ليبيا: محاولات وقف تهريب اللاجئين فاشلة

معاول لحفر قبر جماعي لغرقى المهاجرين في مدينة زوارة إحدى عواصم التهريب الأسوأ سمعة في العالم

أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
TT

ليبيا: محاولات وقف تهريب اللاجئين فاشلة

أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)
أفارقة في انتظار فرصة الهجرة إلى أوروبا عبر قوارب الموت (واشنطن بوست)

تراصت جثث الغرقى على الشاطئ حتى يتسنى إحصاؤها؛ فسرعان ما زاد عدد الجثث من العشرات إلى مائة. وفي مكان ما قبالة الساحل، لا يزال قارب الصيد المتهالك يتمايل، ونصف مغمور في المياه. ربما هناك المزيد من الضحايا.
في إحدى عواصم التهريب الأسوأ سمعة في العالم، كانت كارثة الهجرة يوم 27 أغسطس (آب) بمثابة صدمة أيضا. واقترض سكان مدينة زوارة الليبية معاول لحفر قبر جماعي لهؤلاء الغرقى. كما أنهم عثروا على ملابس صغيرة لأطفال رضع متناثرة على الشاطئ.
على مدى سنوات، اختلفت الحياة في مدينة زوارة، مع ازدياد ثراء المهربين المحليين. ويتدفق المهاجرون من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى وجنوب آسيا وسوريا إلى هذه المدينة الواقعة في أقصى شمال ليبيا، ويركبون القوارب للفرار من الفقر المدقع والحرب المشتعلة في بلادهم للاتجاه نحو أوروبا. لكن الآن، أتاح ساحل هذه المدينة الفرصة لحدوث كارثة كبرى، بحسب ما يصفها أحد السكان المحليين.
قال صادق نانيس، مسؤول أمني كبير في مدينة زوارة الليبية، لمجموعة من القادة المحليين: «نحن بحاجة للقيام بشيء ما».
وقرر سكان زوارة فعل ما لا يمكن تصوره: إغلاق طريق التهريب الرئيسي من شمال أفريقيا إلى إيطاليا.
ولم يكن هناك أبدا شيء أصعب من وقف المهاجرين واللاجئين الذين يحاولون عبور البحر إلى أوروبا. فقد خاض أكثر من 600 ألف شخص هذه الرحلة خلال هذا العام؛ أي أكثر من ضعف العدد في عام 2014 كله. وفي اليونان وشبه جزيرة البلقان، انهارت الحدود أمام الانقضاض القادم من الشرق عليها. وفي ليبيا، حيث نقطة انطلاق تيار أصغر - لكنه ضخم - من المهاجرين، كان مئات الأشخاص يصعدون على متن سفن واهية كل ليلة تقريبا خلال هذا الصيف، ليستفيدوا من الدولة التي انهارت تقريبا منذ الإطاحة برئيسها معمر القذافي في عام 2011.
ويعقد المسؤولون الأوروبيون اجتماعات متتالية، لمحاولة الحد من تدفق اللاجئين إلى القارة، كما أنهم ناقشوا مسألة استهداف قوارب المهربين بواسطة طائرات هليكوبتر، وتعزيز وجود السفن الحربية في البحر الأبيض المتوسط، وتوظيف المزيد من خبراء استخبارات. وحتى الآن، لم يجدِ أي شيء نفعا.
بدت الحملة في زوارة كما هو متوقع؛ إذ احتشد آلاف السكان في الشوارع للتظاهر ضد تهريب البشر. ولأول مرة منذ سنوات، أفادت قوارب الإنقاذ بأن البحار الواقعة شمال هذه المدينة فارغة.
لكن هل يمكن استمرار هذا الوضع؟
في جميع أنحاء زوارة، وفي منازل الاختباء المتداعية، ينتظر المهاجرون فرصتهم لعبور البحر الأبيض المتوسط إلى أوروبا.
سمع أمادو الاحتجاجات وهو يختبئ داخل منزل مهجور وضعه المهربون فيه. كان قد سافر مسافة ثلاثة آلاف ميل من غامبيا استغرقت 20 يوما، إذ ركب حافلة عبر مالي وبوركينا فاسو، وبعدها شاحنة كبيرة عبر النيجر، ثم شاحنة صغيرة عبر ليبيا.
والآن، يمكنه سماع صوت هتافات سكان مدينة زوارة باللغة العربية.
علم أمادو لاحقا أن المحتشدين كانوا يهتفون قائلين: «لا مزيد من القتل من أجل المال».
وصل أمادو إلى هذا المكان تماما مثلما يجري جمع الجثث من حطام السفن. وكان من المفترض أن يغادر قاربه في اليوم التالي، لكن مهربه فر، خشية الاعتقال.
أخبر المهرب أمادو عبر الهاتف: «أمهلني فقط بضعة أيام. نحن بحاجة للانتظار حتى تهدأ الأمور وتستقر الأوضاع في زوارة».
وحينها أصبح أمادو وحيدا، يتجول حول مدينة زوارة. وفي الشارع الرئيسي، نشر السكان لافتة كبيرة عليها صور بعض الغرقى. وسار أمادو من أمام المقاهي والمطاعم والميناء، حيث علق السكان شعارات، مثل: «نقولها ألف مرة لا للتهريب».
ويبلغ أمادو من العمر 26 عاما. وهو قصير القامة ونحيف، وذو ابتسامة مسننة كبيرة، ويبدو كأنه صبي باستثناء لحية صغيرة. يدرك أمادو خطورة عبور البحر الأبيض المتوسط بشكل غير قانوني، وكيف أن هذه الرحلة قتلت نحو ثلاثة آلاف شخص هذا العام. وعندما سأله أصدقاؤه إذا ما كان بإمكانه السباحة، أجابهم قائلا: «أنا أغرق مثل الحجر في النهر». وكان كل شخص يسمع هذا الكلام يضحك، لكنه حقيقي، وهذا الأمر يخيفه جدا.
لكن أمادو سئم من كسب نحو خمسة دولارات فقط يوميا في غامبيا، وسئم من الحكومة الاستبدادية التي يبدو أنها تسجن كل شخص لا يعجبها، ولديه أحلام امتلاك سيارة وتلفزيون وقطعة أرض صغيرة. ويرغب في الزواج من امرأة لطيفة وذكية وطويلة القامة، حتى لا يصبح أطفاله قصيري القامة مثله.
غادر أمادو غامبيا بعد بيع كشك صغير له في مدينة سيريكوندا بمبلغ 250 دولارا، إلى جانب التوسل لأعمامه وأبناء عمومته من أجل المزيد من المال.
وفي النهاية، حصل أمادو على مبلع 2300 دولار كان يحتاجها للسفر عبر «الطريق الخلفي» - وهو المصطلح الذي يطلقه الغامبيون على السفر إلى أوروبا. وتحدث أمادو شريطة عدم ذكر اسمه كاملا، بسبب وضعه القانوني غير المستقر.
وتعد ليبيا بمثابة فكرة مجردة؛ ليست دولة بقدر ما هي نقطة انطلاق إلى ما هو أفضل. بعد أسبوعين من وصوله، تجول أمادو في مقاهي الإنترنت خافتة الإضاءة، وانكب على لوحة مفاتيح جهاز الكومبيوتر.
وكتب أمادو عبر موقع التواصل الاجتماعي «فيسبوك» لصديق له في غامبيا: «ما زلت هنا، يا رجل»، فيما كتب لصديق آخر هاجر إلى النمسا: «نحن عالقون في ليبيا».
وتصفح أمادو صفحته الرئيسية على «فيسبوك» ليضغط «إعجاب» على صور أصدقائه الذين تمكنوا من الوصول إلى أوروبا، حيث ينشر هؤلاء الأشخاص صورا لهم أمام سيارات فارهة ومراكز تسوق فاخرة. وكانوا يرتدون أحذية رياضية جديدة وقبعات البيسبول.
كان أمادو على بُعد نصف ميل من البحر و187 ميلا من إيطاليا.
وذكر أمادو: «يجب علي الخروج من هنا».
ارتدى الرجال الذين طاردوا مهربي زوارة أقنعة سوداء. وتخفي هذه الأقنعة معلمي مدارس، وموظفين حكوميين، ومهندسين. كان عليهم تنظيم جهد مناهض للهجرة بأنفسهم بسبب الفوضى التي تعم هذه الدولة الفاشلة.
لا توجد شرطة فعالة في هذه المدينة الساحلية الليبية، حيث تظل المنازل والمباني السكنية مثقوبة بفعل الحرب التي أطاحت بالقذافي، لكنها تغطت بواسطة صور الأشخاص الذين قتلوا في الحرب.
وفي هذه الدولة المختلة وظيفيا، والتي بها حكومتان فيدراليتان متنافستان، لا توجد أي عمليات عسكرية من الجانبين ضد أنشطة تهريب البشر. وبدلا من ذلك، يوجد رجال يرتدون أقنعة سوداء وميليشيا متطوعة يقودون شاحنات صغيرة في جميع أنحاء المدينة، ويكافحون أي شيء بدءا من اللصوص إلى الجماعات المتشددة من خارج المدينة.
قال آدم أبزا، المتحدث باسم الميليشيا المتطوعة: «يقع على عاتقنا إنهاء هذه الكارثة».
ولم يكن حدوث مآسٍ قبالة ساحل زوارة بالأمر الجديد على سكان المدينة. فقد انقلبت قوارب قبل ذلك، تسبب في مقتل العشرات - وحتى المئات - من الأشخاص في آنٍ واحد. لكن هذه الكوارث كانت تحدث في المياه الدولية، وكانت الجثث تطفو على شواطئ إيطاليا أو مالطة. ولم ير الكثير في هذه المدينة تلك الأشلاء.
يعاني سكان زوارة البالغ تعدادهم 60 ألف نسمة من عدة مشاكل أكثر إلحاحا من تهريب البشر، مثل الهجمات من قبل المنافسين القبليين والسياسيين. وقد فرضت الجماعات المسلحة - بما فيها التابعة لتنظيم داعش – السيطرة على منطقة تقع على بُعد 15 ميلا من المدينة. وفي ديسمبر (كانون الأول)، قصفت الطائرات الحربية التابعة لفصيل آخر مدينة زوارة، ما أسفر عن مقتل ما لا يقل عن ثمانية أشخاص.
وفي خضم حالة الفوضى، ازدهر مهربو البشر المحليون، وأصبحوا يتجولون في الشوارع بسيارات فارهة من طراز مرسيدس وهامر. ويشغل بعضهم منصب مسؤولين حكوميين خلال النهار، والبعض الآخر عبارة عن شباب يبحثون عن الربح السريع.
وقال نانيس، مسؤول أمن: «عَرِف كل شخص من هم المهربون، لكن كان لدينا أولويات أخرى».
أسفرت كارثة 27 أغسطس عن غرق نحو 200 من أصل 400 شخص تقريبا كانوا على متن قارب خشبي قديم.
وبعد عشرة أيام، اعتقلت الميليشيا المتطوعة نحو عشرة مهربين وتابعين لهم، واحتجزوهم في سجن مؤقت.
وبينما يطوف رجال الميليشيا المدينة، مروا على مهاجرين من أفريقيا جنوب الصحراء الكبرى كانوا يسيرون على جانبي الطريق. وكان المهاجرون يتحدثون باللغة الإنجليزية أو الولوف أو الهوسا، فيما كانت عيونهم تنظر يمينا ويسارا بسرعة. غير أن رجال الميليشيا لم يروهم، ويعتقدون أنه من أجل إزالة المهربين، ينبغي عودة المهاجرين إلى ديارهم، أو توفير وظائف لهم في ليبيا، حيث لم يعد العمال الأجانب يقومون بأعمال في المدينة منذ فترة طويلة.
وبينما تجمد نشاط المهربين في مدينة زوارة، هذا لا يعني أن رحلة أمادو قد انتهت؛ فهو مستعد للسفر إلى أوروبا عبر أي حدود طالما أنه جاهز للمخاطرة.

* خدمة «واشنطن بوست»
خاص بـ«الشرق الأوسط»



الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
TT

الخنبشي لـ «الشرق الأوسط» : حضرموت انتصرت وتسع الجميع

 عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)
عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني لدى تحدثه مع «الشرق الأوسط بودكاست» في الرياض (الشرق الأوسط)

قال سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، إن حضرموت «انتصرت لذاتها» وإنها «تتسع للجميع»، محذراً من التحريض والدعوات التي قد تمس السلم الأهلي، ودعا إلى انتهاج السلوك المدني والحفاظ على الاستقرار في المحافظة.

وأوضح الخنبشي، خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، أن ما شهدته حضرموت نهاية العام الماضي ومطلع يناير (كانون الثاني) الماضي جاء في إطار «تسلم المعسكرات» بهدف تجنيبها الصراع الداخلي، مؤكداً أن الأولوية اليوم تتجه إلى تثبيت الأمن وتحريك التنمية وتهيئة بيئة جاذبة للاستثمار.

وأكد الخنبشي أن استقرار حضرموت سيفتح الباب أمام مرحلة تنموية أوسع، مشيراً إلى فرص في الطاقة والاستثمار يمكن أن تعزز دور المحافظة اقتصادياً وتحسن حياة سكانها.

ووجّه عضو مجلس القيادة ثلاث نصائح للحكومة اليمنية الجديدة، تمثلت في الابتعاد عن الحزبية وعدم الانجرار خلف المصالح الضيقة، ومكافحة الفساد في مؤسسات الدولة، ورفع كفاءة تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، وخصوصاً في الوزارات الإيرادية.


باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
TT

باريس: عمليات الفرار من مخيم الهول في سوريا لم تشمل مواطنين فرنسيين

مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)
مخيم الهول في سوريا (د.ب.أ)

أعلن المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية، الخميس، أنه لم يفرّ أي مواطن فرنسي من مخيم الهول في سوريا، الذي كان يستقبل عائلات عناصر في تنظيم «داعش».

ووفقاً لـ«وكالة الصحافة الفرنسية»، قال باسكال كونفافرو: «على حد علمي، لم يشارك أي فرنسي في عمليات الفرار» من المخيم بعد انسحاب القوات الكردية منه في نهاية يناير (كانون الثاني) الماضي، في حين أكدت وزارة الداخلية السورية، الأربعاء، وقوع عمليات هروب جماعي.

كان مخيم الهول، وهو أكبر مخيم لأقارب عناصر «داعش» في شمال شرقي سوريا، تحت سيطرة «قوات سوريا الديمقراطية (قسد)»، التي تُشكل وحداتُ حماية الشعب الكردية عمادها.

وانسحبت «قوات سوريا الديمقراطية» من المخيم، في 20 يناير، في ظل تقدم للجيش السوري الذي سيطر على المخيم بعد بضع ساعات من انسحاب الأكراد.

وقال المتحدّث باسم وزارة الداخلية السورية نور الدين البابا إن قوات الأمن رصدت «أكثر من 138 فتحة في سور المخيم الممتد على طول نحو 17 كيلومتراً، ما سهّل عمليات الخروج غير المنظم عبر شبكات تهريب».

وفرّ آلاف النساء والأطفال إلى وجهة مجهولة.

وضمّ المخيم، وفق البابا، نحو 23 ألفاً و500 شخص «70 في المائة» منهم من الأطفال والنساء وكبار السن، ومعظمهم من السوريين والعراقيين، إضافة إلى نحو 6 آلاف و500 شخص من 44 جنسية كانوا في قسم شديد الحراسة من المخيم.

وأجْلت السلطات العائلات المتبقية من المخيم، الأسبوع الماضي، إلى مخيم آخر في محافظة حلب (شمال).

وأكد المتحدث باسم وزارة الخارجية الفرنسية أن باريس «تتابع، بقلق، التطورات التي حدثت في المخيم».

وأضاف أن وزير الخارجية جان نويل بارو «أعرب عن مخاوف فرنسا»، لنظيره السوري أسعد الشيباني عندما التقاه مؤخراً في ميونيخ.


الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

TT

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

الخنبشي لـ«الشرق الأوسط»: نحذّر من التحريض وحضرموت تتسع للجميع

يؤمن سالم الخنبشي، عضو مجلس القيادة الرئاسي اليمني بمرتبة نائب رئيس، بأن «حضرموت انتصرت لذاتها»، وأن ما جرى فيها خلال ديسمبر (كانون الأول) 2025 ومطلع يناير (كانون الثاني) 2026 مثّل لحظة فاصلة استعاد فيها الحضارم حقهم في حماية هويتهم ومنعوا أي مشروع سياسي يسعى لتذويب «الذات الحضرمية» تحت شعارات الوافدين.

ونصح الخنبشي الحكومة اليمنية الجديدة التي يقودها الدكتور شائع الزنداني بالابتعاد عن الحزبية، ورفع الأداء، ومكافحة الفساد، وذلك خلال حوار مع «الشرق الأوسط بودكاست»، في حلقة سُجلت في الرياض يوم التاسع من فبراير (شباط) 2026، قدّم في ثناياها روايته لما حدث، واضعاً العملية في سياق «استلام المعسكرات» وليس «إشعال حرب»، ووسع النقاش صوب ما يراه أولوية المرحلة: تثبيت الاستقرار، وتحريك التنمية، وفتح الباب أمام استثمارات حضرمية طال انتظار عودتها إلى الداخل.

يحررونا من ذاتنا؟

في توصيفه لنتائج المواجهة، يرفض النائب اختصار الصورة فيمن ربح ومن خسر، ويرى أن الانتصار الحقيقي تحقق حين رفض أبناء حضرموت فكرة أن يأتي أحد ليقول «جئنا لنحرركم»، متسائلاً: «تحررون مِن مَن؟ مِن ذاتنا؟». ويؤكد أن المحافظة بتاريخها الممتد «آلاف السنين» لا يمكن أن تُفرض عليها هوية أخرى، مسجلاً تقديره لمن وقفوا دفاعاً عن هذه الخصوصية، وموجهاً في الوقت نفسه شكراً صريحاً للمملكة العربية السعودية، قيادةً ودوراً، بصفتها - وفق حديثه - كانت لاعباً أساسياً في احتواء أحداث الشهر الماضي.

وعن لحظة تكليفه محافظاً في توقيت بالغ الحساسية، يروي الخنبشي أنه كان مقيماً في حضرموت ولم يغادرها إلا للضرورة، قبل أن يتلقى اتصالاً من الرئيس رشاد العليمي، ومن جهات بينها مسؤولون سعوديون وزملاء في مجلس القيادة، يطلبون منه تحمل مسؤولية المحافظة «لأننا في حاجة إليك». حاول الاعتذار، لكنه قبل المهمة تحت ضغط «الضرورة»، مؤكداً أنه ابن حضرموت وعاش فيها معظم حياته، وأنه قَبِل المنصب وهو يدرك ثقل المرحلة وتعقيداتها.

تزداد الصورة ثقلاً حين ينتقل الخنبشي إلى الحديث عن أدواره المتلاحقة: محافظاً، ثم قائداً لقوات «درع الوطن» في حضرموت، ثم عضواً بمجلس القيادة بمرتبة نائب رئيس. كما يقدّم عملية يناير بوصف تسميتها «معركة استلام المعسكرات» عمداً؛ حتى لا تُفهم بوصفها استهدافاً لمجتمع مدني أو بحثاً عن تصفية حسابات.

يقول الخنبشي إن هاجسه كان تجنيب حضرموت معارك الشوارع، وحماية الأعيان المدنية وتقليل الخسائر البشرية، ووصف العملية بأنها «سريعة وخاطفة» وبعدد محدود من الضحايا.

تأمين المنسحبين... ومخرج سياسي

عند سؤاله إذا كانت العملية العسكرية في حضرموت انتهت بانتقام من الخصوم، يحرص الخنبشي على نفي ذلك، مشيراً إلى أنه جرى تأمين خروج المنسحبين وعدم تعريضهم لأي مضايقات عسكرية أو جماهيرية، ويقول: «وجهنا بعدم التعرض لأي شخص كان في المجلس الانتقالي، سواء كان عسكرياً أو مدنياً»، لكنه يوضح في المقابل أنه اتخذ قرارات بإقالة بعض القيادات الأمنية والعسكرية التي اتهمها بالضلوع في أعمال نهب للأسلحة والذخائر أو أداء سلبي، وأنها ستُحال للمساءلة وفق ما ارتكبته بحق المحافظة.

وبين هذا وذاك، كرر الخنبشي رسالة يريد لها أن تُفهم على نطاق واسع: «حضرموت تتسع للجميع»، داعياً إلى سلوك مدني يبتعد عن التحريض، وحذّر من مسيرات يرى أنها تستهدف السلم الأهلي وتستفز المشهد المحلي.

ودعا الخنبشي إلى انتهاج السلوك المدني من دون التحريض، مستدلاً بتجمعات خرجت مطلع فبراير 2026 في سيئون؛ إذ ألمح إلى أنها لم تكن عفوية، وقال: لدينا ما يثبت أن هؤلاء مدفعون، ونريدهم ألا يضطرونا إلى اتخاذ إجراءات فيها نوع من القوة الجبرية لمن يريد ممارسة هذه الأعمال، فنحن ما زالنا في حال طوارئ، ومن الممكن اتخاذ كل الإجراءات».

وفي سياق المخرج السياسي الأوسع، يتحدث الخنبشي عن تحركات لعقد لقاء حضرمي موسع في السعودية يضم المكونات السياسية والاجتماعية، بمن فيها حضارم من المجلس الانتقالي؛ بهدف إعداد رؤية موحدة باسم حضرموت تُقدم إلى مؤتمر الحوار الجنوبي. ويشير إلى أن لجنة تحضيرية شُكلت في المكلا لصياغة موقف يعكس «كل القوى المجتمعية والسياسية» في المحافظة، مع رغبة موازية في تمثيل صوت المغتربين الحضارم ضمن رؤية واحدة.

الكهرباء والاستثمار

تتربع الكهرباء على ملف الخدمات وفقاً لإجابة المحافظ؛ إذ وضعها على رأس الأولويات، موضحاً أن احتياجات الساحل والوادي تختلف، لكن العنوان واحد: طاقة لا تفي بالطلب، خصوصاً في الصيف، حيث الرطوبة والحرارة في الساحل، والمناخ الصحراوي القاسي في الوادي. ويتحدث عن مشاريع دعم لتوليد 300 ميغاواط للساحل، ومشاريع أخرى للوادي، إلى جانب مقترحات لمحطات تعمل بالغاز، وخيارات للطاقة الشمسية يطرحها القطاع الخاص بقدرات قد تصل إلى 150 ميغاواط. ويرى أن الحل المتوسط لا يغني عن مشروع استراتيجي طويل المدى لمحطة غازية كبيرة قادرة على تغطية حضرموت مستقبلاً.

ومن الطاقة ينتقل إلى الاستثمار بصفته الوجه الآخر للاستقرار. يعدد الخنبشي فرصاً يراها واعدة: السياحة، والعقار، وتصدير الجبس ذي النقاوة العالية، ومعادن محتملة، والفحم الحجري في مناطق محددة، والرمال السوداء والعناصر الثقيلة، والثروة السمكية، مع فكرة الاستزراع السمكي. ويستعيد مشاركته في مؤتمر استثماري حضرمي، داعياً رجال الأعمال إلى أن يوازنوا بين استثماراتهم الخارجية وبين الاستثمار في حضرموت، مع وعد بتقديم تسهيلات وبيئة جاذبة.

وفي الشأن الحكومي، يصف الخنبشي النقاشات التي سبقت تشكيل الحكومة الجديدة بأنها ركزت على محددات الكفاءة والخبرة والتوازن الجغرافي، مع رفض مبدأ المحاصصة. ثم يقدم ثلاث نصائح يضعها في صلب اختبار الحكومة: الابتعاد عن «الأنا» والانجرار الحزبي، مكافحة الفساد المستشري في مفاصل وزارات عدّة، ورفع مستوى تحصيل الموارد وتوريدها إلى البنك المركزي، خصوصاً في الوزارات الإيرادية. ويتوقف عند فكرة تنظيم العلاقة المالية بين المركز والمحافظات وفق قانون السلطة المحلية، معتبراً أن تطبيقه بصرامة يخفف كثيراً من الإشكالات المزمنة.

ويستدعي الخنبشي تجربة حضرموت مع الموارد النفطية قبل تعطل تصدير النفط، مشيراً إلى أن المحافظة كانت تحصل على 20 في المائة من قيمة النفط المصدّر، وتستخدمه في مشاريع تنموية كالكهرباء والطرق والصحة والتعليم، قبل أن يتوقف هذا المورد بعد استهداف الحوثيين لمنشآت التصدير.

«لا حواجز مع السعودية»

في تقييمه للدعم التنموي السعودي، يربط الخنبشي بين الإغاثة والإعمار بوصفهما نافذة واحدة لتمكين اليمن من تجاوز أزمته، مشيراً إلى حزم مشاريع في الكهرباء والطرق والخدمات الصحية وغيرها داخل حضرموت.

يضع النائب ذلك في سياق علاقة يصفها بأنها متداخلة يصعب الفصل فيها بين الاجتماعي والاقتصادي والسياسي، مستحضراً الحدود الممتدة والقبائل المشتركة والامتدادات الثقافية، ليخلص إلى أنه لا يمكن إقامة «حاجز» بين حضرموت والمملكة.

وعن أكثر موقف علق في ذاكرته خلال 48 ساعة من العملية، يعترف الخنبشي بأنه كان يخشى عدم خروج القوات بسهولة وما قد يترتب على ذلك من دمار وضحايا، قبل أن تنتهي العملية في وقت قياسي وبخسائر محدودة. ويقول إن هذا هو ما سيظل يعتز به: أن حضرموت نجحت في تفادي الاقتتال الداخلي. وفي رسالته إلى الحضارم، يدعو إلى التكاتف وترك أسباب الشقاق وتغليب الأمن والتنمية، مع وعد بأن اتساع دائرة الاستقرار سيقود إلى «عهد تنموي زاهر» ينعكس على حياة الناس في المحافظة.