بوتين.. «الورقة القومية» في مواجهة المعارضة الروسية

استغل ارتباط بعضها بالغرب.. واستوعب مشاعر الرأي العام

بوتين.. «الورقة القومية» في مواجهة المعارضة الروسية
TT

بوتين.. «الورقة القومية» في مواجهة المعارضة الروسية

بوتين.. «الورقة القومية» في مواجهة المعارضة الروسية

سلط تدخل موسكو في سوريا، في أعقاب ضم الرئيس الروسي فلاديمير بوتين شبه جزيرة القرم ورعايته الانتفاضة المؤيدة لروسيا في شرق أوكرانيا، الأضواء على تصاعد ثقة القيادة الروسية بنفسها وبقدراتها، واقتناعها بأن الغرب، بقيادة الرئيس الأميركي باراك أوباما، ليس في وارد التصدي لتنامي لطموحها. وفي سياق «الثأر» من الغرب على دور في إنهاك الاتحاد السوفياتي السابق وتقسيمه، راهن بوتين على «الورقة القومية» في وجه خصومه من اليمين الليبرالي المدعوم من الغرب والقوى الشيوعية المناوئة للغرب، وبالنتيجة نجح أولاً في تهميش اليمين، وثانيًا كسب الشيوعيين والاشتراكيين والقوميين في صفه تحت سقف مواجهة العدو الغربي القديم - الجديد. وهو الآن يخطط للذهاب أبعد في مشروعه «القومي» عبر دعوته لتشكيل تكتل جديد تحت عنوان «الجبهة الشعبية لعموم روسيا».

ما شهدته الساحة السوفياتية، وتحديدًا الروسية، من زخم وحركة عارمة في أعقاب إعلان ثورة «البيريسترويكا والغلاسنوست» في منتصف ثمانينات القرن الماضي صار في ذمة التاريخ. لكن ما كان يعتمل آنذاك في نفوس الملايين من مشاعر سخط وغضب واحتجاج مكتومة، لم يكن ليمضي دون تبعات سرعان ما فرضت نفسها على واقع ذلك الزمان وهو ما كشفت عنه القوى السياسية «الكامنة» القادمة من الجمهوريات والأقاليم في «مؤتمر نواب الشعب» الذي افتتح أولى دوراته في مايو (أيار) 1989.
ولعل ما شهدته جلسات ذلك المؤتمر من نقاشات حادة جرت في مثل تلك الأجواء من الصراحة والانفتاح لأول مرة في تاريخ الاتحاد السوفياتي وروسيا كان عمليًا نقطة الانطلاق نحو عالم أكثر رحابة وتحركات أشد فعالية سرعان ما أسفرت عن ظهور الحركات المعارضة التي تلفحت بتسميات على غرار «روخ» الأوكرانية و«سايوديس» الليتوانية ورفعت شعارات دعم «البيريسترويكا» في محاولة لإخفاء أهدافها الحقيقية التي كانت تستهدف الانفصال عن الدولة السوفياتية.

حقبة يلتسين
ولئن كانت تلك الحركات والتحركات كشفت لاحقا عن نياتها وراحت تتلمس السبل المناسبة والمقدمات التي سرعان ما أطاحت بالدولة وأركانها مع نهاية تسعينات القرن الماضي وحتى الإعلان رسميًا عن أفول شمسها في ديسمبر (كانون الأول) 1991، فإن ما شهدته روسيا الاتحادية إبان حكم الرئيس الروسي الأسبق بوريس يلتسين كان أشد وطأة وأكثر حمية بما حملته من فوضى عارمة أصابت مختلف جوانب الحياة السياسية والاجتماعية وكذلك المجالات الاقتصادية والثقافية، وبلغت حد تهديد روسيا الاتحادية بمصير مشابه كانت واشنطن أعدته لها حسبما كشفت مصادر الإدارة الأميركية مؤخرًا في معرض كشفها عن مخطط كان يستهدف تقسيم روسيا إلى ما يزيد عن تسعين ولاية وإقليمًا في مطلع تسعينات القرن الماضي.
وهنا نذكر أن «الحركة الديمقراطية» التي تزعمها بوريس يلتسين - ودعمها الغرب - في مطلع تسعينات القرن الماضي لم تستطع الصمود طويلاً أمام عودة الشيوعيين إلى صدارة الساحة السياسية بعد إعادتهم تنظيم صفوفهم وإعلان قيام حزبهم الجديد بزعامة غينادي زيوغانوف مستفيدين من الأخطاء الفادحة التي ارتكبها يلتسين وفريقه. ولذا كان من الطبيعي أن يعود هؤلاء إلى صدارة الساحة ويفوزوا بغالبية مقاعد مجلس «الدوما» (البرلمان) في انتخابات 1995. بل، وكاد زعيمهم زيوغانوف يفوز برئاسة الدولة في الجولة الثانية من انتخابات الرئاسة في عام 1996 على يلتسين لو لم يقدم الأخير على كل صنوف التزوير، فضلا عن الترهيب والوعيد واللجوء إلى كل صنوف البلطجة الانتخابية والجنائية.
آنذاك كان مجلس «الدوما»، رغم كل الفوضى والانهيار الذي أصاب كل مناحي الحياة، في توقيت مواكب لاندلاع الحرب الشيشانية الأولى وتفشّي ظاهرة الحركات الاستقلالية أو الانفصالية، ساحة للمبارزات الكلامية ولمحاولات تصفية حسابات الماضي، وهو ما كان يقابل بكل الحسم والحزم من جانب الكرملين دفاعًا عن الرئيس الذي كان غير مرة قاب قوسين أو أدنى من الإطاحة به دستوريًا بعد دوران عجلة «الإمبيتشمينت» (أو سحب الثقة) منه في البرلمان. كانت القوى السياسية آنذاك قد تبعثرت بين يمين الوسط، الممثل في تنظيمات حزبية فوقية حملت تباعًا أسماء «روسيا بيتنا» بزعامة ييغور غايدار ثم «خيار روسيا» بزعامة فيكتور تشيرنوميردين رئيس الحكومة الروسية الأسبق، وحتى حزب «الوطن - الوحدة الروسية»، وبين الأحزاب اليمينية مثل حزب «يابلوكو» بزعامة غريغوري يافلينسكي وحزب «اتحاد القوى اليمينية» بزعامة بوريس نيمتسوف وعدد من نجوم «الحركة الديمقراطية» وغيرهما من الأحزاب الصغيرة التي طالما ارتمت في أحضان الحزب الحاكم بحثًا عن دفء الامتيازات مقابل ما تقدم من دعم معنوي وفكري و«تنازلات» حسمًا من رصيد الوطن والمواطن.
ولم يكن بعيدًا عن تلك الأحزاب وتوجهاتها حزب فلاديمير جيرينوفسكي الشعبوي المسمى بـ«الحزب الليبرالي الديمقراطي» الذي يمثل يسار الوسط، وكان فاز بالأغلبية في انتخابات أول دورة لمجلس «الدوما» عام 1994 في مواجهة المعارضة اليسارية، التي كان يمثلها بكل القوة الحزب الشيوعي الروسي بزعامة زيوغانوف زعيم الأغلبية في المجلس، ومعه الحزب الزراعي وتنظيمات أخرى لم يستطع مرشحوها الفوز بأية مقاعد نيابية.

تغييرات في الخارطة
على أن هذه الخارطة الحزبية الروسية سرعان ما طرأت عليها التغييرات التي نجمت عن تغير القيادة السياسية في نهاية عام 1999 ورحيل بوريس يلتسين وتولي فلاديمير بوتين لمقاليد السلطة في الكرملين في مايو 2000. وكان بوتين قد اضطر إلى موائمة أوضاعه وتوجهاته مع البرلمان، الذي تركه له سلفه يلتسين مع بقايا أركان حكمه في إدارة الكرملين والحكومة، حتى استطاع الإمساك بزمام الأمور مع نهاية فترة ولايته الأولى.
ويذكر المراقبون أن ما جرى تباعًا ولاحقًا من أحداث خلال سنوات الولاية الأولى للرئيس بوتين كان ينبئ بتغييرات جذرية عاصفة نجمت عما أحرزه من نجاح في حسم المواجهة مع الإرهاب وضربه الحركات الاستقلالية والانفصالية والانتهاء من الحرب الشيشانية الثانية، فضلا عن حسمه لمصلحته معركته مع المحافظين ممن كانوا صدّقوا الرئيس الأسبق «وأخذوا من الاستقلال ما استطاعوا أن يبتلعوه» - حسبما دعاهم على سبيل الغزل في مدينة قازان (عاصمة جمهورية تتارستان الروسية ذات الحكم الذاتي) في محاولة لاستمالتهم إلى جواره بعيدا عن خصمه التاريخي ميخائيل غورباتشوف. ولم تكن أحزاب ما بعد انهيار الاتحاد السوفياتي قد غادرت الساحة بعد رغم كل ما لقيته غالبيتها من الضربات والإخفاقات.
في الحقيقة، الأحزاب المعارضة كانت تفقد مع كل ولاية جديدة لفلاديمير بوتين الكثير من مواقعها وجماهيريتها في الشارع الروسي الذي انصرف عنها، وفي الوقت نفسه كانت هذه الفصائل تتناحر فيما بينها، وكان منها من راح يجنح صوب السقوط طواعية في شرك التمويل الأجنبي تحت ستار ما يسمى بـ«منظمات المجتمع المدني». ويذكر كثيرون من المراقبين المحليين منهم والأجانب، تدافع عدد كبير من شباب وممثلي الأحزاب اليمينية نحو التعاون مع المنظمات الأجنبية بدعوى الحصول على منح تدريبية في الخارج، ومنها ما يتعلق بالتدريب على حشد الأنصار وتنظيم المظاهرات وكيفية رفع حدة ودرجة سخونة الأوضاع السياسية في الساحة الداخلية. وحسب راصدين مطلعين في موسكو، ما كان ذلك ليجري من دون مساهمات السفارات والصناديق الغربية وفي مقدمتها الأميركية، وهو ما كانت السلطات و«الأجهزة البوتينية» رصدته في حينه بما استطاعت معه أن تشهره في الوقت المناسب لها مبرّرًا طبيعيًا لاتخاذ السلطات التشريعية الروسية ما يتناسب من مراسيم وقرارات لمواجهة مثل هذه الأوضاع.
وحين كانت تشتد وطأة المداهمات والاعتقالات بتهمة التعاون مع الخارج ومحاولات نشر التوتر وتأليب الرأي العام ضد السلطة الرسمية، كانت قيادات الأحزاب اليمينية تجأر بأعلى الصوت احتجاجًا على ما تقول إنه اعتداء على حقوق الإنسان، وتطالب بالتصدي لما كانت ولا تزال تصفه بتكميم الأفواه، ووقف الإجراءات التي تصفها بـ«الديكتاتورية».
وفي هذا الصدد نذكر ما شهدته موسكو من حشد للجماهير التي خرجت إلى ساحة «بولوتنويه» غير بعيد عن الكرملين في نهاية عام 2011 تحت سمع وبصر الرئيس السابق ديمتري ميدفيديف، وكذلك في مايو 2012 احتجاجًا على عودة بوتين إلى السلطة في الكرملين. وكانت هذه المظاهرات، ولا سيما التي نظمت في نهاية عام 2011، الأكبر في تاريخ المعارضة منذ تولي بوتين للسلطة في عام 2000، وهي مع ذلك لم تلق آذانًا صاغية كما يقال، لكنها أكدت بما لا يدع مجالا للشك مدى هشاشة مواقع المعارضة الروسية التي انفرط عقدها وتبعثرت وتحوّلت إلى ما يشبه «الدكاكين» التي تبيع الوهم. ومن ثم، عاد عدد من أقطاب رجال الأعمال السابقين ومنهم ميخائيل خودوركوفسكي، الملياردير الذي كان أفرج عنه بوتين بعد قضائه ما يزيد عن العشر سنوات في سجون روسيا في اتهامات جنائية واقتصادية ثمة من حاول التشكيك فيها، وإن كانت تتسم في بعض جوانبها بطابع سياسي. وكان خودوركوفسكي قد قال في تصريحات نشرتها جريدة «لوموند» الفرنسية إنه على استعداد لترشيح نفسه منافسًا لبوتين في الانتخابات الرئاسية المرتقبة، رغم يقينه من عبثية مثل هذا الطرح وانعدام جدواه، في توقيت تبدو فيه المعارضة اليمينية عاجزة حتى عن المنافسة على مستوى الانتخابات المحلية.

صراع بوتين مع اليمين
مع هذا، بدت المعارضة اليمينية وكأنها حسمت موقفها المناهض للرئيس فلاديمير بوتين، الذي ظهرت واضحة توجّهاته القومية المتشددة، ومناهضته السافرة للغرب وسياساته وإصراره على استعادة مواقع روسيا في الساحتين الإقليمية والدولية، ورفضه الصريح هيمنة عالم القطب الواحد على مدى كل سنوات ولايته الثانية التي كان اختتمها بخطابه الناري الشهير في مدينة ميونيخ الألمانية في «مؤتمر الأمن الأوروبي» في فبراير (شباط) 2007، الذي كشف فيه عن استراتيجية العمل وتوجهاته نحو مقارعة عالم القطب الواحد والاهتمام بإعادة بلاده إلى صدارة الساحة الدولية.
وهنا راحت رموز الأحزاب اليمينية من أمثال الزعيم الراحل بوريس نيمتسوف تتجرّأ في إظهار خصومتها للنظام وتتعمد الظهور مع أركان خصومه في الفضاء السوفياتي السابق، كما فعل نيمتسوف لدى انضمامه إلى «الثورة البرتقالية» في أوكرانيا وقبوله العمل مستشارًا للرئيس الأوكراني الأسبق فيكتور يوشينكو في عام 2004 وهو ما يرى المراقبون الروس أنه كان في صدارة أسباب تراجع مواقعه وحزبه في الساحة السياسية الروسية.
وثمّة ما يشير إلى أن ما فعله نيمتسوف - اغتيل في فبراير الماضي في موسكو - وصحبه من أمثال ميخائيل كاسيانوف، آخر رؤساء الحكومات الروسية في عهد يلتسين، وغاري كاسباروف بطل العالم الأسبق في الشطرنج والكسي نافالني ممّن كانوا يجاهرون في عدائهم لفلاديمير بوتين ويتعمدون انتقاده في المحافل الدولية والإقليمية، لم يعد يلقى قبول من بقي من أنصار وأعضاء حركاتهم وتنظيماتهم السياسية. وهذا ما يفسّر تحول بعض ممثلي الأحزاب اليمينية إلى تأييد قرار الرئيس الروسي حول ضم شبه جزيرة القرم واعتبار ذلك «مسألة» لا مراء فيها، فضلا عن أنه صار أمرًا واقعًا لا مجال لتغييره. ومن هؤلاء نشير إلى ممثلي ما يسمى اليوم بـ«المعارضة اليمينية غير الممنهجة» ومنهم خودوركوفسكي ونافالني، وإن كان ذلك عند البعض لا يمكن إلا أن يندرج تحت بند المداهنات والمناورات السياسية. في أي حال، لا يمكن أن يعني تراجع ممثلي «المعارضة غير الممنهجة» عن آمالهم في الإطاحة ببوتين، وهو الهدف الذي أعلنته صراحة الإدارة الأميركية مع بداية اندلاع الأزمة الأوكرانية. ولذا تشير مصادر في موسكو إلى «الاتصالات التي تتوالى بين ممثلي واشنطن والصناديق الغربية مع من بقي من أنصار اليمين الليبرالي في روسيا».
وكان بوتين، شخصيًا، حريصًا على «كشف» الكثير من خفايا وأسرار هذه الاتصالات فيما أوعز إلى مجلس «الدوما» باستصدار القرارات «المناسبة» لاعتبار «منظمات المجتمع المدني» التي يجرى تمويلها من الخارج، «هيئات أجنبية» وإطلاق تسمية «عميل أجنبي» على كل أعضاء هذه المنظمات والعاملين فيها، وهو ما أثار في حينه موجة احتجاجات واسعة شارك فيها الرئيس السوفياتي السابق ميخائيل غورباتشوف بوصفه رئيسًا لمؤسسة الأبحاث والدراسات الاستراتيجية التي تحمل اسمه في موسكو.
ورغم نزول الرئيس الروسي عن إصراره على هذا الموضوع، فإنه عاد أخيرًا في محاولة لمصالحة ممثلي منظمات حقوق الإنسان في روسيا، ليقول بإمكانية إعادة النظر في التسميات، وهو ما لا يمكن أن يكون في تناقض مع إصراره على التمسك بالجوهر.

«المعارضة المُستأنسة»
واتصالا بما سبق، واستئنافًا لاستعراض خارطة المعارضة في الساحة السياسية الروسية نتوقف لنشير إلى أن هناك ما يمكن تسميته بـ«المعارضة المُستأنسة» التي يحرص بوتين على أن تظل «رفيق طريق»، لا يمكن الاستغناء عنه في مواجهة «المعارضة اليمينية غير الممنهجة»، التي تضم بين صفوفها كل ما سبقت الإشارة إليها من أحزاب وقوى وتنظيمات يمينية ليبرالية مثل الأحزاب السياسية القديمة التي كانت ظهرت في تسعينات القرن الماضي مثل «اتحاد القوى اليمينية» الذي طالما ضم نجوم «الحركة الديمقراطية»، وغيره من الأحزاب التي راحت تظهر تباعًا خلال السنوات القليلة الماضية في شكل حركات وتنظيمات شبابية ونقابية وطلابية.
هذا، وكان حزب «اتحاد القوى اليمينية» الذي أسس في نهاية تسعينات القرن الماضي يضم كلا من «خيار روسيا الديمقراطي» برئاسة غايدار، و«القوى الجديدة» وهي الحركة المحافظة برئاسة سيرغي كيرينكو رئيس الحكومة الأسبق الذي انضم اليوم إلى فريق الرئيس بوتين كرئيس لمؤسسة الطاقة النووية، و«روسيا الفتية» بزعامة الراحل نيمتسوف، و«صوت روسيا» برئاسة قسطنطين تيتوف، و«القضية العامة» برئاسة إيرينا خاكامادا وغيرها من القوى السياسية المتناهية الصغر.
ومن الأحزاب اليمينية التي تحرص على المشاركة في كل الانتخابات التشريعية والنيابية من دون نتيجة تذكر حزب «بارناس» الذي يضم كلا من «الحزب الجمهوري» الذي يتزعمه كاسيانوف رئيس الحكومة الروسية الأسبق، وحزب «الإرادة الشعبية» الذي كان يترأسه نيمتسوف. ومن الأحزاب اليمينية أيضًا نشير إلى «حزب يابلوكو» الذي تخلى زعماؤه التاريخيون عن رئاسته ومنهم يافلينسكي ويوري بولدريف وفلاديمير لوكين، وحركة «التضامن» الديمقراطية التي تضم أيضًا ممثلي الأحزاب الأخرى بما فيها المشار إليها عاليه، وغيرها من الأحزاب التي لا يتجاوز عدد أعضائها بضع مئات وهو ما صار يسمح به القانون الروسي الجديد حول تنظيم الأحزاب والحركات السياسية.
أما قائمة الأحزاب المعارضة الأخرى الموالية للكرملين في غالبية توجهاته فيقف على رأسها وبطبيعة الحال «الحزب الشيوعي الروسي» (اليسار) بزعامة زيوغانوف، وحزب «روسيا العادلة» (يسار الوسط) بزعامة سيرغي ميرونوف، وحزب جيرينوفسكي (الليبرالي الديمقراطي)، وهي الأحزاب الثلاثة الوحيدة الممثلة في مجلس «الدوما»، والمحسوبة شكلاً على المعارضة في مواجهة الحزب الحاكم «الوحدة الروسية» بزعامة ديمتري ميدفيديف رئيس الحكومة الروسية الحالي. وبهذه المناسبة نشير إلى ما أعلن عنه بوتين في عام 2011 حول فكرة تشكيل «الجبهة الشعبية لعموم روسيا»، بديلا عن حزب «الوحدة الحاكم» الذي كان تعثر في الانتخابات البرلمانية الماضي وخشية مفاجآت قد تصادفه على طريق عودته للكرملين لولاية ثالثة. وآنذاك قال بوتين إن فكرته تقوم على أساس تجميع القوى السياسية المؤمنة بضرورة التنمية في إطار جبهة فوق حزبية. وتوجه بوتين إلى نشطاء حزب «الوحدة الروسية» باقتراح تشكيل هذه الجبهة على أساس الحزب الحاكم، شريطة أن تضم بين صفوفها غير الحزبيين من ممثلي القوى السياسية المختلفة. وإذ أكد بوتين ضرورة استناد التحالف المرتقب إلى مبادئ التكافؤ والمساواة قال إنه تعمد اختيار «الجبهة الشعبية لعموم روسيا» اسمًا للتحالف لإعلانه قبيل الاحتفال بـ«يوم النصر على الفاشية» من مدينة فولغاغراد - الاسم القديم لستالينغراد - التي سجلت نقطة التحول إلى تحقيق النصر على النازية والفاشية في الحرب العالمية الثانية. ولقد أثار تعمد بوتين لاختيار الزمان والمكان المرتبطين في وجدان شعبه مع أقوى لذكريات وأنصع صفحات التاريخ الكثير من الإيحاءات التي تقول إن تأسيس «الجبهة الشعبية» يعكس رغبته في تعويض قصور سياسات حزب الوحدة الروسية سعيًا نحو المزيد من الأنصار تأهبًا للانتخابات المرتقبة. وهو ما نجح «القيصر» في تحقيقه لتكون «الجبهة الشعبية لعموم روسيا» حصنًا قوميًا ووطنيًا جديدًا في مواجهة المعارضة اليمينية التي لا تزال تعاني حالة الشرذمة والتناحر.



الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
TT

الحرب تربك المشهد وتضع الكرملين أمام فرص... وتهديدات

Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)
Iranian Red Crescent emergency workers use a bulldozer to clear rubble from a residential building that was hit in an earlier U.S.-Israeli strike in Tehran, Iran, Monday, March 23, 2026. (AP Photo/Vahid Salemi)

آخر ما كانت موسكو ترغب فيه بينما تقترب من فرض صفقة مرضية مع واشنطن حول أوكرانيا والعلاقة الصعبة مع أوروبا، أن ينفجر «برميل بارود» في الشرق الأوسط، فيبدل الأولويات، ويخلط التوازنات والتحالفات. موسكو كانت قد سعت جاهدة إلى تجنّب خيار الحرب على أبرز شركائها الاستراتيجيين، فقدّمت عروضاً كثيرة للوساطة جرى تجاهلها تماماً. ثم عندما انفجر الصراع وجدت نفسها أمام واقع يؤكّد تراجع فرصها للتأثير على مساره وتداعياته المحتملة ليس فقط على إيران، بل وعلى كل الملفات المرتبطة بالعلاقة مع واشنطن، ومع المحيط الإقليمي الذي ازداد مشهده تعقيداً. اليوم يبدو أن خيارات الكرملين الرئيسية تنحصر في تجنّب الانزلاق في المواجهة القائمة، ورصد ارتداداتها في الفضاء القريب. ومن ثم محاولة استجلاء الفرص التي توفّرها المواجهة، بالأخص، على صعيد اتساع الهوة بين واشنطن والعواصم الأوروبية، و«دق الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي. ومن جهة ثانية، رصد التهديدات الجديدة التي برزت، لا سيما، في منطقتي حوض قزوين وجنوب القوقاز حيث ترسم ملامح توازنات جديدة.

عبارةُ الناطق الرئاسي الروسي، ديميتري بيسكوف «لا يجرؤ عاقلٌ على التنبؤ بكيفية تطور الوضع في الشرق الأوسط، لكن من الواضح أن الأمور تسير نحو الأسوأ» قد تَختصر الموقفَ الحالي، بالنسبة إلى موسكو، التي سعت طويلاً إلى تجنّب هذه الحرب، ووجدت نفسها عاجزة عن كبح جماح تطوراتها.

توسّع الحرب

منذ البداية، راوحت التقديرات الروسية عند عنصرَين أساسيين: أولهما استحالة تقويض النظام الإيراني عبر ضربات جوّية مهما بلغ حجمها وتأثيرها؛ ما يعني أن إنهاء الحرب لن يكون يسيراً من دون تدخل برّي مباشر يبدو مُكلفاً جداً للطرفين المهاجمين.

وثانيهما أن «سيناريو» وقف الأعمال العدائية سيكون مماثلاً لنتيجة «حرب الأيام الـ12» في العام الماضي. بمعنى أن كل طرف سيعلن «إنجاز الأهداف» ولكن من دون تحقيق الغايات النهائية المرجوّة، خصوصاً بالنسبة إلى الجانب الإسرائيلي، الذي لا يُخفي سعيه إلى تفكيك النظام في إيران وإنهاء وجوده.

وهذا «السيناريو» كان يصب في مصلحة الكرملين، حتى لو أسفر عن خروج إيران من الحرب منهكة وضعيفة، ولكن متماسكة وموحّدة تحت سقف قيادتها.

وعلى الرغم من التوقعات المتشائمة حالياً بشأن إمكان توسيع الرقعة الجغرافية للحرب، فإن موسكو ما زالت ترى أن طهران نجحت، حتى الآن، في امتصاص الضربة الأولى القوية للغاية. ومن ثم، حوّلت الحرب إلى مواجهة تستنزف طاقات المهاجمين وقدراتهم، مع التعويل على التطورات الداخلية المحتملة في معسكرَي واشنطن وتل أبيب، بالذات، لجهة تحرّك الأطراف المناهضة للحرب. ويضاف إلى ذلك تفاقم التباين في المواقف مع الأوروبيين وأطراف أخرى متضرِّرة من استمرار الصراع.

الرهان الروسي على قدرة إيران على الصمود برز من خلال تأكيد الكرملين المتكرر أن «العمليات العسكرية ضد إيران أدت إلى مزيد من التلاحم بين الشعب الإيراني حول قيادة البلاد». وأيضاً من خلال التأكيد على أن استمرار استهداف القيادات السياسية الإيرانية «لا يمكن أن يمر من دون عواقب وخيمة».

وفي هذا الإطار، ورغم التزامها موقفاً منتقداً لاستهداف الإيرانيين بلدان الخليج العربي، فإن موسكو كرّرت التشديد على دعم لجوء طهران إلى «الدفاع بنشاط عن نفسها ضد الهجمات على أراضيها».

وتظهر هذه العبارة التي ردّدها الكرملين، أن الرهان الروسي الأول بعد فشل جهود الوساطة يتركز الآن على صمود الموقف الداخلي الإيراني، في مقابل تفكك جبهة المهاجمين أو اصطدامها بمعارضة داخلية متصاعدة.

بوتين وخط الوساطة

كان الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، سعى في البداية إلى استغلال الوضع القائم في تعزيز أوراقه التفاوضية عبر طرح وساطة روسية سريعة لوقف الحرب. وبالفعل، أجرى في الأسبوع الأول سلسلة مكالمات هاتفية مع قادة المنطقة ركّزت على انتقاد الضربات الإيرانية على بلدان الخليج العربي، وقدرة موسكو على «توجيه رسائل مباشرة إلى طهران» في هذا الشأن.

كذلك أعاد الرئيس الروسي طرح الأفكار الروسية التي قُدمت في وقت سابق على طاولات المفاوضات في عُمان عبر المفاوضين الإيرانيين، التي عرضت دوراً روسياً مباشراً في تخفيف التوتر بشأن ملفَي «القدرات النووية الإيرانية» و«البرنامج الصاروخي» لدى طهران.

في الشق الأول، أكد الكرملين مجدداً استعداد موسكو لضبط التعامل مع الوقود المخصّب، ونقله بشكل كامل إلى الأراضي الروسية لإنهاء المخاوف بهذا الشأن. وفي الشق الثاني، عرض الكرملين ضمانة مباشرة بألا تُستخدم القدرات الصاروخية الإيرانية ضد إسرائيل وضد أراضي بلدان الجوار.

كان هذا العرض حاضراً أيضاً خلال المكالمة الهاتفية الوحيدة التي أجراها بوتين مع نظيره الأميركي، دونالد ترمب، في الأسبوع الثاني من الحرب.

لكن كما اتضح لاحقاً، فإن العرض الروسي لم يجد حماسة لدى تل أبيب، التي تصرّ على الخيار العسكري لتقويض القدرات الإيرانية في المجالين بشكل نهائي، ولا لدى واشنطن، التي عبّر ترمب عن موقفها بوضوح، عندما قال إن «على بوتين تسوية الصراع في أوكرانيا قبل البحث عن دور لتسوية صراعات أخرى».

مساعدة إيران

في هذا السياق، بدا أن خياراتِ الكرملين لتدخلٍ يُسهم في وقف الحرب محدودة للغاية. لكن الأسوأ من ذلك الاتهامات التي وُجهت إلى موسكو بأنها تقدّم مساعدات استخباراتية قيّمة إلى الإيرانيين.

ولم تقتصر الاتهامات الأميركية على «مبالغات إعلامية» أو تسريبات بعض الأجهزة؛ بل شكّل التدخل المباشر للمبعوث الرئاسي الأميركي ستيف ويتكوف - الذي وجّه تحذيراً قوياً إلى موسكو - إشارةً جدية إلى دور لعبته موسكو على هذا الصعيد. فضلاً عن أن هذا الموضوع طُرح بشكل مباشر وواضح خلال مكالمة ترمب مع بوتين.

مع هذا، فإن أوساطاً روسية ترى أن موسكو لا بديل لديها عن مواصلة تقديم عون «غير مباشر» لإيران، بالتوازي مع محاولة تجنّب إغضاب واشنطن. وترى مصادر إعلامية روسية أن هذا العون، الموجّه فقط إلى «تعزيز صمود الإيرانيين»، يصبّ في اتجاهين رئيسين:

الأول: مواصلة تقديم بعض المعلومات الاستخباراتية بشأن التحرّكات الإسرائيلية، وتجنّب الانخراط في تقديم عون قد يضرّ مباشرة بالأميركيين، وذلك حرصاً على استمرار العلاقة مع ترمب، ودوره في أي تسوية مقبلة بأوكرانيا.

والثاني: يتعلّق بدعم غير مباشر يُقدَّم عبر شركات خاصة تنشط في مجالات التقنيات السيبرانية التي حقق فيها الروس، إلى جانب الصين، تفوّقاً مهماً خلال السنوات الماضية. وهذا دعم تكلفته السياسية محدودة؛ لأنه يُقدَّم عبر مؤسسات تجارية، ولا يمكن تحميل الكرملين مباشرةً وزره.

تسوية أوكرانيا مؤجلة

الأمر الأكيد أن المواجهة الأميركية الإسرائيلية مع إيران بدأت تُلقي بظلالها على توقّعات إطالة أمد الحرب الأوكرانية، في ظل الكلام عن انشغال واشنطن بـ«أولويات أخرى».

وبعدما كان الرهان الروسي يركّز على ضغط واشنطن القوي لإحراز تقدم ملموس في العملية السياسية، ويفرض تسوية مقبولة بالنسبة إلى موسكو، بدا أن القناعة تزداد في كييف - وأيضاً في موسكو - بأن تداعيات المواجهة القائمة في الشرق الأوسط سوف تكون طويلة الأمد. وكشفت تقارير أوكرانية عن توجّه الرئيس الأوكراني فولوديمير زيلينسكي لترتيب الوضع الداخلي في بلاده، لاحتمال مواجهة استمرار الحرب مع روسيا لفترةٍ قد تطول إلى ثلاث سنوات إضافية.

ويُذكر أن الناطق الرئاسي الروسي ديميتري بيسكوف كان قد أشار، في وقت سابق، إلى توقف أعمال الفريق الثلاثي المعنيّ بالقضايا الأمنية التي تشمل روسيا والولايات المتحدة وأوكرانيا. وأعرب لاحقاً عن أمله في استئناف المفاوضات عندما تتمكّن الولايات المتحدة من إيلاء مزيد من الاهتمام لهذه القضية والاتفاق على جداول زمنية جديدة. وأردف الناطق أن «لدى واشنطن أولويات أخرى حالياً، وهذا أمر مفهوم».

انعكاسات على أوروبا

الجانب الآخر المهم في الخيارات الروسية للتعامل مع الحرب الإيرانية، اتضح من خلال عمليات الرصد الروسي الدقيق لانعكاسات الحرب على الملف الأوكراني وعلى مواقف البلدان الأوروبية، التي ما زالت تشكل بالنسبة إلى الكرملين العقبة الرئيسية أمام إنهاء الصراع في أوكرانيا بالشروط الروسية.

هنا، لا يَخفىَ الارتياح الروسي حيال وضع أوروبا الصعب إبّان هذه الحرب، وبالتحديد، على خلفية تفاقم المخاوف تجاه ارتفاع أسعار الغاز والنفط، واضطرار «بروكسل» وواشنطن إلى اتخاذ خطوات جدية لتخفيف العقوبات على موسكو لمواجهة النقص المحتمل في الأسواق.

وحقاً، أظهرت تعليقات الكرملين ارتياحاً لحدوث تبدّل في أولويات أوروبا، خصوصاً أن «سداد فواتير الغاز والبنزين والكهرباء حلّ محل أوكرانيا، بوصفه أولوية قصوى على أجندة الحكومات الأوروبية»، وفقاً لتعليقات الرئاسة الروسية.

وفي السياق ذاته، كتب الدبلوماسي المخضرم ألكسندر ياكوفينكو أن «الأزمة الأخيرة في الشرق الأوسط شكّلت، مع التداعيات السابقة للأزمة الأوكرانية، عاملاً إضافياً محفزاً للتوتّر في العلاقات عبر الأطلسي».

ويرى ياكوفينكو، الذي كان مكلّفاً بملف العلاقات مع المنظمات الدولية والإقليمية، أن «العلاقات عبر الأطلسي تواجه راهناً أزمة حادة. والخلافات بشأن أوكرانيا تدفع النُّخَب الأوروبية إلى الرغبة في تعرض ترمب للهزيمة، ما قد يكون عاملاً حاسماً في فوز الديمقراطيين بانتخابات التجديد النصفي خلال نوفمبر (تشرين الثاني) المقبل. حينئذٍ، سيمكن تجاوز موقف ترمب الخاص، وتعود العلاقات عبر الأطلسي إلى مسارها السابق من الوحدة الغربية القائمة على أساس متين مناهض لروسيا». بعبارة أخرى، يرى محلّلون وسياسيون روس أن حرب إيران دقت «الإسفين الأخير» في العلاقات عبر الأطلسي، مع كل ما يمكن أن يترتب على ذلك من تداعيات.

حرب إيران تهدد النفوذ الروسي في جنوب القوقاز

على صعيد مختلف، مع الفرص التي يوفّرها اتساع الشرخ بين واشنطن وأوروبا، حملت الحرب على إيران تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا.

وحقاً، ازدادت المخاوف من اتساع رقعة العمليات العسكرية في حرب إيران إلى منطقة حوض قزوين. وبينما أكد الكرملين «الرفض القاطع» لامتداد الحرب إلى هذه المنطقة، تحدثت تقارير عن مخاطر قَطع سلاسل الإمداد وتهديد مصالح حيوية لروسيا في بحر قزوين.

للعلم، كانت موسكو قد تجنبت التعليق، بشكل رسمي، على توجيه ضربة إسرائيلية إلى ميناء بندر أنزلي الإيراني على بحر قزوين. إلا أن الكرملين عاد بعد أيام للتحذير من مخاطر امتداد الصراع الدائر إلى بحر قزوين.

فلقد كان الجيش الإسرائيلي قد أعلن، يوم 19 مارس (آذار) الحالي، أنه هاجم سفناً وبنية تحتية إيرانية في بحر قزوين. وأفادت تقارير بأن العملية استندت إلى معلومات استخباراتية حول شحنة عسكرية سرّية في طريقها من روسيا الاتحادية إلى إيران.

ووفقاً للمعطيات، فكانت إحدى السفن المستهدَفة تحمل شحنة كبيرة من الطائرات المُسيّرة ومعدّات إلكترونية متطوّرة. ووفقاً للتقديرات الأولية، جرى تعطيل ما يصل إلى خمس سفن حربية كبيرة في الغارة، وإلحاق أضرار جسيمة بسفينة أخرى. وأفاد مصدر عسكري إسرائيلي رفيع المستوى بأن هذه العملية «تُعدّ أول استخدام قتالي موثَّق» لسلاح الجو الإسرائيلي في هذه المنطقة الجغرافية. والجدير بالذكر، أن الغارة نُفّذت على مقربة من ميناء أنزلي ذي الأهمية الاستراتيجية، الذي تقع بالقرب منه مراكز رئيسية للبنية التحتية للطاقة في إيران.

ورأت تقارير أن اعتراض شحنات الأسلحة أثناء تسليمها ليس مجرّد رد فعل، بل محاولة استباقية لتعطيل سلاسل الإمداد. وعلاوة على ذلك، فإن مثل هذه الضربة تبعث رسالة سياسية لا تتعلق بإيران فحسب، بل بروسيا أيضاً بوصفها مصدراً محتملاً لهذه الإمدادات.

تعليقات في موسكو

اللافت أن القلق الروسي بسبب هذه الضربة انعكس في تعليقات خبراء وتغطيات وسائل الإعلام الحكومية، إذ كتب معلِّق سياسي أن الضربة الإسرائيلية «تحمل رسالة متعددة الأوجه. فهي من ناحية ضربة مباشرة لإيران باستهداف قاعدة بحرية وسفن وبنى لوجيستية بهدف تقليص قدرة إيران العسكرية لتخفيف الضغط على الخليج. إلا أن النطاق الجغرافي للضربة في بحر قزوين، المنطقة القريبة للغاية من روسيا، منطقة النفوذ والمصالح الروسية قطعاً، والمرتبطة بخط إمداد روسيا لإيران، يتضمن رسالة إلى روسيا أيضاً واختباراً لـ«الرد الروسي المحتمل»، ولا سيما أن ذلك يطول المصالح الاستراتيجية الروسية بشكل مباشر، المتمثلة في الممر الدولي (شمال - جنوب) الذي يربط بين الهند وإيران وروسيا وأوروبا، وتحديداً المسار الأوسط للممر الذي يعتمد على بحر قزوين بصفته نقطة تحميل وشحن أساسية. وهذا الأمر يزيد الضغط على المسار الغربي للممرّ الذي يمرّ عبر روسيا - أذربيجان - إيران، والمسار الغربي الذي يمر عبر تركمانستان وكازاخستان».

ورأت تعليقات أخرى أن «ما يحدث الآن هو لعب بالنار يجري بالقرب من الحدود الروسية، وتحدٍّ فظ ومباشر للأمن القومي الروسي»

ويعكس هذا الكلام مستوى القلق الزائد لدى موسكو بسبب الحرب، واحتمالات تأثيرها على موازين القوى في منطقة جنوب القوقاز، لا سيما وأن أذربيجان تُعدّ حليفاً وشريكاً أساسياً لإسرائيل في المنطقة، وشكّلت أراضيها منطلقاً لبعض الهجمات في حرب الـ12 يوماً العام الماضي. ثم إن موسكو كانت غير راضية أصلاً عن الترتيبات التي تقودها واشنطن في هذه المنطقة، بما في ذلك عبر إضعاف النفوذ الإيراني، وتحييد روسيا في ملف الصراع الأذري الأرميني. ويبدو أن الحرب الأخيرة تهدّد موسكو برسم ملامح جديدة للتوازنات في المنطقة. الحرب على إيران تشكّل تهديداً مباشراً لموسكو في منطقة جنوب القوقاز التي عُدَّت دائماً «الخاصرة الرخوة» لروسيا


إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
TT

إيال زامير... جنرال «الحروب المتعددة الرؤوس»

بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً
بالتوازي مع دوره قائداً لفرقة الاحتياط. ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية» التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير» خطأ مميتاً

تولَّى الجنرال إيال زامير منصب رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، يوم 5 مارس (آذار) 2025، خلفاً لسَلَفه هيرتسي هاليفي، على خلفية الهجوم الذي شنَّته حركة «حماس» وفصائل فلسطينية أخرى على مواقع إسرائيلية في غلاف غزة يوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) عام 2023. وعندما قرَّر رئيس الوزراء بنيامين نتنياهو تعيينه لهذا المنصب، فإنَّه فعل ذلك في اللحظة الأخيرة قبل مغادرة إسرائيل للقاء الرئيس الأميركي دونالد ترمب، في فبراير (شباط). وحصل ذلك، ليس فقط كي لا يعيش الجيش في فراغ بعد استقالة رئيس الأركان هاليفي، بل أيضاً للظهور أمام ترمب قائداً قوياً يستطيع أيضاً أن يحارب الجنرالات الأقوياء تحت قيادته. اختيار زامير تحديداً لهذا المنصب، مع أنَّه كان قد أصبح خارج الجيش لـ3 سنوات، هو جزء من الرسالة. والسبب أنَّ زامير يمثل بالنسبة لنتنياهو نهاية عهد وبداية عهد جديد في العلاقات بين القيادتين السياسية والعسكرية. وهذه العلاقات المتوترة، التي تعكَّرت بمبادرة من نتنياهو منذ عام 2011، باتت تلحق أضراراً بالجهتين.

كان يُؤمل من إيال زامير تولِّي «مهمة تنظيفية»، إذ يروّج في الأوساط العسكرية أن قادة الجيش الإسرائيلي فقدوا احترامهم للقيادة السياسية بتاتاً، وأن زامير هو الجنرال الوحيد في المؤسّسة الذي يكنّ قدراً من الاحترام لنتنياهو. فهو يعرفه عن قرب منذ عُيّن سكرتيراً عسكرياً لرئيس الوزراء (2012 - 2015)، ثم مديراً عاماً لوزارة الدفاع. وتولّى إبّان الحرب مهمّة شراء كميات هائلة من الذخائر والأسلحة، وعمل بتنسيق يومي مع نتنياهو. وأخيراً، وقف إلى جانب نتنياهو في أثناء خلافاته الأخيرة مع وزير الدفاع السابق يوآف غالانت.

غير أن ترميم العلاقات بين الحكومة والجيش سيكون مهمةً ثانويةً لرئيس الأركان الجديد إذا ما قورنت بالمهام والتحديات الأخرى، وأبرزها إعداد الجيش للحروب المقبلة. فقد تم بناء الجيش خلال السنوات الـ10 الأخيرة بطريقة يكون فيها «صغيراً (من حيث العديد) وحكيماً»، يستند إلى التكنولوجيا العالية. ولكن ثمّة قناعة تامة اليوم بأنه يجب أن يعود كبيراً وكلاسيكياً، ويعتمد في الاجتياحات البرّية على الدبابات والمدرّعات. وزامير هو رئيس الأركان الوحيد الآتي من سلاح المدرعات منذ أكثر من 50 سنة (آخر رئيس أركان جاء من سلاح المدرّعات كان دافيد إليعازر الذي قاد الجيش في حرب أكتوبر 1973).

دروس «حرب غزة»

ينتمي زامير إلى «المدرسة الإسرائيلية»، التي تعدُّ عقيدة «الجيش الصغير الحكيم» خطأ مميتاً لا يلائم مهماته في المنطقة. وترى أن الحرب الأخيرة على غزة، وكذلك على لبنان، أظهرتا نقاط ضعف شديدة في الحرب الميدانية. وبالتالي، تؤكد أن الحرب في أوكرانيا أضحت درساً لجيوش الغرب تتعلم منها أن لا غنى عن الحرب الميدانية. ويتكلّم البعض في هذه «المدرسة» في إسرائيل اليوم عن خطر فتح «جبهة سابعة» ضد تركيا؛ بسبب التطوّرات في سوريا. ذلك أن الوجود العسكري التركي هناك يمكن أن يتحوَّل إلى صدام مع إسرائيل، والمعروف أن الجيش التركي بُني - وما زال حتى اليوم - بوصفه جيش قتال برّي. ومع أن هذه الفرضية تبدو ذات احتمالات ضعيفة، حتى الآن، فإن العسكريين والمحللين الإسرائيليين يأخذونها في الاعتبار ويثيرونها علناً.

ولقد أعجبت هذه «الرؤية» قوى اليمين المتطرّف الحاكمة فعلياً في إسرائيل، ويمثلها وزير المالية بتسلئيل سموتريتش، الذي كان قد طلب - وحظي بما طلبه - المساهمة في اختيار زامير. وقال سموتريتش بعد اختيار زامير: «كلّي أمل بأن يثبت جدارته في تغيير عقيدة الجيش إلى عقيدة قتالية صارمة، تتّسم بالإقدام والالتحام وتقتلع الإرهاب الفلسطيني من جذوره». وردَّد نتنياهو الكلام نفسه لدى اتخاذ الحكومة قرارها رسمياً بالمصادقة على تعيين زامير خلال جلستها يوم الأحد 16 مارس 2025؛ إذ قال: «زامير رجل صدامي، وهو ما يحتاج إليه الجيش اليوم».

«أبو المعارك»

لقد أمضى زامير 42 سنة من عمره في الجيش باستثناء سنوات قيادته لوزارة الدفاع، التي تعدُّ خليطاً من الخدمة العسكرية والأمنية الإدارية. وخلال هذه الفترة، شارك في كل الحروب والمعارك التي خاضها الجيش، وتدرَّج في سلم القيادة، وتعرَّف على كل الجبهات. وكان نموذجه الأعلى والده، اليمني الأصل، الذي وصل إلى رتبة مقدّم في الجيش الإسرائيلي.

فقد استهل خدمته بقيادة دبابة في لبنان عام 1985. وأمضى 5 سنوات محارباً، حتى حصل على رتبة رائد. وخلالها قاتل في «الانتفاضة الفلسطينية الأولى»، ثم أُعيد إلى لبنان، وبقي هناك حتى الانسحاب عام 2000.

وتولى قيادة الجيش في منطقة جنين، في السنتين حتى 2002، حين وقعت «مجزرة جنين». وبعدها أمضى 3 سنوات يحارب في خان يونس، حتى تقرَّر الانسحاب من القطاع، وأشرف بنفسه على هذا الانسحاب. وعام 2011 تولى قيادة «قوات اليابسة» وهي قيد التأسيس. واختاره نتنياهو بعد سنة سكرتيراً عسكرياً، فأشرف معه على جولتَي الحرب على غزة في عامَي 2012 و2014.

في عام 2015 ترك زامير مكتب رئيس الحكومة ليُعيَّن قائداً للواء الجنوب، المسؤول عن قطاع غزة. وبعد شهر واحد من توليه المسؤولية بدأت حرب استنزاف مع القطاع استمرَّت 3 سنوات. وعندها تولى منصب نائب رئيس الأركان، لمدة 3 سنوات. ومن هنا أصبحت الحرب على إيران همّه الأول.

وحقاً، زامير هو واضع أسس العقيدة القائلة إنه يجب قطع أذرع إيران في المنطقة (حماس، والجهاد الإسلامي في فلسطين، وحزب الله في لبنان)، وعدم إغماض العينين عن الحوثيين في اليمن، و«حزب الله» في العراق، وردع نظام بشار الأسد في سوريا، جنباً إلى جنب مع التحضير للحرب على إيران.

وهكذا طرح عقيدته حول «الجيش الكلاسيكي» الكبير والحديث، لأنَّه يحتاج إلى قوات كبيرة تحارب على الأرض في لبنان والضفة الغربية وقطاع غزة. وكان لهذه الرؤية تأثير كبير على اختياره رئيساً للأركان.

«البطش بلا رحمة»

مع أن زامير يستخدم في خطاباته عبارة «الأخلاق العالية» للجيش، فإنَّه وضع قواعد حربية لا تلائم هذه القيم. إذ اعتمد القصف الجوي أساساً للعمليات الحربية، بوصفه «مقدمة لا بد» منها لعمليات الاجتياح البرّي، حتى في منطقة مثل قطاع غزة التي تُعدُّ من أكثر المناطق ازدحاماً في العالم. وكان بديهياً أن هذا يعني الإيقاع بأعداد ضخمة من القتلى والمصابين من المدنيين الأبرياء، بشكل واعٍ وبلا رحمة. وإذا أراد اغتيال شخصية قيادية من «حماس» ما كان يتردَّد ولو عرف أن مع هذه الشخصية سيٌقتل عددٌ من أفراد عائلته، زوجته وأطفاله وأطفال جيرانه.

هذا الأسلوب نقله حتى إلى الضفة الغربية، حيث أكثر من عمليات القصف الجوي لمخيمات اللاجئين الفلسطينيين في جنين وطولكرم، فدمَّرها وتسبَّب في تهجير 44 ألفاً من سكانها.

واتبع زامير عقيدةً قتاليةً جديدةً هي «الضربات الاستباقية»، وثمة مَن يسمِّيها «الحرب الاستباقية»، على كل الجبهات. ومفادها أنه لا ينتظر أن يهدِّد العدو بالحرب، بل بمجرد تحرُّكه في مهام قتالية ضد إسرائيل، على الجيش أن يسبقه بضربة حربية أقسى. وهذا ينطبق على الحرب ضد إيران أيضاً، وكذلك ضد «حزب الله » في لبنان.

زامير جلب أيضاً إلى الجيش الإسرائيلي «عقيدة» أخرى هي رفض الخوف من الحروب الطويلة، وحروب الاستنزاف، والتأهب لتبعات حروب مثل هذه.

«تضافر» القيادتين

لكن أكبر حدث يمكن لزامير أن يعدّه «هديةً» هو الفرصة التي سنحت له لأن يدير حرباً بالشراكة التامة مع الجيش الأميركي. فمنذ نهاية فبراير الماضي، يدير زامير مع الجنرال تشارلز كوبر، قائد القوات المشتركة في الجيش الأميركي، وقائد قوات المنطقة الوسطى بالشرق الأوسط (سنتكوم)، حرباً مشتركة تُستخدم فيها أحدث وأخطر الأسلحة ضد إيران.

فاليوم، الطيارون الأميركيون والإسرائيليون يطيرون كتفاً بكتف فوق سماء طهران، بإشراف فريق عمل واحد يعمل من تل أبيب ومن البنتاغون. ويتبادلون الخبرات ويسوِّقون للأسلحة الأميركية والإسرائيلية، التي ستباع بأسعار عالية لأنها أسلحة مجرَّبة، وبذا ترتفع مكانة إسرائيل وجيشها أمام جيوش العالم، بعدما كان الجيش قد تعرَّض لضربة كبيرة من تنظيم صغير مثل «حماس».

وزامير يقود «حملة توعية» الآن مفادها أن «إيران أرسلت ذراعاً من أذرعها لمحاربة إسرائيل، وإسرائيل حوَّلتها إلى حرب شاملة على جبهات عدة، تدفع ثمنها ليس هي وحدها بل إيران وأذرعها أيضاً وبشكل مضاعف مرات عدة».

وهو يستخدم هذه الحرب كي يعزِّز قوة الجيش أكثر فأكثر، بعدد الجنود ونوعية الأسلحة وضخامة الميزانية. والحكومة تسير معه صاغرة. وهكذا يعزِّز مكانته الشخصية أيضا بوصفه صاحب أكبر تراث حربي بين جنرالات إسرائيل.

سيرته الذاتية

وُلد إيال زامير عام 1966 وترعرع في إيلات، لعائلة ذات تربية عربية. أصوله لجهة والدته - المولودة في القدس - تعود لعائلة عبادي المعروفة بأنها عائلة يهودية من حلب السورية، وجدّه لوالده مهاجر من اليمن وصل إلى فلسطين عام 1920، وحارب في صفوف تنظيم «الإرغون» اليميني.

ودرس زامير في المدرسة الداخلية العسكرية بتل أبيب. وإبان خدمته العسكرية تخرّج في كلية القيادة والأركان المشتركة وكلية الأمن القومي. ثم حصل على درجة البكالوريوس في العلوم السياسية من جامعة تل أبيب، ودرجة الماجستير في الأمن القومي من جامعة حيفا، وهو خريج برنامج الإدارة العامة للمديرين التنفيذيين الكبار في كلية وارتون لإدارة الأعمال بجامعة بنسلفانيا في الولايات المتحدة، واجتاز دورتَي تعليم عسكري كليتَي الأمن القومي في الولايات المتحدة وفرنسا.

بدأ الخدمة العسكرية في سلاح المدرعات عام 1984، ثم أكمل دورة تدريب على قيادة الدبابات. وظلَّ يتنقل من منصب قيادي حربي إلى آخر حتى صار سكرتيراً عسكرياً لرئيس الحكومة، بنيامين نتنياهو، عام 2012.

وبعد 3 سنوات، عاد زامير إلى الجيش، وأصبح قائداً للواء الجنوبي، ليسجِّل باسمه الجدار القوي المحكم حول قطاع غزة، الذي اخترقته «حماس» بسهولة بالغة يوم 7 أكتوبر 2023. وعام 2018 عُيِّن نائباً لرئيس الأركان، وكان منافساً على رئاسة الأركان، لكن رئيس الوزراء - يومذاك - يائير لبيد، فضَّل اختيار هيرتسي هاليفي، فترك زامير الجيش، ولكن بعد عودة نتنياهو إلى الحكم، عُيِّن مديراً عاماً لوزارة الدفاع.

الحياة المهنية

تمَّ تجنيد زامير في الجيش الإسرائيلي وانضم إلى سلاح المدرعات عام 1984. في سلاح المدرعات خضع للتدريب بصفته جندياً قتالياً، وحضر لاحقاً دورة قائد الدبابات. وأكمل دورة ضباط المدرعات، وكان قائد فصيلة وقائد سرية في اللواء 500 واللواء 460.

وفي الفترة 1992 - 1994، عمل ضابط عمليات في اللواء المدرع السابع (برتبة رائد). ومن عام 1994 إلى عام 1996، عمل قائداً للكتيبة 75 في اللواء السابع (برتبة مقدم). وعام 1996، كان قائداً لدورة قادة الدبابات في المدرسة المدرعة. وظلَّ في هذا المنصب حتى عام 1997، عندما ذهب للدراسة لمدة عام في مدرسة الحرب في فرنسا.

بعدها، بين 1998 و2000، شغل منصب ضابط عمليات في الفرقة 162. وبين 2000 و2002، كان رئيساً لقسم نظرية سلاح المدرعات في مقر رئيس ضباط المدرعات، وفي الوقت نفسه شغل منصب قائد اللواء 656، وهي فرقة احتياطية في القيادة المركزية (برتبة عقيد). وبين 2002 و2003، كان قائداً لمركز التدريب التكتيكي في المركز الوطني للتدريب على الأرض،


رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)
TT

رضا اليمين... وراء صعود «جنرال الحروب»

دمار غزة (آ ب)
دمار غزة (آ ب)

كانت تلك صدفة... لكنها أصبحت بمفهومه «أهم هدية» لعيد ميلاده الستين. فيوم 26 يناير (كانون الثاني) الماضي لم يستيقظ الجنرال إيال زامير، رئيس أركان الجيش الإسرائيلي؛ لأنه لم ينم تلك الليلة. فقد أرسل قواته إلى مقبرة فلسطينية شمال قطاع غزة، للتنقيب عن رفات الجندي ران غويلي، آخر رهينة لدى «حماس»، الذي تبين أنه دُفن بالخطأ في مقبرة جماعية ضمن رفات العشرات من الفلسطينيين الذين قتلتهم إسرائيل خلال الحرب، ولم يُتح دفنهم بشكل طبيعي. وعندما تكللت بالنجاح، بث الناطق بلسان الجيش شريط فيديو يظهر زامير وهو بسيارته يتكلم مع والدَي الجندي ويبشّرهما بالعثور على رفات ابنهما.

أما «الهدية» الثانية فكانت عندما استدعاه رئيس الوزراء، بنيامين نتنياهو، وأبلغه بأن «الأمر حُسم عندي وعند الرئيس الأميركي، دونالد ترمب، أننا سنحارب معاً، كتفاً إلى كتف، ضد إيران، في القريب. فاستعد كما يجب. أنا أعتمد عليك».

زامير، الذي يسجل في تاريخه أنه أكثر جنرال خاض وقاد حروباً في تاريخ إسرائيل، تلقف الهدية الثانية بحماسة بالغة؛ إذ كان قد خدم في عدة مواقع عسكرية وأمنية تعمل كلها على الإعداد للحرب مع إيران. فعندما عُين نائباً لرئيس الأركان في عام 2018، بلوَر عقيدة القتال مع إيران، طيلة ثلاث سنوات من البحوث والتدريبات في سلاح الجو. وعندما ترك الجيش ليصبح مديراً عاماً لوزارة الأمن، تولى مسألة إعداد الأسلحة اللازمة للحرب على بعد 1600 كيلومتر من حدود إسرائيل، والذخيرة التي تحتاجها هذه الحرب. ودخل في نقاشات حادة مع الأميركيين في عهد إدارة الرئيس جو بايدن، للحصول عليها.

من وراء الكواليس، عمل قادة اليمين الإسرائيلي المتطرف على اختيار زامير، ولكن ليس لأنه يلائم اليمين فكرياً أو سياسياً؛ بل لأنه لم يُجرّب في الضفة الغربية. ففي العادة، يتولّى قائد المنطقة الوسطى في الجيش مهمة قيادة الجيش في الضفة، ومن هنا يحدث احتكاك مع المستوطنين.

زامير لم يتولَّ هذه المهمة. ويوم 7 أكتوبر (تشرين الأول) 2023، كان خارج هيئة رئاسة أركان الجيش؛ ولذا رأى فيه اليمين خروجاً عن سرب القيادات العسكرية التي ينبذها. ومع هذا، ففي الأيام الأخيرة قبل تعيين زامير لوحظ حراك يميني للانقلاب على هذا التوجه. ولكن صحيفة «معاريف» كتبت عنه: «مَن يعرف زامير عن كثب عبر خدمته العسكرية يروي أنه ضابط نظيف من الخلطات، وبريء من السياسة. ضابط ينظر إلى الجيش لا كوحدة خاصة أو منظومة خاصة، بل كجهاز عظيم يحتاج أكثر من أي شيء آخر إلى يد حديدية دقيقة على الدفة. ينبغي له أن يعيد الجيش إلى المهنة العسكرية من البداية، ويجعله قريباً من الناس». وأردفت: «عليه أن يعيد إلى المهنة العسكرية شرفها والحرص على الثقافة العسكرية، وألا تنزلق إلى ثقافة معسكرات، خلطات أو تلاعبات. عليه أن يعيد إلى الجيش شرفه، وأن يعيد ثقة الجمهور به. عليه أن يحاول بناء سور يشبه سور الصين بين الجيش والسياسيين. إيال زامير سيكون رئيس الأركان الـ24 للجيش الإسرائيلي، ودوره لن يكون أقل من تاريخي».