حذّر خبراء في مجال بيع التبغ، من ارتفاع نسبة الاتجار غير المشروع من هذه الأصناف في دول الشرق الأوسط، وتقلّص العائدات الضريبية للحكومات المحصلة من شركات التبغ القانونية، إذا لم تقترن الزيادات الضريبية المتوقعة على تلك المنتجات، بإجراءات احترازية تمنع دخول التبغ المهرب إلى الأسواق.
وتشير أحدث التقديرات الاقتصادية الصادرة عن شركات التبغ، إلى أن خسائر حكومات دول الشرق الأوسط من التجارة غير المشروعة للتبغ، في هذا الوقت، تفوق المليار دولار سنويًا، علمًا أن آليات ضبط الأسواق والحدود في مجلس التعاون الخليجي «هي من الأفضل في الشرق الأوسط، ومع ذلك، تبلغ نسبة الحصة غير المشروعة من إجمالي السوق، نحو 10.1 في المائة من حجم الاستهلاك».
وبينما تتحدث تقديرات عن اتجاه دول في الشرق الأوسط، بينها دول مجلس التعاون الخليجي، إلى زيادة التعرفة الجمركية والضرائب على منتجات التبغ، مما يضاعف الفوارق السعرية بين الخليج ودول الجوار، نبّهت شركة «بريتيش أميركان توباكو» من «زيادة فرص انتعاش تدفق المنتجات غير المشروعة»، وهو أمر من شأنه أن «يزيد خسائر الحكومات من الضرائب المستوفاة على التبغ، نظرًا إلى انخفاض الإقبال على السلع القانونية التي تدفع الضرائب».
وقال مدير الشؤون التنظيمية للشرق الأوسط في الشركة، وائل إسماعيل، لـ«الشرق الأوسط»، إن السياسة الضريبية التي تضعها الحكومات «هي قرارات سيادية، ونحن ندعم السياسات الضريبية لدول مجلس التعاون الخليجي»، مشددًا: «إننا على يقين تام بقدرة الكوادر الجمركية والحكومية على مكافحة التجارة غير المشروعة بمنتجات التبغ».
وإذ أكد «الاستعداد التام للتعاون مع الحكومات في تطبيق القرارات الضريبية المتوقعة»، تطرق إسماعيل إلى التجربة الأوروبية إثر فرض سياسة ضريبية مفاجئة على السوق خلال السنوات الماضية. وقال إن الدروس المستفادة من التجربة الأوروبية، «تؤكد ضرورة المحافظة على سياسة ضريبية موحدة في دول مجلس التعاون لضمان عدم تفاوت الأسعار ولمنع انتقال السلع بشكل غير قانوني بين هذه الدول». وأشار إلى أن «ارتكاز السياسة الضريبية على الضريبة النوعية (الثابتة) والحد الأدنى للاستيفاء، لا يترك أمام المستهلكين سوى اللجوء للسوق السوداء في غياب أي بدائل أخرى».
وإذ شدد على أن التشريعات والقوانين «هي من اختصاص الحكومات وحدها، وأن دورنا ينحصر في تقديم خبرتنا ووجهة نظرنا من الناحية الفنية فيما يخصّ التشريعات الخاصة بصناعة التبغ»، أوضح إسماعيل أن «الضريبة الثابتة تؤثّر سلبًا على الأصناف الأقل سعرًا مقارنة بالأصناف المميزة، مما يؤثر على مبدأ العدالة الضريبية، بينما تفرض الضريبة المئوية - المبنية على القيمة – نفس النسبة على كل الشرائح».
وتقدر نسبة الاستهلاك لدى ذوي الدخل المنخفض في دول مجلس التعاون الخليجي، 30 في المائة من السوق، بينما يستهلك 70 في المائة من السكان، وهم يعتبرون من ذوي الدخل المتوسط والعالي، الأصناف المميزة.
وتشير الأرقام التي أفرزتها التجربة الأوروبية إثر ارتفاع الضرائب من غير ضبط مشدد لمعابر التهريب الحدودية، إلى انعكاسات سلبية على خزينة الدول، وقد أثبتت دراسة أعدتها KPMG عام 2014، أن خسائر الحكومات الأوروبية السنوية تقارب 10 مليار يورو.
وأشارت دراسة أخرى إلى أن حصة السوق السوداء من منتجات التبغ في بريطانيا ارتفعت من 3 في المائة في عام 1996 إلى 20 في المائة في عام 2000، إثر ارتفاع الضرائب بنسبة حادة بين العامين 1995 و2000. وقدرت خسائر الحكومة بأكثر من 2.5 مليار جنيه إسترليني خلال هذه الفترة. أما في ألمانيا، فقد زادت حصة السوق السوداء 3 أضعاف بين العامين 2000 و2006، وصولاً إلى 21 في المائة من حصة السوق الإجماعية، قبل أن تتخذ الحكومة الألمانية إجراءات في عام 2007، تمثلت في زيادة تجريدية تماشيًا مع معدلات التضخم، مما وفر ما يقارب 500 مليون يورو للدولة خلال 18 شهرًا.
وأكد إسماعيل أن «السياسة الضريبية المعتدلة ستؤدي في نهاية المطاف إلى تحقيق الأهداف المرجوة منها من الجانب المالي والصحي»، مشددًا: «إننا سنعمل على التعاون مع كل الجهات المعنية إثر إصدار السياسة الضريبية الانتقائية المرتقبة على منتجات التبغ».
ويقول خبراء مطلعون على انعكاسات تهريب التبغ، أن التجارب أثبتت أن الزيادات السعرية المفاجئة والحادة «من شأنها زعزعة السوق القانونية وتشجيع السوق السوداء حيث تؤثر على عائدات الدولة والشركات القانونية وتقوّض سياسات الصحة العامة»، لافتين إلى ضرورة دعم الزيادات التدريجية والمنطقية للأسعار في كل الأسواق.
ومن المرجح أن الضرائب المتوقّع فرضها على السلع القانونية، لن تؤثر على السلع غير الشرعية (المهربة)، كون الأخيرة، لا تخضع لجدول التحصيل الضريبي القائم حاليًا. وتشير الدراسات التي أعدتها شركات التبغ، إلى أن تأثير الزيادة الضريبية على الأسعار، سيؤدي إلى زيادة نسبة التجارة غير المشروعة نظرًا للفارق السعري الكبير ما بين أرخص الأسعار القانونية والأسعار في السوق السوداء. كما تشير التوقعات إلى أن أرباح المهربين، ستزداد من 255 ألف درهم إماراتي تقريبًا لكل حاوية مهربة في دول مجلس التعاون، إلى 1.3 مليون درهم لكل حاوية.
ويعادل حجم السوق السوداء لاستهلاك التبغ في الشرق الأوسط، 58 مليار سيجارة، أي ما يقارب 30 في المائة من حجم السوق الكلي. ويحجب تورّط شبكات عصابات الجرائم المنظمة في هذا العمل عن الحكومات عائدات تقدّر بملايين الدولارات، ويكلّفها مبالغ باهظة لمكافحة التجارة غير المشروعة، كما يقلّل من فعاليّة القوانين المتعلقة بسياسات الصحة العامة.
واستنادًا إلى دراسة أجرتها «مجموعة العمل المالي» التي تضم حاليًا 36 عضوًا من المفوضية الأوروبية، ودول مجلس التعاون الخليجي، والولايات المتحدة الأميركية، والمملكة البريطانية وغيرها، تقدّر (عائدات التجارة غير المشروعة بمنتجات التبغ) بعشرات مليارات الدولارات. وعادة لا تخضع هذه العائدات للنظام الضرائبي، وقد تستعمل لتمويل أشكال متعددة أخرى من الجريمة والإرهاب.
الدول العربية تحاصر شركات التبغ بعد انخفاض عوائدها الضريبية
ارتفاع الأسعار ينمّي سوق التهريب.. والخسائر الحالية تناهز المليار دولار سنويًا
الدول العربية تحاصر شركات التبغ بعد انخفاض عوائدها الضريبية
لم تشترك بعد
انشئ حساباً خاصاً بك لتحصل على أخبار مخصصة لك ولتتمتع بخاصية حفظ المقالات وتتلقى نشراتنا البريدية المتنوعة
