجني على ضرورة وضع رؤية متكاملة تربط حل معضلة السلاح بحل القضية الفلسطينية ككل، مع توفير ضمانات دولية لحماية الضفة الغربية والقدس وقطاع غزة في ظل الانتهاكات الإسرائيلية اليومية، مؤكداً أنه «لا يمكن القبول ببدء المرحلة الثانية دون تطبيق المرحلة الأولى، كما لا يمكن قبول صورة الانتصار التي ينشدها نتنياهو والمتمثلة في تسليم المقاومة سلاحها مقابل إعادة الإعمار فقط، فهذا طرح لا يمكن قبوله فلسطينياً».

وحول غياب إسرائيل عن هذه الاجتماعات، أكد الدجني أن إسرائيل «تغيب عن الصورة، لكنها موجودة في جوهر الأحداث، وواضح تأثيرها على إطار ميلادينوف الذي لا يحمل أي التزام جاد للانسحاب».

ويعتقد المحلل السياسي الفلسطيني، المختص بشؤون «حماس»، إبراهيم المدهون، أن ما يُثار في الإعلام الإسرائيلي حول اجتماع ميلادينوف مع الفصائل الفلسطينية، وحركة «حماس» تحديداً، والحديث عن رفض الحركة لما طُرح، هو طرح غير صحيح، وهو جزء من إعلام إسرائيلي يجب الانتباه له وعدم الانسياق معه.

ويرى أن حركة «حماس» والفصائل الفلسطينية قدّمت رؤية واضحة لتنفيذ خطة السلام بشكل سليم، وأبدت استعداداً للالتزام بما تم الاتفاق عليه، لكن الاحتلال الإسرائيلي لم يلتزم بالمرحلة الأولى، وهو ما يعرقل الانتقال إلى المراحل التالية، لافتاً إلى أن ميلادينوف لم يُقدّم أي خطة جديدة، بل طرح محاولات للالتفاف على جوهر «خطة السلام»، في إطار حالة من التهييج والتضليل الإعلامي.

فلسطينيون بجوار جثث ذويهم الذين قُتلوا خلال غارة جوية إسرائيلية شرق مخيم المغازي للاجئين (أ.ف.ب)

ويأتي هذا الاجتماع دون موقف معلن من «حماس» سوى حديث الناطق باسم «القسام»، أبو عبيدة، الذي أكد قبل أيام أن «طرح ملف السلاح بهذه الطريقة الفجة ما هو إلا سعي مفضوح من قبل الاحتلال لمواصلة القتل والإبادة بحق شعبنا، وهو ما لن نقبله بأي حال من الأحوال. وما لم يستطع العدو انتزاعه منا بالدبابات والإبادة، لن ينتزعه منا بالسياسة وعلى طاولة المفاوضات».

وحسب صحيفتَي «يديعوت أحرونوت»، و«إسرائيل هيوم»، فإنه حال كان رد «حماس» سلبياً فسيكون القرار بيد إسرائيل، وسيتعيَّن عليها نزع سلاح «حماس» بالقوة.

وفيما يخص إمكانية موافقة «حماس» على إطار نزع السلاح، أوضح الدجني أن الحركة قد توافق فقط في حال وجود رؤية سياسية واضحة، أما تسليم السلاح كمدخل للاستسلام فهو أمر مستبعد. وأضاف أنه «في قضية السلاح، لا قرار لـ(حماس) ولا لـ(فتح) ولا لأي فصيل بعينه، هذا قرار وطني يتحمل مسؤوليته الجميع؛ لأنه يخص أجيالاً قادمة وليس مرحلة تاريخية، والمقاومة المسلحة مشروعة بالقانون الدولي»، داعياً إلى «معالجة جذر المشكل المتمثل في الاحتلال هي السبيل الوحيدة للوصول إلى سلام عادل وشامل».

ويعتقد المدهون أن «حماس» ما زالت معنية بالحفاظ على وقف إطلاق النار، وهو ما يتطلب تدخلاً جاداً من الوسطاء، ودوراً عربياً أكثر لمنع أي تصعيد بهذه المرحلة الخطيرة، محذراً من أن أي عدوان على غزة في هذه المرحلة يُعد جريمة وتصعيداً خطيراً بحق شعب أعزل التزم بالتهدئة، وخاصة أن «حماس» فعلت ما عليها لتجنب استئناف الحرب.


حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
TT

حراك تنموي واسع في اليمن بدعم سعودي مستدام

أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)
أحد المشروعات التي أُنجزت في اليمن بتمويل سعودي (إكس)

شهد اليمن خلال الربع الأول من عام 2026 حراكاً تنموياً لافتاً يعكس تحوّلاً تدريجياً نحو مقاربة أكثر شمولية في إدارة ملف التعافي وإعادة البناء، مدعوماً بجهود السعودية، حيث لم يقتصر على تنفيذ مشروعات خدمية آنية، بل اتخذ طابعاً استراتيجياً يوازن بين تلبية الاحتياجات العاجلة وبناء أسس تنمية مستدامة، من خلال التركيز على البنية التحتية، ودعم المؤسسات، وتمكين الإنسان، وتعزيز الشراكات الدولية.

وقد جاءت الحزمة التنموية التي أُعلنت في يناير (كانون الثاني) 2026 بقيمة 1.9 مليار ريال سعودي (أكثر من 500 مليون دولار) لتؤكد هذا التوجه، حيث شملت 28 مشروعاً ومبادرة نوعية موزعة على قطاعات حيوية تمسّ الحياة اليومية للمواطنين، من الكهرباء والنقل إلى الصحة والتعليم والمياه، في امتداد لجهود أوسع نفّذ من خلالها البرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن 268 مشروعاً منذ عام 2018. ووفق ما أوردته تقارير الإنجاز الخاصة بالبرنامج السعودي لتنمية وإعمار اليمن، كان قطاع الطاقة إحدى أبرز ركائز هذا الحراك التنموي، حيث أسهمت منحة المشتقات النفطية في تشغيل أكثر من 70 محطة توليد كهرباء في مختلف المحافظات. ولم يقتصر أثر هذه المنحة على تحسين توفر الكهرباء فحسب، بل امتد ليشمل تعزيز استقرار منظومة الخدمات العامة بوجه عام.

الدعم السعودي لليمن شمل المجالات كافّة (إكس)

فاستقرار التيار الكهربائي أسهم في تحسين أداء القطاعات الحيوية مثل الصحة والمياه والتعليم. كما ساعد في تقليل فترات الانقطاع، ورفع كفاءة المحطات التوليدية، وتحسين موثوقية الشبكة. هذا التحسن انعكس بشكل مباشر على جودة الحياة اليومية، خصوصاً في ظل الطلب المتزايد على الطاقة. كما أن انتظام إمدادات الوقود لمحطات التوليد مكّن المؤسسات الخدمية من العمل بوتيرة أكثر استقراراً، وهو ما يُعدّ عاملاً أساسياً في دعم صمود المجتمعات المحلية وتعزيز قدرتها على مواجهة التحديات الاقتصادية والمعيشية.

تعزيز الاستقرار المالي

على الصعيد الاقتصادي، شكّل دعم الموازنة اليمنية بقيمة 1.3 مليار ريال سعودي (أكثر من 345 مليون دولار) خطوة محورية في تعزيز الاستقرار المالي، حيث أسهم في تغطية النفقات التشغيلية ورواتب الموظفين، وهو ما ساعد في تخفيف الضغوط الاقتصادية والاجتماعية. ويأتي هذا الدعم ضمن منظومة أوسع من المساعدات الاقتصادية التي تجاوزت قيمتها 12.6 مليار دولار منذ عام 2012 وحتى 2026، شملت ودائع ومنحاً لصالح البنك المركزي اليمني، بهدف تحقيق التوازن المالي ودعم استقرار الاقتصاد الكلي. هذا النوع من التدخلات يعزّز ثقة المؤسسات المحلية، ويدعم قدرتها على الاستمرار في تقديم الخدمات، كما يُسهم في خلق بيئة أكثر ملاءمة للاستثمار والنمو الاقتصادي. وفي ظل التحديات التي يواجهها الاقتصاد اليمني، يمثّل هذا الدعم ركيزة أساسية في مسار التعافي التدريجي.

عشرات المشروعات في اليمن أُنشئت بتمويل سعودي (إكس)

كما شهد قطاع البنية التحتية تطورات مهمة من خلال مشروعات استراتيجية مثل استكمال مراحل جديدة من طريق العبر، ورفع كفاءة مطار عدن الدولي. وتبرز أهمية هذه المشروعات في تعزيز الربط الجغرافي لليمن مع محيطَيه الإقليمي والدولي، وهو ما يُسهم في تنشيط الحركة التجارية وتسهيل التنقل. فالطرق والمطارات لا تُعدّ مجرد مشروعات خدمية، بل تمثّل شرايين اقتصادية تُسهم في تحريك عجلة التجارة، وتدعم التكامل مع الأسواق الإقليمية والدولية. كما أن تحسين البنية التحتية يُسهم في جذب الاستثمارات، وخلق فرص عمل، وتعزيز النمو الاقتصادي على المدى الطويل.

الاستثمار في الإنسان

إلى جانب البنية التحتية، يحظى الاستثمار في الإنسان بأولوية واضحة، حيث شهد قطاع الصحة دعماً نوعياً شمل بناء المستشفيات وتشغيلها، وتوفير الأجهزة الحديثة، وتأهيل الكوادر الطبية. ومن أبرز هذه التدخلات التشغيل الكامل لمستشفيات سقطرى وشبوة والمخا، ما أسهم في تحسين جودة الخدمات الطبية وتوسيع نطاق الوصول إليها. كما عزّزت هذه الجهود جاهزية المؤسسات الصحية للتعامل مع الحالات الطارئة والحرجة، وهو ما يُعد عنصراً حيوياً في ظل الظروف الإنسانية المعقدة التي تشهدها البلاد.

وفي قطاع التعليم، برزت مبادرات تهدف إلى دعم استقرار العملية التعليمية والتوسع في التعليم الفني والتدريب المهني، بما يتماشى مع احتياجات سوق العمل. وشملت هذه الجهود توقيع اتفاقيات لبناء مدارس نموذجية في عدد من المحافظات، بالإضافة إلى مشروعات تستهدف تعزيز تعليم الفتيات في المناطق الريفية. وقد أسهمت هذه المبادرات في تقليص فجوة المهارات، وتمكين الشباب، ورفع معدلات الالتحاق بالتعليم، خصوصاً بين الفتيات، مما يعزّز من فرص التنمية البشرية على المدى الطويل. إلى ذلك، لم تغفل الجهود التنموية الجانب المجتمعي، حيث شملت دعم قطاع الرياضة والشباب من خلال تنظيم بطولات رياضية في عدد من المحافظات، ما أسهم في تنشيط الحركة الرياضية واكتشاف المواهب.

كما تضمّنت المبادرات حملات لتحسين المشهد الحضري، ودعم الأنشطة الثقافية، مثل الاحتفاء بيوم اللغة السقطرية، وهو ما يعزّز الهوية الثقافية ويقوي الروابط الاجتماعية.

ويُظهر هذا البعد اهتماماً ببناء مجتمع متماسك وقادر على المشاركة في عملية التنمية، حيث يُعدّ الشباب محوراً أساسياً في أي مشروع تنموي مستدام.

الشراكات الدولية

يُلاحظ بوضوح تصاعد دور الشراكات الدولية في دعم الجهود التنموية، من خلال التعاون مع منظمات دولية، مثل «اليونيسكو» والاتحاد الأوروبي والبنك الدولي. وتعكس هذه الشراكات تكاملاً في الأدوار، حيث تُسهم في تعزيز قدرات المؤسسات اليمنية وتوسيع نطاق التدخلات التنموية.

ومن أبرز هذه الشراكات مشروع تعزيز الأمن المائي في محافظة مأرب، الذي يأتي بوصفه أول ثمرة للتعاون بين البرنامج السعودي والاتحاد الأوروبي، ويستهدف تحسين الوصول إلى المياه في عدد من المناطق، بما يُسهم في تعزيز الأمن المائي وتحسين سبل العيش. كما امتدت التدخلات لتشمل القطاع الزراعي، من خلال مشروعات تهدف إلى تعزيز الأمن الغذائي وتحسين دخل الأسر، إلى جانب دعم مشروعات المياه والإصحاح البيئي، وهو ما يعكس نهجاً متكاملاً في معالجة التحديات التنموية.

Your Premium trial has endedYour Premium trial has ended