الفنزويليون يفقدون الثقة في اقتصاد وعملة بلادهم مع انهيار أسعار النفط

«النقد» الدولي يتوقع تضخمًا بـ159 في المائة وانكماشًا بـ10% هذا العام

محصل في أحد أسواق العاصمة الفنزويلية كاراكاس  يعد نقودا من فئات العملة الوطنية (رويترز)
محصل في أحد أسواق العاصمة الفنزويلية كاراكاس يعد نقودا من فئات العملة الوطنية (رويترز)
TT

الفنزويليون يفقدون الثقة في اقتصاد وعملة بلادهم مع انهيار أسعار النفط

محصل في أحد أسواق العاصمة الفنزويلية كاراكاس  يعد نقودا من فئات العملة الوطنية (رويترز)
محصل في أحد أسواق العاصمة الفنزويلية كاراكاس يعد نقودا من فئات العملة الوطنية (رويترز)

وصل الحال بالبوليفار، العملة الوطنية لدولة فنزويلا، التي تحمل اسم بطل استقلالها سيمون بوليفار، إلى أن اللصوص أنفسهم لم يعودوا يريدونها.
عندما اختطف اللصوص بيدرو فينيرو في سيارته، في وقت سابق من هذا العام، توقع المهندس الفنزويلي أنهم سيقتادونه إلى بنكه لصرف شيك بمبلغ ضخم بالبوليفار - في واحدة من نوعية الجرائم التي اعتاد عليها مواطنو هذا البلد منذ زمن طويل. لكن اللصوص المسلحين بالبنادق وقنبلة يدوية والمتأكدين من أنه يمتلك مبلغًا بالدولار في منزله، كانوا زاهدين في أمواله بالبوليفار المودعة في حسابه البنكي.
وتعكس اللهفة على التخلص من البوليفار أو تحاشيه بالكلية مدى فقدان الثقة الذي بات يشعر به الفنزويليون إزاء اقتصاد بلادهم وقدرة حكومتهم على إيجاد سبيل لإخراجهم من هذه الفوضى.
قبل عام كان الدولار الواحد يشتري نحو 100 بوليفار في السوق السوداء. بينما يحتاج المرء في هذه الأيام إلى أكثر من 700 بوليفار لكي يتحصل على العملة الخضراء، في مؤشر على الانهيار البالغ الذي لحق بالثقة في الاقتصاد المحلي.
ويتوقع صندوق النقد الدولي أن يبلغ مستوى التضخم في فنزويلا 159 في المائة هذا العام (رغم أن الرئيس نيكولاس ماديرو صرح بأنه سيكون نصف هذا المعدل)، وأن الاقتصاد سوف ينكمش بواقع 10 في المائة، أسوأ أداء متوقع في العالم (رغم أنه لا توجد أي تقديرات مماثلة لسوريا التي تمزقها الحرب).
وسيكون ذلك مسارًا كارثيًا بالنسبة إلى بلد يمتلك أكبر احتياطيات نفطية مقدرة في العالم، ويعتبر نفسه غنيًا على عكس الكثير من جيرانه.
لكن الواقع يتجاوز مجرد الأرقام، ويكشف سخافات الحياة في بلد رفضت حكومته على مدار شهور الإفصاح عن البيانات الاقتصادية الأساسية مثل معدل التضخم أو إجمالي الناتج القومي.
ورغم انكماش دخل البلاد مع انهيار سعر النفط - السلعة التصديرية الوحيدة المهمة في فنزويلا - وتنامي السوق السوداء للدولار، تصر الحكومة على تجميد سعر الصرف الرئيسي للعملة الأميركية عند 6.3 بوليفار.
هذا التباين المثير للدهشة أفسح المجال أمام اقتصاد يسجل ارتفاعات مفاجئة في الأسعار تمليها على نحو متزايد السوق السوداء للدولار ويعجز معها المواطن عن معرفة القيمة الحقيقية لأي سلعة.
على سبيل المثال، يبلغ ثمن تذكرة السينما نحو 380 بوليفارا. ووفق الحسابات الحكومية تساوي هذه التذكرة 60 دولارًا، لكنها بأسعار السوق السوداء، لا تكلفك سوى 54 سنتًا فقط. هل تريد عبوة كبيرة من الفيشار والصودا معها؟ هذه تساوي إما 1.15 دولار أو 128 دولارًا، بناء على الطريقة التي تحسب بها السعر.
ويبلغ الحد الأدنى للأجور في فنزويلا 7421 بوليفارًا في الشهر. وعلى نفس المنوال، ربما يساوي هذا الراتب مبلغًا محترمًا يصل إلى 1178 دولارًا أو رقمًا بائسًا لا يتجاوز 10.60 دولار.
وأيا كان هذا الراتب، فإنه لا يفي بالغرض. فقد بلغت قيمة المواد الغذائية التي تكفي أسرة مكونة من 5 أفراد 50.625 بوليفار في أغسطس (آب) الماضي، بحسب مركز التوثيق والتحليل الاجتماعي في الاتحاد الفنزويلي للمعلمين، أي بما يتجاوز 6 أضعاف الحد الأدنى للأجور في البلاد مقابل أكثر من 3 أضعاف فقط في نفس الشهر من العام الماضي.
ويمكن أن تكلف وجبة العشاء لفردين في واحد من أفخم المطاعم بالعاصمة كاراكاس 30 ألف بوليفار، أي 42.85 دولار بحسب سعر السوق السوداء أو 4.762 دولار وفق سعر الصرف الرئيسي.
علاوة على ذلك، سجل التضخم ارتفاعًا هائلاً دفع شركات التأمين على السيارات إلى التهديد بإصدار بوالص تنتهي بعد 6 أشهر، لتقليص المخاطر الناجمة عن تزايد أسعار قطع غيار السيارات.
وفي ظل الانتخابات التشريعية الهامة المقرر إجراؤها في شهر ديسمبر (كانون الأول) المقبل، بدأت الحكومة في توفير الثلاجات والمكيفات والأجهزة المنزلية الأخرى لموظفي الحكومة ومؤيدي الحزب الحاكم بأسعار زهيدة. وقال أحد موظفي الحكومة إنه اشترى شاشة بلازما صينية الصنع قياس 48 بوصة مقابل 11 ألف بوليفار، أي 15.71 دولار فقط بسعر السوق السوداء.
ويلقي السيد مادورو باللائمة في مشاكل البلاد على «حرب اقتصادية» يشنها أعداؤه، في الداخل والخارج، لكن غالبية خبراء الاقتصاد يقولون: إن هذه المشاكل سببها تراجع أسعار النفط والسياسات التي تنتهجها الحكومة، بما في ذلك القيود الصارمة التي تفرضها على الأسعار والنقد الأجنبي للاستيراد.
ومع تكشف أبعاد الأزمة، ما زال السيد مادورو مترددًا في إجراء التغييرات التي يؤكد كبار المسؤولين أنها ضرورية، مثل رفع سعر البنزين الذي تدعمه الدولة بشدة حتى أنه يكاد يكون مجانيًا - ربما لأنه يخشى رد فعل غاضبا من قبل الجماهير قبل الانتخابات التشريعية.
لكن الأمور تزداد غرابة كل يوم.
هل تحتاج إلى بطارية جديدة لسيارتك؟ فلتحضر معك وسادة، لأنك ستضطر إلى قضاء ليلتك في السيارة أمام المتجر. وفي إحدى الليالي، اصطفت أكثر من 80 سيارة أمام متجر بيع البطاريات.
هل تريد الانخراط في مهنة جديدة؟ الكثير من الفنزويليين تركوا وظائفهم لكي يبيعوا سلعًا مثل حفاضات الأطفال أو دقيق الذرة في السوق السوداء، ليحققوا 3 أو 4 أضعاف الرواتب التي كانوا يتقاضونها.
هل تحتاج إلى سيولة نقدية؟ حسنًا، لكن ليس الكثير منها. وتضع بعض ماكينات الصراف الآلي حدًا أقصى للسحب اليومي من البوليفار بما يعادل نحو 50 دولارًا بأسعار السوق السوداء.
وفي ضوء النقص المزمن في السلع الأساسية، تملأ المتاجر والصيدليات صفوفًا طويلة من الأرفف بمنتج واحد فقط. بل إن أحد المتاجر ملأ جانبي أحد ممراته بعبوات الملح. بينما فعل متجر آخر نفس الشيء لكن مع الخل. كما ملأت إحدى الصيدليات أرففها بالعيدان القطنية.
وتعتبر الأوراق المالية، لا سيما عملة المائة بوليفار ذات اللون البني والفئة الأكبر في التداول العام بفنزويلا (قيمتها في السوق السوداء تبلغ نحو 14 سنتًا) من أبرز المواد الشحيحة في البلاد.
وتطرح روث دي كريفوي، وهي محافظ سابق للبنك المركزي الفنزويلي، سؤالاً ممزوجًا بضحكة حزينة قائلة: «هل تريد أن تفهم لماذا تتوفر أموال كثيرة بينما لا توجد أي نقود؟». وتجيب قائلة إن المشكلة الرئيسية تكمن في فشل الحكومة في التعاطي مع الارتفاع السريع في الأسعار عبر إصدار فئات أكبر من العملة المحلية، كأن تطرح أوراقا مالية من فئة 1000 أو 10000 بوليفار. وقد أدى هذا التقاعس الحكومي إلى احتياج الناس إلى أوراق مالية أكثر لكي تشتري نفس السلع التي كانت تبتاعها قبل عام واحد فقط.
جايم بيللو، ميكانيكي في إحدى شركات الطيران، زار مؤخرًا مصرف بانكو ديل تيسورو الحكومي الذي يتعامل معه، ليفاجئ بأن ماكيناته الثلاث للصرافة خالية من النقود. وتذكر عندما ذهب في مرة سابقة لسحب 2000 بوليفار واضطر إلى أن يقف وينصت إلى طنين الماكينة فيما تقذف كومة من الأوراق النقدية من فئة 5 بوليفار، والتي تساوي أقل من سنت أميركي. بيللو سحب كومة من 200 ورقة مالية وانتظر بينما تعد المكانية 200 ورقة أخرى.
وقال: «هذا أمر جنوني... إننا نعيش في كابوس. لا يوجد ما نشتريه، والنقود لا تساوي شيئا».
ووفرت الأزمة أيضًا فرصة مواتية للراغبين في الوقوف في صفوف طويلة لكي يشتروا سلعًا حكومية رخيصة يمكنهم إعادة بيعها مع ربح كبير.
وتقول جيرالدين كسياني، التي تركت وظيفتها كمقلمة أظافر في شهر فبراير (شباط) الماضي لكي تنخرط في السوق السوداء: «قلت لنفسي يمكنني أن أجني مالاً أوفر من هذا العمل وتركت وظيفتي في محل تصفيف الشعر». وتضيف أنها تكسب الآن ما بين 4 إلى 5 أضعاف ما كنت تجنيه في السابق.
وفي زيارة أخيرة إلى المتجر، استخدمت كسياني علاقاتها هناك لكي تفوت الصف واشترت 4 عبوات من حفاضات الأطفال، رغم أنه لا يحق للمتسوقين أن يشتروا أكثر من عبوتين فقط. وتمتلك الآنسة كسياني بالفعل «زبونة» تنتظر شراء الحفاضات بسعر يزيد 3 مرات تقريبًا عما دفعته: ممرضة لا تستطيع أن تغيب عن العمل لكي تقف في الصف.
ويظهر السيد مادورو على شاشات التلفزيون مرًارا لكي يشجب تجار السوق السوداء ويلقي عليهم باللائمة في نقص السلع وارتفاع الأسعار.
وتعترف الآنسة كسياني قائلة: «جزئيًا، أعتقد أن ما أفعله أمر سيئ» مضيفة أنها رفعت الأسعار على نحو أقل من بعض التجار الآخرين في السوق السوداء. وتقول إنها كأم عزباء، يجب أن تعول طفلها.
«للضرورة أحكام»، هكذا بررت الآنسة كسياني موقفها.

* خدمة «نيويورك تايمز»



«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
TT

«شيفرون» الأميركية تؤكد توسعة عملياتها في فنزويلا

مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)
مضخات نفط مطبوعة بتقنية الطباعة ثلاثية الأبعاد وشعار شركة «شيفرون» في هذا الرسم التوضيحي (رويترز)

أكدت شركة النفط الأميركية العملاقة «شيفرون» الأربعاء أنها ستوسع عملياتها في فنزويلا، بعد أيام من إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترمب عن اتفاق طموح لتطوير احتياطيات البلاد النفطية، ومنح وزارة الدفاع الأميركية حصة من الأرباح.

وقالت «شيفرون» إنها حصلت على مساحات إضافية في حزام أورينوكو النفطي، حيث تتمتع الشركة بوجود راسخ، مشيرة إلى أن خطط المشروعات المشتركة تتضمن استثمار أكثر من 7 مليارات دولار خلال السنوات الخمس المقبلة.

وتستهدف الشركة، بموجب خطط التوسع الجديدة، أكثر من مضاعفة إنتاجها النفطي إلى نحو 600 ألف برميل يومياً مقارنة بمستويات الإنتاج في 2026.

ويأتي الإعلان بعد يوم من تأكيد مسؤول أميركي أن مسؤولين في «شيفرون» ووزير الطاقة الأميركي كريس رايت سيزورون فنزويلا الأربعاء، للكشف رسمياً عن الاستثمارات الجديدة.

وتُعد «شيفرون» ثاني أكبر شركة نفط أميركية، والشركة الأميركية الوحيدة التي تتمتع بوجود كبير في فنزويلا، حيث تعمل في البلاد منذ عام 1923.

وتدير مشروعات «شيفرون» المشتركة، عبر شركتي «بتروإنديبندنسيا» و«بتروبيار»، عمليات لإنتاج النفط الثقيل للغاية في حزام أورينوكو، بينما تعمل شركة «بتروبوستان» في ولاية زوليا غرب فنزويلا.


سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
TT

سعر الغاز الأوروبي عند أعلى مستوياته منذ 3 أعوام

بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)
بلغت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي المرجعي في أوروبا 73.85 يورو للميغاواط/ساعة وهو أعلى مستوى منذ يناير 2023 (رويترز)

ارتفع سعر الغاز الأوروبي، الأربعاء، إلى أعلى مستوى له منذ بداية عام 2023، مدفوعاً باستئناف إيران والولايات المتحدة الضربات هذا الأسبوع؛ ما يعقّد عملية ملء المخزونات قبل فصل الشتاء.

وقرابة الساعة 08,35 بتوقيت غرينتش، كانت العقود الآجلة للغاز وفق مؤشر «تي تي إف» الهولندي، المرجعي في أوروبا، تسجّل 73.85 يورو للميغاواط/ساعة، بعدما بلغت 75.33 يورو، وهو أعلى مستوى منذ يناير (كانون الثاني) 2023.

وتُعدّ احتياطيات الغاز الأوروبية منخفضة بالنسبة لهذه الفترة من العام؛ ما يعني أن الحاجة كبيرة إلى التزوّد بهذه المادة قبل الشتاء.

وتنافس أوروبا آسيا على بعض شحنات الغاز الطبيعي المسال، وهي تستعد لحظر استيراده من روسيا بالكامل ابتداءً من يناير 2027.

وأوضح جوناثان شروير، المحلل لدى «يوني كريديت»، أن «الصيف الحار بشكل استثنائي في أوروبا وفي الدول الآسيوية الرئيسية المستوردة للغاز، أدى إلى زيادة الطلب على الغاز الطبيعي المسال لتغذية أنظمة التكييف». وفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية».

بدوره، رأى آرنه لوهمان راسموسن، المحلل لدى «غلوبال ريسك مانجمنت»، أن التصعيد العسكري في الشرق الأوسط «يجعل من الصعب أكثر فأكثر الركون إلى فرضية عودة تدفقات الغاز الطبيعي المسال إلى طبيعتها سريعاً»؛ وهو ما يدفع الأسعار إلى الارتفاع الحاد.

وشنت إيران الأربعاء هجمات على قواعد عسكرية أميركية في الخليج، بعد انتهاء جولة من الضربات الأميركية ضدها، في توسيع لدائرة التصعيد مع تعثر الجهود الدبلوماسية للخروج من الحرب التي دخلت شهرها السابع.

وتبقى حركة الملاحة في مضيق هرمز الحيوي لإمدادات الطاقة العالمية، أدنى بكثير من مستوياتها المعتادة.

ورأى شروير أن «إمدادات النفط أفضل قليلاً؛ إذ تمكّنت الإمارات العربية المتحدة والمملكة العربية السعودية من التصدير عبر خطوط أنابيب بديلة» تُربَط تباعاً بخليج عُمان والبحر الأحمر.

لكن الأمر مختلف بعض الشيء بالنسبة للغاز الطبيعي المسال الذي تُعدّ قطر أبرز منتجيه في الخليج، وهي لا تحظى بأي مسار بديل للتصدير؛ ما يفسّر سبب ارتفاع سعر الغاز أكثر من النفط منذ بداية الحرب بهجوم أميركي - إسرائيلي على إيران في فبراير (شباط).


«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
TT

«عوائد اليابان» تواصل الصعود والأسهم تتراجع

شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)
شاشة تعرض حركة الأسهم في العاصمة اليابانية طوكيو (أ.ب)

دخلت الأسواق اليابانية جلسة الأربعاء تحت ضغط مزدوج من ارتفاع عوائد السندات وتصاعد المخاوف الجيوسياسية، مع ازدياد الرهانات على أن «بنك اليابان» قد يسرع وتيرة رفع أسعار الفائدة، في وقت دفعت فيه جولة جديدة من الضربات بين الولايات المتحدة وإيران أسعار النفط إلى الارتفاع، وأعادت مخاوف التضخم العالمي إلى الواجهة.

وارتفع عائد السندات الحكومية اليابانية لأجل 10 سنوات إلى 3 في المائة في بداية التعاملات، قبل أن يصل إلى 3.015 في المائة لاحقاً، وهو أعلى مستوى منذ سبتمبر (أيلول) 1996. كما قفز عائد السندات لأجل 5 سنوات إلى مستوى قياسي عند 2.275 في المائة، بينما ارتفع عائد السندات لأجل عامين إلى 1.86 في المائة، وهو الأعلى منذ أبريل (نيسان) 1995.

وتعكس هذه التحركات تغيراً سريعاً في توقعات السياسة النقدية اليابانية. فالأسواق تتوقع بصورة شبه مؤكدة أن يرفع «بنك اليابان» سعر الفائدة إلى 1.25 في المائة خلال اجتماعه هذا الشهر، لكن بعض المستثمرين بدأوا يضعون في الحسبان احتمال أن تكون الزيادة أكبر أو أن تتبعها خطوات متسارعة في الاجتماعات اللاحقة.

وقال تاكاشي فوجيوارا، كبير مديري الصناديق في «ريسونا لإدارة الأصول»، إن عائد السندات لأجل 10 سنوات مرشح لمزيد من الصعود مع زيادة توقعات رفع الفائدة بوتيرة أسرع. وأضاف أن رفع «بنك اليابان» الفائدة 25 نقطة أساس قد لا يكون كافياً لدعم الين إذا أقدم «الاحتياطي الفيدرالي (البنك المركزي الأميركي)» أيضاً على رفع الفائدة في سبتمبر الحالي، وهو ما يُبقي الفجوة بين العوائد اليابانية والأميركية عاملاً رئيسياً في حركة العملة.

ويترقب المستثمرون كذلك تصريحات هاجيمي تاكاتا، عضو «مجلس بنك اليابان»، المعروف بمواقفه المتشددة، بعدما كان قد عارض في يوليو (تموز) الماضي قرار تثبيت الفائدة، ودعا لرفعها إلى 1.25 في المائة. ومع تسارع التضخم وضعف الين، لا يستبعد بعض المتعاملين أن يطالب تاكاتا بتحرك أكبر.

وقال فوجيوارا إن السوق تستعد حتى لاحتمال دعوة تاكاتا إلى زيادة بمقدار 50 نقطة أساس، وهو سيناريو من شأنه أن يرفع عوائد الآجال القصيرة بصورة إضافية ويضغط على أسعار السندات. ولا ترتبط الضغوط فقط بالسياسة النقدية؛ فالحكومة اليابانية تواجه أيضاً احتياجات تمويل متصاعدة، مع وصول طلبات الوزارات والهيئات الحكومية لموازنة السنة المالية 2027 إلى نحو 143 تريليون ين، أي نحو 893 مليار دولار. وتشير التوقعات إلى أن وزارة المالية قد تزيد مبيعات السندات لأجل عامين و5 سنوات لتمويل الإنفاق؛ مما يزيد المعروض ويضع ضغوطاً صعودية إضافية على العوائد.

وفي الوقت نفسه، انضمت السوق اليابانية إلى موجة بيع عالمية في السندات، بعدما ارتفعت عوائد الخزانة الأميركية عقب تجدد الضربات في الحرب الإيرانية وارتفاع أسعار النفط، بما يعزز المخاوف من استمرار التضخم ويدفع المستثمرين إلى توقع سياسة نقدية أكبر تشدداً في الاقتصادات الكبرى.

وانعكست هذه البيئة مباشرة على الأسهم اليابانية. فقد هبط مؤشر «نيكي» 2.85 في المائة إلى 64325.64 نقطة، بينما تراجع مؤشر «توبكس» 2.4 في المائة إلى 4081.6 نقطة، منهياً سلسلة مكاسب استمرت 9 جلسات. وقال دايسوكي هاشيزومي، كبير الاستراتيجيين في «دايوا للأوراق المالية»، إن السوق تعرضت لعمليات بيع واسعة مع استعداد المستثمرين لتأثير ارتفاع أسعار النفط. وكانت أسهم التكنولوجيا من أبرز الخاسرين؛ إذ تراجع سهم «سوفت بنك غروب» 6.42 في المائة، وانخفضت «طوكيو إلكترون» 3.4 في المائة، و«أدفانتست» 2.52 في المائة.

وتتأثر أسهم النمو والتكنولوجيا عادة بارتفاع العوائد؛ لأن زيادة معدل الخصم تقلل القيمة الحالية للأرباح المستقبلية، مما يجعل التقييمات المرتفعة أصعب في بيئة نقدية متشددة. لكن اللافت أن الضغط امتد أيضاً إلى قطاعات يُفترض أنها تستفيد عادة من ارتفاع الفائدة. فقد تراجعت أسهم «ميتسوبيشي يو إف جيه» و«سوميتومو ميتسوي» رغم أن البنوك غالباً ما تستفيد من اتساع هوامش الفائدة، مما يعكس حجم القلق العام في السوق. كما هبطت «تويوتا» 3.39 في المائة و«هوندا» 2.37 في المائة، في جلسة انخفضت فيها 210 أسهم من أصل 225 مكوناً لمؤشر «نيكي».

وتكشف تحركات الأربعاء أن السوق اليابانية تواجه مرحلة إعادة تسعير واسعة، لا تتعلق فقط بقرار فائدة واحد، بل بمسار كامل من التشديد النقدي وارتفاع تكاليف التمويل وزيادة إصدار الديون الحكومية. وإذا استمرت عوائد السندات فوق 3 في المائة، فقد يتحول هذا المستوى من حاجز نفسي إلى مرجع جديد لتسعير الرهون العقارية وتمويل الشركات ومخاطر الأسهم. كما سيزيد الضغط على الحكومة في وقت تحاول فيه تمويل موازنة متضخمة من دون فقدان ثقة سوق السندات. ولهذا؛ فإن المستثمرين يراقبون الآن 3 مؤشرات مترابطة: مدى تشدد «بنك اليابان»، وقدرة الحكومة على امتصاص تكاليف الدين الأعلى، واستمرار ارتفاع النفط الذي قد يُبقي التضخم مرتفعاً. وأي تشدد إضافي في واحد من هذه المحاور قد يدفع العوائد إلى مستويات أعلى ويُبقي الأسهم، خصوصاً التكنولوجيا، تحت الضغط.